تبلیغات
پیام هادی
 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-06:22 ب.ظ

[ 169 ] و من خطبة له ع عند مسیر أصحاب الجمل إلى البصرة الأمور الجامعة للمسلمین

إِنَّ اَللَّهَ بَعَثَ رَسُولاً هَادِیاً بِكِتَابٍ نَاطِقٍ وَ أَمْرٍ قَائِمٍ لاَ یَهْلِكُ عَنْهُ إِلاَّ هَالِكٌ وَ إِنَّ اَلْمُبْتَدَعَاتِ اَلْمُشَبَّهَاتِ هُنَّ اَلْمُهْلِكَاتُ إِلاَّ مَا حَفِظَ اَللَّهُ مِنْهَا وَ إِنَّ فِی سُلْطَانِ اَللَّهِ عِصْمَةً لِأَمْرِكُمْ فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَیْرَ مُلَوَّمَةٍ وَ لاَ مُسْتَكْرَهٍ بِهَا وَ اَللَّهِ لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَیَنْقُلَنَّ اَللَّهُ عَنْكُمْ سُلْطَانَ اَلْإِسْلاَمِ ثُمَّ لاَ یَنْقُلُهُ إِلَیْكُمْ أَبَداً حَتَّى یَأْرِزَ اَلْأَمْرُ إِلَى غَیْرِكُمْ التنفیر من خصومه إِنَّ هَؤُلاَءِ قَدْ تَمَالَئُوا عَلَى سَخْطَةِ إِمَارَتِی وَ سَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِكُمْ فَإِنَّهُمْ إِنْ تَمَّمُوا عَلَى فَیَالَةِ هَذَا اَلرَّأْیِ اِنْقَطَعَ نِظَامُ اَلْمُسْلِمِینَ وَ إِنَّمَا طَلَبُوا هَذِهِ اَلدُّنْیَا حَسَداً لِمَنْ أَفَاءَهَا اَللَّهُ عَلَیْهِ فَأَرَادُوا رَدَّ اَلْأُمُورِ عَلَى أَدْبَارِهَا وَ لَكُمْ عَلَیْنَا اَلْعَمَلُ بِكِتَابِ اَللَّهِ تَعَالَى وَ سِیرَةِ رَسُولِ اَللَّهِ ص وَ اَلْقِیَامُ بِحَقِّهِ وَ اَلنَّعْشُ لِسُنَّتِهِ

و من خطبة له علیه السّلام

و هى المأة و الثامنة و الستون من المختار فی باب الخطب عند مسیر أصحاب الجمل إلى البصرة :

إنّ اللّه بعث رسولا هادیا بكتاب ناطق و أمر قائم ، لا یهلك عنه إلاّ هالك و إنّ المبتدعات المشبّهات هنّ المهلكات إلاّ ما حفظ اللّه منها و إنّ فی سلطان اللّه عصمة لأمركم فأعطوه طاعتكم غیر ملومة ، و لا مستكره بها و اللّه لتفعلنّ أو لینقلنّ اللّه عنكم سلطان الإسلام ثمّ لا ینقله إلیكم أبدا حتّى یأرز الأمر إلى غیركم إنّ هؤلاء قد تمالؤا على سخطة إمارتی و سأصبر ما لم أخف على جماعتكم فإنّهم إن تمّموا على فیالة هذا الرّأی انقطع نظام المسلمین و إنّما طلبوا هذه الدّنیا حسدا

[ 107 ]

لمن أفائها اللّه علیه فأرادوا ردّ الامور على أدبارها و لكم علینا العمل بكتاب اللّه و سنّة رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و القیام بحقّه و النّعش لسنّته .

اللغة

( المشبّهات ) فی بعض النسخ بصیغة المفعول و فی بعضها بصیغة الفاعل و فی بعضها ( المشتبهات ) بدلها یقال شبّهت الشی‏ء بالشی‏ء أى جعلته شبیها به فهو مشبّه بالفتح و شبّهته علیه تشبیها مثل لبّسته تلبیسا وزنا و معنى فأنا مشبّه بالكسر و اشتبهت الامور و تشابهت التبست فلم تتمیّز و لم تظهر قال سبحانه : إنّ البقر تشابه علینا و قال : و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبّه لهم .

و ( غیر ملومة ) فی بعض النسخ بالتخفیف من لام یلوم و فی بعضها بالتّضعیف للمبالغة ، و فی بعضها ( ملویّة ) بدلها أى غیر معوّجة من لوّیت العود إذا عطفته و ( أرز ) یأرز من باب ضرب انقبض و اجتمع و أرزت الحیّة أی لاذت بجحرها و رجعت إلیه قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إنّ الاسلام لیأرز إلى المدینة كما یأرز الحیّة على جحرها و ( و تمالؤا ) على الأمر تعاونوا .

و قال ابن السكیت اجتمعوا و ( فال ) رأیه یفیل فیلولة و فیلة أخطأ و ضعف كتفیّل و رجل فیل الرّأى بالكسر و الفتح ككیس و فاله وفاء له و فاءل من غیر اضافة ضعیفة جمعه أفیال و فی روایة بدل فیالة ( فیولة ) .

الاعراب

الباء فی قوله بكتاب للمصاحبة كما فی دخلت علیه بثیاب السفر ، و غیر ملومة بالنصب حال من الطاعة و السین فی قوله و سأصبر لیست لتخلیص المضارع للاستقبال كما هو غالب موارد استعمالها و انما هی لتأكید وقوع الصبر كما نبّه به الزّمخشری حیث قال انها إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه أفادت أنه واقع لا محالة .

[ 108 ]

و قال فی تفسیر قوله : « فسیكفیكهم اللّه » معنى السین أنّ ذلك كاین لا محالة و إن تأخر إلى حین ، و فی تفسیر « اُولئك سیرحمهم اللّه » السین مفیدة وجود الرحمة لا محالة و هی تؤكّد الوعد كما تؤكّد الوعید إذا قلت سأنتقم منك ، و حسدا منصوب على المفعول لأجله .

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة حسبما ذكره الرضیّ خطبها عند مسیر أصحاب الجمل إلى البصرة و الغرض منها التنبیه على ضلال الناكثین و الكشف عن فساد نیّتهم و سوء عقیدتهم و أنّ مقصودهم فی الخروج و البغی علیه علیه السّلام هو الدّنیا لا الدّین و صدّرها بامور نفعها عامّ تذكیرا للمخاطبین و انقاذا لهم من الضّلالة و ایقاظا من رقدة الجهالة .

فقال علیه السّلام : ( إنّ اللّه بعث رسولا هادیا ) إلى شرایع الدّین و معالم الشرع المبین ( بكتاب ناطق ) بالحقّ لهج بالصّدق ( و أمر قائم ) مستقیم لیس بذی عوج أو باق حكمه بین الأمّة مستمرّا إلى یوم القیامة ( لا یهلك ) معرضا ( عنه إلاّ هالك ) أى من بلغ الغایة فی الهلاك فالتنكیر لقصد النوع كما فی قوله تعالى : « إن نظنّ إلاّ ظنّاً » .

قال العلاّمة التفتازانی أى ظنّا حقیرا ضعیفا اذ الظنّ ممّا یقبل الشدّة و الضّعف فالمفعول المطلق هنا للنوعیة لا للتأكید و بهذا الاعتبار صحّ وقوعه بعد الاستثناء مفرّغا مع امتناع ما ضربته إلاّ ضربا على أن یكون المصدر للتأكید لأنّ مصدر ضربته لا یحتمل غیر الضرب و المستثنى منه یجب أن یكون متعدّدا یحتمل المستثنى و غیره ( و إنّ المبتدعات المشبّهات ) أى البدعات المحدثات فی الاسلام بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم المشبّهات بالسّنن و لیس منها و الملبّسات الأمر على الناس أو الملتبسات علیهم على اختلاف روایات المتن حسبما تقدّم ( هنّ المهلكات ) فی الآخرة لخروجها عن الكتاب و السنّة و قوله : ( إلاّ ما حفظ اللّه منها ) استثناء من بعض متعلّقات المهلكات أى إنّها مهلكة فی جمیع الأحوال إلاّ حال حفظ اللّه منها بالعصمة عن ارتكابها أو انّ ما بمعنى من أى مهلكة لكلّ أحد إلاّ من حفظه اللّه سبحانه

[ 109 ]

ثمّ قال : ( و إنّ فی سلطان اللّه ) أى سلطان دین اللّه و هو سلطان الاسلام الذی سیصرّح به أو أراد به السلطنة الالهیّة الّتی قوامها به لكونه خلیفة اللّه فی عباده و بلاده و ولیّ أمره فی أرضه فالاضافة من باب التشریف و الاعتزاز ( عصمة لأمركم ) و حفظا له عن التزلزل و الاختلال ( فأعطوه طاعتكم غیر ملومة ) صاحبها ( و لا مستكره بها ) أی أطیعوه طوعا و بالاخلاص عن صمیم القلب لا كرها و جبرا ینسب صاحبها الى الرّیآء و النفاق فیستحقّ اللؤم و الملام ( و اللّه لتفعلنّ ) و لتطیعنّ ( أو لینقلنّ اللّه عنكم سلطان الاسلام ) أى الخلافة ( ثمّ لا ینقله إلیكم أبدا حتّى یأرز الأمر ) أى ینقبض و یرجع ( إلى غیركم ) .

فان قیل كیف قال علیه السّلام لا ینقله إلیكم أبدا و قد عاد إلیهم بالدّولة العبّاسیة قلنا قد أجیب عنه بوجوه :

أولها ، ما قاله الشّارح المعتزلی و هو أنّ الشرط لم یقع و هو عدم الطاعة ،

فانّ أكثرهم أطاعوه غیر ملومة و لا مستكره بها و اذا لم یتحقّق الشرط لم یتحقّق المشروط .

الثانى انه خاطب به الشیعة الطالبیّة فقال إن لم تعطونی الطاعة المحضة نقل الخلافة عن هذا البیت حتّى یأرز و ینضمّ إلى بیت آخر و هكذا وقع فانها انضمّت إلى بیت آخر من بنی هاشم .

الثالث أنه أراد بقوله أبدا المبالغة كما تقول : احبس هذا الغریم أبدا و المراد بالقوم الّذین یأرز إلیهم بنو امیّة كأنّه قال إن لم تفعلوا نقل اللّه الخلافة عنكم حتّى یجعلها فی قوم آخرین و هم أعدائكم من أهل الشّام و بنی امیّة و لا یعیدها إلیكم إلى مدّة طویلة و هكذا وقع .

الرابع انه قید بالغایة فقال لا یصیر الیهم حتّى یصیر فی قوم آخرین و ظاهر أنّه كذلك بانتقاله إلى بنی امیّة .

و الخامس أنّ القوم الّذین خاطبهم من أصحابه بهذا الخطاب لم ترجع الدّولة الیهم أبدا فانّ اولئك بعد انقضاء دولة بنی امیّة لم یبق منهم ثمّ لم یرجع

[ 110 ]

إلى أحد من أولادهم أصلا .

أقول و أحسنها الوجه الثالث و الرّابع و أحسنهما ثانیهما كما هو غیر خفیّ على النّاقد الزكیّ .

ثمّ نبه على ضلال طلحة و الزّبیر و عائشة و إیّاهم أراد بقوله ( إنّ هؤلاء القوم قد تمالؤا ) أى تعاونوا و تساعدوا و اجتمعوا ( على سخطة إمارتی ) و كراهیّتها سخیمة و مقتا ( و سأصبر ) على بغیهم و خروجهم ( ما لم أخف على ) حوزة ( جماعتكم ) و على انفصام حبل الاسلام ( فانهم إن تمّموا ) ما أرادوه و بلّغوه أجله مستقرّین ( على فیالة هذا الرّأى ) یعنی أنهم إن أتمّوا ما تصدّوه فی مسیرهم و مخالفتهم و بقوا على هذا الرّأى الضعیف ( انقطع نظام المسلمین ) و انفصم حبل الدّین ،

و تضعضع سوارى المتقین .

ثمّ بیّن علّة سخطهم لامارته بقوله ( و إنما طلبوا هذه الدّنیا ) یعنی أنّ علة تمالؤهم علیّ لیست ما أظهروه من الطلب بدم عثمان و إنما هی تنافسهم فی الدّنیا و طلبهم لها ( حسدا لمن أفائها اللّه علیه ) و ردّها إلیه .

قال الشارح المعتزلی بعد تفسیر الفی‏ء بمعنى الرجوع و هذا الكلام لا یشعر بأنه علیه السّلام كان یقتصد أنّ الأمر له و أنه غلب علیه ثمّ رجع إلیه و لكنه محمول على أنه من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بمنزلة الجزء من الكلّ و أنهما من جوهر واحد فلما كان الوالی قدیما هو و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ثمّ تخلل بین ولایتهما و لا یات غریبة سمّى ولایته فیئا و رجوعا لأنها رجعت الى الدّوحة الهاشمیّة انتهى .

و أنت خبیر بأنّ كلامه علیه السّلام صریح فی ما ذكره الشارح أوّلا و انكار الشارح للإشعار عجیب و الحمل الذی تمحّله غریب ، و كم له علیه السّلام فی هذا الكتاب من كلام صریح فی اغتصاب الخلافة ، و انتهاب الوراثة ، و كفى بذلك شهیدا الخطبة الثالثة ، و الكلام السادس ، و الخطبة السادسة و العشرین ، فضلا عن غیرها .

بل قد ادّعى الشارح نفسه فی شرح الخطبة المأة و الاحدى و السبعین تواتر الأخبار الواردة عنه علیه السّلام فی هذا المعنى و هو كذلك و سنحكى كلامه إذا بلغ الشرح

[ 111 ]

محلّه و ما أدرى ماذا أعدّه الشّارح للجواب یوم الحساب ، مع علمه بالأخبار المتواترة فی هذا الباب ، لو لم یكن ما یمحّله من التكلّفات و التأویلات ، تقیّة من ذوى الأذناب ، و اللّه عالم بالسرائر خبیر بالضمائر هذا .

و قوله ( فأرادوا ردّ الامور على أدبارها ) أى أرادوا انتزاع أمر الخلافة منه علیه السّلام بعد إقباله إلیه كما انتزعت أوّلا أسوة بما وقع من قبل ثمّ أخبر بما لهم علیه إن قاموا بوظایف الطاعة فقال ( و لكم علینا العمل بكتاب اللّه تعالى و سیرة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و القیام بحقه ) أى بحق الرّسول صلّى اللّه علیه و آله الواجب علینا القیام به ( و النعش لسنّته ) أى الرفع لشریعته و الاعلاء لكلمته صلواة اللّه و سلامه علیه و آله .

الترجمة

از جمله خطب فصیحه آن ولیّ مؤمنین و وصیّ خاتم النبیّین است نزد رفتن أصحاب جمل بسوى بصره میفرماید :

بدرستیكه خداى تعالى مبعوث فرمود پیغمبر را كه هدایت كننده بود بطریق نجاة با كتابی كه ناطق بود بحقّ ، و با شریعتى كه باقی بود تا قیامت ، هلاك نمى‏شود از آن مگر كسیكه بالغ شود بمنتهاى هلاكت ، آگاه باشید و بدرستى كه بدعتهائى كه تشبیه شده‏اند بسنت آنهایند هلاك كنندها مگر آنچه كه خدا حفظ فرماید از آن .

و بدرستیكه حجت خدا نگه داشتن است مر كار شما را ، پس ببخشید بأو اطاعت خودتان را در حالتی كه ملامت كرده نشده است و بكراهت داشته نشده بآن و بخدا سوگند البته باید اطاعت آن را نمائید و الاّ هر آینه محققا نقل میكند خدایتعالى از شما سلطنت اسلام را ، پس از آن نقل نمیكند آن را بسوى شما هرگز تا اینكه پناه ببرد آن أمر خلافت بسوى غیر شما .

[ 112 ]

و بدرستیكه این قوم جمل اجتماع كرده‏اند و معین همدیگر شده‏اند بر غضب و بغض إمارت و خلافت من ، و البته صبر مى‏كنم بر این حركت ایشان مادامیكه نترسم بر جماعت شما پس بدرستى كه ایشان اگر بأنجام برسانند مقصود خودشان را بالاى آن رأى ضعیف كه دارند ، بریده شود نظام مسلمانان و غیر از این نیست كه ایشان طلب كرده‏اند این دنیا را از روى حسد بردن بر كسى كه برگردانده حق تعالى آنرا بأو ، پس اراده كردند باز گردانیدن كارها را بر پشتهاى آن ، و مر شما راست بر ذمه ما عمل نمودن بكتاب إلهی و طریقه حضرت رسالت پناهى و قائم شدن بحقّ آن بزرگوار ، و بلند كردن سنّت آن برگزیده پروردگار .


ادامه مطلب


نظرات() 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-06:21 ب.ظ

[ 171 ] و من كلام له ع لما عزم على لقاء القوم بصفین الدعاء

اَللَّهُمَّ رَبَّ اَلسَّقْفِ اَلْمَرْفُوعِ وَ اَلْجَوِّ اَلْمَكْفُوفِ اَلَّذِی جَعَلْتَهُ مَغِیضاً لِلَّیْلِ وَ اَلنَّهَارِ وَ مَجْرًى لِلشَّمْسِ وَ اَلْقَمَرِ وَ مُخْتَلَفاً لِلنُّجُومِ اَلسَّیَّارَةِ وَ جَعَلْتَ سُكَّانَهُ سِبْطاً مِنْ مَلاَئِكَتِكَ لاَ یَسْأَمُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ وَ رَبَّ هَذِهِ اَلْأَرْضِ اَلَّتِی جَعَلْتَهَا قَرَاراً لِلْأَنَامِ وَ مَدْرَجاً لِلْهَوَامِّ وَ اَلْأَنْعَامِ وَ مَا لاَ یُحْصَى مِمَّا یُرَى وَ مَا لاَ یُرَى وَ رَبَّ اَلْجِبَالِ اَلرَّوَاسِی اَلَّتِی جَعَلْتَهَا لِلْأَرْضِ أَوْتَاداً وَ لِلْخَلْقِ اِعْتِمَاداً إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا فَجَنِّبْنَا اَلْبَغْیَ وَ سَدِّدْنَا لِلْحَقِّ وَ إِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَیْنَا فَارْزُقْنَا اَلشَّهَادَةَ وَ اِعْصِمْنَا مِنَ اَلْفِتْنَةِ الدعوة للقتال أَیْنَ اَلْمَانِعُ لِلذِّمَارِ وَ اَلْغَائِرُ عِنْدَ نُزُولِ اَلْحَقَائِقِ مِنْ أَهْلِ اَلْحِفَاظِ اَلْعَارُ وَرَاءَكُمْ وَ اَلْجَنَّةُ أَمَامَكُمْ

و من خطبة له علیه السّلام

و هى المأة و السبعون من المختار فى باب الخطب و ذلك فی الیوم الرّابع من الوقعة سابع شهر صفر من سنة سبع و ثلاثین على ما یأتی فی روایة نصر بن مزاحم و رویته عنه باختلاف تطلع علیه .

أللّهمّ ربّ السّقف المرفوع ، و الجوّ المكفوف ، الّذی جعلته مغیضا للّیل و النّهار ، و مجرى للشّمس و القمر ، و مختلفا للنّجوم السّیّارة ،

و جعلت سكانه سبطا من ملائكتك لا یسأمون من عبادتك .

و ربّ هذه الأرض الّتی جعلته قرارا للأنام ، و مدرجا للهوامّ و

[ 120 ]

الأنعام ، و ما لا یحصى ممّا یرى و ما لا یرى .

و ربّ الجبال الرّواسی الّتی جعلتها للأرض أوتادا ، و للخلق اعتمادا إن أظهرتنا على عدوّنا فجنّبنا عن البغی و سدّدنا للحقّ ، و إن أظهرتهم علینا فارزقنا الشّهادة ، و اعصمنا من الفتنة .

أین المانع للذّمار ، و الغائر عند نزول الحقائق من أهل الحفاظ ألعار ( النّار خ ل ) وراءكم و الجنّة أمامكم .

اللغة

( غاض ) الماء یغیض غیضا و مغاضا قلّ و نقص قال سبحانه و غیض المآء و قال و ما تغیض الأَرحام أى ما تنقص من تسعة أشهر و الغیضة الأجمة و مجتمع الشجر و ( الذّمار ) ما یلزمك حفظه من الأهل و المال و الولد و ( غار ) على امرأته و هی علیه تغار غیرة و غیرا و غارا و غیارا فهو غائر و غیران و هی غیرى .

الاعراب

جملة لا یسأمون فی محلّ النّصب صفة لقوله سبطا أو حال لأنّه نكرة غیر محضة ، فیجوز فی الجملة التالیة لها الوجهان كما صرّح به علماء الأدبیّة و لو وقعت بعد النكرة المحضة فوصف فقطّ و بعد المعرفة المحضة فحال لا غیر .

المعنى

اعلم أنّ اللاّزم على العبد أن یكون توجّهه فی جمیع حالاته من الشدّة و الرّخاء ، و السرّاء ، و الضرّاء ، و الضیق و السعة ، إلى معبوده لا سیّما حالة البؤس

[ 121 ]

و الشدّة لأنّ دفع الضّرر الموجود و المتوقّع واجب عقلا و نقلا مع القدرة ، و الدّعاء محصّل لذلك و هو مقدور فیجب المصیر إلیه .

أمّا مقدوریّته فلا غبار علیه ، و أمّا أنه محصّل لذلك فلما دلّت علیه الأدلّة النقلیّة من الكتاب و السنّة من أنّه یدفع به البلاء الحاصل ، و یكشف به السوء النازل .

قال سبحانه : و ادعوه خوفاً و طمعاً و قال : أمّن یجیب المضطرّ إذا دعاه و یكشف السوء .

و قال الكاظم علیه السّلام علیكم بالدّعاء فانّ الدعاء و الطّلب إلى اللّه یردّ البلاء و قد قدّر و قضى فلم یبق إلاّ إمضاؤه فاذا دعى اللّه و سئل صرفه صرفه .

و روى زرارة عن أبی جعفر علیه السّلام قال : ألا أدلّكم على شی‏ء لم یستثن فیه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قلت : بلى ، قال : الدّعاء یردّ القضاء و قد ابرم إبراما و ضمّ أصابعه .

و عن سیّد العابدین علیه السّلام إنّ الدّعاء و البلاء لیتواقفان إلى یوم القیامة إنّ الدّعاء لیردّ البلاء و قد ابرم إبراما .

و عنه علیه السّلام الدّعاء یدفع البلاء النازل ، و ما لم ینزل .

و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ألا أدلّكم على سلاح ینجیكم من أعدائكم و یدرّ أرزاقكم ؟ قالوا بلى یا رسول اللّه ، قال : تدعون ربّكم باللّیل و النهار و قال : سلاح المؤمن الدّعاء .

و قال أمیر المؤمنین علیه السّلام الدّعاء ترس المؤمن ، و متى تكثر قرع الباب یفتح لك .

و قال الصّادق علیه السّلام الدّعاء أنفذ من السنان الحدید .

هذا كلّه مضافا إلى ما تقدّمت فی شرح الكلام السّادس و الأربعین من الأدلّة الواردة فی الحثّ و الترغیب علیه .

إذا عرفت ذلك فأقول : لما كان مقام الحرب و الجدال ، و لقاء الشجعان و الأبطال أحقّ المواقع الّتی یتوسل فیها إلى اللّه بالتخلّص إلیه ، و التوجّه له ، و كان الدّعاء

[ 122 ]

إلیه بمقتضى الأدلّة السّابقة أفضل ما یتوقّى به من الدّواهی و المكاره ، و ترس من الأعداء و جنّة لا شی‏ء أوقى منه ، و أنفذ علیهم من السّنان الحدید ، و أشدّ تأثیرا من الضرب بالمشرفیّ و المهنّد و الطعن بالخطى و القنى المسدّد لا جرم توجّه أمیر المؤمنین علیه السّلام إلیه سبحانه بالدّعاء لما عزم لقاء القوم بصفّین 1 فقال :

( أللّهمّ ربّ السقف المرفوع ) أى السّماء الّتی رفعها بغیر عمد ترونها ،

و إطلاق السقف علیها إمّا حقیقة أو من باب الاستعارة تشبیها لها بسقف البیت فی الارتفاع و الاحاطة ( و الجوّ المكفوف ) أى الفضاء الذی كفّها بقدرته و جعله محلاّ لسماواته و أرضه .

قال الشّارح البحرانی بعد تفسیر السقف المرفوع بالسّماء و كذلك الجوّ المكفوف قال الشارح المعتزلی الجوّ المكفوف السّماء أیضا كفّه أى جمعه و ضمّ بعضه إلى بعض ، و یمرّ فی كلامه علیه السّلام نحو هذا و أنّ السّماء هواء جامد أو ماء جامد انتهى .

و فیه نظر لما قد دلّت علیه الفصل الثامن من الخطبة الاولى صریحا أنّ الجوّ غیر السّماء و أنّه محلّ لها حیث قال علیه السّلام هناك :

ثمّ أنشأ سبحانه فتق الأجواء و شقّ الأرجاء و سكائك الهواء إلى أن قال : فرفعه فی هواء منفتق ، و جوّ منفهق فسوّى منه سبع سماوات . فانظر ماذا ترى ، هذا .

مضافا إلى أنّ كون الجوّ بمعنى السماء لم یذكره أحد من اللّغویّین و غیرهم فیما رأیتهم بل هم بین مفسّر له بالهواء و بین مفسّر بالفضاء و بعضهم بما بین السّماء و الأرض اللّهمّ إلاّ أن یوجّه ما ذكره الشارحان بأنّه ارید منه فی خصوص هذا المقام السّمآء مجازا بعلاقة الحال و المحل أو المجاورة بقرینة قوله ( الذی جعلته

-----------
( 1 ) فی الكافى عن علىّ بن ابراهیم عن أبیه عن النوفلى عن السكونى عن أبی عبد اللّه ( ع ) قال قال أمیر المؤمنین ( ع ) اغتنموا الدعاء عند أربع : عند قراءة القرآن ، و عند الاذان ، و عند نزول الغیث ، و عند التقاء الصفّین للشهادة ( منه ) .

[ 123 ]

مغیضا للّیل و النهار ) مع المعطوفات علیه التالیة له فانّ هذه كلّها من أوصاف السّماء فلا بدّ من ارتكاب المجاز حتّى یصحّ الوصف بها إذ على إرادة الحقیقة امتنع جعلها صفاتا له و احتمال كونها صفاتا للسقف المرفوع مدفوع باستلزامه الفصل بین التابع و المتبوع بالأجنبیّ و هو خلاف القواعد الأدبیّة فافهم .

و كیف كان فمعنى كونه مغیضا للّیل و النهار أنّه محلّ لنقصان كلّ منهما مع زیادة الآخر و ذلك لأنّ حصول اللّیل إنّما هو بحركة الشّمس عن فوق الأرض إلى ما تحتها ، و حصول النّهار بحركتها عن تحتها إلى ما فوقها ، و بكیفیّة حركتها فی الفلك یختلفان زیادة و نقصانا .

فكلّما قرب الشمس إلى المعدّل یطول النهار و یقصر اللّیل و كلّما بعدت یكون بالعكس قال سبحانه فی سورة لقمان : ألم تر أنّ اللَّه یولج اللّیل فی النهار و یولج النهار فی اللّیل و فی الزّمر یكوّر اللّیل على النّهار و یكوّر النّهار على اللّیل و لذلك ترى كلّ بلد یكون عرضه الشمالی أكثر یكون أیّامه الصّیفیّة أطول و لیالیه الصّیفیة أقصر و أیّامه و لیالیه الشتویة بالضدّ من ذلك .

فلما كان ظلام اللّیل و ضوء النّهار و اختلافهما فی الطول و القصر و الزیادة و النقصان باختلاف حركة الشّمس ، و كان محلّ الحركة هو السّماء صحّ بذلك الاعتبار جعله مغیضا لهما . و یقرب ممّا ذكرته ما قاله الشارح البحرانی فانّه بعد تفسیره المغیض بالمغیب قال : لأنّ الفلك بحركته المستلزمة لحركة الشمس إلى وجه الأرض یكون سببا لغیبوبة اللیل و استلزام حركته لحركتها عن وجه الأرض یكون سببا لغیبوبة النهار فكان كالمغیض لهما فاستعار له لفظ المغیض .

و أمّا ما قاله الشارح المعتزلی من أنّ معناه أنّه جعله غیضة لهما و هی فی الأصل الأجمة یجتمع إلیها الماء و ینبت فیها الشجر كأنّه جعل الفلك كالغیضة و اللّیل و النّهار كالشجر النابت فیها ، و وجه المشاركة تولّد الشجر من الغیضة و تولّد اللّیل و النهار من جریان الفلك فلیس بشی‏ء كما لا یخفى هذا .

و قوله : ( و مجرى للشمس و القمر ) أى محلاّ لجریانهما قد ظهر تفصیل الكلام

[ 124 ]

فیه فی شرح الفصل الثامن من الخطبة الاولى كما تقدّم تفصیلا و الكلام فی قوله ( و مختلفا للنجوم السیّارة ) أى محلاّ لاختلافها فی السّیر بالسرعة و البطؤ و الحركة المخصوصة لكلّ منها فی شرح الفصل المذكور أیضا و كذا فی شرح الفصل الرابع من الخطبة التسعین فلیراجع المقامین ( و جعلت سكّانه سبطا ) أى قبیلا ( من ملائكتك لا یسأمون من « عن خ » عبادتك ) و قد عرفت أیضا شرح حال الملائكة و اختلاف فرقها و عدم ملالهم من عبادة الربّ سبحانه فی شرح الفصل التاسع من الخطبة الأولى و الفصل الخامس من الخطبة التسعین .

( و ربّ هذه الأرض الّتی جعلتها قرارا للأنام و مدرجا للهوامّ ) و الحشرات ( و الأنعام ) و البهایم ( و ما لا یحصى ) من المصنوعات العجیبة و المخلوقات الغریبة ( ممّا یرى و ممّا لا یرى ) و تقدّم الكلام فی عجائب خلقة الأرض و دحوها على الماء و المنافع التی للنّاس فیها فی شرح الفصل السادس من الخطبة التسعین .

قال الشّارح البحرانی قال بعض العلماء من أراد أن یعرف حقیقة قوله ما یرى و ما لا یرى فلیوقد نارا صغیرة فی فلاة فی لیلة صیفیّة و ینظر ما یجتمع علیها من غرائب أنواع الحیوان العجیبة الخلق لم یشاهدها هو و لا غیره قال الشارح و أقول :

و یحتمل أن یرید بقوله و ما لا یرى ما لیس من شأنه أن یرى إمّا لصغره أو لشفّافیّته ( و ربّ الجبال الرّواسی ) أى الثابتات ( الّتی جعلتها للأرض أوتادا ) كما عرفت فی شرح الفصل الثّالث من الخطبة الاولى ( و للخلق اعتمادا ) لأنّ فیها ینابیع المعادن و معادن الینابیع و فیها المرابض و المراتع ، یرعون فیها الأنعام و یسرحون فیها الأغنام ، و قد جعل فیها أكنانا و كهوفا و غیرانا یأوون فیها فی الصّیف و الشتاء و یتوقّون بها فی شدّة الحرّ و صبارة القرّ .

و یزرعون فیها الزراعات الدّیمیّة ، و ینالون منها بركات كثیرة فصحّ بذلك كونها اعتمادا للخلایق و كون اتّكالهم علیها بما لهم فیها من المعایش و المرافق هذا و لما نادى الربّ المتعال بما تدلّ على اتّصافه بالقدرة و العظمة و الجلال

[ 125 ]

تخلّص الى ما دعاه لأجله 1 فقال : ( إن أظهرتنا ) و نصرتنا ( على عدوّنا فجنّبنا عن ) الظلم و ( البغى و سدّدنا ل ) لصواب و ا ( لحقّ ) و لا تجعلنا كسایر المحاربین من الملوك و السلاطین یحاربون الأعداء للدّنیا لا للدّین فاذا غلبوا أعداءهم یظلمون و عن البغی و الطغیان لا یمسكون ( و إن أظهرتهم ) و جعلتهم غالبین ( علینا فارزقنا ) عظیم الزلفى و ( الشهادة و اعصمنا من ) الضلال و ( الفتنة ) .

ثمّ أخذ فی تحریض أصحابه على القتال بلفظ مهیج لهم على ایقاد نار الحرب و إضرامها فقال : ( أین المانع للذّمار ) اللاّم للجنس و الاستفهام للالهاب ( و الغائر عند نزول الحقایق من أهل الحفاظ ) أی صاحب الغیرة و الحمیّة من أهل المحافظة عند نزول الشدائد و النوازل الثابتة ( العار وراءكم ) و فی بعض النسخ النار بدل العار ( و الجنّة أمامكم ) یعنى فی الهرب و الادبار من الحرب عار فی الأعقاب و نار یوم الحساب و فی الاقبال و التقدم علیه الجنّة و حسن المآب ، فمن تولّى عنه خسر و خاب و من سعى إلیه نال عظیم الثواب .

تذییل

روى العلاّمة المجلسیّ ( ره ) فی البحار هذا الكلام له علیه السّلام من كتاب صفّین لنصر بن مزاحم قال : قال نصر حدّثنا عمر بن سعد عن عبد الرّحمان بن جندب عن أبیه قال : لما كان غداة الخمیس لسبع خلون من صفر سنة سبع و ثلاثین و صلّى علىّ علیه السّلام الغداة فغلّس ما رأیت علیّا علیه السّلام غلّس بالغداة أشدّ من تغلیسه یومئذ و خرج بالناس إلى أهل الشّام فزحف نحوهم و كان هو یبدئهم و یسیر إلیهم فاذا رأوه قد زحف استقبلوه بزحوفهم .

و عن عمر بن سعد عن مالك بن أعین عن زید بن وهب قال لمّا خرج علیّ علیه السّلام

-----------
( 1 ) و ذلك لأنّ من آداب الدعاء و شرایط الاستجابة التمجید و الثناء قبله كما قال أبو عبد اللّه علیه السّلام فی روایة الكافی اذا طلب أحدكم الحاجة فلیثن على ربه و لیمدحه فانّ الرجل اذا طلب الحاجة من السلطان هیأ له من الكلام أحسن ما یقدر علیه فاذا طلبتم الحاجة فمجّدوا اللّه العزیز الجبار و امدحوه و أثنوا علیه . الحدیث ( منه ره ) .

[ 126 ]

إلیهم غداة ذلك الیوم فاستقبلوه رفع یدیه إلى السماء فقال :

اللّهمّ ربّ هذا السقف المحفوظ المكفوف ، الذی جعلته مغیضا للّیل و النّهار و جعلت فیه مجرى الشمس و القمر ، و منازل الكواكب و النجوم ، و جعلت سكّانه من الملائكة لا یسأمون العبادة .

و ربّ هذه الأرض التی جعلتها قرارا للأنام و الهوامّ و الأنعام ، و ما لا یحصى ممّا یرى و ممّا لا یرى من خلقك العظیم .

و ربّ الفلك الّتی تجرى فی البحر بما ینفع النّاس ، و ربّ السّحاب المسخّر بین السّماء و الأرض و ربّ البحر المسجور المحیط بالعالمین و ربّ الجبال الرّواسى الّتی جعلها للأرض أوتادا و للخلق متاعا إن أظهرتنا على عدوّنا فجنّبنا البغی و سدّدنا للحقّ و إن أظهرتهم علینا فارزقنا الشّهادة و اعصم بقیّة أصحابی من الفتنة .

قال : فلمّا رأوه قد أقبل تقدّموا إلیه بزحوفهم و كان على میمنته یومئذ عبد اللّه بن بدیل و النّاس على رایاتهم و مراكزهم و علیّ علیه السّلام فی القلب فی أهل المدینة جمهورهم الأنصار و معه من خزاعة و كنانة عدد حسن .

قال نصر : و رفع معاویة قبّة عظیمة و ألقى علیه الكرابیس و جلس تحتها و كان لهم قبل هذا الیوم ثلاثة أیّام و هو الیوم الرّابع من صفر ، فخرج فی هذا الیوم محمّد ابن الحنفیّة فی جمع من أهل العراق فأخرج إلیه معاویة عبید اللّه بن عمر بن الخطاب فی جمع من أهل الشام فاقتتلوا فطلب عبید اللّه محمّدا إلى المبارزة فلمّا خرج إلیه دعاه علیّ علیه السّلام و خرج بنفسه راجلا بیده سیفه و قال أنا أبارزك فهلمّ فقال عبید اللّه لا حاجة بی إلى مبارزتك فرجع علیه السّلام إلى صفّه هذا .

و قد تقدّم جمل وقایع صفین فی شرح الكلام الخامس و الستّین و غیره ممّا نبّهناك علیه هناك .

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن امام أنام است در حینی كه عزم فرمود بملاقات نمودن با قوم شام در جنگ صفّین كه بأین مضامین دعا نمود :

[ 127 ]

بار إلها اى پروردگار سقف برافراشته و آسمان باز داشته ، چنان آسمانی كه گردانیدى آنرا محلّ نقصان از براى شب و روز ، و محلّ جریان از براى مهر و ماه و محلّ اختلاف از براى ستارهاى سیر كننده ، و گردانیدى ساكنان آن را قبیله از فرشتگان خود در حالتیكه ملال نمیآورند از عبادت تو .

و اى پروردگار این زمین كه گردانیدی آن را قرار گاه از براى مردمان و محلّ رفتار حشرات زمین و چهارپایان و آنچه كه شمرده نمیشود از مخلوقاتی كه دیده میشود ، و از مخلوقاتى كه دیده نمیشود .

و اى پروردگار كوههاى ثابت استوار كه گردانیدی آنها را از براى زمین میخها و از براى خلق تكیه‏گاه اگر غالب گردانى ما را بر دشمنان ما پس كنار گردان ما را از تعدّى و ستم ، و راست دار ما را از براى حقّ ، و اگر غالب گردانى ایشان را بر ما پس روزی كن بما شهادت را ، و حفظ كن ما را از ضلالت و فتنه .

كجا است منع كننده چیزیكه لازم است بر جوانمرد حفظ كردن آن ؟ و كجا است صاحب غیرت هنگام نازل شدن شداید امور كه كاشف است از حقایق كار از أهل حمیّت و فتوّت ؟ عار و سرزنش در پشت شما است اگر رو گردان باشید از محاربه ، و بهشت عنبر سرشت در پیش شما است اگر اقدام نمائید بر مقاتله .


ادامه مطلب


نظرات() 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-05:39 ب.ظ

[ 133 ]

رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ) أى حرمه و هو فی الأصل ما لا یحلّ انتهاكه ، و كنّى به هنا عن زوجته عایشة ( كما تجرّ الأمة عند شرائها ) أى بیعها و وجه الشبه أنّ بایع الأمة یجرّها من بلد إلى بلد و یدیرها فی الأسواق و یعرضها على المشترین ، فكذلك هؤلاء أخرجوها و أداروها فی البلدان و شهّروها فی الأصقاع لینالوا بذلك إلى ما راموه ( متوجّهین بها إلى البصرة فحبسا ) أى طلحة و الزبیر ( نسائهما فی بیوتهما و أبرزا حبیس رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ) و هو أیضا كنایة عنها و فی ذلك أیضا من الدّلالة على فرط ضلالهما و خطائهما ما لا یخفى لأنّ الرّسول صلّى اللّه علیه و آله أمرها بالاحتباس فی بیتها بمقتضى قوله تعالى : و قرن فی بیوتكنّ و لا تبرّجن تبرّج الجاهلیّة الأولى فهؤلاء مضافا إلى عدم رعایتهم لحرمة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و حمایتهم عن عرضه و مخالفتهم لأمره خالفوا أمر اللّه سبحانه و نبذوا كتابه وراء ظهورهم حیث أبرزاها ( لهما و لغیرهما ) من الناس ( فی جیش ما منهم رجل إلاّ و قد أعطانی الطاعة و سمح ) أى جاد ( لی بالبیعة ) و هذا إشارة إلى وجه ثان لضلالهم ، و هو نقضهم للعهد بعد التوكید و نكثهم للطاعة بعد البیعة .

و قوله : ( طائعا غیر مكره ) من باب الاحتراس الّذی مرّ ذكره فی ضمن المحسنات البدیعیة فی دیباجة الشرح و الغرض إبطال توهّم كون بیعتهم على وجه الاكراه كما ادّعاه طلحة و الزبیر حسبما عرّفه فی شرح الكلام الثامن و غیره ( فقدموا على عاملى بها ) و هو عثمان بن حنیف الانصاری كان عامله یومئذ بالبصرة ( و خزّان بیت مال المسلمین ) و هم سبعون رجلا أو أربعمأة رجل كما فی روایة أبی مخنف الآتیة ( و غیرهم من أهلها فقتلوا طائفة ) منهم ( صبرا ) .

قال شیخنا فی الجواهر بعد قول المحقّق و یكره قتله أى الكافر صبرا لا أجد فیه خلافا لما فی صحیح الحلبی عن الصّادق علیه السّلام لم یقتل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم رجلا صبرا غیر عقبة بن ابی معیط و طعن ابن ابی خلف فمات بعد ذلك ضرورة إشعاره بمرجوحیّته الّتی لا ینافیها وقوعه من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله المحتمل رجحانه لمقارنة أمر آخر على أنّ الحكم ممّا یتسامح فی مثله .

[ 134 ]

قال : و المراد بالقتل صبرا أن یقیّد یداه و رجلاه مثلا حال قتله و حینئذ فاذا ارید عدم الكراهة أطلقه و قتله و لعلّ هذا هو المراد ممّا فسّره به غیر واحد بل نسبه بعض إلى المشهور من أنه الحبس للقتل .

و فی القاموس : و صبر الانسان و غیره على القتل أن یحبس و یرمى حتّى یموت .

و أمّا ما قیل من أنّه التعذیب حتّى یموت أو القتل جهرا بین الناس أو التهدید بالقتل ثمّ القتل أو القتل و ینظر إلیه آخر أو لا یطعم و لا یسقى حتّى یموت بالعطش و الجوع فلم أجد ما یشهد لها بل الأخیر منها مناف لما سمعته من وجوب الاطعام و السقى .

و كیف كان فقد ظهر بذلك أنّ فی قوله علیه السّلام فقتلوا طائفة صبرا من الدّلالة على عظم خطیئتهم ما لا یخفى لأنه إذا كان قتل الكفّار المحاربین بهذه الكیفیة المخصوصة مكروها أو حراما على اختلاف تفسیر الصّبر 1 فكیف بالمؤمنین مضافا إلى أنّهم لم یقنعوا بذلك بل ( و ) قتلوا ( طائفة ) اخرى ( غدرا ) و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یجی‏ء كلّ غادر بامام یوم القیامة مائلا شدقه حتّى یدخل النّار .

و قال أمیر المؤمنین علیه السّلام فی حدیث اصبغ بن نباته و هو یخطب على منبر الكوفة أیّها النّاس لولا كراهة الغدر لكنت من أدهى الناس الا إنّ لكلّ غدرة فجرة ،

و لكلّ فجرة كفرة الا و إنّ الغدر و الفجور و الخیانة فی النّار هذا و سنقصّ علیك قتلهم طائفة صبرا و طائفة غدرا فی ثانی التنبیهین الآتیین إنشاء اللّه .

ثمّ إنّه علیه السّلام لما أبدى العذر فی قتالهم و وجوب قتلهم بثلاث كبایر موبقة إحدیها إخراجهم لحبیس رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و هتكهم لناموسه ، و ثانیتها نكثهم البیعة بعد سماحهم للطاعة ، و ثالثها قتلهم للمسلمین صبرا و غدرا أقسم بالقسم البارّ بحلّیّة قتلهم ازاحة للشبهة عمّن كان فی قلبه مرض فقال :

( فو اللّه لو لم یصیبوا من المسلمین إلاّ رجلا واحدا معتمدین لقتله ) أى

-----------
( 1 ) فعلى التفسیر الاخیر یكون حراما و على غیره یكون مكروها كما هو ظاهر ( منه ره )

[ 135 ]

معتمدین له ( بلا جرم جرّه ) أى بدون استحقاقه للقتل بجرم اجتراه ( لحلّ لی قتل ذلك الجیش كلّه ) هذا الكلام بظاهره یدلّ على جواز قتل جمیع الجیش بقتل واحد من المسلمین معلّلا بقوله ( إذ حضروه فلم ینكروا و لم یدفعوا عنه بلسان و لا ید ) فیستفاد منه جواز قتل من ترك النهى عن المنكر مع التمكّن من إنكاره و دفعه .

فان قلت : أفتحكمون بجواز ذلك حسبما یدلّ علیه ذلك الكلام ؟

قلت : نعم لأنّ الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر واجبان شرعا فالتارك لهما تارك للواجب و عامل للمنكر ، فیجوز للامام علیه السّلام ردعه عنه بأیّ وجه أمكن كسایر من ترك الواجبات و أتى بالمحرّمات فاذا علم من أوّل الأمر أنه لا یجدى فی الرّدع إلاّ القتل لجاز ذلك للامام اتّفاقا و ان اختلف الأصحاب فی جواز ذلك أى القتل الذی هو آخر مراتب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر لغیره علیه السّلام من دون اذنه و یدلّ على ما ذكرته من أنّ فی ترك إنكار المنكر إخلال بالواجب و إقدام على المنكر ما رواه الصدوق ( ره ) فی عقاب الأعمال مسندا عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمّد عن أبیه علیهما السّلام قال قال علیّ علیه السّلام : أیها الناس إنّ اللّه عزّ و جلّ لا یعذّب العامّة بذنب الخاصّة إذا عملت الخاصّة بالمنكر سرّا من غیر أن تعلم العامّة ، فاذا عملت الخاصّة بالمنكر جهارا فلم یغیّر ذلك العامّة استوجب الفریقان العقوبة من اللّه عزّ و جلّ .

و قال علیه السّلام : لا یحضرنّ أحدكم رجلا یضربه سلطان جائر ظلما و عدوانا و لا مقتولا و لا مظلوما إذا لم ینصره لأنّ نصرة المؤمن فریضة واجبة ، فاذا هو حضره و العافیة أوسع ما لم یلزمك الحجّة الحاضرة .

قال : و لما وقع التقصیر فی بنی إسرائیل جعل الرّجل منهم یرى أخاه على الذنب فینهاه فلا ینتهى فلا یمنعه ذلك أن یكون أكیله و جلیسه و شریبه حتّى ضرب اللّه عزّ و جلّ قلوب بعضهم ببعض و نزل فیهم القرآن حیث یقول عزّ و جلّ لعن الّذین كفروا من بنی اسرائیل على لسان داود و عیسى بن مریم ذلك بما عصوا و كانوا

[ 136 ]

یعتدون ، كانوا لا یتناهون عن منكر فعلوه » الآیة .

و یدلّ على جواز قتل فاعل المنكر ما یأتی فی أواخر الكتاب فی ضمن كلماته القصار من قوله أیّها المؤمنون إنّه من رأى عدوانا یعمل به و منكرا یدعى إلیه فأنكره بقلبه فقد سلم و برء ، و من أنكره بلسانه فقد أجر و هو أفضل من صاحبه و من أنكره بالسّیف لتكون كلمة اللّه هی العلیا و كلمة الظالمین السّفلى فذلك الّذی أصاب سبیل الهدى ، و قام على الطریق و نوّر فی قلبه الیقین و رواه فی الوسایل من روضة الواعظین مرسلا و یدلّ علیه أخبار اخر لا حاجة بنا إلى روایتها .

فقد ظهر بذلك كلّه أنّ تعلیله علیه السّلام حلّ قتل الجیش بحضورهم قتل المسلم من دون إنكار له و دفع عنه موافق بظاهره لاصول المذهب و لقواعد الشرع و لا حاجة إلى التوجیه و تمحّل التأویلات الّتی تكلّفها شراح النهج كالشارح المعتزلی و القطب الراوندی و الشارح البحرانی و لا بأس بالاشارة إلى ملخّص كلامهم و التنبیه على ما یتوجّه علیهم فاقول :

قال الشارح المعتزلی و یسئل عن قوله علیه السّلام لو لم یصیبوا إلاّ رجلا واحدا لحلّ لی قتل ذلك الجیش بأسره لأنّهم حضروه فلم ینكروا فیقال أیجوز قتل من لم ینكر المنكر مع تمكّنه من إنكاره .

و الجواب أنّه یجوز قتلهم لأنّهم اعتقدوا ذلك القتل مباحا فانّهم إذا اعتقدوا إباحته فقد اعتقدوا إباحة ما حرّم اللّه فیكون حالهم حال من اعتقد أنّ الزّنا مباح و أنّ شرب الخمر مباح .

و اعترض علیه الشارح البحرانی بأنّ القتل و إن وجب على من اعتقد إباحة ما علم تحریمه من الدّین ضرورة كشرب الخمر و الزّنا فلم قلت أنّه یجب على من اعتقد إباحة ما علم تحریمه من الدّین بالتأویل كقتل هؤلاء القوم لمن قتلوا ،

و خروجهم لما خرجوا له ؟ فانّ جمیع ما فعلوه كان بتأویل لهم و ان كان معلوم الفساد فظهر الفرق بین اعتقاد حلّ الخمر و الزّنا و بین اعتقاد هؤلاء لاباحة ما فعلوه انتهى أقول : و أنت خبیر بما فی هذا الجواب و الاعتراض كلیهما من الضعف

[ 137 ]

و الفساد :

أما الجواب فلأنّ اعتقاد اباحة ما علم حرمته من الدّین ضرورة كقتل المسلم عمدا و إن كان مجوّزا للقتل البتّة إلاّ أنّه علیه السّلام لم یعلّل جوازه بذلك ، بل علّله بالحضور على قتل المسلم و عدم الانكار ، و هو أعمّ من اعتقاد الاباحة و عدمه ،

و قد ظهر لك أنّ مجرّد ذلك كاف فی جواز القتل من باب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و لا حاجة إلى التقیید أو التخصیص بصورة الاعتقاد مع عدم الداعی الیهما و كونهما خلاف الأصل .

و أما الاعتراض فلأنّ ملخّص كلام المعترض أنّ خروج الناكثین و قتلهم للمسلمین إنّما نشاء من زعمهم جواز ذلك و اعتقادهم حلّه لشبهة سنحت لهم و ان كان زعما فاسدا و اعتقادا كاسدا .

و فیه أوّلا منع كون خروجهم عن وجه الشبهة و التأویل و انما كان خروج خوارج النهروان بالتأویل و زعمهم الباطل حقّا و لذلك قال علیه السّلام فی الكلام السّتین « لا تقتلوا الخوارج بعدی فلیس من طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه » و ثانیا هب أنّ خروجهم كان بالتأویل و شبهة مطالبة دم عثمان ظاهرا و أمّا قتلهم للمسلمین فأىّ تأویل یتصوّر فیه مع أنّ المقتولین لم یكونوا قاتلی عثمان و لا من الحاضرین لقتله و لا ناصرین لقاتلیه ، و لم یقع بعد حرب الجمل عند قتلهم طائفة صبرا و طائفة غدرا فلم یكن قتلهم لهؤلاء إلاّ عن محض البغى و العدوان و التعدّی و الطغیان ، و متعمّدین فیه ، فجاز قتلهم لذلك كما یجوز قتل معتقد حلّ الخمر و الزّنا .

اللّهمّ إلاّ أن یقال : إنّ التأویل المتصوّر فی قتلهم هو أنّهم لما زعموا أنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام بحمایته عن قتلة عثمان خلافته خلافة باطلة و إمامته إمامة جور و بیعة إمام الجور و متابعته باطلة لا جرم زعموا اباحة قتل خزّان بیت المال و من حذا حذوهم باعتبار كونهم من مبایعیه و متابعیه ، مستحفظین لبیت المال لأجله علیه السّلام و حفظ بیت المال لأجل الامام الجائر إعانة الاثم على زعمهم الباطل فافهم جدّا .

[ 138 ]

و بعد الغضّ عن جمیع ذلك أقول : إنّ التأویل إذا كان معلوم الفساد حسبما اعترف به الشارح نفسه لم یبق موقع للتأمّل فی جواز القتل ، و لذلك أمر سبحانه بقتلهم و قتالهم مطلقا فی قوله : و إن طائفتان من المؤمنین اقتتلوا فأصلحوا بینهما فان بغت إحدیهما على الاُخرى فقاتلوا الّتی تبغى حتّى تفى‏ء إلى أمر اللَّه .

و قال القطب الرّاوندی إن حلّ قتلهم لدخولهم فی عموم قوله تعالى : إنّما جزاء الذین یحاربون اللَّه و رسوله و یسعون فی الأرض فساداً أن یقتّلوا أو یصلّبوا الآیة .

و اعترض علیه الشارح المعتزلی بأنّه علیه السّلام علّل استحلال قتلهم بأنّهم لم ینكروا المنكر و لم یعلّل بعموم الآیة .

و أورد علیه الشارح البحرانی بأنّ له أن یقول إنّ قتل المسلم الذى لا ذنب له عمدا إذا صدر من بعض الجیش و لم ینكر الباقون مع تمكّنهم و حضورهم كان ذلك قرینة دالّة على الرضا من جمیعهم و الراضى بالقتل شریك القاتل خصوصا إذا كان معروفا بصحبته و الاتّحاد به كاتّحاد بعض الجیش ببعض فكان خروج ذلك الجیش على الامام العادل محاربة للّه و رسوله ، و قتلهم لعامله و خزّان بیت مال المسلمین و تفریق كلمة أهل المصر و فساد نظامهم سعى فی الأرض بالفساد و ذلك عین مقتضى الآیة .

أقول : أمّا ما قاله الراوندى فلا غبار علیه و أمّا اعتراض الشارح المعتزلی فلا وجه له لأنّه علیه السّلام و إن علّل استحلال القتل بالحضور و عدم الانكار و لم یعلّله لعموم الآیة إلاّ أنّ مآل العلّتین واحد ، و مقصود الراوندی التنبیه على أنّ مرجع العلّة المذكورة فی كلامه إلى عموم الآیة ففی الحقیقة التعلیل بتلك العلّة تعلیل بذلك العموم .

و هذا مما لا ریب فیه لظهور أنّ قتل خزّان بیت المال و إتلاف ما فیه من الأموال لم یكن إلاّ من أجل نصبهم العداوة لأمیر المؤمنین علیه السّلام و كونهم فی مقام المحاربة معه ، فیدخلون فی عموم الآیة .

لأنّ المراد بمحاربة اللّه و رسوله فیها هو محاربة المسلمین ، جعل محاربتهم

[ 139 ]

محاربة لهما تعظیما للفعل و تكریما للمسلم ، فیجوز حینئذ قتلهم بحكم الآیة .

بل و لو لم یكن المقتول منهم إلاّ واحدا كما فرضه علیه السّلام فی كلامه لجاز أیضا قتل جمیع الجیش كلّهم لأنّ المفروض أنّ قتل ذلك الواحد إنّما كان محادّة للّه و رسوله و محاربة لولیّ المؤمنین و لمن ائتمّ به من المسلمین فحیث إنّ الباقین حضروا ذلك القتل و لم ینكروه و لم یدفعوا عنه مع تمكّنهم منه یكون ذلك كاشفا عن كونهم فی مقام المحاربة أیضا .

و لعلّ هذا هو مراد الشارح البحرانی بالایراد الّذی أورده على الشارح المعتزلی و إن كانت عبارته قاصرة عن تأدیة المراد لظهور أنّ صدور قتل المسلم عن بعض الجیش مع حضور الآخرین و عدم إنكار منهم و إن كان قرینة على رضا الجمیع بالقتل إلاّ أنّ ذلك بمجرّده لا یكفى فی جواز قتل الرّاضین حتّى ینضمّ إلیه المقدّمة الاخرى أعنی كون صدور القتل عن وجه المحاربة ، و كون رضاهم بذلك كاشفا عن كونهم محاربین جمیعا كما قلناه .

و على هذا فان كان مراده بقوله و الراضى بالقتل شریك القاتل هو ما ذكرناه فنعم الوفاق و إلاّ فیتوجّه علیه أنّه إن أراد المشاركة فی الاثم فهو مسلّم لما ورد فی غیر واحد من الرّوایات من أنّ الراضى بفعل قوم كالداخل فیهم ، و أنّ العامل بالظلم و الراضى به و المعین به شركاء ثلاثة و أنّ من رضی أمرا فقد دخل فیه و من سخطه فقد خرج منه إلاّ أنّ هذه المشاركة لا تنفعه فی دفع الاعتراض .

و إن أراد المشاركة فی جواز قتل الرّاضى كما یجوز قتل القاتل فهو على إطلاقه ممنوع لأنّ قتل القاتل بعنوان القصاص جایز دون الراضی .

نعم یجوز قتله من باب الحسبة على ما قلنا و من أجل كونه فی مقام المحاربة حسبما قاله الراوندی كما یجوز قتل القاتل بهذین الوجهین أیضا فافهم جیّدا هذا و لما نبّه علیه السّلام على جواز قتل الجیش جمیعا بقتل واحد من المسلمین أردف ذلك بالتنبیه على مزید استحقاقهم له من حیث إقدامهم على جمع كثیر منهم فقال : ( دع ما أنّهم قد قتلوا من المسلمین مثل العدّة الّتی دخلوا بها علیهم ) .

[ 140 ]

تنبیهان

الاول

قال الشّارح المعتزلی بعد الفراغ من شرح الفصل الثّانی من هذه الخطبة ما هذه عبارته و اعلم أنّه قد تواترت الأخبار عنه علیه السّلام بنحو من هذا القول نحو قوله علیه السّلام ما زلت مظلوما منذ قبض اللّه رسوله صلّى اللّه علیه و آله حتّى یوم الناس هذا و قوله علیه السّلام أللّهمّ اجز قریشا فانّها منعتنی حقّی و غصبتنی أمری .

و قوله علیه السّلام فجزت قریشا عنّی الجوازی فانّهم ظلمونی حقّی و اغتصبونی سلطان ابن امّی .

و قوله علیه السّلام و قد سمع صارخا ینادی أنا مظلوم فقال علیه السّلام هلّم فلنصرخ معا فانّی ما زلت مظلوما .

و قوله علیه السّلام و إنّه لیعلم أنّ محلّی منها محلّ القطب من الرّحى و قوله علیه السّلام أرى تراثی نهبا و قوله : اصفیا بانائنا و حملا الناس على رقابنا .

و قوله علیه السّلام : إنّ لنا حقّا إن نعطه نأخذه و ان نمنعه نركب أعجاز الابل و إن طال السرى .

و قوله علیه السّلام : ما زلت مستأثرا علیّ مدفوعا عمّا أستحقّه و أستوجبه .

قال الشارح و أصحابنا یحملون ذلك كلّه على ادّعائه الأمر بالأفضلیّة و الأحقیّة و هو الحقّ و الصّواب فانّ حمله على الاستحقاق تكفیر و تفسیق لوجوه المهاجرین و الأنصار لكنّ الامامیّة و الزیدیّة حملوا هذه الأقوال على ظواهرها و ارتكبوا بها مركبا صعبا و لعمری إنّ هذه الألفاظ موهمة مغلبة على الظنّ ما یقوله القوم لكن تصفّح الأقوال یبطل ذلك الظنّ و یدرء ذلك الوهم فوجب أن یجرى مجرى الآیات المتشابهات الموهمة ما لا یجوز على الباری فانّه لا نعمل بها و لا نعوّل على ظواهرها لأنّا لما تصفّحنا أدلّة العقول اقتضت العدول عن ظاهر اللّفظ و أن نحمل على التأویلات المذكورة فی الكتب .

قال الشارح و حدّثنی یحیى بن سعید بن علیّ الحنبلی المعروف بابن عالیة ساكن قطفثا بالجانب الغربی من بغداد واحد الشهود المعدلین بها قال كنت

[ 141 ]

حاضرا عند الفخر إسماعیل بن علیّ الحنبلی الفقیه المعروف بغلام ابن المنى و كان الفخر إسماعیل هذا مقدّم الحنابلة ببغداد فی الفقه و الخلاف و یشتغل بشی‏ء فی علم المنطق و قد كان حلو العبارة و قد رأیته أنا و حضرت عنده و سمعت كلامه و توفّى سنة عشرة و ستّمأة .

قال ابن عالیة و نحن عنده نتحدّث إذ دخل شخص من الحنابلة قد كان له دین على بعض أهل الكوفة فانحدر إلیه یطالبه به و اتّفق أن حضره زیارة یوم الغدیر و الحنبلیّ المذكور بالكوفة و هذه الزیارة هی الیوم الثامن عشر من شهر ذی الحجّة و یجتمع بمشهد أمیر المؤمنین علیه السّلام من الخلایق جموع عظیمة یتجاوز حدّ الاحصاء .

قال ابن عالیة : فجعل الشیخ الفخر یسائل ذلك الشّخص ما فعلت ما رأیت ؟

هل وصل مالك إلیك ؟ هل بقى منه بقیّة عند غریمك ؟ و ذلك الشخص یجاوبه حتّى قال له یا سیّدی لو شاهدت یوم الزیارة یوم الغدیر و ما یجرى عند قبر علیّ بن أبیطالب علیه السّلام من الفضایح و الأقوال الشّنیعة و سبّ الصحابة جهارا بأصوات مرتفعة من غیر مراقبة و لا خیفة .

فقال إسماعیل أیّ ذنب لهم و اللّه ما جراهم على ذلك و لا فتح لهم هذا الباب إلاّ صاحب ذلك القبر ، فقال ذلك الشخص : و من صاحب القبر قال : علیّ بن أبیطالب علیه السّلام قال : یا سیّدی هو الّذی سنّ لهم ذلك و علّمهم إیّاه و طرقهم إلیه ؟ قال نعم و اللّه .

قال : یا سیّدی فان كان محقّا فما لنا نتولّى فلانا و فلانا و إن كان مبطلا فما لنا نتولاّه ینبغی أن نبرء إمّا منه أو منهما ، قال ابن عالیة فقام اسماعیل مسرعا و قال : لعن اللّه اسماعیل الفاعل ابن الفاعل إن كان یعرف جواب هذه المسئلة و دخل دار حرمه و قمنا نحن فانصرفنا انتهى كلام الشارح .

أقول : قد مرّ فی تضاعیف الشرح لا سیّما مقدّمات الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقیّة النّصوص الدالّة على خلافته علیه السّلام و بطلان خلافة غیره مضافا إلى الأدلّة العقلیّة .

و العجب من الشارح المعتزلی أنّه بعد اعترافه بتواتر الأخبار الظاهرة فی

[ 142 ]

اغتصاب الخلافة و التظلّم و الشكوى من أئمة الجور كیف یصرفها عن ظواهرها من غیر دلیل و أیّ داع له الى الانحراف عن قصد السّبیل و لو كان هناك أقلّ دلیل لتمسّك به مقدّم الحنابلة اسماعیل ، و لم یعی عن الجواب ، و لم یقم من مجلسه مسرعا إلى الذهاب ، فحیث عجز عن جواب القائل ضاق به الخناق إلاّ لعن نفسه بالفاعل ابن الفاعل .

ثمّ العجب من الشّارح أنه یعلّل ذلك تارة بأنّ حملها على ظواهرها یوجب تكفیر وجوه الصّحابة و تفسیقها و هو كما ترى مصادرة على المدّعى ، و اخرى بأنّ تصفّح الأقوال یبطل الظنّ الحاصل منها و لیت شعرى أىّ قول أوجب الخروج عن تلك الظواهر .

فان أراد قول أهل السنّة فلیس له اعتبار و لا وقع له عند اولی الأبصار و إن أراد قول من یعوّل على قوله من النبیّ المختار و آله الأطهار فعلیه البیان و علینا التسلیم و الاذعان ، مع أنّا قد تصفّحنا كتب التواریخ و السّیر و الأخبار و الأثر فما ظفرنا بعد إلى الآن على خبر واحد معتبر و لا حدیث صحیح یؤثر بل الأحادیث الصحیحة النبویّة و غیر النبویّة العامیّة و الخاصیّة على بطلان دعویهم متظافرة و إبطال خلافة الخلفاء متواترة متظاهرة .

و قیاس ظواهر تلك الرّوایات على الآیات المتشابهات قیاس مع الفارق لا یقیسها إلاّ كلّ باید ناهق ، لقیام الأدلّة القاطعة من العقل و النقل على وجوب تأویل هذه الآیات و قیامها على لزوم تعویل ظواهر تلك الروایات .

و كفى بذلك شهیدا فضلا عن غیره ممّا تقدّم و یأتی و حدیث الثقلین و خبر الحقّ مع علیّ و علیّ مع الحقّ المعروف بین الفریقین و روایة ورود الامّة على النبیّ صلّى اللّه علیه و آله على خمس رآیات و افتراق الامّة على ثلاث و سبعین فرقة كلّها فی النار غیر واحدة .

و نعم ما قیل :

إذا افترقت فی الدّین سبعین فرقة
و نیفا كما قد جاء فی واضح النقل

[ 143 ]

و لم یك منهم ناجیا غیر واحد
فبیّن لنا یا ذا النباهة و الفضل

أ فی الفرقة الهلاّك آل محمّد
أم الفرقة الناجون أیّهما قل لی

فان قلت هلاّكا كفرت و إن نجوا
فلما ذا قدّم الغیر بالفضل

التنبیه الثانی

فی ذكر خروج عائشة و طلحة و الزبیر الى البصرة ، و قتلهم طائفة من المسلمین فیها صبرا و طائفة غدرا توضیحا لما أشار علیه السّلام إلیه فی كلامه و تفصیلا لما أجمله .

فأقول : روى الشارح المعتزلی عن أبی مخنف أنّه قال : حدّثنا إسماعیل بن خالد عن قیس بن أبی حازم و روى الكلبیّ عن أبی صالح عن ابن عبّاس و روى جریر ابن یزید عن عامر الشعبی ، و روى محمّد بن إسحاق عن حبیب بن عمیر قالوا جمیعا لمّا خرجت عائشة و طلحة و الزّبیر من مكّة إلى البصرة طرقت ماء الحوأب 1 و هو ماء لبنی عامر بن صعصعة فنبحهم الكلاب فنفرت صعاب إبلهم فقال قائل لعن اللّه الحوأب ما أكثر كلابها .

فلمّا سمعت عائشة ذكر الحوأب قالت : أ هذا ماء الحوأب ؟ قالوا نعم ، فقالت :

ردّونی ردّونی ، فسألوها ما شأنها ؟ ما بدا لها ؟ فقالت : إنّی سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : كأنّى بكلاب ماء یدعا الحوأب قد نبحت بعض نسائی ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله لی :

یا حمیراء إیّاك أن تكونیها .

فقال لها الزبیر مهلا یرحمك اللّه فانا قد جزنا ماء الحوأب بفراسخ كثیرة ،

فقالت : أعندك من یشهد أنّ هذه الكلاب النابحة لیست على ماء الحوأب فلفق لها الزبیر و طلحة خمسین أعرابیا جعلا لهم جعلا فحلفوا لها و شهدوا أنّ هذا الماء لیس بماء الحوأب فكانت هذه أوّل شهادة زور فی الاسلام .

أقول : بل أوّل شهادة الزور فی الاسلام ما وقعت یوم السقیفة حیث شهد منافقوا قریش لأبی بكر بأنهم سمعوا من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أنه یقول : إنّ اللّه لم یكن لیجمع

-----------
( 1 ) و هو ماء نسبت الى الحوأب بنت كلیب بن وبرة قاله فی المناقب ( منه )

[ 144 ]

لنا أهل البیت النبوّة و الخلافة حسبما تقدّم فی المقدّمة الثالثة من مقدّمات الخطبة الشقشقیّة من غایة المرام من كتاب سلیم بن قیس الهلالی .

قال أبو مخنف : و حدّثنا عصام بن قدامة عن عكرمة عن ابن عبّاس أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال یوما لنسائه و هنّ عنده جمیعا لیت شعری أیّتكن صاحبة الجمل الأدبب تنبحها كلاب الحوأب یقتل عن یمینها و شمالها قتلى كثیر كلّهم فی النّار و تنجو بعد ما كادت .

قال الشارح المعتزلی : قلت : أصحابنا المعتزلة یحملون قوله و تنجو على نجاتها من النار و الامامیّة یحملون ذلك على نجاتها من القتل و محملنا أرجح لأنّ لفظة فی النار أقرب إلیه من لفظة القتلى و القرب معتبر فی هذا الباب ألا ترى أنّ نحاة البصریین أعملوا أقرب العاملین نظرا إلى القرب .

أقول : لا أدرى ماذا یرید الشّارح من ذكر الاختلاف فی محمل الحدیث و ترجیح محمل المعتزلة على محمل الامامیة ؟

فان كان مقصوده بذلك الردّ على الامامیة لتمسّكهم به على كون عایشة فی النار حیث حملوا النجاة فیه على النجاة من القتل دون النّار ففیه أنّ الامامیّة لم یتمسّكوا به أبدا على كونها فیها لأنّ قوله صلّى اللّه علیه و آله كلّهم فی النّار راجع الى المقتولین عن الیمین و الشمال لا ربط له بها بوجه حتّى یتمسّكوا به بل دلیلهم على ذلك مضافا الى أخبارهم الكثیرة هو خروجها و بغیها على الامام العادل ، و الخوارج و البغاة كلّهم فی النار و علیه أیضا بناء المعتزلة كما صرّح به الشارح فی دیباجة شرحه و إن توهّموا خروجها مع طلحة و الزبیر من هذه الكلّیة لدلیل فاسد .

و إن كان مقصوده به اثبات نجاة عائشة من النار ففیه أنّه لا ینهض لاثباتها لأنّ قوله صلّى اللّه علیه و آله « تنجو بعد ما كادت » یحتاج إلى إضمار المتعلّق و لفظة فی النار و إن كانت أقرب إلیه لكنّ القرب اللّفظی لا یكفى فی جعل متعلّقه النّار بل المدار فی أمثال المقام على القرب الاعتباری ، و غیر خفیّ على المنصف الخبیر بأسالیب « ج 9 »


ادامه مطلب


نظرات() 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-05:39 ب.ظ


[ 173 ] و من خطبة له ع فی رسول

اللّه صلى اللّه علیه و سلم و من هو جدیر بأن یكون للخلافة و فی هوان الدنیا رسول الله أَمِینُ وَحْیِهِ وَ خَاتَمُ رُسُلِهِ وَ بَشِیرُ رَحْمَتِهِ وَ نَذِیرُ نِقْمَتِهِ الجدیر بالخلافة أَیُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ أَحَقَّ اَلنَّاسِ بِهَذَا اَلْأَمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَیْهِ وَ أَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اَللَّهِ فِیهِ فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبٌ اُسْتُعْتِبَ فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ وَ لَعَمْرِی لَئِنْ كَانَتِ اَلْإِمَامَةُ لاَ تَنْعَقِدُ حَتَّى یَحْضُرَهَا عَامَّةُ اَلنَّاسِ فَمَا إِلَى ذَلِكَ سَبِیلٌ وَ لَكِنْ أَهْلُهَا یَحْكُمُونَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا ثُمَّ لَیْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ یَرْجِعَ وَ لاَ لِلْغَائِبِ أَنْ یَخْتَارَ أَلاَ وَ إِنِّی أُقَاتِلُ رَجُلَیْنِ رَجُلاً اِدَّعَى مَا لَیْسَ لَهُ وَ آخَرَ مَنَعَ اَلَّذِی عَلَیْهِ أُوصِیكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ فَإِنَّهَا خَیْرُ مَا تَوَاصَى اَلْعِبَادُ بِهِ وَ خَیْرُ عَوَاقِبِ اَلْأُمُورِ عِنْدَ اَللَّهِ وَ قَدْ فُتِحَ بَابُ اَلْحَرْبِ بَیْنَكُمْ وَ بَیْنَ أَهْلِ اَلْقِبْلَةِ وَ لاَ یَحْمِلُ هَذَا اَلْعَلَمَ إِلاَّ أَهْلُ اَلْبَصَرِ وَ اَلصَّبْرِ وَ اَلْعِلْمِ بِمَوَاضِعِ اَلْحَقِّ فَامْضُوا لِمَا تُؤْمَرُونَ بِهِ وَ قِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ وَ لاَ تَعْجَلُوا فِی أَمْرٍ حَتَّى تَتَبَیَّنُوا فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِیَراً هوان الدنیا أَلاَ وَ إِنَّ هَذِهِ اَلدُّنْیَا اَلَّتِی أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا وَ تَرْغَبُونَ فِیهَا وَ أَصْبَحَتْ تُغْضِبُكُمْ وَ تُرْضِیكُمْ لَیْسَتْ بِدَارِكُمْ وَ لاَ مَنْزِلِكُمُ اَلَّذِی خُلِقْتُمْ لَهُ وَ لاَ اَلَّذِی دُعِیتُمْ إِلَیْهِ أَلاَ وَ إِنَّهَا لَیْسَتْ بِبَاقِیَةٍ لَكُمْ وَ لاَ تَبْقَوْنَ عَلَیْهَا وَ هِیَ وَ إِنْ غَرَّتْكُمْ مِنْهَا فَقَدْ حَذَّرَتْكُمْ شَرَّهَا فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِیرِهَا وَ أَطْمَاعَهَا لِتَخْوِیفِهَا وَ سَابِقُوا فِیهَا إِلَى اَلدَّارِ اَلَّتِی دُعِیتُمْ إِلَیْهَا وَ اِنْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا وَ لاَ یَخِنَّنَّ أَحَدُكُمْ خَنِینَ اَلْأَمَةِ عَلَى مَا زُوِیَ عَنْهُ مِنْهَا وَ اِسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اَللَّهِ عَلَیْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اَللَّهِ وَ اَلْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا اِسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ أَلاَ وَ إِنَّهُ لاَ یَضُرُّكُمْ تَضْیِیعُ شَیْ‏ءٍ مِنْ دُنْیَاكُمْ بَعْدَ حِفْظِكُمْ قَائِمَةَ دِینِكُمْ أَلاَ وَ إِنَّهُ لاَ یَنْفَعُكُمْ بَعْدَ تَضْیِیعِ دِینِكُمْ شَیْ‏ءٌ حَافَظْتُمْ عَلَیْهِ مِنْ أَمْرِ دُنْیَاكُمْ أَخَذَ اَللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَ قُلُوبِكُمْ إِلَى اَلْحَقِّ وَ أَلْهَمَنَا وَ إِیَّاكُمُ اَلصَّبْرَ

[ 156 ]

و من خطبة له علیه السّلام

و هى المأة و الثانیة و السبعون من المختار فی باب الخطب أمین وحیه ، و خاتم رسله ، و بشیر رحمته ، و نذیر نقمته ، أیّها النّاس إنّ أحقّ النّاس بهذا الأمر أقوایهم علیه و أعلمهم بأمر اللّه فیه فإن شغب شاغب أستعتب و إن أبى قوتل و لعمری لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتّى تحضرها عآمّة النّاس ما إلى ذلك سبیل و لكن أهلها یحكمون على من غاب عنها ثمّ لیس للشاهد أن یرجع و لا للغائب أن یختار .

ألا و إنّی أقاتل رجلین : رجلا ادّعى ما لیس له و آخر منع الّذی علیه .

أوصیكم عباد اللّه بتقوى اللّه فإنّها خیر ما تواصى العباد به ، و خیر عواقب الأمور عند اللّه ، و قد فتح باب الحرب بینكم و بین أهل القبلة و لا یحمل هذا العلم إلاّ أهل البصر و الصّبر ، و العلم بمواقع الحقّ ، فامضوا لما تؤمرون به ، و قفوا عند ما تنهون عنه ، و لا تعجلوا فی أمر حتّى تتبیّنوا فإنّ لنا مع كلّ أمر تنكرونه غیرا .

ألا و إنّ هذه الدّنیا الّتی أصبحتم تتمنّونها و ترغبون فیها و أصبحت تغضبكم و ترضیكم ، لیست بداركم و لا منزلكم الّذی خلقتم له ، و لا

[ 157 ]

الّذی دعیتم إلیه ، ألا و إنّها لیست بباقیة لكم ، و لا تبقون علیها ، و هی و إن غرّتكم منها فقد حذّرتكم شرّها .

فدعوا غرورها لتحذیرها ، و إطماعها لتخویفها ، و سابقوا فیها إلى الدّار الّتی دعیتم إلیها ، و انصرفوا بقلوبكم عنها و لا یحنّن أحدكم حنین الأمة على ما زوی عنه منها ، و استتمّوا نعمة اللّه علیكم بالصّبر على طاعة اللّه ، و المحافظة على ما استحفظكم من كتابه .

ألا و إنّه لا یضرّكم شی‏ء من دنیاكم بعد حفظكم قآئمة دینكم .

ألا و إنّه لا ینفعكم بعد تضییع دینكم شی‏ء حافظتم علیه من أمر دنیاكم .

أخذ اللّه بقلوبنا و قلوبكم إلى الحقّ ، و ألهمنا و إیّاكم الصّبر .

اللغة

( خاتم رسله ) بفتح التآء و كسرها و ( أطمعه ) إطماعا أوقعه فی الطمع و ( حنّ ) یحنّ حنینا استطرب و الحنین الشّوق و شدّة البكاء و الطرب أو صوت الطرب عن حزن أو فرح ، و فی بعض النسخ بالخاء المعجمة قال فی القاموس و الحنین كالبكاء أو الضحك فی الأنف و قد خنّ یخنّ ، و قال علم الهدى فی كتاب الغرر و الدّرر فی قول ابن أراكة الثقفی :

فقلت لعبد اللّه إذ حنّ باكیا
تعزّ و ماء العین منهمر یجرى

تبین فان كان البكاء ردّ هالكا
على أحد فاجهد بكاك على عمرو

[ 158 ]

قوله : حنّ باكیا رفع صوته بالبكاء و قال : قال قوم الخنین بالخاء المعجمة من الأنف و الحنین من الصّدر ، و هو صوت یخرج من كلّ واحد منهما و ( زوى ) الشی‏ء زیّا و زویّا جمعه و قبضه .

الاعراب

الضمیر فی قوله زوى عنه راجع إلى أحدكم و فی بعض النسخ بدله عنها فیرجع إلى الامّة و الأوّل أظهر ، و إضافة قائمة إلى دینكم لامیّة و تحتمل أن تكون بیانیّة كما نشیر الیه فی شرح معناه .

المعنى

اعلم أنّ مدار هذه الخطبة الشریفة على فصول :

الفصل الاول فی نبذ من ممادح الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم

و هو ( أمین وحیه ) أى مأمون على ما اوحى إلیه من الكتاب الكریم و شرایع الدّین القویم من التحریف و التبدیل فیما امر بتبلیغه لمكان العصمة الموجودة فیه صلوات اللّه و سلامه علیه و آله ( و خاتم رسله ) أى آخرهم لیس بعده رسول كما قال سبحانه : ما كان محمّد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول اللّه و خاتم النبیّین قال فی الصّافی : آخرهم الذی ختمهم أو ختموا به على اختلاف القرائتین .

و فی مجمع البحرین : و محمّد خاتم النّبیّین یجوز فیه فتح التآء و كسرها فالفتح بمعنى الزینة مأخوذ من الخاتم الذی هو زینة للابسه و بالكسر اسم فاعل بمعنى الآخر ( و بشیر رحمته و نذیر نقمته ) أى مبشّر برحمته الواسعة ، و الثواب الجزیل و مخوّف من عقوبته الدّائمة و العذاب الوبیل كما قال عزّ من قائل :

إنّا أرسلناك بالحقّ بشیراً و نذیراً .

الفصل الثانی فی الاشارة إلى بعض وظایف الخلافة

و هو قوله علیه السّلام ( أیّها

[ 159 ]

النّاس إنّ أحقّ النّاس بهذا الأمر ) أى أمر الخلافة و الامامة ( أقواهم علیه ) أى أكملهم قدرة و قوّة على السیاسة المدنیّة و على كیفیّة تدبیر الحرب ( و أعلمهم بأمر اللّه فیه ) أى أكثرهم علما بأحكامه سبحانه فی هذا الأمر و فی بعض النّسخ « و أعملهم بأمر اللّه » بدله هذا و یدلّ على ذلك أعنی كون الأقوى و الأعلم أحقّ بالریاسة من غیره صریحا قوله سبحانه الم تر إلى الملاء من بنی إسرائیل من بعد موسى إذ قالوا لنبیّ لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل فی سبیل اللّه و قال لهم نبیّهم إنّ اللَّه قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنّى یكون له الملك علینا و نحن أحقّ بالملك منه و لم یؤت سعة من المال قال إنّ اللَّه اصطفیه علیكم و زاده بسطة فی العلم و الجسم و اللّه یؤتی ملكه من یشآء و اللَّه واسع علیم فقد ردّ استبعادهم لتملّكه بفقره بأنّ العمدة فی ذلك اصطفآء اللّه و قد اختاره علیكم و هو أعلم بالمصالح و بأنّ الشرط فیه وفور العلم لیتمكّن به من معرفة الامور السیاسیة ، و جسامة البدن ، لیكون أعظم وقعا فی القلوب و أقوى على مقاومة العدوّ و مكایدة الحروب ، لا ما ذكرتم .

و كیف كان فقد دلّت هذه الآیة الشریفة كقول الامام علیه السّلام على بطلان ملك المفضول و خلافته مضافین إلى قوله تعالى : افمن یهدى إلى الحقّ احقّ ان یتبع امّن لا یهدّى إلاّ ان یهدی و قوله : قل هل یستوى الّذین یعلمون و الّذین لا یعلمون .

فانقدح من ذلك فساد ما توهّمه الشارح المعتزلی من أنّ قوله علیه السّلام لا یدلّ على بطلان امامة المفضول لأنّه علیه السّلام ما قال إنّ امامة غیر الأقوى فاسدة و لكنه قال إنّ الأقوى أحقّ و أصحابنا لا ینكرون أنه علیه السّلام أحقّ ممن تقدّمه بالامامة مع قولهم بصحّة امامة المتقدّمین لأنه لا منافاة بین كونه أحقّ و بین صحّة إمامة غیره .

وجه انقداح الفساد أنّ أحقّیته و إن كانت لا تنافی بحسب الوضع اللّغوی حقیقیّة غیره كما هو مقتضى وضع أفعل التفضیل إلاّ أنّ الظاهر عدم إرادة الأفضلیّة هنا بل نفس الفضل كما فی قوله : و اوُلو الأرحام بعضهم أولى ببعض حیث یستدلّون به

[ 160 ]

على حجب الأقرب للأبعد و كذلك فی قوله أحقّ أن یتّبع و إلاّ لما استحقّ متبعو غیر الأحقّ بالتوبیخ و الملام المستفاد من ظاهر الاستفهام ، مضافا إلى تشدید التقریع بقوله عقیب الآیة فما لكم كیف تحكمون .

فان قلت : حمل أفعل على غیر معناه اللّغوی مجاز لا یصار إلیه إلاّ بقرینة تدلّ علیه فما القرینة علیه ؟

قلت : القراین المنفصلة من العقل و النقل فوق حدّ الاحصاء و أمّا القرینة المتّصلة فهی قوله : ( فان شغب شاغب ) أی أثار الشرّ و الفساد ( استعتب ) و طلب عتباه و رجوعه إلى الحقّ ( فان أبى قوتل ) فانّ جواز قتال الآبی و قتله لیس إلاّ لعدم جواز عدوله عن الأحقّ إلى غیره فیعلم منه أنّ غیره غیر حقیق للقیام بالأمر كما لا یخفى ، فافهم و تدبّر هذا .

و لما كان معاویة و أهل الشّام و أكثر من عدل عنه علیه السّلام و نكث عن بیعته قادحین فی خلافته طاعنین فی امامته بأنّه لم یكن عقد بیعته برضا العامّة و حضورها أشار إلى بطلان زعمهم و فساده بقوله : ( و لعمری لئن كانت الامامة لا تنعقد حتّى تحضرها عامّة النّاس ) كما یزعمه هؤلاء و یحتجّون به علىّ ( ما ) كان ( إلى ذلك سبیل ) لتعذّر اجتماع المسلمین على كثرتهم و انتشارهم فی مشارق الأرض و مغاربها ( و لكن أهلها ) أى أهل الامامة أو البیعة الحاضرون من أهل الحلّ و العقد یعقدون البیعة و ( یحكمون على من غاب عنها ثمّ لیس للشاهد أن یرجع ) عن بیعته كما رجع زبیر و طلحة ( و لا للغائب ) كمعاویة و أتباعه ( أن یختار ) أى یكون لهم اختیار بین التسلیم و الامتناع .

قال الشّارح المعتزلی و هذا الكلام أعنى قوله علیه السّلام و لعمرى إلى آخره تصریح بمذهب أصحابنا من أنّ الاختیار طریق إلى الامامة و مبطل لما یقوله الامامیة من دعوى النّص علیه و من قولهم لا طریق الى الامامة سوی النصّ أو المعجز انتهى .

و فیه نظر أمّا أوّلا فلأنّه علیه السّلام إنّما احتجّ علیهم بالاجماع إلزاما لهم لاتّفاقهم على العمل به فی خلافة أبی بكر و أخویه و عدم تمسّكه علیه السّلام بالنصّ لعلمه بعدم « ج 10 »

[ 161 ]

التفاتهم إلیه كیف و قد أعرضوا عنه فی أوّل الأمر مع قرب العهد بالرسول صلّى اللّه علیه و آله و سماعهم منه علیه السّلام و أمّا ثانیا فلأنّه علیه السّلام لم یتعرّض للنصّ نفیا و لا إثباتا فكیف یكون مبطلا لما ادّعاه الامامیّة من النصّ .

و العجب أنّه جعل هذا تصریحا بكون الاختیار طریقا إلى الامامة و نفى الدلالة فی قوله علیه السّلام : إنّ أحقّ النّاس بهذا الأمر اه ، على نفى إمامة المفضول مع أنّه لم یصرّح بأنّ الامامة تنعقد بالاختیار بل قال لا یشترط فی انعقاد الامامة حضور العامة و لا ریب فی ذلك نعم یدلّ بمفهومه على ذلك و هذا تقیّة منه علیه السّلام .

و لا یخفى على من تتبّع سیره أنّه لم یكن یمكنه إنكار خلافتهم و القدح فیها صریحا فی المحافل فلذا عبّر بكلام موهم لذلك و قوله علیه السّلام : و أهلها یحكمون و إن كان موهما له أیضا لكن یمكن أن یكون المراد بالأهل الأحقّآء بالامامة و یكون الضمیر فیه راجعا إلیهم .

و لا یخفى أنّ ما مهدّه علیه السّلام أولا بقوله : إنّ أحقّ النّاس أقواهم یشعر بأنّ عدم صحّة رجوع الشاهد و اختیار الغایب إنّما هو فی صورة الاتفاق على الأحقّ دون غیره فتأمل .

ثمّ ذكر من یسوغ له علیه السّلام قتاله فقال : ( ألا و إنّی اقاتل رجلین رجلا ادّعى ما لیس له و آخر منع الّذی علیه ) یحتمل أن یكون الأوّل إشارة إلى أصحاب الجمل و الثانی إلى معاویة و أتباعه و یحتمل العكس .

فعلى الأوّل فالمراد من ادّعائهم ما لیس لهم الخلافة أو المطالبة بدم عثمان فانه لم یكن لهم ذلك و إنما كان ذلك حقّا لوارثه و من منعهم بما وجب علیهم هو البیعة و بذل الطاعة .

و على الثانی فالمراد من ما لیس له أیضا الخلافة أو دعوى الولایة لدم عثمان و المطالبة به و من منع ما وجب علیه هو المضیّ على البیعة و الاستمرار علیه أو سایر الحقوق الواجبة علیهم .

الفصل الثالث فی الوصیّة بما لا یزال یوصى به و الاشارة إلى أحكام البغاة

[ 162 ]

إجمالا و هو قوله علیه السّلام ( اوصیكم عباد اللّه بتقوى اللّه ) الّتی هی الزاد و بها المعاد ( فانّها خیر ما تواصى العباد به و خیر عواقب الامور عند اللّه ) یعنی أنّها خیر أواخر الامور لكونها خیر ما ختم به العمل فی دار الدّنیا أو أنّ عاقبتها خیر العواقب ( و قد فتح باب الحرب بینكم و بین أهل القبلة ) أى الآخذین بظاهر الاسلام ( و لا یحمل هذا العلم ) أى العلم بوجوب قتال أهل القبلة و بشرایطه و فی بعض النّسخ هذا العلم محرّكة فیكون إشارة إلى حرب أهل القبلة و القیام به أى لا یحمل علم الحرب و لا یحارب ( إلاّ أهل البصر و الصبر ) أى أهل البصیرة و العقل و أهل الصّبر و التحمّل على المكاره ( و العلم بمواقع الحقّ ) و ذلك لأنّ المسلمین كانوا یستعظمون حرب أهل القبلة و من أقدم منهم علیه أقدم على خوف و حذر ، فقال علیه السّلام إنّ هذا العلم لیس یدركه كلّ أحد و إنّما له قوم مخصّصون .

قال الشّافعی : لولا علیّ علیه السّلام لما علم شی‏ء من أحكام أهل البغى و هو كما قال ( فامضوا لما تؤمرون به و قفوا عند ما تنهون عنه و لا تعجلوا فی أمر ) و لا تسرعوا فی إنكاره و ردّه إذا استبعدتموه بأوهامكم ( حتّى تتبیّنوا ) و تثبّتوا و تسألوا عن فایدته و علّته ( فانّ لنا مع كلّ أمر تنكرونه ) و تستبعدونه ( غیرا ) .

قال الشّارح المعتزلی أى لست كعثمان اصرّ على ارتكاب ما أنهى عنه بل أغیر كلّ ما ینكره المسلمون و یقتضى الحال و الشرع تغییره .

و قال الشارح البحرانى : أى إنّ لنا مع كلّ أمر تنكرونه قوّة على التغییر إن لم یكن فی ذلك الأمر مصلحة فی نفس الأمر فلا تسرعوا إلى إنكار أمر لفعله حتى تسألوا عن فائدته فانه یمكن أن یكون انكاركم لعدم علمكم بوجهه .

قال العلاّمة المجلسیّ « ره » و یمكن أن یكون المعنى أنّ لنا مع كلّ أمر تنكرونه تغییرا أى ما یغیّر إنكاركم ، و یمنعكم عنه من البراهین السّاطعة أو الأعم منها و من السّیوف القاطعة إن لم ینفعكم البراهین .

أقول : و ذلك مثل ما وقع منه فی أمر الخوارج فانّهم لمّا نقموا علیه ما نقموا روّعهم عن الانكار علیه بالبیانات الشافیة و الحجج الوافیة حتّى ارتدع منهم ثمانیة

[ 163 ]

آلاف و كانوا اثنى عشر ألفا و لمّا أصرّ الباقون و هم أربعة آلاف على اللّجاج ، و لم ینفعهم الاحتجاج ، قطع دابرهم بسیف یفلق الهام ، و یطیح السواعد و الأقدام .

تذر الجماجم ضاحیا هاماتها
بله الأكفّ . كأنّها لم تخلق

حسب ما عرفته تفصیلا فى شرح الخطبة السادسة و الثلاثین و غیرها .

ثمّ أخذ فی التنفیر عن الدّنیا و التّزهید فیها بقوله ( ألا و إنّ هذه الدّنیا ) الاتیان باسم الاشارة للتحقیر كما فی قوله تعالى : أ هذا الّذی یذكر آلهتكم ، و فی الاتیان بالموصول أعنی قوله : ( الّتی أصبحتم تتمنّونها و ترغبون فیها و أصبحت تغضبكم و ترضیكم ) تنبیه على خطاء المخاطبین ، و توبیخ لهم بأنّهم یرغبون فی شی‏ء یخلصون المحبّة له و هو لا یراعی حقّهم بل یغضبهم تارة ، و یرضیهم اخرى و نظیر هذا الموصول المسوق للتنبیه على الخطاء ما فی قوله :

إنّ الّذین ترونهم إخوانكم
یشفى غلیل صدورهم أن تصرعوا

یعنی أنّ هذه الدّنیا مع تمنّیكم لها و فرط رغبتكم فیها و مع عدم إخلاصها المحبّة لكم ( لیست بداركم ) الّتی یحقّ أن تسكنوا فیها ( و لا منزلكم الذی خلقتم له ) و للاقامة فیه ( و لا الّذی دعیتم إلیه ) و إلى التوطن فیه ( ألا و إنّها لیست بباقیة لكم و لا تبقون علیها ) و إلى هذا ینظر قوله علیه السّلام :

أرى الدّنیا ستؤذن بانطلاق
مشمّرة على قدم و ساق

فلا الدّنیا بباقیة لحیّ
و لا حىّ على الدّنیا بباق

یعنی أنّها دار فناء لا تدوم لأحد و لا یدوم أحد فیها ( و هى و إن غرّتكم منها ) بما زینتكم من زخارفها و إغفالكم عن فنائها ( فقد حذّرتكم شرّها ) بما أرتكم من آفاتها و فنائها و ما ابتلیتم فیها من فراق الأحبّة و الأولاد و نحوها ( فدعوا غرورها ) الیسیر ( لتحذیرها ) الكثیر ( و أطماعها ) الكاذب ( لتخویفها ) الصّادق .

( و سابقوا فیها ) بالخیرات و الأعمال الصّالحات ( إلى الدّار الّتی دعیتم إلیها ) و هی الجنّة الّتی عرضها الأرض و السّماوات ( و انصرفوا بقلوبكم عنها ) إلى ما لم یخطر على قلب بشر ممّا تشتهیه الأنفس و تلذّ الأعین و جمیع الامنیّات ( و لا یحنن أحدكم حنین الأمة على ما زوی ) و صرف ( عنه منها ) و هو نهى عن الأسف على الدّنیا

[ 164 ]

و الحزن و البكاء على ما فاته منها ، و قبض عنه من قیناتها و زخارفها .

و التشبیه بحنین الأمة لأنّ الاماء كثیرا ما یضربن و یبكین و یسمع الحنین منهنّ و الحرائر یأنفن من البكاء و الحنین ( و استتمّوا نعمة اللّه علیكم بالصّبر على طاعة اللّه ) أى بالصبر و التحمّل على مشاقّ العبادات أو بالصبر على المصائب و البلایا طاعة له سبحانه ، و على أىّ حال فهو من الشكر الموجب للمزید ( و ) به یطلب تمام النعمة فی الدنیا و الآخرة كما قال عز من قائل : « إنما یوفّى الصابرون أجرهم بغیر حساب » كما یطلب تمامها ب ( المحافظة على ما استحفظكم من كتابه ) أى بالمواظبة على ما طلب منكم حفظه و المواظبة علیه من التكالیف الشرعیّة الواردة فی كتابه العزیز لأنّ المواظبة على التكالیف و الطاعات سبب عظیم لافاضة النعماء و الخیرات .

و أكّد الأمر بالمحافظة بقوله ( ألا و إنّه لا یضرّكم تضییع شی‏ء من دنیاكم بعد حفظكم قائمة دینكم ) لعلّ المراد بقائمة الدّین اصوله و ما یقرب منها و على كون الاضافة بیانیّة فالمراد بقائمته نفس الدّین إذ به قوام أمر الدّنیا و الآخرة .

ثمّ نبّه على عدم المنفعة فی الدّنیا مع فوات الدّین فقال : ( ألا و إنّه لا ینفعكم بعد تضییع دینكم شی‏ء حافظتم علیه من أمر دنیاكم ) و ذلك واضح لأنّ أمور الدّنیاویّة مع تضییع الدّین لا تنتفع بشی‏ء منها فی الآخرة البتة .

و ختم الكلام بالدّعاء لنفسه و لهم و قال : ( أخذ اللّه بقلوبنا و قلوبكم إلى الحقّ ) و هدانا إلى سلوك سبیله ( و ألهمنا و إیّاكم الصبر ) على مصیبته و طاعته و معصیته لأنّ من صبر عند المصیبة حتى یردّها بحسن عزائها كتب اللّه له ثلاثمأة درجة ما بین الدّرجة الى الدّرجة كما بین السماء و الأرض ، و من صبر على الطاعة كتب اللّه له ستمأة درجة ما بین الدّرجة الى الدّرجة كما بین تخوم الأرض إلى العرش ، و من صبر عن المعصیة كتب اللّه له تسعمأة درجة ما بین الدّرجة إلى الدّرجة كما بین تخوم الأرض إلى منتهى العرش .

رواه فی الوسائل من الكافی عن أمیر المؤمنین علیه السّلام عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قد تقدّم روایته مع أخبار اخر فی فضل الصبر فی شرح الخطبة الخامسة و السّبعین و وعدنا هناك إشباع الكلام فیه أى فی الصبر و فضله و أقسامه فها نحن الآن نفی بما وعدناك بتوفیق من اللّه سبحانه و من منّه .

[ 165 ]

فاقول : إنّ الصبر على ما عرفت فیما تقدّم عبارة عن ملكة راسخة فی النفس یقتدر معها على تحمّل المكاره و قد أكثر اللّه سبحانه من مدحه فی كتابه العزیز ، و بشّر الصّابرین و ذكّرهم فی آیات تنیف على سبعین قال سبحانه : إنّما یوفّى الصابرون أجرهم بغیر حساب ، و قال : و بشّر الصّابرین الّذین إذا أصابتهم مصیبة قالوا إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون ، و قال : و جعلنا منهم أئمّة یهدون بأمرنا لمّا صبروا ، و قال :

و جزیهم ربّهم بما صبروا جنّة و حریراً ، إلى غیر هذه مما لا نطیل بذكرها .

و أما الأخبار فی فضله و فضل الصّابرین فهى فوق حدّ الاحصاء منها ما فی الكافی عن العلاء بن الفضیل عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : الصّبر من الایمان بمنزلة الرأس من الجسد فاذا ذهب الرأس ذهب الجسد كذلك إذا ذهب الصّبر ذهب الایمان .

و عن أبی بصیر قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول إنّ الحرّ حرّ على جمیع أحواله إن نابته نائبة صبر لها و إن تداكّت علیه المصائب لم یكسره و إن اسر و قهر و استبدل بالیسر عسرا كما كان یوسف الصدیق الأمین علیه السّلام لم یضرره حریّته أن استعبد و قهر و اسر و لم یضرره ظلمة الجبّ و وحشته و ما ناله أن منّ اللّه جلّ و عزّ علیه فجعل الجبّار العاتی له عبدا بعد إذ كان مالكا فأرسله و رحم به اللّه و كذلك الصّبر یعقّب خیرا فاصبروا و وطّنوا أنفسكم على الصّبر توجروا .

و عن حمزة بن حمران عن أبی جعفر علیه السّلام قال : الجنّة محفوفة بالمكاره و الصّبر ، فمن صبر على المكاره فی الدّنیا دخل الجنّة ، و جهنّم محفوفة باللّذات و الشهوات فمن أعطى نفسه لذّتها و شهوتها دخل النّار .

و عن سماعة بن مهران عن أبی الحسن علیه السّلام قال : قال لی : ما حبسك عن الحجّ ؟

قال : قلت : جعلت فداك وقع علىّ دین كثیر و ذهب مالی ، و دینی الّذى قد لزمنی هو أعظم من ذهاب مالى فلولا أنّ رجلا من أصحابی أخرجنی ما قدرت أن أخرج فقال علیه السّلام : إن تصبر تغتبط و إلاّ تصبر ینفذ اللّه مقادیرها راضیا كنت أم كارها .

و عن أبی حمزة الثمالی قال : قال لی أبو عبد اللّه علیه السّلام من ابتلى من المؤمنین ببلاء فصبر علیه كان له مثل أجر ألف شهید .

و عن محمّد بن عجلان قال : كنت عند أبی عبد اللّه علیه السّلام فشكى إلیه رجل الحاجة

[ 166 ]

فقال : اصبر فانّ اللّه سیجعل لك فرجا قال : ثمّ سكت ساعة ثمّ أقبل على الرجل فقال : أخبرنی عن سجن الكوفة كیف هو ؟ فقال : أصلحك اللّه ضیّق منتن و أهله بأسوء حال ، قال علیه السّلام : فانّما أنت فی السجن فترید أن تكون فیه فی سعة أما علمت أنّ الدّنیا سجن المؤمن ، إلى غیر هذه ممّا لا نطیل بذكرها .

فان قلت : ما معنى قوله فی الحدیث الأوّل الصّبر من الایمان بمنزلة الرّأس من الجسد ؟

قلت : لما كان قوام الجسد و تمامه و كماله إنّما هو بالرأس و به یتمّ تصرّفاته و یتمكّن من الآثار المترتّبة علیه لا جرم شبّه علیه السّلام الصّبر بالرّأس و الایمان بالجسد لأنّ كمال الایمان و تمامه إنما هو به ، أمّا على القول بأنّ الایمان عبارة عن مجموع العقاید الحقّة و الأعمال فواضح ، و أمّا على القول بأنّ العمل لیس جزء منه بل هو شرط الكمال فلأنّ الجسد إنّما یكمل بالرأس كما أنه یوجد بوجوه ، فوجه الشّبه هو وصف الكمال فقط و لا یجب فی تشبیه شی‏ء بشی‏ء وجود جمیع أوصاف المشبّه به فی المشبّه .

و لكنّ الظاهر من قوله : كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الایمان هو كون العمل هو جزء من الایمان المستلزم ذهابه لذهابه الاّ أن یراد منه الایمان بالكمال و قد تقدّم تحقیق الكلام فیه فیما سبق .

و مما ذكرنا أیضا ظهر وجه ما روى عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله من أنّ الصبر نصف الایمان و ذلك لأنّ الایمان إذا كان عبارة عن مجموع المعارف الیقینیّة الحقّة و عن العمل بمقتضى تلك المعارف ، فیكون حینئذ مركبا منهما ، و معلوم أنّ العمل أعنى المواظبة على الطاعات و الكفّ عن المعاصی لا یحصل إلاّ بالصبر على مشاقّ الطاعة للیقین بكونها نافعة ، و ترك لذائذ المعصیة للیقین بكونها ضارّة فعلى هذا الاعتبار یصحّ كونه نصف الایمان .

و ذكر الغزالی له وجها آخر محصّله أن یجعل المراد من الایمان الأحوال المشمئزة للأعمال و جمیع ما یلاقی العبد ینقسم إلى ما ینفعه فی الدّنیا و الآخرة أو یضرّه فیهما ، و له بالاضافة إلى ما یضرّه حال الصبر ، و بالاضافة إلى ما ینفعه حال الشكر ، فیكون الصبر أحد شطرى الایمان كما أنّ الشكر شطره الآخر و لذلك

[ 167 ]

روى عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله مرفوعا الایمان نصفان : نصف صبر ، و نصف شكر .

ثم ان الصبر تختلف أسامیه باختلاف موارده و بالاضافة إلى ما یصبر عنه من مشتهیات الطبع و مقتضیات الهوى ، و ما یصبر علیه مما ینفرّ عنه الطبع من المكاره و الاذی .

فان كان صبرا عن شهوة الفرج و البطن ، سمّی عفة ، و إن كان فی مصیبة اقتصر على اسم الصّبر و تضادّه حالة تسمى الجزع ، و إن كان فی احتمال الغنى سمّى ضبط النفس و یضادّه البطر ، و إن كان فی حرب و مقاتلة سمّى شجاعة و یضادّه الجبن و إن كان فی كظم الغیظ و الغضب سمّى حلما و یضادّه التذمّر و السفه و إن كان فی نائبة من نوائب الزّمان سمّى سعة الصّدر و یضادّه الضجر و ضیق الصّدر ، و إن كان فی إخفاء كلام سمّى كتمان السرّ و إن كان عن فضول العیش سمّى زهدا ، و یضادّه الحرص و إن كان على قدر یسیر من الحظوظ سمّى قناعة و یضادّه الشّره .

و بالجملة فأكثر مكارم الایمان داخل فی الصّبر و لأجل ذلك لمّا سئل النبیّ صلّى اللّه علیه و آله مرّة عن الایمان فقال : هو الصّبر لأنه اكثر أعماله و أعزّها هذا .

و أما أقسامه فقد فصّلها أبو حامد الغزالی فی كتاب احیاء العلوم و ملخّصها أنّ جمیع ما یلقى العبد فی هذه الحیاة لا یخلو من نوعین أحدهما هو الّذی یوافق هواه و الآخر هو الّذی یخالفه ، و هو محتاج إلى الصبر فی كلّ منهما فهو إذا لا یستغنى قطّ عن الصّبر .

النوع الاول ما یوافق الهوى و هو الصّحة و السلامة و المال و الجاه و كثرة العشیرة و اتساع الاسباب و كثرة الأتباع و الأنصار و جمیع ملاذّ الدّنیا و ما أحوج العبد إلى الصبر على هذه الامور فانه إن لم یضبط نفسه عن الرّكون إلیها و الانهماك فی ملاذّها المباحة أخرجه ذلك إلى البطر و الطغیان ، فانّ الانسان لیطغى أن رآه استغنى .

النوع الثانى ما لا یوافق الهوى و هو على ثلاثة أقسام لأنه إمّا أن یرتبط باختیار العبد كالطاعات و المعاصی ، و إمّا أن لا یرتبط باختیاره كالآلام و المصائب و إمّا أن لا یرتبط باختیاره و لكن له اختیار فی إزالته كالتشفّى من المؤذی بالانتقام منه .

أما القسم الاول و هو ما یرتبط باختیار العبد فعلى ضربین .

الضرب الأول الطاعات و العبد یحتاج إلى الصبر علیها ، و التحمّل عن مشاقّها

[ 168 ]

لأنّ النفس بالطبع تنفرّ عن العبودیّة و تشتهى الرّبوبیّة ، و لذلك قال بعض العارفین ما من نفس إلاّ و هى مضمرة ما أظهره فرعون من قوله أنا ربّكم الأعلى و لكن فرعون وجد له مجالا و قبولا من قومه ، فأظهره و أطاعوه و ما من أحد إلاّ و یدعى ذلك مع عبده و خادمه و أتباعه و كلّ من هو تحت قهره و طاعته و إن كان ممتنعا من إظهاره .

ثمّ نفرة النّفس عن العبادة إمّا بسبب الكسل كالصّلاة و إمّا بسبب البخل كالزكاة أو بسببهما كالحجّ و الجهاد و العبد محتاج إلى الصّبر فی جمیعها .

الضرب الثانى المعاصی و تركها و الكفّ عنها أصعب عن النفس لرغبتها بالطبع إلیها فیحتاج إلى الصبر عنها و أشدّ أنواع الصبر عن المعاصی الصبر على المعاصی المألوفة المعتادة كحصائد الألسنة من الكذب و الغیبة و البهتان و نحوها فمن لم یتمكن من الصّبر عنها فیجب علیه العزلة و الانفراد لأنّ الصّبر على الانفراد أهون من الصّبر على السكوت مع المخالطة ، و تختلف شدّة الصّبر فی آحاد المعاصی باختلاف دواعی المعصیة قوّة و ضعفا .

و أما القسم الثانى و هو ما لا یرتبط باختیار العبد أصلا فكالمصائب و البلایا و الآلام و الأسقام من فقد الأحبّة و موت الأعزّة و ذهاب المال و تبدّل الصحّة بالمرض و الغنى بالفقر ، و البصر بالعمى ، و غیرها و الصّبر على هذه هو الذی بشّر الموصوفون به فی الآیة الكریمة بقوله سبحانه : و لنبلونّكم بشی‏ء من الخوف و الجوع و نقص من الأموال و الأنفس و الثمرات و بشّر الصّابرین ، الّذین إذا أصابتهم مصیبة قالوا إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون و أوحى سبحانه إلى داود علیه السّلام یا داود : ترید و ارید و إنّما یكون ما ارید فان سلّمت لما ارید كفیتك ما ترید و إن لم تسلم لما ارید أتعبتك فیما ترید ثمّ لا یكون إلاّ ما ارید .

و أما القسم الثالث و هو ما لا یرتبط هجومه باختیاره و له اختیار فی دفعه كما لو اوذى بفعل أو قول و جنى علیه فی نفسه أو ماله أو نحو ذلك فالصّبر على ذلك بترك المكافاة ، و الانتقام تارة یكون واجبا و تارة یكون مندوبا قال تعالى :

و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم فهو خیر للصابرین .

و عن الانجیل قال عیسى بن مریم علیه السّلام : لقد قیل لكم من قبل إنّ السنّ

[ 169 ]

بالسنّ و الأنف بالأنف و أنا أقول لكم لا تقاوموا الشرّ بالشرّ بل من ضرب خدّك الأیمن فحوّل إلیه الخدّ الأیسر و من أخذ رداءك فأعطه إزارك و من سخّرك لتسیر معه میلا فسر معه میلین ، و كلّ ذلك أمر بالصّبر على الأذى .

و فی الكافی عن حفص بن غیاث قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام یا حفص : إنّ من صبر صبر قلیلا و إنّ من جزع جزع قلیلا . ثمّ قال : علیك بالصّبر فی جمیع امورك فانّ اللّه عزّ و جلّ بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله فأمره بالصبر و الرفق فقال : « و اصبر على ما یقولون و اهجرهم هجراً جمیلا و ذرنى و المكذّبین اُولى النعمة » و قال تبارك و تعالى : ادفع بالّتی هی أحسن السّیئة فاذا الّذی بینك و بینه عداوة كأنّه ولیّ حمیم و ما یلقّیها إلاّ الذین صبروا و ما یلقّیها إلاّ ذو حظّ عظیم .

فصبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حتّى نالوه بالعظائم و رموه بها فضاق صدره فأنزل اللّه جلّ و عزّ و لقد نعلم أنّك یضیق صدرك بما یقولون فسبّح بحمد ربّك و كن من السّاجدین .

ثمّ كذّبوه و رموه فحزن لذلك صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فأنزل اللّه عزّ و جلّ : قد نعلم إنّه لیحزنك الّذی یقولون فانّهم لا یكذّبونك و لكنّ الظالمین بآیات اللَّه یجحدون و لقد كذّبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذّبوا و اُوذوا حتّى أتاهم نصرنا فألزم النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نفسه الصّبر فتعدّوا ، فذكروا اللّه عزّ و جلّ و كذبوه فقال : قد صبرت فی نفسی و أهلی و عرضی و لا صبر لی على ذكر إلهی فأنزل اللّه عزّ و جلّ :

و لقد خلقنا السّماوات و الأرض و ما بینهما فی ستّة أیّام و ما مسّنا من لغوب فاصبر على ما یقولون فصبر صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی جمیع أحواله .

ثمّ بشّر فی عترته بالأئمة و وصفوا بالصّبر فقال جلّ ثناؤه « و جعلنا منهم أئمّة یهدون بأمرنا لمّا صبروا و كانوا بآیاتنا یوقنون » فعند ذلك قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله الصبر من الایمان كالرأس من الجسد ، فشكر اللّه عزّ و جلّ له فأنزل اللّه : و تمّت كلمة ربّك الحسنى على بنی إسرائیل بما صبروا و دمّرنا ما كان یصنع فرعون و قومه و ما كانوا یعرشون فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله إنّه بشرى و انتقام .

[ 170 ]

فأباح اللّه عزّ و جلّ قتال المشركین فأنزل : اقتلوا المشركین حیث وجدتموهم و خذوهم و احصروهم و اقعدوا لهم كلّ مرصد و اقتلوهم حیث ثقفتموهم فقتلهم اللّه على یدى رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أحبائه و جعل له ثواب صبره « و عجّل اللّه الثواب خ » مع ما ادّخر له فی الآخرة فمن صبر و احتسب لم یخرج من الدّنیا حتّى یقرّ اللّه جلّ و عزّ عینه فی أعدائه مع ما یدّخر له فی الآخرة .

اللّهمّ اجعلنا صابرین على بلائك ، راضین بقضائك ، شاكرین على نعمائك ،

متمسّكین بالعروة الوثقى و الحبل المتین من ولایة أولیائك محمّد و عترته الطّاهرین صلواتك علیهم أجمعین .

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن ولی ربّ العالمین و وصیّ خاتم النبیّین است متضمّن مدایح حضرت رسالت صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و مبیّن بعض وظایف امامت و مشتمل بر فضیلت تقوى و پرهیزكارى و مذمّت بیوفائى دنیاى فانی میفرماید :

پیغمبر خدا صلّى اللّه علیه و آله امین وحى پروردگار است ، و ختم كننده پیغمبران حضرت آفریدگار ، و مژده دهنده است برحمت او ، و ترساننده است از عقوبت آن ، اى مردمان بدرستى قابل و لایق مردمان باین أمر خلافت قوى‏ترین ایشان است بر او و داناترین ایشان است بأوامر خدا در آن ، پس اگر كسى مهیّج شرّ و فساد بشود طلب مى‏شود رجوع او بسوى حق ، و اگر امتناع نماید باید مقاتله بشود .

قسم بزندگانی خودم اگر باشد امامت اینكه منعقد نباشد تا اینكه حاضر بشود عموم خلایق نیست بسوى او هیچ طریق ، و لیكن أهل امامت حكم میكنند بهر كس كه غایب بشود در مجلس بیعت پس از آن نیست حاضر را اینكه رجوع نماید از بیعتی كه نموده و نه غایب را اینكه صاحب اختیار باشد .

آگاه باشید كه بدرستیكه من مقاتله میكنم با دو كس یكى آنكه ادّعا نماید چیزى را كه حقّ او نیست و دیگرى آنكه منع نماید حقّی را كه بر ذمه او است .

[ 171 ]

وصیّت میكنم من شما را اى بندگان خدا بتقوى و پرهیزكارى خدا پس بدرستیكه آن تقوى بهترین چیزیست كه وصیت كرده‏اند بندگان بآن ، و بهترین عواقب اموراتست نزد خدا ، و بتحقیق مفتوح شد باب جنگ در میان شما و در میان أهل قبله ، و حامل نمیشود این علم بوجوب قتال أهل قبله را مگر أهل بصیرت و صبر ،

و مگر صاحب علم بمواضع حق پس امضاء بكنید هر چیزى را كه مأمور میشوید بآن و توقف نمائید نزد چیزیكه نهى كرده میشوید از آن ، و تعجیل نكنید در كارى تا اینكه درست بفهمید حقیقت آن را پس بدرستیكه ما راست با هر چیزى كه شما انكار نمائید آن را تغییر و تبدیلی .

آگاه باشید بدرستیكه این دنیا كه صباح كردید شما در حالتیكه آرزو میكنید آنرا و رغبت مینمائید در آن ، و صباح كرد آن در حالتیكه شما را گاهى بغضب میآورد و گاهى خوشنود مینماید ، نیست آن خانه شما و نه منزل شما كه خلق شده‏اید از براى آن منزل ، و نه جائیكه خوانده شده‏اید بسوى آن .

آگاه باشید كه آن دنیا باقی نخواهد ماند از براى شما ، و نه شما باقی خواهید ماند بر آن ، و آن اگر چه مغرور ساخته است شما را از طرف خود ، پس بتحقیق كه ترساننده است شما را از شرّ خود ، پس ترك نمائید فریفتن آنرا از براى ترساندن آن ، و طمع آوردن او را از براى تخویف آن ، و سبقت نمائید در آن بسوى خانه كه دعوت شده‏اید بسوى آن و رجوع نمائید با قلبهاى خودتان از آن دنیا .

و البته باید ناله نكند هیچ یك از شما مثل ناله كردن كنیز بآنچه كه بر چیده شده است از او از دنیا ، و طلب نمائید تمامیّت نعمت خدا را بر خودتان با صبر كردن بر طاعت خدا و با محافظت كردن بر چیزى كه خدا طلب كرده است از شما محافظت آنرا در كتاب عزیز خود .

آگاه باشید بدرستیكه ضرر نمیرساند بشما ضایع نمودن چیزى از دنیاى خودتان بعد از اینكه شما حفظ نموده باشید ستون دین خود را ، آگاه باشید كه بدرستیكه منفعت نمیبخشد بشما بعد از ضایع كردن دین خود چیزیكه محافظت

[ 172 ]

نمائید بآن از أمر دنیاى خود .

فرا گیرد خداى تبارك و تعالى قلبهاى ما و قلبهاى شما را بسوى حق و إلهام فرماید بما و شما صبر و بردبارى را .


ادامه مطلب


نظرات() 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-05:36 ب.ظ

[ 176 ] و من خطبة له ع و فیها یعظ و یبین فضل القرآن و ینهى عن البدعة عظة الناس

اِنْتَفِعُوا بِبَیَانِ اَللَّهِ وَ اِتَّعِظُوا بِمَوَاعِظِ اَللَّهِ وَ اِقْبَلُوا نَصِیحَةَ اَللَّهِ فَإِنَّ اَللَّهَ قَدْ أَعْذَرَ إِلَیْكُمْ بِالْجَلِیَّةِ وَ اِتَّخَذَ عَلَیْكُمُ اَلْحُجَّةَ وَ بَیَّنَ لَكُمْ مَحَابَّهُ مِنَ اَلْأَعْمَالِ وَ مَكَارِهَهُ مِنْهَا لِتَتَّبِعُوا هَذِهِ وَ تَجْتَنِبُوا هَذِهِ فَإِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ص كَانَ یَقُولُ إِنَّ اَلْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ وَ إِنَّ اَلنَّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اَللَّهِ شَیْ‏ءٌ إِلاَّ یَأْتِی فِی كُرْهٍ وَ مَا مِنْ مَعْصِیَةِ اَللَّهِ شَیْ‏ءٌ إِلاَّ یَأْتِی فِی شَهْوَةٍ فَرَحِمَ اَللَّهُ اِمْرَأً نَزَعَ عَنْ شَهْوَتِهِ وَ قَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ فَإِنَّ هَذِهِ اَلنَّفْسَ أَبْعَدُ شَیْ‏ءٍ مَنْزِعاً وَ إِنَّهَا لاَ تَزَالُ تَنْزِعُ إِلَى مَعْصِیَةٍ فِی هَوًى وَ اِعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ اَلْمُؤْمِنَ لاَ یُصْبِحُ وَ لاَ یُمْسِی إِلاَّ وَ نَفْسُهُ ظَنُونٌ عِنْدَهُ فَلاَ یَزَالُ زَارِیاً عَلَیْهَا وَ مُسْتَزِیداً لَهَا فَكُونُوا كَالسَّابِقِینَ قَبْلَكُمْ وَ اَلْمَاضِینَ أَمَامَكُمْ قَوَّضُوا مِنَ اَلدُّنْیَا تَقْوِیضَ اَلرَّاحِلِ وَ طَوَوْهَا طَیَّ اَلْمَنَازِلِ فضل القرآن وَ اِعْلَمُوا أَنَّ هَذَا اَلْقُرْآنَ هُوَ اَلنَّاصِحُ اَلَّذِی لاَ یَغُشُّ وَ اَلْهَادِی اَلَّذِی لاَ یُضِلُّ وَ اَلْمُحَدِّثُ اَلَّذِی لاَ یَكْذِبُ وَ مَا جَالَسَ هَذَا اَلْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلاَّ قَامَ عَنْهُ بِزِیَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ زِیَادَةٍ فِی هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ لَیْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ اَلْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ وَ لاَ لِأَحَدٍ قَبْلَ اَلْقُرْآنِ مِنْ غِنًى فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ وَ اِسْتَعِینُوا بِهِ عَلَى لَأْوَائِكُمْ فَإِنَّ فِیهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ اَلدَّاءِ وَ هُوَ اَلْكُفْرُ وَ اَلنِّفَاقُ وَ اَلْغَیُّ وَ اَلضَّلاَلُ فَاسْأَلُوا اَللَّهَ بِهِ وَ تَوَجَّهُوا إِلَیْهِ بِحُبِّهِ وَ لاَ تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ اَلْعِبَادُ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَ قَائِلٌ مُصَدَّقٌ وَ أَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ اَلْقُرْآنُ یَوْمَ اَلْقِیَامَةِ شُفِّعَ فِیهِ وَ مَنْ مَحَلَ بِهِ اَلْقُرْآنُ یَوْمَ اَلْقِیَامَةِ صُدِّقَ عَلَیْهِ فَإِنَّهُ یُنَادِی مُنَادٍ یَوْمَ اَلْقِیَامَةِ أَلاَ إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِی حَرْثِهِ وَ عَاقِبَةِ عَمَلِهِ غَیْرَ حَرَثَةِ اَلْقُرْآنِ فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَ أَتْبَاعِهِ وَ اِسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ وَ اِسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ اِتَّهِمُوا عَلَیْهِ آرَاءَكُمْ وَ اِسْتَغِشُّوا فِیهِ أَهْوَاءَكُمْ الحث على العمل اَلْعَمَلَ اَلْعَمَلَ ثُمَّ اَلنِّهَایَةَ اَلنِّهَایَةَ وَ اَلاِسْتِقَامَةَ اَلاِسْتِقَامَةَ ثُمَّ اَلصَّبْرَ اَلصَّبْرَ وَ اَلْوَرَعَ اَلْوَرَعَ إِنَّ لَكُمْ نِهَایَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَایَتِكُمْ وَ إِنَّ لَكُمْ عَلَماً فَاهْتَدُوا بِعَلَمِكُمْ وَ إِنَّ لِلْإِسْلاَمِ غَایَةً فَانْتَهُوا إِلَى غَایَتِهِ وَ اُخْرُجُوا إِلَى اَللَّهِ بِمَا اِفْتَرَضَ عَلَیْكُمْ مِنْ حَقِّهِ وَ بَیَّنَ لَكُمْ مِنْ وَظَائِفِهِ أَنَا شَاهِدٌ لَكُمْ وَ حَجِیجٌ یَوْمَ اَلْقِیَامَةِ عَنْكُمْ نصائح للناس أَلاَ وَ إِنَّ اَلْقَدَرَ اَلسَّابِقَ قَدْ وَقَعَ وَ اَلْقَضَاءَ اَلْمَاضِیَ قَدْ تَوَرَّدَ وَ إِنِّی مُتَكَلِّمٌ بِعِدَةِ اَللَّهِ وَ حُجَّتِهِ قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى إِنَّ اَلَّذِینَ قالُوا رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَیْهِمُ اَلْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ اَلَّتِی كُنْتُمْ تُوعَدُونَ وَ قَدْ قُلْتُمْ رَبُّنَا اَللَّهُ فَاسْتَقِیمُوا عَلَى كِتَابِهِ وَ عَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِهِ وَ عَلَى اَلطَّرِیقَةِ اَلصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادَتِهِ ثُمَّ لاَ تَمْرُقُوا مِنْهَا وَ لاَ تَبْتَدِعُوا فِیهَا وَ لاَ تُخَالِفُوا عَنْهَا فَإِنَّ أَهْلَ اَلْمُرُوقِ مُنْقَطَعٌ بِهِمْ عِنْدَ اَللَّهِ یَوْمَ اَلْقِیَامَةِ ثُمَّ إِیَّاكُمْ وَ تَهْزِیعَ اَلْأَخْلاَقِ وَ تَصْرِیفَهَا وَ اِجْعَلُوا اَللِّسَانَ وَاحِداً وَ لْیَخْزُنِ اَلرَّجُلُ لِسَانَهُ فَإِنَّ هَذَا اَللِّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ وَ اَللَّهِ مَا أَرَى عَبْداً یَتَّقِی تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى یَخْزُنَ لِسَانَهُ وَ إِنَّ لِسَانَ اَلْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ وَ إِنَّ قَلْبَ اَلْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ لِأَنَّ اَلْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ یَتَكَلَّمَ بِكَلاَمٍ تَدَبَّرَهُ فِی نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ خَیْراً أَبْدَاهُ وَ إِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ وَ إِنَّ اَلْمُنَافِقَ یَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ لاَ یَدْرِی مَا ذَا لَهُ وَ مَا ذَا عَلَیْهِ وَ لَقَدْ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ص لاَ یَسْتَقِیمُ إِیمَانُ عَبْدٍ حَتَّى یَسْتَقِیمَ قَلْبُهُ وَ لاَ یَسْتَقِیمُ قَلْبُهُ حَتَّى یَسْتَقِیمَ لِسَانُهُ فَمَنِ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ یَلْقَى اَللَّهَ تَعَالَى وَ هُوَ نَقِیُّ اَلرَّاحَةِ مِنْ دِمَاءِ اَلْمُسْلِمِینَ وَ أَمْوَالِهِمْ سَلِیمُ اَللِّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ فَلْیَفْعَلْ تحریم البدع وَ اِعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ اَلْمُؤْمِنَ یَسْتَحِلُّ اَلْعَامَ مَا اِسْتَحَلَّ عَاماً أَوَّلَ وَ یُحَرِّمُ اَلْعَامَ مَا حَرَّمَ عَاماً أَوَّلَ وَ أَنَّ مَا أَحْدَثَ اَلنَّاسُ لاَ یُحِلُّ لَكُمْ شَیْئاً مِمَّا حُرِّمَ عَلَیْكُمْ وَ لَكِنَّ اَلْحَلاَلَ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ وَ اَلْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ فَقَدْ جَرَّبْتُمُ اَلْأُمُورَ وَ ضَرَّسْتُمُوهَا وَ وُعِظْتُمْ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ ضُرِبَتِ اَلْأَمْثَالُ لَكُمْ وَ دُعِیتُمْ إِلَى اَلْأَمْرِ اَلْوَاضِحِ فَلاَ یَصَمُّ عَنْ ذَلِكَ إِلاَّ أَصَمُّ وَ لاَ یَعْمَى عَنْ ذَلِكَ إِلاَّ أَعْمَى وَ مَنْ لَمْ یَنْفَعْهُ اَللَّهُ بِالْبَلاَءِ وَ اَلتَّجَارِبِ لَمْ یَنْتَفِعْ بِشَیْ‏ءٍ مِنَ اَلْعِظَةِ وَ أَتَاهُ اَلتَّقْصِیرُ مِنْ أَمَامِهِ حَتَّى یَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ وَ یُنْكِرَ مَا عَرَفَ وَ إِنَّمَا اَلنَّاسُ رَجُلاَنِ مُتَّبِعٌ شِرْعَةً وَ مُبْتَدِعٌ بِدْعَةً لَیْسَ مَعَهُ مِنَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ وَ لاَ ضِیَاءُ حُجَّةٍ القرآن وَ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ یَعِظْ أَحَداً بِمِثْلِ هَذَا اَلْقُرْآنِ فَإِنَّهُ حَبْلُ اَللَّهِ اَلْمَتِینُ وَ سَبَبُهُ اَلْأَمِینُ وَ فِیهِ رَبِیعُ اَلْقَلْبِ وَ یَنَابِیعُ اَلْعِلْمِ وَ مَا لِلْقَلْبِ جِلاَءٌ غَیْرُهُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ اَلْمُتَذَكِّرُونَ وَ بَقِیَ اَلنَّاسُونَ أَوِ اَلْمُتَنَاسُونَ فَإِذَا رَأَیْتُمْ خَیْراً فَأَعِینُوا عَلَیْهِ وَ إِذَا رَأَیْتُمْ شَرّاً فَاذْهَبُوا عَنْهُ فَإِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ص كَانَ یَقُولُ یَا اِبْنَ آدَمَ اِعْمَلِ اَلْخَیْرَ وَ دَعِ اَلشَّرَّ فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ قَاصِدٌ انواع الظلم أَلاَ وَ إِنَّ اَلظُّلْمَ ثَلاَثَةٌ فَظُلْمٌ لاَ یُغْفَرُ وَ ظُلْمٌ لاَ یُتْرَكُ وَ ظُلْمٌ مَغْفُورٌ لاَ یُطْلَبُ فَأَمَّا اَلظُّلْمُ اَلَّذِی لاَ یُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى إِنَّ اَللَّهَ لا یَغْفِرُ أَنْ یُشْرَكَ بِهِ وَ أَمَّا اَلظُّلْمُ اَلَّذِی یُغْفَرُ فَظُلْمُ اَلْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ اَلْهَنَاتِ وَ أَمَّا اَلظُّلْمُ اَلَّذِی لاَ یُتْرَكُ فَظُلْمُ اَلْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً اَلْقِصَاصُ هُنَاكَ شَدِیدٌ لَیْسَ هُوَ جَرْحاً بِاْلمُدَى وَ لاَ ضَرْباً بِالسِّیَاطِ وَ لَكِنَّهُ مَا یُسْتَصْغَرُ ذَلِكَ مَعَهُ فَإِیَّاكُمْ وَ اَلتَّلَوُّنَ فِی دِینِ اَللَّهِ فَإِنَّ جَمَاعَةً فِیمَا تَكْرَهُونَ مِنَ اَلْحَقِّ خَیْرٌ مِنْ فُرْقَةٍ فِیمَا تُحِبُّونَ مِنَ اَلْبَاطِلِ وَ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ یُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَیْراً مِمَّنْ مَضَى وَ لاَ مِمَّنْ بَقِیَ لزوم الطاعة یَا أَیُّهَا اَلنَّاسُ طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَیْبُهُ عَنْ عُیُوبِ اَلنَّاسِ وَ طُوبَى لِمَنْ لَزِمَ بَیْتَهُ وَ أَكَلَ قُوتَهُ وَ اِشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ وَ بَكَى عَلَى خَطِیئَتِهِ فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِی شُغُلٍ وَ اَلنَّاسُ مِنْهُ فِی رَاحَةٍ

[ 189 ]

و من خطبة له علیه السّلام

و هى المأة و الخامسة و السبعون من المختار فی باب الخطب قال الشارح البحرانی : روى انّ هذه الخطبة من أوایل الخطب التی خطب بها أیّام بویع بعد قتل عثمان ، و شرحها فی فصلین :

الفصل الاول

انتفعوا ببیان اللّه ، و اتّعظوا بمواعظ اللّه ، و اقبلوا نصیحة اللّه فإنّ اللّه قد أعذر إلیكم بالجلیّة ، و اتّخذ علیكم بالحجّة ، و بیّن لكم محآبّه من الأعمال و مكارهه منها لتتّبعوا هذه و تجتنبوا هذه ،

فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كان یقول : إنّ الجنّة حفّت بالمكاره و إنّ النّار حفّت بالشّهوات .

و اعلموا أنّه ما من طاعة اللّه شی‏ء إلاّ یأتی فی كره ، و ما من معصیة اللّه شی‏ء إلاّ یأتی فی شهوة ، فرحم اللّه رجلا نزع عن شهوته ،

و قمع هوی نفسه ، فإنّ هذه النّفس أبعد شی‏ء منزعا ، و إنّها لا تزال تنزع إلى معصیة فی هوى .

و اعلموا عباد اللّه أنّ المؤمن لا یصبح و لا یمسی إلاّ و نفسه ظنون عنده ، فلا یزال زاریا علیها و مستزیدا لها ، فكونوا كالسّابقین قبلكم ،

[ 190 ]

و الماضین أمامكم ، قوّضوا من الدّنیا تقویض الرّاحل ، و طووها طیّ المنازل .

و اعلموا أنّ هذا القرآن هو النّاصح الّذی لا یغشّ ، و الهادی الّذی لا یضلّ ، و المحدّث الّذی لا یكذب ، و ما جالس هذا القرآن أحد إلاّ قام عنه بزیادة أو نقصان ، زیادة فی هدى ، و نقصان من عمى .

و اعلموا أنّه لیس على أحد بعد القرآن من فاقة ، و لا لأحد قبل القرآن من غنى ، فاستشفوه من أدوائكم ، و استعینوا به على لاوائكم ، فإنّ فیه شفاء من أكبر الدّاء و هو الكفر و النّفاق و الغیّ و الضّلال ، فاسئلوا اللّه به ، و توجّهوا إلیه بحبّه ، و لا تسئلوا به خلقه ،

إنّه ما توجّه العباد بمثله إلى اللّه .

و اعلموا أنه شافع مشفّع ، و قائل مصدّق ، و أنّه من شفع له یوم القیمة شفّع فیه ، و من محل به القرآن یوم القیمة صدّق علیه ،

فإنّه ینادی مناد یوم القیمة : ألا و إنّ كلّ حارث مبتلى فی حرثه و عاقبة عمله ، غیر حرثة القرآن فكونوا من حرثته و أتباعه ، و استدلّوه على ربّكم ، و استنصحوه على أنفسكم ، و اتّهموا علیه آرائكم ، و استغشّوا فیه أهواءكم .

[ 191 ]

العمل العمل ، ثمّ النّهایة النّهایة ، و الإستقامة الإستقامة ، ثمّ الصّبر الصّبر ، و الورع الورع ، إنّ لكم نهایة فانتهوا إلى نهایتكم ، و إنّ لكم علما فاهتدوا بعلمكم ، و إنّ للإسلام غایة فانتهوا إلى غایته ، و اخرجوا إلى اللّه ممّا افترض علیكم من حقّه ، و بیّن لكم من وظائفه ، أنا شاهد لكم ، و حجیج یوم القیمة عنكم ، ألا و إنّ القدر السّابق قد وقع ، و القضاء الماضی قد تورّد ، و إنّی متكلّم بعدة اللّه و حجّته ، قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذینَ قالوُا رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَیْهِمُ الْمَلائِكَةُ ألاّ تَخافُوا وَ لا تَحْزَنوُا وَ أبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتی كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ، و قد قلتم : ربّنا اللّه ، فاستقیموا على كتابه ، و على منهاج أمره ، و على الطّریقة الصّالحة من عبادته ، ثمّ لا تمرقوا منها ،

و لا تبتدعوا فیها ، و لا تخالفوا عنها ، فإنّ أهل المروق منقطع بهم عند اللّه یوم القیامة .

اللغة

( نزع ) عن المعاصی نزوعا انتهى عنها و نزع عن الشی‏ء نزوعا كفّ و قلع عنه و المنزع یحتمل المصدر و المكان و نزع الى أهله نزاعة و نزاعا اشتاق إلیه ، و نازعتنی نفسى إلى كذا اشتاقت إلیه قال فی مجمع البحرین : فی الحدیث النّفس الأمّارة أبعد شی‏ء منزعا ، أى رجوعا عن المعصیة اذ هى مجبولة على محبّة الباطل ، و أمّا تفسیر الشارح المعتزلی منزعا بمذهبا فلا یخفى بعده .

[ 192 ]

و ( الظنون ) و زان صبور إمّا مبالغة من الظنّة بالكسر بمعنى التهمة یقال :

ظننت فلانا أى اتّهمته فلا یحتاج حینئذ إلى الخبر أو بمعنى الضعیف و قلیل الحیلة و جعل الشارح المعتزلی الظنون بمعنى البئر لا یدرى فیها ماء أم لا غیر مناسب للمقام و إن كان أحد معانیه .

و ( قاض ) البناء و قوضه أى هدمه أو التقویض نقض من غیر هدم أو هو نقض الأعواد و الأطناب و ( غشّه ) یغشّه كمدّ یمدّ غشّا خلاف نصحه و ( اللّأواء ) و زان صحراء الشدّة و ضیق المعیشة و فی مجمع البحرین فی الحدیث و من ( محل به ) القرآن یوم القیامة صدق أى سعى به یقال محل بفلان اذا قال علیه قولا یوقعه فی مكروه و ( تورد ) الخیل البلد دخله قلیلا قلیلا .

الاعراب

جملة قوّضوا استیناف بیانی لا محلّ لها من الاعراب ، و أو فی قوله بزیادة أو نقصان بمعنى الواو كما فی قوله : لنفسی تقاها أو علیها فجورها .

و یؤیّده قوله زیادة فی هدى ، و نقصان بالواو ، أو أنّ التردید لمنع الخلوّ و الفاء فی قوله : فاستشفوه فصیحة ، و فی قوله : فانّ فیه شفاء للتعلیل و قوله : العمل العمل و ما یتلوه من المنصوبات المكرّرة انتصابها جمیعا على الاغراء أو عامل النصب محذوف أى ألزموا العمل فحذف العامل و ناب أوّل اللّفظین المكرّرین منابه .

المعنى

اعلم أنّ مدار هذا الفصل من الخطبة الشریفة على الموعظة و النصیحة و ترغیب المخاطبین فی الطّاعات و تحذیرهم عن السّیئآت و التنبیه على جملة من فضایل كتاب الكریم و خصایص الذكر الحكیم ، و صدّر الفعل بالأمر بالانتفاع بأفضل البیانات و الاتّعاظ بأحسن المواعظ و القبول لأكمل النصایح فقال : « ج 12 »

[ 193 ]

( انتفعوا ببیان اللّه ) أى بما بیّنه فی كتابه و على لسان نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فانّه لقول فصل و ما هو بالهزل ، و فیه تذكرة و ذكری لاولى الألباب و هدى و بشرى بحسن المآب فمنفعته أتمّ المنافع ، و فایدته أعظم الفواید .

( و اتّعظوا بمواعظ اللّه ) لتفوزوا جنّة النعیم و الفوز العظیم ، و تنجوا من نار الجحیم و العذاب الألیم ( و اقبلوا نصیحة اللّه ) فانّها مؤدّیة إلى درجات الجنات منجیة من دركات الهلكات ، و الاتیان بلفظ الجلالة و التصریح باسمه سبحانه فی جمیع الجملات مع اقتضاء ظاهر المقام للاتیان بالضمیر لایهام الاستلذاذ و لإدخال الرّوع فی ضمیر المخاطبین و تربیة المهابة و تقویة داعى المأمورین لامتثال المأمور به ، و قول الشارح البحرانی بأنّ ذلك أى تعدیة الاسم صریحا للتعظیم فلیس بشی‏ء .

و لما أمر بالاتّعاظ و الانتصاح علله ( فانّ اللّه قد أعذر إلیكم بالجلیّة ) یعنی أنّه سبحانه قد أبدى العذر الیكم فی عقاب العاصین منكم بالاعذار الجلیّة و البراهین الواضحة من الآیات الكریمة لأنّه لا یكلّف نفسا إلاّ ما اتیها لیهلك من هلك عن بیّنة و یحیى من حىّ عن بیّنة .

( و اتّخذ علیكم الحجّة ) بارسال الرّسول و إنزال الكتاب یعنی أنّه أتمّ الحجّة على المكلّفین بما اتاهم و عرّفهم حتى لا یكون لهم عذر فی ترك التكالیف و لا یكون للنّاس علیه حجّة بعد الرّسل قال عزّ من قائل : و ما كنّا معذّبین حتّى نبعث رسولا ( و بیّن لكم محابّه من الأعمال و مكارهه منها ) أى بیّن فی كتاب العزیز الفرایض و الواجبات من الحجّ و الجهاد و الصوم و الصّلاة و غیرها من الأعمال الصّالحات المطلوبة له و المحبوبة عنده ، و المحظورات من الكذب و الغیبة و النمیمة و السعایة و غیرها من الأفعال القبیحة المبغوضة له المكروهة لدیه .

و انّما بیّنها ( لتتّبعوا هذه ) أى محابّ الأعمال ( و تجتنبوا هذه ) أى مكارهها ( فانّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ) تعلیل لوجوب اتّباع المحابّ و وجوب اجتناب المكاره ( كان یقول : إنّ الجنّة حفّت بالمكاره و إن النّار حفّت بالشهوات ) یعنی أنّ الجنّة محفوفة بالصبر على مشاقّ الطاعات و الكفّ عن لذائذ السیّئآت و كلاهما مكروه للنّفس ،

[ 194 ]

فمن صبر على ذلك المكروه یكون مصیره إلى الجنّة و كذلك النار محفوفة باطلاق عنان النفس و ارتكاب ما تشتهیها و تتمناها من الشهوات و المحرّمات ، فمن أقدم علیها و أتى بها یكون عاقبته إلى النار و كفى بالجنّة ثوابا و نوالا فی تسهیل تحمّل تلك المكاره ، و كفى بالنار عقابا و وبالا فی التنفیر عن هذه الشهوات .

ثمّ بعد تسهیل المكاره التی یشتمل علیها الطاعات یكون غایتها أشرف الغایات و تحقیر الشهوات الّتی یرید التنفیر عنها یكون غایتها أخسّ الغایات نبّه على أنّه لا تأتى طاعته إلاّ فی كره و لا معصیته إلاّ فی شهوة ، و هو قوله ( و اعلموا أنه ما من طاعة اللّه شی‏ء إلاّ یأتی فی كره و ما من معصیة اللّه شی‏ء إلاّ یأتی فی شهوة ) لأنّ النّفس للقوّة الشهویّة أطوع من القوّة العاقلة خصوصا فیما هو أقرب إلیها من اللّذات المحسوسة الّتی یلحقها العقاب علیها .

( فرحم اللّه رجلا نزع ) و كفّ ( عن شهوته و قمع ) أى قلع ( هوى نفسه فان هذه النفس ) الأمّارة بالسوء ( أبعد شی‏ء منزعا ) أى كفا و انتهاء عن شهوة و معصیة ( و أنها لا تزال تنزع ) أى تشتاق و تمیل ( إلى معصیة فی هوى ) نبّه على وصف المؤمنین و كیفیّة معاملتهم مع نفوسهم جذبا للسامعین إلى التأسّی بهم و تحریصا لهم على اقتفاء آثارهم و هو قوله :

( و اعلموا عباد اللّه أنّ المؤمن لا یصبح و لا یمسى إلاّ و نفسه ظنون ) أى متّهمة ( عنده ) أى أنها ضعیفة قلیلة الحیلة لا تقدر على أن تحتال و تعالج فی أن تغره و تورده موارد الهلكة بل هو غالب علیها فی كلّ حال ( فلا یزال زاریا ) أى عایبا ( علیها ) فی كلّ حین ( و مستزیدا لها ) أى مراقبا لأحوالها طالبا للزیادة لها من الأعمال الصالحة فی جمیع الأوقات .

( فكونوا كالسابقین قبلكم ) إلى الجنّة ( و الماضین أمامكم ) من المؤمنین الزاهدین فی الدّنیا و الرّاغبین فی الآخرة ( قوّضوا من الدّنیا تقویض الرّاحل ) یعنی أنهم قطعوا علایق الدّنیا و ارتحلوا إلى الآخرة كما أنّ الرّاحل إذا أراد الارتحال یقوّض متاعه و ینقض خیمته و یهدم بناءه ( و طووها طىّ المنازل ) أى طووا أیام

[ 195 ]

الدّنیا و مدّة عمرهم كما یطوى المسافر منازل طریقه .

و محصّل الجملتین أنّ السابقین الأوّلین من المقرّبین و أصحاب الیمین لما عرفوا بعین بصائرهم أنّ الدّنیا لیست لهم بدار و أن الآخرة دار قرار لا جرم كانت همّتهم مقصورة فی الوصول إلیها ، فجعلوا أنفسهم فی الدّنیا بمنزلة المسافر ، و جعلوها عندهم بمنزلة المنازل فاخذوا من ممرّهم ما یبلغهم إلى مقرّهم فلما ارتحلوا عنها لم یبق لهم علاقة فیها كما أنّ المسافر إذا ارتحل من منزل لا یبقى له شی‏ء فیه فأمر المخاطبین بأن یكونوا مثل هؤلاء فی الزّهد فی الدّنیا و ترك العلایق و الامنیّات و الرغبة فی العقبی و الجنّات العالیات و هی أحسن منزلا و مقیلا .

ثمّ شرع فی ذكر فضل القرآن و بیان ممادحه ترغیبا فی الاهتداء به و الاقتباس من ضیاء أنواره فقال علیه السّلام ( و اعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصح ) المشفق ( الّذی لا یغشّ ) فی إرشاده إلى وجوه المصالح كما أنّ الناصح الصدیق شأنه ذلك ( و الهادى الّذی لا یضلّ ) من اهتدى به .

روى فی الكافی عن طلحة بن زید عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : إنّ هذا القرآن فیه منار الهدى و مصابیح الدّجى ، فلیجل جال بصره و یفتح للضیاء نظره ، فانّ التفكّر حیاة قلب البصیر كما یمشی المستنیر فی الظّلمات بالنور .

( و المحدّث الّذی لا یكذب ) فی قصصه و أحادیثه و أخباره قال أبو عبد اللّه علیه السّلام فیما روى فی الكافی عن سماعة بن مهران عنه علیه السّلام انّ العزیز الجبّار أنزل علیكم كتابه و هو الصّادق البارّ فیه خبركم و خبر من قبلكم و خبر من بعدكم و خبر السماء و الأرض و لو أتاكم من یخبركم لذلك تعجّبتم .

( و ما جالس هذا القرآن أحد ) استعار لفظ المجالسة لمصاحبته و ملازمته و قرائته و التدبّر فی ألفاظه و معانیه ( إلاّ قام عنه ) استعار لفظ القیام لترك قرائته و الفراغ عنها و لا یخفى ما فی مقابلة الجلوس بالقیام من اللّطف و الحسن فانّ المقابلة بین الفعلین فی معنییهما الحقیقین و المجازین كلیهما على حدّ قوله تعالى : أ و من كان میّتا فأحییناه

[ 196 ]

أى ضالا فهدیناه ، فانّ الموت و الأحیاء متقابلان كتقابل الضلالة و الهدایة و ما ذكرناه أظهر و أولى مما قاله الشارح البحرانی من أنه كنّى بمجالسة القرآن عن مجالسة حملته و قرائه لاستماعه منهم و تدبّره عنهم ، لاحتیاجه إلى الحذف و التكلّف الّذی لا حاجة إلیه .

و كیف كان فالمراد أنّ من قام عن القرآن بعد قضاء وطره منه فانما یقوم ( بزیادة أو نقصان زیادة فی هدى و نقصان من عمى ) اذ فیه من الآیات البیّنات و البراهین الباهرات ما یزید فی بصیرة المستبصر ، و ینقص من جهالة الجاهل .

( و اعلموا أنه لیس لأحد بعد القرآن من ) فقر و ( فاقة و لا لأحد قبل القرآن من غنى ) و ثروة الظاهر أنّ المراد به أنّ من قرء القرآن و عرف ما فیه و تدبّر فی معانیه و عمل بأحكامه یتمّ له الحكمة النظریّة و العملیّة و لا یبقى له بعده إلى شی‏ء حاجة و لا فقر و لا فاقة و من لم یكن كذلك فهو أحوج المحتاجین .

روى فی الكافی عن معاویة بن عمار قال : قال لی أبو عبد اللّه علیه السّلام من قرء القرآن فهو عنیّ و لا فقر بعده و إلاّ ما به غنی .

قال الشاحر البحرانی فی شرح ذلك : نبّههم على أنّه لیس بعده على أحد فقر أى لیس بعد نزوله للنّاس و بیانه الواضح حاجة بالنّاس إلى بیان حكم فی إصلاح معاشهم و معادهم ، و لا لأحد قبله من غنی أى قبل نزوله لا غنی عنه للنّفوس الجاهلة انتهى ، و الأظهر ما قلناه .

( فاستشفوه من أدوائكم ) أى من أمراضكم الظاهرة و الباطنة و الرّوحانیة و الجسمانیّة ، فانّ فیه شفآء من كلّ ذلك قال سبحانه : و ننزّل من القرآن ما هو شفاء و رحمة .

و روى فی الكافی عن السّكونی عن أبی عبد اللّه عن آبائه علیهم السّلام قال : شكى رجل إلى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم وجعا فی صدره فقال : استشف بالقرآن فانّ اللّه عزّ و جلّ یقول : و شفاء لما فی الصدور .

( و استعینوا به من لأوائكم ) أى من شدائد الدّهر و محن الزمان و طوارق

[ 197 ]

البلایا و الحدثان .

روى فی الكافی عن أحمد المنقری قال : سمعت أبا إبراهیم علیه السّلام یقول من استكفى بآیة من القرآن من المشرق إلى المغرب كفى إذا كان بیقین .

و فیه عن الأصبغ بن نباتة عن أمیر المؤمنین علیه السّلام أنّه قال : و الّذی بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله بالحقّ و أكرم أهل بیته ما من شی‏ء تطلبونه من حرز من حرق أو غرق أو سرق أو إفلات دابّة من صاحبها أو ضالّة أو آبق إلاّ و هو فی القرآن فمن أراد ذلك فلیسألنی عنه الحدیث .

و أنت إذا لاحظت الروایات الواردة فی خواصّ السّور و الآیات تجد أنها كنز لا یفنى و بحر لا ینفد ، و أنّ فیها ما به نجاة من كلّ همّ و نجاة من كلّ غمّ و عوذة من كلّ لمم و سلامة من كل ألم و خلاص من كلّ شدّة و مناص من كلّ داهیة و مصیبة و فرج من ضیق المعیشة و مخرج إلى سعة العیشة إلى غیر هذه مما هو خارج عن حدّ الاحصاء و متجاوز عن طور الاستقصاء ، فلا شی‏ء أفضل منه للاستشفاء من الأسقام و الأدواء و لا للاستعانة من الشدائد و اللأواء .

( و انّ فیه شفاء من أكبر الدّاء و هو الكفر و النّفاق و الغىّ و الضلال ) قال أبو عبد اللّه علیه السّلام فی الحدیث المرویّ فی الكافی مرفوعا لا و اللّه لا یرجع الأمر و الخلافة إلى آل أبى بكر و عمر و لا إلى بنی امیّة أبدا و لا فی ولد طلحة و الزبیر أبدا و ذلك إنهم نبذوا القرآن و أبطلوا السّنن و عطّلوا الأحكام .

و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم القرآن هدى من الضلالة و تبیان من العمى و استقالة من العثرة و نور من الظلمة و ضیآء من الأحداث و عصمة من الهلكة و رشد من الغوایة و بیان من الفتن و بلاغ من الدّنیا إلى الآخرة ، و فیه كمال دینكم و ما عدل أحد عن القرآن إلاّ إلى النار .

( فاسألوا اللّه به و توجّهوا إلیه بحبّه ) یحتمل أن یكون المراد به جعله وسیلة إلیه سبحانه فی نیل المسائل لكونه أقوى الوسائل ، و أن یتوجّه إلیه بحبّه أى بحبّ السائل المتوجّه له أو بكونه محبوبا للّه تعالى فی انجاح السؤلات و قضاء

[ 198 ]

الحاجات ، و أن یكون المراد به اعداد النفوس و إكمالها بما اشتمل علیه الكتاب العزیز من الكمالات النفسانیّة ثمّ یطلب الحاجات و یستنزل الخیرات بعد حصول الكمال لها ، و على هذا فالمقصود من التوجّه إلیه بحبّه تأكید الاستكمال اذ من أحبّه استكمل بما فیه فحسن توجّهه إلیه تعالى و الأظهر هو الاحتمال الأوّل بقرینة قوله ( و لا تسألوا به خلقه ) لظهوره فی أنّ المراد به هو النهى عن جعله وسیلة للمسألة إلى الخلق .

قال أبو عبد اللّه علیه السّلام فی روایة الكافی عن یعقوب الأحمر عنه علیه السّلام : إنّ من الناس من یقرء القرآن لیقال فلان قارى‏ء ، و منهم من یقرء القرآن لیطلب به الدّنیا و لا خیر فی ذلك ، و منهم من یقرء القرآن لینتفع به فی صلاته و لیله و نهاره .

و فیه أیضا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قرّاء القرآن ثلاثة : رجل قرء القرآن فاتّخذه بضاعة و استدرّ به الملوك و استطال به على النّاس ، و رجل قرء القرآن فحفظ حروفه و ضیّع حدوده و أقامه إقامة القدح فلا كثر اللّه هؤلاء من حملة القرآن . و رجل قرء القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه فأسهر به لیله و أظمأ به نهاره و قام به فی مساجده و تجافی به عن فراشه فباولئك یدفع اللّه العزیز الجبّار البلاء ، و باولئك یدیل اللّه عزّ و جلّ من الأعداء ، و باولئك ینزل اللّه تبارك و تعالى الغیث من السماء فو اللّه لهؤلاء فی قرّاء القرآن أعزّ من الكبریت الأحمر .

و علّل الأمر بسؤال اللّه به بأنه ( ما توجّه العباد إلى اللّه بمثله ) لأنّ له كرامة عند اللّه سبحانه و مقاما یغبطه به الأوّلون و الآخرون حسبما تعرفه فی الأخبار الآتیة فهو أفضل الوسائل للسائل فی انجاح المقاصد و المسائل الدنیویّة و الأخرویّة ، فالمتوجّه به إلیه سبحانه لا یردّ دعاؤه و لا یخیب رجاؤه .

( و اعلموا أنّه شافع مشفّع و قائل مصدّق ) یعنی أنه یشفع لقرّائه و العاملین به الحاملین له یوم القیامة فیقبل شفاعته فی حقّهم ، و یقول و یشهد فی حقّ هؤلاء بخیر و فی حقّ التاركین له و النابذین به وراء ظهورهم بشرّ فیصدق فیهما كما أشار إلیه بقوله :

[ 199 ]

( و أنه من شفع له القرآن یوم القیامة شفع فیه ) أى قبلت شفاعته ( و من محل به القرآن ) أى سعى به إلى اللّه تعالى و قال فی حقّه قولا یضرّه و یوقعه فی المكروه ( یوم القیامة صدّق علیه ) .

قال الشارح البحرانی استعار علیه السّلام لفظى الشافع و المشفع و وجه الاستعارة كون تدبّره و العمل بما فیه ماحیا لما یعرض للنفس من الهیئآت الردیّة من المعاصی ، و ذلك مستلزم لمحو غضب اللّه كما یمحو الشفیع المشفّع أثر الذنب عن قلب المشفوع إلیه و كذلك لفظ القائل المصدّق و وجه الاستعارة كونه ذا ألفاظ إذا نطق بها لا یمكن تكذیبها كالقائل الصادق ، ثمّ أعاد معنى كونه شافعا مشفّعا یوم القیامة ثمّ استعار لفظ المحل للقرآن و وجه الاستعارة أنّ لسان حال القرآن شاهد فی علم اللّه و حضرة ربوبیّته على من أعرض عنه بعدم اتباعه و مخالفته لما اشتمل علیه فبالواجب أن یصدّق فأشبه السّاعی إلى السّلطان فی حقّ غیره بما یضرّه انتهى .

أقول : و الانصاف أنّ حمل الكلام على المجاز مع التمكّن من إرادة الحقیقة لا معنى له كما قلناه فی شرح الفصل السادس من الخطبة الثانیة و الثمانین ، و الحمل على الحقیقة هنا ممكن بل متعیّن لدلالة غیر واحد من الرّوایات على أنّه یأتی یوم القیامة بصورت إنسان فی أحسن صورة و یشفع فی حقّ قرّائه العاملین به ، و یسعى فی حقّ المعرضین عنه ، و على هذا فلا وجه لحمل لفظ الشفاعة و القول و المحل على معناها المجازی و لا بأس بالاشارة إلى بعض ما یدلّ على ذلك فأقول :

روى ثقة الاسلام الكلینی فی الكافی عن علیّ بن محمّد عن علیّ بن العباس عن الحسین بن عبد الرّحمان عن صفوان الحریرى عن أبیه عن سعد الخفاف عن أبیجعفر علیه السّلام قال : یا سعد تعلّموا القرآن فانّ القرآن یأتی یوم القیامة فی أحسن صورة نظر إلیها الخلق و النّاس صفوف عشرون و مأة ألف صفّ ثمانون ألف صفّ من امّة محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أربعون ألف صفّ من سایر الامم فیأتی على صفّ المسلمین فی صورة رجل فیسلم فینظرون إلیه ثمّ یقولون لا إله إلاّ اللّه الحلیم الكریم إنّ هذا الرّجل من المسلمین نعرفه بنعته و صفته غیر أنه كان أشدّ اجتهادا منّا فی القرآن فمن هناك اعطى من

[ 200 ]


ادامه مطلب


نظرات() 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-05:35 ب.ظ

[ 219 ]

القلب و مترتّبة علیها لا بالعكس .

و بعد اللّتیا و الّتی فالّذی یخطر بالبال فی حلّ الاشكال السابق أنّ معنى الحدیث أنّه لا یعرف استقامة ایمان عبد إلاّ بأن یعرف استقامة قلبه ، و لا یعرف استقامة قلبه إلاّ باستقامة لسانه ، فیستدلّ باستقامة اللّسان على الحقّ أى بتنطقه على كلمة التوحید و النبوّة و الولایة ، و بامساكه عن الغیبة و النمیمة و الكذب و غیرها من هفوات اللّسان على استقامة القلب أى على إذعانه بما ذكر و على خلوّه عن الأمراض النفسانیة و یستدلّ باستقامته على استقامة الایمان أى على أنّ العبد مؤمن كامل .

و یقرب هذا التوجیه أنّه علیه السّلام لما ذكر أنّ لسان المؤمن من وراء قلبه و أنّ قلب المنافق من وراء لسانه عقّبه بهذا الحدیث لیمیّز بین المؤمن و المنافق ، و یحصل لك المعرفة بها حقّ المعرفة فیسهل علیك التشخیص إذا بینهما إذ تعرف بعد ذلك البیان أنّ مستقیم اللّسان مؤمن و غیر مستقیمه منافق .

قال الشارح الفقیر الغریق فی بحر الذّنب و التقصیر : إنّی قد أطلت فكرى و أتعبت نظری فی توجیه معنى الحدیث و أسهرت لیلتی هذه و هی اللّیلة الثالثة عشر من شهر اللّه المبارك فی حلّ إشكاله حتّى مضت من أوّل اللّیل ثمانی ساعات و أثبتّ ما سنح بالخاطر و أدّى إلیه النّظر القاصر ، ثمّ تجلّى بحمد اللّه سبحانه و منّته نور العرفان من ألطاف صاحب الولایة المطلقة على القلب القاسى فأسفر عنه الظلام و اهتدى إلى وجه المرام فسنح بالبال توجیه وجیه هو أعذب و أحلى ، و معنى لطیف هو أمتن و أصفى و هو أن یقال :

إنه علیه السّلام كنّى باستقامة الایمان و القلب و اللّسان عن كمالها و أنّ مراده أنّ من أراد أن یكون ایمانه كاملا أى ایمانا نافعا فی العقبى لا بدّ من أن یكمل قلبه أى یكون بریئا سالما من الأمراض النفسانیّة ، و من أراد كمال قلبه فلا بدّ له من أن یكمل لسانه أى یكون محفوظا من العثرات مختزنا إلاّ عن خیر ، ففى الحقیقة الغرض من الحدیث التّنبیه و الارشاد إلى تكمیل القلب و اللّسان لتحصیل كمال الایمان .

[ 220 ]

و نظیره ما رواه عن الحلبی رفعه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : أمسك لسانك فانّها صدقة تصدق به على نفسك ثمّ قال : و لا یعرف عبد حقیقة الایمان حتّى یخزن من لسانه .

و على هذا التوجیه التأم أجزاء كلام الامام على أحسن ایتلاف و انسجام إذ یكون الحدیث حینئذ أشدّ ارتباطا بسابقه ، لأنه علیه السّلام لما أمر بأن یختزن الرجل لسانه و أكّده بأن خزن اللّسان من وظایف المؤمن لكون لسانه من وراء قلبه ، عقّبه بهذا الحدیث تأییدا و تقویة و استشهادا على ما أمر به من اختزان اللّسان و یكون مناسبته للاحقه أیضا أكثر و هو قوله :

( فمن استطاع منكم أن یلقى اللّه سبحانه و هو نقىّ الراحة ) و الكفّ ( من دمآء المسلمین ) أى سالما من قتلهم ( و أموالهم سلیم اللّسان من اعراضهم ) أى متجنّبا من الغیبة و الفحش و النمیمة و الهجاء و نحوها ( فلیفعل ) لأنّ ذلك من شرایط الاسلام و لوازم الایمان فانّ المسلم من سلم المسلمون من لسانه و یده .

قال الشارح البحرانی و شرط ذلك أى الكفّ عن دماء المسلمین و أموالهم و أعراضهم بالاستطاعة لعسره و شدّته و إن كان واجب الترك على كلّ حال و أشدّها الكفّ عن الغیبة فانّه یكاد أن لا یستطاع انتهى .

أقول : الظاهر من قوله : و إن كان واجب الترك على كلّ حال ، وجوب تركها حتّى مع عدم الاستطاعة و هو باطل ، أو الاستطاعة مساوق للقدرة و هى شرط فی جمیع التكالیف الشرعیة قال اللّه تعالى « لا یكلّف اللَّه نفسا إلاّ وسعها » و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إذا أمرتكم بشى‏ء فائتوا منه ما استطعتم .

ثمّ إنّه علیه السّلام نبّه على بطلان العمل بالرأى و المقاییس و نهى عن متابعة البدع فقال :

( و اعلموا عباد اللّه أنّ المؤمن یستحلّ العام ما استحلّ عاما أوّل و یحرّم العام ما حرّم عاما أوّل ) یعنی أنّ المؤمن إذا ثبت عنده سابقا حلّیة شی‏ء بالكتاب أو السنّة و حكم بحلّیته عن نصّ فیحكم بحلیّته الآن ، و لا ینقض الحكم الثابت بالنّص برأیه و اجتهاده و كذلك إذا ثبت عنده سابقا حرمة شی‏ء بهما و حكم بحرمته عن دلیل فیحكم بحرمته

[ 221 ]

الآن ، و لا یخالف الحكم الثّابت و لا یتعدّى عنه بالرأى و القیاس و هكذا سایر الأحكام الشرعیة .

( و انّ ما أحدث الناس ) من البدع بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم :

مثل ما صدر عن أبی بكر من طلب البیّنة من فاطمة سلام اللّه علیها فی باب فدك مع كون البیّنة على المدّعی ، و غصب فدك عنها مع مخالفته لنصّ الكتاب و الرّسول صلّى اللّه علیه و آله .

و ما أحدثه عمر من صلاة التراویح ، و من وضع الخراج على أرض السواد ،

و ازدیاده أى أخذه الزیادة الجزیة عما قرّرها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله .

و ما أبدعه عثمان من التفضیل فی العطاء و إحداثه الأذان یوم الجمعة زایدا عمّا سنّه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و تقدیمه الخطبتین فی العیدین مع كون الصّلاة مقدّمة علیها فی زمان الرسول صلّى اللّه علیه و آله ، و إتمامه الصّلاة بمنى مع كونه مسافرا ، و إعطائه من بیت المال الصّدقة المقاتلة و غیرها ، و حمایته لحمى المسلمین مع أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله جعلهم شرعا سواء فی الماء و الكلاء إلى غیر هذه من البدعات الّتی أحدثوها فی الدّین و فصّلها أصحابنا رضوان اللّه علیهم فی ذیل مطاعنهم .

فانّ شیئا من ذلك ( لا یحلّ لكم شیئا مما حرّم علیكم ) و لا یحرّم شیئا علیكم مما أحلّ لكم ، یعنی قول هؤلاء المبدعین المغیّرین للأحكام لا یوجب تغییرها فی الواقع ، فلا یجوز الاعتماد على أقوالهم و الاعتقاد بآرائهم ، و قد ذمّ اللّه الیهود و النّصارى بأنّهم اتّخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون اللّه ، فالآخذون بقول هؤلاء المبدعین یكونون مثل الیهود و النّصارى .

روى فی الوسائل عن تفسیر العیّاشی عن جابر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : سألته عن قول اللّه « اتّخذوا أحبارهم و رهبانهم أرباباً من دون اللَّه » قال علیه السّلام أما أنّهم لم یتّخذوهم آلهة إلاّ أنّهم أحلّوا لهم حلالا فأخذوا به ، و حرّموا حراما فأخذوا به ،

فكانوا أربابا لهم من دون اللّه .

و عن حذیفة قال : سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ : « اتّخذوا » الآیة ، فقال لم یكونوا

[ 222 ]

یعبدونهم ، و لكن كانوا إذا أحلّوا لهم شیئا استحلّوها ، و إذا حرّموا علیهم حرّموها .

و فی الكافی عن أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قلت له : اتّخذوا الآیة ، فقال أما و اللّه ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم و لو دعوهم ما أجابوهم ، و لكن أحلّوا لهم حراما و حرّموا علیهم حلالا فعبدوهم من حیث لا یشعرون .

و فی تفسیر علیّ بن إبراهیم عند تفسیر قوله تعالى « و الشّعراء یتّبعهم الغاون » قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : نزلت فی الّذین غیّروا دین اللّه و خالفوا ما أمر اللّه ، هل رأیتم شاعرا قط تبعه أحد إنما عنی بذلك الّذین وضعوا دینا بآرائهم فتبعهم النّاس على ذلك .

و یؤكّد ذلك قوله « أ لم تر أنّهم فی كلّ واد یهیمون » یعنى یناظرون بالأباطیل و یجادلون بالحجج المضلّین و فى كلّ مذهب یذهبون « و أنهم یقولون ما لا یفعلون » قال علیه السّلام یعظون النّاس و لا یتّعظون و ینهون عن المنكر و لا ینتهون ، و یأمرون بالمعروف و لا یعملون ، و هم الّذین قال اللّه فیهم :

« أ لم تر » فیهم « أنهم فی كلّ واد یهیمون » أى فی كلّ مذهب مذهبون « و أنّهم یقولون ما لا یفعلون » و هم الّذین غصبوا آل محمّد حقّهم .

فظهر بذلك كلّه أنّ متابعة هؤلاء حرام ، و استحلالهم استحلال ما أحلّوه و استحرام ما حرّموه غیّ و ضلال ، إذ لیس لهم أن یغیّروا الأحكام من تلقاء أنفسهم ،

و لا أن یبدّلوا الحلال بالحرام و الحرام بالحلال .

كما أشار إلیه بقوله ( و لكن الحلال ما أحلّ اللّه و الحرام ما حرّم اللّه ) اللاّم فی لفظی الحلال و الحرام للجنس فتفید قصر المسند الیه فی المسند كما تقدّم تحقیقه فی شرح الكلام المأة و الرابع و الأربعین عند شرح قوله علیه السّلام : ان الأئمة من قریش ، و یحتمل أن تكون للعهد فتفید الحصر أیضا كما عرفته فی شرح الخطبة المأة و الثالثة و الخمسین عند شرح قوله علیه السّلام : نحن الشعار و الأصحاب ، فیكون المعنى أنّ ماهیة الحلال و الحرام و حقیقتهما إذا الحلال المعهود الثابت من الشریعة أى الّذی یجوز تناوله و الحرام المعهود الثابت منها أى الّذى لا یجوز ارتكابه هو منحصر فیما أحلّه اللّه سبحانه و حرّمه و أفصح عن حلیّته و حرمته فی كتابه الكریم و لسان نبیّه الحكیم ، فغیر ذلك مما أحلّه الناس و حرّموه لیس حلالا و لا حراما إذ حلال

[ 223 ]

محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حلال إلى یوم القیامة و حرامه حرام إلى یوم القیامة .

كما یدلّ علیه ما رواه فی الكافی عن زرارة قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن الحلال و الحرام فقال علیه السّلام : حلال محمّد حلال أبدا إلى یوم القیامة و حرام محمّد حرام أبدا إلى یوم القیامة لا یكون غیره و لا یجی‏ء غیره .

و قال : قال علیّ علیه السّلام : ما أحد یبدع بدعة إلاّ ترك بها سنّة ، هذا .

و لا یخفى علیك أنّ هذه الخطبة إن كان صدورها بعد قتل عثمان و البیعة له علیه السّلام بالخلافة كما حكیناه سابقا عن بعض الشارحین ، فالأشبه على ذلك أن یكون قوله علیه السّلام : و أنّ ما أحدث النّاس إلى آخره توطئة و تمهیدا لما كان مكنونا فی خاطره من تغییر البدعات المحدثات فی أیام خلافة الثلاثة و إجراء الأحكام الشرعیّة على وجهها بعد استقرار أمر خلافته لو كان متمكّنا منه حتّى لا یعترض علیه النّاس و لا یطعنوا علیه ، كما بان عنه فی بعض كلماته الآتیة فی الكتاب حیث قال : لو قد استوت قدماى من هذه المداحض لغیّرت أشیاء ، و لكنّه علیه السّلام لم یتمكّن من التغییر .

و قد روى فی البحار من التهذیب عن علیّ بن الحسن بن فضّال عن أحمد بن الحسن عن عمرو بن سعید المداینی عن مصدّق بن صدقة عن عمّار عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : سألته عن صلاة فی رمضان فی المساجد قال : لما قدم أمیر المؤمنین علیه السّلام الكوفة أمر الحسن بن علیّ علیهما السّلام أن ینادى فی النّاس لا صلاة 1 فی شهر رمضان فی المساجد جماعة ، فنادى فی النّاس الحسن بن علیّ علیهما السّلام بما أمره به أمیر المؤمنین علیه السّلام ، فلما سمع الناس مقالة الحسن بن علیّ علیهما السّلام ، صاحوا : وا عمراه وا عمراه فلما رجع الحسن إلى أمیر المؤمنین علیهما السّلام قال له : ما هذا الصّوت ؟ فقال : یا أمیر المؤمنین النّاس یصیحون وا عمراه وا عمراه ، فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام : قل لهم : صلّوا ، هذا .

و لما بیّن انحصار الحلال و الحرام فیما أحلّه اللّه سبحانه و حرّمه أردفه بقوله ( فقد جرّبتم الامور و ضرّستموها ) أى أحكمتموها بالتجربة و الممارسة ، و ظهر لكم جیّدها من ردیّها و حقّها من باطلها ( و وعظتم بمن كان قبلكم ) أى وعظكم اللّه

-----------
( 1 ) نهى عن فعل نافلة رمضان جماعة كما ورد التصریح به فی اخبار اخر ( منه ره )

[ 224 ]

سبحانه فی كتابه بالامم الماضیة و بما جرى منه فی حقّ المؤمنین منهم من الجزاء الجمیل و ما جرى فی حقّ العاصین منهم من العذاب الوبیل ( و ضربت ) فی الفرقان الحكیم ( الأمثال لكم ) الكثیرة الموضحة للحقّ من الباطل و الفارقة بینهما ( و دعیتم إلى الأمر الواضح ) أى إلى أمر الدّین و الاسلام الّذی أوضحه كتاب اللّه و سنّة رسوله حقّ الوضوح و لم یبق علیه سترة و لا حجاب .

و المقصود من هذه الجملات تنبیه المخاطبین على أنهم بعد ما حصل لهم هذه الأمور أعنى تجربة الأمور و أحكامها و الموعظة و ضرب الأمثال الظاهرة و الدّعوة إلى الأمر الواضح یحقّ لهم أن یعرفوا أحكام الشریعة حقّ المعرفة ، و أن یمیّزوا بین البدعات و السّنن إذ تلك الأمور معدّة لحصول المعرفة و لوضوح الفرق بین البدعة و السنّة و بین المجعولة و الحقیقة .

( فلا یصمّ عن ذلك ) أى لا یغفل عن ما ذكر من الامور أو عن الأمر الواضح الّذى دعوا إلیه ( إلاّ ) من هو ( أصمّ ) أى الغافل البالغ فی غفلته النهایة و التنوین للتفخیم و التعظیم كما فی قوله تعالى : « و على أبصارهم غشاوة » أى غشاوة عظیمة و هكذا فی قوله :

( و لا یعمى عنه إلاّ أعمى ) أى لا یضلّ عنه و لا یجهل به إلاّ من هو شدید الضلال و الجهالة .

( و من لم ینفعه اللّه بالبلاء ) أى بما بلاه به من المكاره و المصائب ( و ) ب ( التجارب ) المكتسبة من مزاولة الامور و مقاساة الشدائد ( لم ینتفع بشی‏ء من العظة ) لأنّ تأثیر البلاء و التّجارب فی النفس أشدّ و أقوى من تأثیر النصح و الموعظة ، لأنّ الموعظة احالة على الغایب ، و البلیة و التجربة مدركة بالحسّ فمن لا ینفعه الأقوى لا ینفعه الأضعف بالطریق الأولى ( و أتاه النقص من أمامه ) أى من بین یدیه .

قال الشارح البحرانی : لأنّ الكمالات الّتی یتوجّه إلیها بوجه عقله تفوته لنقصان تجربته و وقوف عقله عنها فأشبه فوتها له مع طلبه لها إتیان النقص له من أمامه .

و قوله ( حتّى یعرف ما أنكر و ینكر ما عرف ) إشارة إلى غایة نقصانه ، و هى الاختلاط و الحكم على غیر بصیرة ، فتارة یتخیّل فیما أنكره و جهله أنّه عارف بحقیقته ، و تارة

[ 225 ]

ینكر ما كان یعرفه و یحكم بصحّته لخیال یطرء علیه .

قال الشّارح المعتزلی : حتّى یتخیّل فیما أنكره أنّه قد عرفه و ینكر ما قد كان عارفا به و سمّى اعتقاد العرفان و تخیّله عرفانا على المجاز .

ثمّ فرّع على ما ذكر انقسام الناس إلى قسمین فقال علیه السّلام ( فانّ الناس رجلان متبع شرعة ) أى متشرّع آخذ بشرایع الدّین ، و سالك لمنهاج الشرع المبین ، و هو العامل بكتاب اللّه سبحانه و سنّته و المقتبس من نورهما و المنتفع بما فیهما من النصایح و المواعظ و الأمثال المضروبة ، و هو من الّذین قال اللّه فیهم « و تلك الأمثال نضربها للناس و ما یعقلها إلاّ العالمون » .

( و مبتدع بدعة ) و هو الّذی لم ینتفع بهما بل نبذ أحكامهما ورائه و اتّبع هویه و عمل بآرائه و مقایسه فأعمى اللّه قلبه عن معرفة الحقّ و أصمّه عن استماعه كما قال :

صمّ بكم عمى فهم لا یرجعون ( لیس معه من ) عند ( اللّه ) سبحانه ( برهان سنّة و لا ضیاء حجّة ) أى لیس له فیما أحدثه من البدعة دلیل علیه من سنّة و لا حجّة بیّنة واضحة من الكتاب الكریم تنجیه لوضوحها و ضیائها من ظلمة الجهل و الضلال .

قال أبو شیبة الخراسانی : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : إنّ أصحاب المقاییس طلبوا العلم بالمقاییس فلم تزدهم المقاییس من الحقّ إلاّ بعدا و انّ دین اللّه لا یصاب بالعقول ، رواه فی الكافی .

و فیه أیضا عن محمّد بن أبی عبد اللّه رفعه عن یونس بن عبد الرّحمان قال : قلت لأبی الحسن الأوّل علیه السّلام : بما اوحّد اللّه عزّ و جلّ ؟ فقال : یا یونس لا تكوننّ مبتدعا من نظر برأیه هلك ، و من ترك أهل بیت نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ضلّ ، و من ترك كتاب اللّه و قول نبیّه كفر .

و لما ذكر أنّ أصحاب البدع لیس لهم دلیل من سنّة یتمسّكون به و لا نور حجّة یستضیئون به أردفه بذكر ممادح القرآن تنبیها على كونه البرهان الحقّ و النّور المضی‏ء أحقّ بالاتباع و الاهتداء ، و أجدر أن یقتبس من أنواره و یتّعظ بمواعظه و نصایحه ، و على أنّ الراغبین عنه التابعین لأهوائهم و الآخذین بالآراء

[ 226 ]

و المقاییس تائهون فی بوادى الجهالة ، هائمون فی فیافی الضلالة فقال :

( و إنّ اللّه سبحانه لم یعظ أحدا بمثل هذا القرآن ) لأنّ الغرض من جمیع المواعظ المتضمّنة للوعد و الوعید و الترغیب و التهدید هو الجذب إلى طرف الحقّ و الارشاد إلى حظیرة القدس ، و القرآن أبلغ منها كلّها فی إفادة ذلك الغرض و أكمل فی تحصیل ذلك المقصود ( فانه حبل اللّه المتین ) من تمسّك به نجا و من تركه فقد هوى ، و وصفه بالمتانة و الاحكام لأنه حبل ممدود من الأرض إلى السماء من استمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ( و سببه الأمین ) و وصفه بالامانة لأنه لا یخون المتوصّل به فی ایصاله إلى حظایر القدس و مجالس الانس و قرب الحقّ ( و فیه ربیع القلب ) لأنّ القلوب تلتذّ و تنشط و ترتاح بتلاوة آیاته و تدبّر ما فیها من المحاسن و المزایا و تفكّر ما تضمّنته تلك الآیات من النكات البدیعة و اللطایف العجیبة ، كما أنّ النفوس تلتذّ بأزهار الربیع و أنواره .

( و ) فیه ( ینابیع العلم ) استعارة بالكنایة حیث شبّه العلم بالماء إذ به حیاة الأرواح كما أنّ بالمآء حیاة الأبدان ، و ذكر الینابیع تخییل ، و فی نسخة الشارح بدل ینابیع العلم : ینابیع العلوم و المقصود واحد ، و إنما كان ینابیع العلوم اذ جمیع العلوم خارجة منه لتضمّنه علم ما كان و ما هو كائن و ما یكون كما قال عزّ من قائل :

« و لا رطب و لا یابس إلاّ فی كتاب مبین » .

( و ما للقلب جلاء غیره ) إذ فیه منار الهدى و مصابیح الدّجى و التفكّر فیه یجلو القلوب من رین الشكوكات و یرتفع به عنها صدا الشبهات كما یجلو الصیقل المرآت .

فان قلت : لم جعل الجلاء مقصورا فیه مع حصوله بغیره من العلوم الحقّة ؟

قلت : لما كان القرآن ینابیع جمیع العلوم حسبما عرفت یؤل حصول الجلاء بها إلى الجلاء به فی الحقیقة ، أو أنّ المراد نفى الكمال أى لیس للقلب جلاء كامل غیره .

و هذا الجواب أولى مما أجاب به الشارح البحرانی من أنّ هذا الكلام صدر

[ 227 ]

عنه علیه السّلام و لم یكن فی هذا الزمان علم مدوّن و لا استفادة للمسلمین إلاّ من القرآن الكریم ، فلم یكن إذا جلاء للقلب غیره .

وجه الأولویّة أنّ الأحادیث النبویّة كانت موجودة بأیدیهم یومئذ و الاستفادة منها كانت ممكنة لمن أرادها ، و أما غیر المرید لها من الّذین على قلوبهم أقفالها فالقرآن و الحدیث بالنسبة إلیهم أیضا على حدّ سواء كما لا یخفى .

( مع أنه قد ذهب المتذكّرون ) بالقرآن المتدبّرون فی معانیه المستضیئون بضیائه المقتبسون من أنواره ( و بقى الناسون ) له حقیقة ( أو المتناسون ) المظهرون للنسیان لأغراض دنیویّة .

و ارتباط هذا الكلام أعنى قوله : مع أنه آه بما سبق أنه لما ذكر ممادح القرآن و أنه أبلغ المواعظ و أجلى للقلوب ، و كان الغرض منه حثّ المخاطبین و تحریصهم على اتّباعه و التذكّر به أتبعه بذلك أسفا على الماضین و تقریعا على الباقین بأنّهم لا یتذكّرون به و لا یتّبعونه و لا یتّعظون بمواعظه .

و محصّله إظهار الیأس من قبولهم للموعظة و استبعاد ذلك لما تفرّس منهم من فساد النیات و متابعة الهوى و الشهوات .

و یحتمل أن یكون توطئة و تمهیدا لما كان یریده من أمرهم باعانة الخیر و تجنّب الشرّ ، یعنی مع أنّ المتذكّرین و أولى البصایر قد مضوا و لم یبق إلاّ الغافلون الجاهلون و تأثیر الموعظة فیهم صعب جدا ، مع ذلك أعظكم و اذكّركم و إن لم تنفع الذكرى بقولى ( فاذا رأیتم خیرا فأعینوا علیه و إذا رأیتم شرّا فاذهبوا عنه ) لفظ الخیر و الشرّ و إن كان مطلقا شاملا باطلاقه لكلّ خیر و شرّ ، إلاّ أنّ الأشبه أن یكون نظره فیهما إلى الخیر و الشرّ المخصوصین .

بأن یكون مراده من الخیر الخیر الّذی كان یریده فی حقّهم و إن كان مكروها و كانوا لهم متنفرّین عنه بطبعهم من التسویة فی العطاء و الحمل على جادّة الوسطى و مرّ الحقّ ، و یكون المراد باعانتهم علیه تسلیمهم له فی كلّ ما یأمر و ینهى و رضاهم

[ 228 ]

بكلّ ما یفعل و یرید ، و سعیهم فی مقاصده و مآربه .

و أن یكون مراده من الشرّ ما تفرّس منهم بل شاهده من قصدهم لنكث البیعة و ثوران الفتنة ، و یكون المراد بالذّهاب عنه الاعراض عنه و الترك له .

و إنّما قلنا إنّ الأشبه ذلك لما حكیناه عن بعض الشراح من أنّ هذه الخطبة خطب بها فی أوائل البیعة فقرینة الحال و المقام تشعر بما ذكرناه .

و كیف كان فلما أمر علیه السّلام بما أمر أكّده بالحدیث النبویّ صلّى اللّه علیه و آله فقال ( فانّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله كان یقول : یا ابن آدم اعمل الخیر و دع الشرّ ) أى اتركه ( فاذا أنت جواد قاصد ) یحتمل أن یكون المراد بالقاصد الراشد الغیر المجاوز عن الحدّ فی سیره بأن لا یكون سریع السّیر فیتعب بسرعته ، و لا بطى‏ء السّیر فیفوت الغرض ببطوئه ،

و أن یكون المراد به السائر فی قصد السّبیل أى غیر الخارج عن الجادّة الوسطى ،

و تشبیه عامل الخیر و تارك الشرّ به على الأوّل من أجل اتّصافه بالعدل فی أموره و برائته من الافراط و التفریط ، و على الثانی من أجل كون سلوكه على الجادّة الوسطى و الصراط المستقیم الموصل به إلى نضرة النّعیم و الفوز العظیم .

ثمّ نبّه على أقسام الظلم تلمیحا إلى مظلومیته علیه السّلام و تنبیها على أنّ ظلامته لا تترك فقال ( ألا و انّ الظلم ثلاثة فظلم لا یغفر ، و ظلم لا یترك ، و ظلم مغفور لا یطلب ،

فأمّا الظلم الّذی لا یغفر فالشّرك باللّه ) لما ( قال اللّه سبحانه إنَّ اللّه لا یغفر أن یشرك به ) عدم الغفران بالشرك مشروط بعدم التوبة ، لأنّ الأمة أجمعت على أنّ اللّه یغفره بالتوبة و إن كان الغفران مع التوبة عند المعتزلة على وجه الوجوب و عندنا على وجه التفضّل و الانعام كما یأتی التصریح بذلك عن مجمع البیان .

( و أمّا الظلم الّذی یغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات ) لعلّ المراد بذلك البعض الصغایر لأنّ الاجتناب عن الكبایر یكون كفارة لها كما قال تعالى :

« إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سیئاتكم » .

و أمّا حمله على المغفرة بالتوبة أو الشفاعة ففیه انّ المغفرة بهما لا اختصاص لها ببعض الهنات السّیئات بل جمیع المعاصی تكون مغفورة بعد حصول التوبة و الشفاعة

[ 229 ]

على أنّ حمله على صورة التوبة یوجب عدم الفرق بینه و بین القسم الأوّل لما عرفت هناك من الاجماع على غفران الشرك أیضا بالتوبة كسایر المعاصی صغیرة أو كبیرة فلا یكون على ذلك للتفكیك بین القسمین وجه .

و الحاصل أنّ الشرك و غیره مشتركان فی الغفران بالتوبة و فی عدمه بعدمها إلاّ الصغایر فانّها تغفر مع عدمها أیضا إذا حصل الاجتناب عن الكبایر هذا .

و لكن ظاهر قوله تعالى « إنّ اللَّه لا یغفر أن یشرك به و یغفر ما دون ذلك لمن یشآء » هو غفران ما دون الشرك مطلقا صغیرا كان أو كبیرا ، بل صرّح به فی بعض الأخبار .

و هو ما رواه فی الصّافی من الكافی عن الصّادق علیه السّلام فی هذه الآیة قال :

الكبائر فما سواها .

و فیه منه و من الفقیه أنّه علیه السّلام سئل هل تدخل الكبایر فی مشیّة اللّه ؟ قال :

نعم ذاك إلیه عزّ و جلّ إن شآء عذّب و إن شاء عفى عنها .

و فی تفسیر علیّ بن إبراهیم عند تفسیر هذه الآیة قال : حدّثنی أبی عن ابن أبی عمیر عن هشام عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قلت له : دخلت الكبائر فی الاستثناء ؟

قال : نعم .

قال الطبرسیّ فی مجمع البیان فی تفسیرها : معناها أنّ اللّه لا یغفر أن یشرك به أحد و لا یغفر ذنب المشرك لأحد و یغفر ما دون الشرك من الذّنوب لمن یرید قال المحقّقون : هذه الآیة أرجى آیة فی القرآن ، لأنّ فیه إدخال ما دون الشرك من جمیع المعاصی فی مشیّة الغفران وقف اللّه المؤمنین الموحّدین بهذه الآیة بین الخوف و الرّجاء و بین العدل و الفضل ، و ذلك صفة المؤمن ، و لذلك قال الصادق علیه السّلام : لو وزن رجاء المؤمن و خوفه لاعتدلا .

قال الطبرسیّ : و وجه الاستدلال بهذه على أنّ اللّه یغفر الذّنوب من غیر توبة أنه نفى غفران الشرك و لم ینف غفرانه على كلّ حال بل نفى أن یغفر من غیر توبة لأنّ الامة اجتمعت على أنّ اللّه یغفره بالتوبة و إن كان الغفران عند المعتزلة على

[ 230 ]

وجه الوجوب و عندنا على وجه التفضّل ، و على هذا یجب أن یكون المراد بقوله :

و یغفر ما دون ذلك لمن یشاء ، أنّه یغفر ما دون الشرك من الذنوب بغیر توبة لمن یشاء من المذنبین غیر الكافرین .

و لا معنى لقول المعتزلة إنّ فی حمل الآیة على ظاهرها و إدخال ما دون الشرك فی المشیّة إغراء على المعصیة ، لأنّ الاغراء إنّما یحصل بالقطع على الغفران فأمّا إذا كان الغفران معلّقا بالمشیّة فلا إغراء فیه . بل یكون العبد به واقفا بین الخوف و الرجاء و بهذا وردت الأخبار الكثیرة من طریق الخاصّ و العامّ ، و انعقد علیه اجماع سلف أهل الاسلام .

و من قال فی غفران ذنوب البعض دون البعض میل و محاباة و لا یجوز المیل و المحاباة على اللّه .

فجوابه أنّ اللّه متفضّل بالغفران و للمتفضّل أن یتفضّل على قوم دون قوم و انسان دون انسان ، و هو عادل فی تعذیب من یعذّبه ، و لیس یمنع العقل و الشرع من الفضل و العدل .

و من قال منهم أنّ لفظة ما دون ذلك و إن كانت عامة فی الذنوب الّتی هى دون الشرك فانما نخصّها و نحملها على الصغائر أو ما یقع منه التوبة لأجل عموم ظاهر آیات الوعید .

فجوابه إنا نعكس علیكم ذلك فنقول : بل خصّصوا ظواهر تلك الآیات لعموم هذه الآیة و هذا أولى لما روى عن بعض أنّه قال إنّ هذه الآیة استثناء على جمیع القرآن یرید به و اللّه أعلم جمیع آیات الوعید .

و أیضا فان الصّغایر یرتفع عندكم محبطة و لا تجوز المؤاخذة بها ، و ما هذا حكمه فكیف تعلّق بالمشیّة فانّ أحدا لا یقول إنی أفعل الواجب إن شئت و أردّ الودیعة إن شئت ، انتهى .

و بما ذكرنا ظهر لك فساد ما توهّمه الشارح المعتزلی فانّه بعد ما ذكر أنّ الكبائر حكمها حكم الشرك عند أصحابه المعتزلة فی عدم المغفرة اعترض على


ادامه مطلب


نظرات() 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-05:33 ب.ظ

[ 177 ] و من كلام له ع فی معنى الحكمین

فَأَجْمَعَ رَأْیُ مَلَئِكُمْ عَلَى أَنِ اِخْتَارُوا رَجُلَیْنِ فَأَخَذْنَا عَلَیْهِمَا أَنْ یُجَعْجِعَا عِنْدَ اَلْقُرْآنِ وَ لاَ یُجَاوِزَاهُ وَ تَكُونُ أَلْسِنَتُهُمَا مَعَهُ وَ قُلُوبُهُمَا تَبَعَهُ فَتَاهَا عَنْهُ وَ تَرَكَا اَلْحَقَّ وَ هُمَا یُبْصِرَانِهِ وَ كَانَ اَلْجَوْرُ هَوَاهُمَا وَ اَلاِعْوِجَاجُ رَأْیَهُمَا وَ قَدْ سَبَقَ اِسْتِثْنَاؤُنَا عَلَیْهِمَا فِی اَلْحُكْمِ بِالْعَدْلِ وَ اَلْعَمَلِ بِالْحَقِّ سُوءَ رَأْیِهِمَا وَ جَوْرَ حُكْمِهِمَا وَ اَلثِّقَةُ فِی أَیْدِینَا لِأَنْفُسِنَا حِینَ خَالَفَا سَبِیلَ اَلْحَقِّ وَ أَتَیَا بِمَا لاَ یُعْرَفُ مِنْ مَعْكُوسِ اَلْحُكْمِ

[ 242 ]

و من كلام له علیه السّلام فی معنى الحكمین

و هو المأة و السادس و السبعون من المختار فی باب الخطب فأجمع رأی ملإكم على أن اختاروا رجلین فأخذنا علیهما أن یجعجعا عند القرآن و لا یجاوزاه ، و تكون ألسنتهما معه ، و قلوبهما تبعه ، فتاها عنه ، و تركا الحقّ و هما یبصرانه ، و كان الجور هواهما ،

و الإعوجاج رأیهما ، و قد سبق استثنآؤنا علیهما فی الحكم بالعدل و العمل بالحقّ سوء رأیهما ، و جور حكمهما ، و الثّقة فی أیدینا لأنفسنا حین خالفا سبیل الحقّ ، و أتیا بما لا یعرف من معكوس الحكم .

اللغة

( الملاء ) أشراف النّاس و رؤساهم و مقدّموهم الّذین یرجع إلى قولهم قال فی محكىّ النهایة : فی حدیث علیّ علیه السّلام أن ( یجعجعا عند القرآن ) أى یقیما عنده یقال : جعجع القوم إذا أناخوا بالجعجاع ، و هى الأرض و الجعجاع أیضا الموضع الضیق الخشن و ( التبع ) محرّكة التابع یكون مفردا و جمعا و یجمع على أتباع مثل سبب و أسباب .

الاعراب

سوء رأیهما بالنّصب مفعول استثنائنا أو سبق أیضا على سبیل التنازع و الأوّل أظهر و قوله : فی الحكم ، متعلّق بقوله : سبق .

[ 243 ]

المعنى

قال الشارح البحرانی : هذا الفصل من خطبة خطبها لما بلغه أمر الحكمین .

أقول : و الظاهر أنه ره توهّم من قول السیّد ره و من كلام له فی معنى الحكمین أنّه تكلّم به حین بلغه أمرهما ، فان كان ظفر بتمام الخطبة و اطلع على أنه خطبها حین بلوغ أمرهما فهو ، و إلاّ فالظاهر أنّ هذا الكلام من فصول الاحتجاجات الّتی كانت له مع الخوارج و قد مرّ نظیر هذا الكلام منه فی ذیل الكلام المأة و السابع و العشرین .

و بالمراجعة إلى شرح الكلام المذكور و شرح الكلام المأة و الخامس و العشرین المتضمّنین لاحتجاجاته معهم یظهر لك توضیح ما ذكره فی هذا المقام و تعرف أنه ناظر إلى ردّ احتجاجهم الّذی احتجّوا به علیه و هو : أنك قد حكمت الرّجال فی دین اللّه و لم یكن ذلك إلیك ثمّ أنكرت حكمهما لما حكموا علیك .

فأجابهم علیه السّلام بقوله ( فأجمع رأى ملإكم ) أى عزم رؤساءكم و كبراءكم و اتّفق آراءهم ( على أن اختاروا رجلین ) هما أبو موسى الأشعرى و عمرو بن العاص لعنهما اللّه تعالى من غیر رضى منّى بتحكیمهما بل على غایة كره منّى بذلك .

كما یدلّ قوله لابن الكوا فی النهروان فی الرّوایة الّتی رویناها من كشف الغمّة فی شرح الخطبة السادسة و الثلاثین حیث إنّه لما اعترض علیه بأمر الحكمین قال علیه السّلام له : أ لم أقل لكم إنّ أهل الشام یخدعونكم بها 1 فانّ الحرب قد عضتهم فذرونى اناجزهم فأبیتم ألم ارد نصب ابن عمّی أى عبد اللّه بن العبّاس و قلت انّه لا ینخدع فأبیتم إلاّ أبا موسى و قلتم رضینا به حكما فأجبتكم كارها و لو وجدت فی ذلك الوقت أعوانا غیركم لما أجبتكم .

( فأخذنا علیهما ) أى على الرّجلین الحكمین ( أن یجعجعا عند القرآن ) أى یقفا دونه و یجب نفسهما علیه ( و لا یجاوزاه ) أى لا یتجاوزا عن أوامره و نواهیه ( و یكون ألسنتهما معه و قلوبهما تبعه ) أى یكونان تابعین له و یعملان بحكمه ( فتاها ) أى ضلاّ

-----------
( 1 ) أى بالمصاحف و رفعها منه

[ 244 ]

( عنه و تركا الحقّ و هما یبصرانه ) أى عدلا عن القرآن و عن حكمه الحقّ الّذی هو خلافته مع علمهما و معرفتهما بحقیته كما عرفت تفصیل ذلك كلّه فی شرح الخطبة الخامسة و الثلاثین .

و الحاصل أنّهما تركا الحقّ عمدا عن علم لا عن جهل و لم یكن ذلك فتنة منهما بل كان بنائهما من أوّل الأمر على ذلك ( و كان الجور ) و الحیف فی الحكم ( هواهما و الاعوجاج ) عن الحقّ و الانحراف عن الدّین ( رأیهما ) و فی بعض النسخ دأبهما و هو أولى أى لم یكن ذلك أوّل حیفهما بل كان دیدنا و عادة لهما و شیمة طبعت علیها قلوبهما .

ثمّ أجاب عمّا نقموا علیه من إنكاره التحكیم بعد رضاه به بقوله ( و قد سبق استثناؤنا علیهما فی الحكم بالعدل و العمل بالحقّ سوء رأیهما و جور حكمهما ) أراد به ما كان شرطه على الحكمین حین عزموا على التحكیم أن یحكما بما حكم القرآن و بما أنزل اللّه فیه من فاتحته إلى خاتمته و إلاّ فلا ینفذ حكمهما فیه و فی أصحابه ،

فقد قدّم علیه السّلام إلیهما أن لا یعملا برأیهما و هواهما و لا یحكما بشی‏ء من تلقاء أنفسهم الأمّارة بالسوء .

( و الثقة فی أیدینا لأنفسنا ) أى إنّا على برهان و ثقة من امورنا و لیس یلازم لنا اتباع حكمهما ( حین خالفا سبیل الحقّ ) و انحرفا عن سواء السبیل ( و أتیا بما لا یعرف ) أى لا یصدق به ( من معكوس الحكم ) یعنی أنهما نبذا كتاب اللّه وراء ظهورهم و خالفاه و حكما بعكس حكم الكتاب و قد استحقّا به اللّؤم و العقاب یوم الحساب

الترجمة

از جمله كلام فصاحت نظام آن امام علیه السّلام است در ذكر أمر حكمین كه خطاب فرموده بآن خوارج نهروان را در مقام اجتماع با ایشان میفرماید :

پس متّفق شد رأى رؤساء و أشراف شما بر اینكه اختیار كردند دو مرد را كه

[ 245 ]

یكى أبو موسى أشعرى بود و یكى عمرو بن عاص پس عهد و میثاق گرفتیم بر ایشان كه وا ایستند و حبس كنند نفس خود را در نزد قرآن و تجاوز نكنند از آن و باشد زبان ایشان با آن قرآن و قلبهاى شان تابع آن ، پس هر دو گمراه شدند از قرآن و ترك كردند حق را و حال آنكه هر دو میدیدند حق را ، و بود جور و ظلم آرزوى ایشان و كجى و اعوجاج رأى ایشان .

و بتحقیق كه سابق شده بود استثنا كردن ما بر آن دو مرد در خصوص حكم كردن با عدالت و عمل كردن بحق بدى رأى ایشانرا و ستم كردن ایشان را در حكمى كه مینمایند ، یعنی استثناء كرده بودیم كه ایشان با رأى فاسد خود رفتار نكنند و با حكم جور حكم ننمایند ، و وثوق و اعتماد در دست ما است از براى نفسهاى خود ما در وقتیكه مخالفت راه حق كردند و آوردند چیزیرا كه غیر معروف بود از حكمى كه بعكس حكم قرآن بود و بر خلاف شرط ما .


ادامه مطلب


نظرات() 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-05:32 ب.ظ

[ 179 ] و من كلام له ع و قد سأله ذعلب الیمانی فقال هل رأیت ربك یا أمیر المؤمنین فقال ع أ فأعبد ما لا أرى فقال و كیف تراه فقال

لاَ تُدْرِكُهُ اَلْعُیُونُ بِمُشَاهَدَةِ اَلْعِیَانِ وَ لَكِنْ تُدْرِكُهُ اَلْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ اَلْإِیمَانِ قَرِیبٌ مِنَ اَلْأَشْیَاءِ غَیْرَ مُلاَبِسٍ بَعِیدٌ مِنْهَا غَیْرَ مُبَایِنٍ مُتَكَلِّمٌ لاَ بِرَوِیَّةٍ مُرِیدٌ لاَ بِهِمَّةٍ صَانِعٌ لاَ بِجَارِحَةٍ لَطِیفٌ لاَ یُوصَفُ بِالْخَفَاءِ كَبِیرٌ لاَ یُوصَفُ بِالْجَفَاءِ بَصِیرٌ لاَ یُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ رَحِیمٌ لاَ یُوصَفُ بِالرِّقَّةِ تَعْنُو اَلْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ وَ تَجِبُ اَلْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِهِ

و من كلام له علیه السّلام

و هو المأة و الثامن و السبعون من المختار فی باب الخطب و هو مروىّ فی الأصول المعتبرة كالكافی و التوحید و الاحتجاج و الارشاد بطرق مختلفة باجمال و تفصیل و اختلاف تطلع علیه بعد الفراغ من شرح ما أورده السیّد ( ره ) .

و قد سئله ذعلب الیمانی فقال : هل رأیت ربّك یا أمیر المؤمنین ؟

فقال علیه السّلام : أفأعبد ما لا أرى قال : و كیف تراه ؟ قال علیه السّلام :

لا تدركه العیون بمشاهدة العیان ، و لكن تدركه القلوب بحقایق

[ 258 ]

الإیمان ، قریب من الأشیاء غیر ملامس ، بعید منها غیر مبائن ،

متكلّم لا بروّیة ، مرید بلا همّة ، صانع لا بجارحة ، لطیف لا یوصف بالخفاء ، كبیر لا یوصف بالجفاء ، بصیر لا یوصف بالحاسّة ، رحیم لا یوصف بالرّقّة ، تعنو الوجوه لعظمته ، و تجب القلوب من مخافته .

اللغة

( الذعلب ) فی الأصل الناقة السریعة ثمّ صار علما للانسان كما نقلوا بكرا عن فتى الابل إلى بكر بن وابل و ( الیمانی ) منسوب إلى الیمن اقلیم معروف سمّى به لكونه على یمین الكعبة و أصله یمنیّ بتشدید الیاء ثمّ جعلوا الألف بدلا عن الیاء الثانیة فقالوا یمانی بالتخفیف فی یمنیّ و ( جفوت ) الرجل أعرضت عنه أو طردته و قد یكون مع بغض و جفا الثوب یجفو إذا غلظ فهو جاف ، و منه جفاء الید و هو غلظتهم و فظاظتهم و ( عنا ) یعنو عنوا من باب قعد ذلّ و خضع و الاسم العناء بالفتح و المدّ فهو عان و ( وجب ) الحایط و نحوه وجبة سقط و وجب القلب وجبا و وجیبا رجف .

الاعراب

قوله : أفأعبد استفهام على سبیل الانكار و الابطال و قوله : قریب خبر لمبتداء محذوف و قوله : غیر ملامس بنصب غیر كما فی أكثر النسخ حال من فاعل قریب المستتر و فی بعضها بالرّفع فیكون صفة لقریب ، و كذلك قوله غیر مباین ، و مثلهما جملة لا یوصف تحتمل أن تكون فی محلّ النصب على الحال ، و فی محلّ الرّفع على الوصف .

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام له علیه السّلام من كلماته المعروفة و قد ظهر لك فی شرح الخطبة

[ 259 ]

الثّانیة و التسعین أنّه ملتقط من كلام طویل له علیه السّلام قدّمنا روایته هناك من توحید الصّدوق كما ظهر أنّه علیه السّلام كلّم به مع ذعلب ، فانه لما قال على المنبر غیر مرّة :

سلونی قبل أن تفقدونی ، قام إلیه ذعلب و كان رجلا ذرب اللّسان بلیغا فی الخطب شجاع القلب فقال : لقد ارتقى ابن أبی طالب مرقاة صعبة لاخجلنّه الیوم لكم فی مسألتی إیّاه فقال له ( هل رأیت ربّك یا أمیر المؤمنین ) و كان هذا السؤال منه من باب التعنّت و التقریر بقصد التعجیز عن الجواب لا الاستفهام الحقیقی كما یدلّ علیه أوّل كلامه الّذى حكیناه .

( فقال علیه السّلام أفأعبد ما لا أرى ) إنكار لعبادة ما لا یدرك ، لأنّ العبادة متضمّنة للسؤال و المخاطبة و المكالمة و طلب الرحمة و المغفرة و غیر ذلك من الخضوع و الخشوع و التضرّع و التملّق و الاستكانة و هذه كلّها تستدعى حضور المعبود و إدراكه و رؤیته .

و لما توهّم السائل من كلامه علیه السّلام أنّ مراده به رؤیة البصر أعاد السؤال و ( قال و كیف تراه ) على سبیل الاستفهام التوبیخی یعنی أنّ رؤیته غیر ممكنة فكیف ادّعیتها .

فأجابه و ( قال علیه السّلام لا تدركه العیون بمشاهدة العیان ) یعنى أنّ رؤیته لیست بالعین و بمشاهدة القوّة البصریة الجسمانیة ، فانّ هذه غیر جایزة كما عرفت تحقیقه فی شرح الخطبة التاسعة و الأربعین ، و هو صریح فی بطلان مذهب الأشاعرة و المشبهة و الكرامیّة المجوّزین للرؤیة ( و لكن تدركه القلوب بحقایق الایمان ) أى تدركه العقول الصافیة عن ملابسة الأبدان و غواشی الطبایع و الأجرام بحقایق الایمان أى بأنوار العقلیّة الناشئة من الایمان و الاذعان الخالص كما مرّ تحقیقه فی شرح الخطبة التاسعة و الأربعین أیضا .

و قال الشارح البحرانی : أراد بحقایق الایمان أركانه و هى التصدیق بوجود اللّه و وحدانیّته و سایر صفاته و اعتبارات أسمائه الحسنى .

و قال العلامة المجلسى ره فی مرآت العقول : حقایق الایمان العقاید الّتى هى حقایق أى عقاید عقلیة ثابتة یقینیّة لا یتطرّق إلیها الزوال و التغیر أى أركان

[ 260 ]

الایمان أى الانوار و الآثار الّتی حصلت فی القلب من الایمان او التصدیقات و الاذعانات الّتى تحقّ أن تسمّى ایمانا .

أو المراد بحقایق الایمان ما ینتمى إلیه تلك العقاید من البراهین العقلیّة ، فانّ الحقیقة ما یصیر إلیه حقّ الأمر و وجوبه ذكره المطرزى فی الغریبین انتهى .

أقول : هذه المعانى كلّها صحیحة محتملة لكن الأظهر هو المعنى الثانى المطابق لما ذكرناه .

و یؤیّده ما فی الاحتجاج عن أبی عبد اللّه علیه السّلام أنه سأله زندیق كیف یعبد اللّه الخلق و لم یروه ؟ قال علیه السّلام : رأته القلوب بنور الایمان و أثبتته العقول بیقظها إثبات العیان ، و أبصرته الأبصار بما رأت من حسن التركیب و احكام التألیف ، ثمّ الرّسل و آیاتها و الكتب و محكماتها واقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤیته قال : ألیس هو قادر أن یظهر لهم حتّى یروه فیعرفوه فیعبد على یقین ؟ قال علیه السّلام : لیس للمحال جواب ، هذا .

و لما نبّه على كونه سبحانه مدركا بالعقول عقّبه بذكر جملة من صفات كماله التى هى جهات ادراكه فقال ( قریب من الأشیاء غیر ملامس ) یعنى أنّ قربه منها بالاحاطة و القیومیّة لا بالالتصاق و الملامسة الّتى هى من عوارض الجسمیّة ( بعید منها غیر مباین ) یعنى أنّ بعده منها بنفس ذاته المقدّسة لا بعنوان التعاند و المضادّة ، و قد مرّ تحقیق ذلك مع سابقه فی شرح الفصل السادس من الخطبة الاولى عند شرح قوله علیه السّلام :

مع كلّ شى‏ء لا بمقارنة و غیر كلّشى‏ء لا بمزایلة .

( متكلّم لا برویة ) یعنى أنّ تكلّمه تعالى لیس بالفكر و التروّى كسایر آحاد الناس فانّ كلامهم تابع للتروّى و الافكار یتفكّرون أوّلا فی نظم الألفاظ و ترتیبها و دلالتها على المعانى المقصودة ثمّ یتكلّمون و اللّه سبحانه منزّه عن ذلك .

قال الشارح البحرانی : و كلامه تعالى یعود إلى علمه بصور الأوامر و النواهى و سایر أنواع الكلام عند قوم و إلى المعنى النفسانى عند الأشعرى و إلى خلقه الكلام فی جسم النبىّ عند المعتزلة .

[ 261 ]

أقول : و ستعرف تحقیق معنى كلامه و تكلّمه سبحانه فانتظر .

( مرید بلا همّة ) أى لیست إرادته كإرادتنا مسبوقة بالعزم و الهمّة .

قال الشارح المعتزلى قوله : بلا همّة ، أى بلا عزم ، و العزم عبارة عن إرادة متقدّمة للفعل تفعل توطینا للنفس على الفعل و تمهیدا للارادة المقارنة له ، و إنما یصحّ ذلك على الجسم الّذی یتردّد فیها یدعوه إلیه الدّواعى ، فأمّا العالم لذاته فلا یصحّ ذلك فیه .

( صانع لا بجارحة ) أى لیست صنعته بالاعضاء و الجوارح الّتى هى من لواحق الجسمیّة و إنماه أمره إذا أراد شیئا أن یقول له كن فیكون ( لطیف لا یوصف بالخفاء ) قال الشارح البحرانىّ اللطیف یطلق و یراد به رقیق القوام و یراد به صغیر الجسم المستلزمین للخفاء و عدیم اللّون من الأجسام و المحكم من الصنعة ، و هو تعالى منزّه عن اطلاقه بأحد هذه المعانى لاستلزام الجسمیّة و الامكان فیبقى إطلاقها علیه باعتبارین :

أحدهما تصرّفه فی الذّوات و الصفات تصرّفا خفیّا یفعل الأسباب المعدّة لها لافاضة كمالاتها .

الثانی جلالة ذاته و تنزیهها عن قبول الادراك البصرى ، یعنى لاستحالة رؤیته شابه الأجسام اللطیفة فاطلق علیه لفظ اللّطیف بهذا الاعتبار .

أقول : و هنا اعتبار ثالث ذكره الشارح المعتزلى و غیره ، و هو أنه لطیف بعباده كما فی الكتاب العزیز أى یفعل الألطاف المقربة لهم من الطاعة المبعدة لهم عن المعصیة ، أو لطیف بهم بمعنى أنه یرحمهم و یرفق بهم .

و اعتبار رابع و هو علمه بالأشیاء اللطیف رواه فی الكافى مرفوعا عن أبى جعفر الثانى علیه السّلام قال : و كذلك سمّیناه لطیفا لعلمه بالشى‏ء اللّطیف مثل البعوضة و أخفى من ذلك و موضع النشوء منها و العقل و الشهوة للسفاد و الحدب على نسلها و اقام بعضها على بعض و نقلها الطعام و الشراب إلى أولادها فی الجبال و المفاوز و الأودیة و القفار فعلمنا أنّ خالقها لطیف بلا كیف ، و إنما الكیفیّة للمخلوق المكیّف .

و رواه أیضا فیه مع اعتبار خامس عن الفتح بن یزید الجرجانى عن أبى الحسن

[ 262 ]

علیه السّلام فی حدیث طویل سأل فیه عنه علیه السّلام عن تفسیر معنى الواحد و وحدانیّته تعالى إلى أن قال قلت : جعلت فداك فرّجت عنى فرّج اللّه عنك فقولك اللّطیف الخبیر فسّره لى كما فسّرت الواحد فانّى أعلم أنّ لطفه على خلاف لطف خلقه للفصل غیر أنّى احبّ أن تشرح لی ذلك فقال علیه السّلام : یا فتح إنما قلنا اللّطیف للخلق اللّطیف لعلمه بالشى‏ء اللّطیف أو لا ترى وفّقك اللّه و ثبّتك إلى أثر صنعه فی النّبات اللّطیف و غیر اللّطیف و من الخلق اللّطیف و من الحیوان الصّغار و من البعوض و الجرجس و ما هو أصغر منها ما لا یكاد تستبینه العیون بل لا یكاد یستبان لصغره الذكر من الانثى و الحدث المولود من القدیم ، فلمّا رأینا صغر ذلك فی لطفه و اهتدائه للسّفاد و الهرب من الموت و الجمع لما یصلحه و ما فی لجج البحار و ما فی لحاء الأشجار و المفاوز و القفار و افهام بعضها عن بعض منطقها و ما یفهم به أولادها عنها و نقلها للغذاء إلیها ثمّ تألیف ألوانها حمرة مع صفرة و بیاض مع حمرة و أنه ما لا تكاد عیوننا تستبینه لدمامة خلقها لا تراه عیوننا و لا تلمسه أیدینا علمنا أنّ خالق هذا الخلق لطیف بخلق ما سمّیناه بلا علاج و لا أداة و لا آلة ، و أنّ كلّ صانع شی‏ء فمن شى‏ء صنع و اللّه خالق اللّطیف الجلیل خلق و صنع لا من شى‏ء فقد قرّر علیه السّلام أنّ اطلاق اسم اللّطیف علیه سبحانه بوجهین .

أحدهما للخلق اللّطیف یعنى لخلقه الأشیاء اللّطیفة و الاعتبار الأوّل الّذى حكیناه عن البحرانى یعود إلى ذلك أو قریب منه .

و ثانیهما لعلمه بالأشیاء اللّطیفة ( كبیر لا یوصف بالجفاء ) یعنى أنّه موصوف بالكبریاء و العظمة لجلالة شأنه و عظمة سلطانه ، و منزّه عمّا علیه سایر الكبراء و الأعاظم من المخلوقین كالملوك و السلاطین من الفظاظة و غلظ الطبیعة و الجفاء لمن تحت ولایتهم من الرّعیة .

و قال الشارح المعتزلی : لما كان لفظ الكبیر إذا استعمل فی الجسم أفاد تباعد افكاره ثمّ وصف البارى بأنه كبیر ، أراد أن ینزّهه عمّا تدلّ لفظة كبیر علیه إذا استعمل فی الأجسام ، انتهى و الأظهر ما قلناه .

[ 263 ]

( بصیر لا یوصف بالحاسة ) أما أنه بصیر فقد مرّ تحقیقه فی شرح الفصل السادس من الخطبة الاولى ، و أمّا تنزّهه عن الحواسّ فلأنّها من صفات الجسم ( رحیم لا یوصف بالرقة ) لما كان الرحمة فی الخلق عبارة عن رقّة القلب و الانفعال النفسانی و هما من أوصاف الممكن فحیثما یطلق علیه لفظ الرحیم یراد به ما هو لازم الرحمة من الانعام و الافضال ، و كذلك سایر الأوصاف الّتی لا یصحّ اتّصافه تعالى بها باعتبار مبادیها یوصف بها باعتبار غایاتها كالغضب فی قوله : « غضب اللّه علیهم » ، فیراد به الانتقام و العقوبة لاستلزامه له ، و المكر فی قوله : « و مكر اللّه و اللّه خیر الماكرین » فیراد به جزائه سبحانه لمكرهم بالجزاء السوء .

( تعنو الوجوه لعظمته ) أى تذلّ و تخضع لأنه الإله المطلق لكلّ موجود و ممكن و العظیم الذی كلّ مقهور تحت مشیّته و إرادته و داخر تحت جلاله و جبروته و عظمته ( و تجب القلوب من مخافته ) أى ترجف و تضطرب من هیبته عند ملاحظتها لعظمة سلطانه و علوّ شأنه .

تنبیه

قد وعدناك تحقیق الكلام فی معنى متكلّمیّته تعالى و أنّ كلامه سبحانه حادث أو قدیم فنقول :

قد تواترت الأنباء عن الأنبیاء و الرّسل ، و أطبقت الشرایع و الملل على كونه عزّ و جلّ متكلّما لا خلاف لأحد فی ذلك ، و إنما الخلاف فی معنى كلامه تعالى و فی قدمه و حدوثه .

فذهب أهل الحق من الامامیة وفاقا للمعتزلة إلى أنّ كلامه تعالى مؤلّف من حروف و أصوات قائمة بجوهر الهواء ، و معنى كونه متكلّما أنه موجد للكلام فی جسم من الأجسام كالملك و الشجر و نحو ذلك ، و على مذهبهم فالكلام حادث لأنه مؤلّف من أجزاء مترتّبة متعاقبة فی الوجود ، و كلّ ما هو كذلك فهو حادث .

و قالت الحنابلة : كلامه تعالى حروف و أصوات یقومان بذاته و أنه قدیم ، و قد

[ 264 ]

بالغ بعضهم حتّى قال جهلا بقدم الجلد و الغلاف أیضا فضلا عن المصحف .

و الكرامیة وافقهم فی أنّ كلامه حروف و أصوات و أنها قائمة بذاته تعالى إلاّ أنّهم خالفوهم فی القول بقدمها و قالوا بأنها حادثة لتجویزهم قیام الحوادث بذاته تعالى .

و ذهبت الاشاعرة إلى أنّ كلامه تعالى لیس من جنس الحروف و الأصوات بل هو معنى قدیم قائم بذاته تعالى یسمّى الكلام النفسی و هو مدلول الكلام اللّفظی المركب من الحروف .

قال الشارح الجدید للتجرید : و اختلاف الأحوال مبنىّ على قیاسین متعارضین احدهما أنّ كلامه تعالى صفة له و كلّما هو صفة له فهو قدیم فكلامه قدیم و ثانیهما أنّ كلامه مؤلّف من أجزاء مترتّبة متعاقبة فی الوجود ، و كلّما هو كذلك فهو حادث فكلامه حادث ، فاضطرّوا إلى القدح فی أحد القیاسین و منع بعض المقدّمات لاستحالة حقیّة المتناقضین .

فالمعتزلة صحّحوا القیاس الثانی و قدحوا فی صغرى القیاس الأوّل و الحنابلة صحّحوا القیاس الأوّل و منعوا كبرى القیاس الثانی ، و الكرامیّة صحّحوا القیاس الثانى و قدحوا فی كبرى القیاس الأوّل ، و الأشاعرة صحّحوا القیاس الأوّل و منعوا من صغرى القیاس الثّانی .

اذا عرفت ذلك فنقول : الحقّ الموافق للتحقیق من هذه الأقوال كما قلنا هو القول الأوّل ، لأنّ المتبادر إلى الفهم عند اطلاق لفظ الكلام هو المؤلّف من الحروف و الألفاظ دون المعنى ، و التبادر علامة الحقیقة ، و اطلاق لفظ المتكلّم علیه سبحانه على ذلك لیس باعتبار قیام الكلام به ، لاستلزامه إثبات الجوارح ، بل باعتبار خلقه الكلام فی الأجسام النباتیّة و الجمادیّة و ألسن الملائكة إمّا مجازا من باب اطلاق اسم المسبّب على السّبب ، أو حقیقة كما هو الأظهر لأنّ المتكلّم مشتقّ من التكلّم أو من الكلام بمعناه المصدرى كالسّلام و نحوه ، و التكلّم و الكلام بهذا المعنى بمعنى ایجاد اللّفظ ، و لا شكّ أنّ ایجاده قائم بالموجد كما أنّ التأثیر قائم بالمؤثّر

[ 265 ]

فالمتكلّم بصیغة الفاعل عبارة عن منشی‏ء الكلام و موجده ، و إنشاء الكلام و ایجاده لا قیام له إلاّ بالفاعل ، كما أنّه بصیغة المفعول عبارة عن نفس الكلام المؤلّف و لا قیام له إلاّ بجوهر الهواء .

لا یقال : التكلّم بمعنى ایجاد الكلام لم یجى‏ء فى اللّغة .

لأنّا نقول : ذلك غیر مسلّم كیف و التكلّم اللّفظی عند الأشاعرة لیس إلاّ بهذا الاعتبار و هم قد صرّحوا بكون الكلام مشتركا لفظا بین اللّفظى و النفسى كما ستعرفه و على هذا فیكون إطلاق المتكلّم علیه بمعنى موجد الكلام حقیقة لا مجازا .

قال صدر المتألّهین فی كتاب المبدء و المعاد : المتكلّم عبارة عن محدث الكلام فی جسم من الأجسام كالهواء و غیرها ، فانّا إذا تكلّمنا أحدثنا الكلام فی بعض الأجسام الّتى لنا قدرة على تحریكها ، فالمتكلّم ما قام به التكلّم لا ما قام به الكلام كما توهّم ،

و التكلّم بمعنى ما به یحصل الكلام فینا ملكة قائمة بذواتنا بها نتمكّن من إفادة مخزوناتنا العلمیّة على غیرنا ، و فی الواجب تعالى عین ذاته من حیث انّه یخلق الأصوات و الحروف فی أىّ موضع كان من الأجسام لافادة ما فی قضائه السابق على من یشاء من عباده .

و ما أثبته المتكلّمون من الكلام النفسى فان كان له معنى محصّل فیرجع إلى خطرات الأوهام ، أو یحتمل ما یوجد من الكلام ، و لا شكّ فی برائته تعالى عنه و عن سایر ما یتخیّله العوام .

و استدل الحنابلة على أنّ كلامه مؤلّف من الحروف و الأصوات بأنّ كلامه مسموع و لا مسموع إلاّ الحروف و الصّوت فكلامه لیس إلاّ الحروف و الصّوت أما الصّغرى فلقوله تعالى : « و إن أحد من المشركین استجارك فأجره حتّى یسمع كلام اللّه » ، و أمّا الكبرى فظاهرة ، ثمّ أثبتوا كونه قدیما بأنه لو كان حادثا لكان إمّا قائما بذاته أو بغیره أو لا فی محلّ و الأقسام الثلاثة كلّها باطلة أمّا الأوّل فلاستلزامه كون الذات محلاّ للحوادث و هو حینئذ كما ستعرفه ، و أمّا الثانی فلامتناع ان یقوم صفة الشى‏ء بغیره ، و أمّا الثالث فلاستحالة قیام العرض فی الوجود بلا محلّ فثبت أنّه

[ 266 ]

صفة قدیمة .

و الجواب أنّ كونه حرفا و صوتا یستلزم حدوثه بالضرورة و تعلیل قدمه بأنّ حدوثه مستلزم لأحد الأقسام الثلاثة الباطلة فیه ان منع بطلان القسم الثانى لم لا یجوز أن یقوم بغیره و ان اشتق له منه خلقه و لا امتناع فی ذلك حسبما عرفت .

و أما الكرامیة فبطلان مذهبهم بعد بطلان جواز حلول الحوادث على الذات واضح ، و جهة بطلانه أنّ وجوب الوجود ینافی ذلك ، لأنّ حدوث الحوادث فیه یدلّ على تغیّره و انفعاله و ذلك ینافی الوجوب الذّاتی ، و لأنّ المقتضى لذلك الحادث إن كان ذاته لم یكن حادثا و إن كان غیره یلزم الافتقار ، و لأنّ الحادث إن كان صفة نقص استحال اتّصاف الذات بها و إن كان صفة كمال امتنع خلوّه عنها و المفروض أنها حادثة أى موجودة بعد العدم فحیث كانت معدومة كان الذات خالیة عنها .

و أما الاشاعرة فبیّنوا مرادهم من الكلام النفسانی أولا و استدّلوا على اثباته ثانیا و اثبتوا كونه قدیما ثالثا ، ثمّ قالوا إنه واحد مع أنه أمر و نهى و خبر و استخبار و غیرها .

قال الامدى : لیس المراد من إطلاق لفظ الكلام إلاّ المعنی القائم بالنفس ،

و هو ما یجده الانسان من نفسه إذا أمر غیره أو نهاه أو أخبره أو استخبر منه ، و هذه المعانى هی الّتی یدلّ علیها بالعبارات و ینبّه علیها بالاشارات .

و قال عمر النسفى و هو من أعاظم الأشاعرة فی عقایده : و هو أى اللّه سبحانه متكلّم بكلام هو صفة له أزلیّة لیس من جنس الحروف و الأصوات ، و اللّه متكلّم بها آمرناه مخبر و القرآن كلام اللّه غیر مخلوق ، و هو مكتوب فی مصاحفنا محفوظ فی قلوبنا مقروّ بألسنتنا مسموع بآذاننا غیر حال فیها .

و قال التفتازانى فی شرحه ما محصّله : إنّ الاجماع و التواتر قد قام على كونه تعالى متكلّما بكلام هو صفة له ، ضرورة امتناع اثبات المشتقّ من غیر قیام مأخذ الاشتقاق به ، و هذه الصفة معنى قائم بالذات و قدیمة ، ضرورة امتناع قیام الحوادث بذات اللّه سبحانه ، و لیس من جنس الحروف و الأصوات ، ضرورة حدوثها لأنّ التكلّم

[ 267 ]

ببعضها مشروط بانقضاء الآخر بل عبّر عنها بها و یسمّى المعبّر به بالقرآن المركّب من الحروف و هی صفة واحدة تتكثّر إلى الأمر و النهی و الخبر باختلاف التعلّقات كالعلم و القدرة و سایر الصفات ، فهذه الصفة الواحدة باعتبار تعلّقها بشی‏ء على وجه مخصوص یكون خبرا ، و باعتبار تعلّقها بشی‏ء آخر على وجه آخر یكون أمرا و هكذا .

و القرآن الّذى هو كلام اللّه سبحانه القائم بذاته غیر حادث و مكتوب فی مصاحفنا بأشكال الكتابة و صور الحروف الدّالة علیه محفوظ فی قلوبنا بألفاظ المخیلة ، مقروّ بألسنتنا بحروفه الملفوظة المسموعة ، مسموع بآذاننا بهذه أیضا .

و مع ذلك كلّه لیس حالا فی المصاحف و لا فی القلوب و الألسنة و الأذهان ، بل معنى قدیم قائم بذات اللّه سبحانه یلفظ و یسمع بالنظم الدالّ علیه و یحفظ بالنظم المخیل و یكتب بالنقوش و صور و أشكال موضوعة للحروف الدالّة علیه كما یقال النار جوهر مجرّد یذكر باللّفظ و تكتب بالقلم و لا یلزم منه كون حقیقة النار صوتا و حرفا .

و تحقیقه انّ للشى‏ء وجودا فی الأعیان ، و وجودا فی الأذهان و وجودا فی العبارة و وجودا فی الكتابة فالكتابة تدلّ على العبارة و هی على ما فی الأذهان و هو على ما فی الأعیان فحیث یوصف القرآن بما هو من لوازم القدیم كما فی قولنا : القرآن غیر مخلوق ، فالمراد حقیقته الموجودة فی الخارج ، و حیث یوصف بما هو من صفات المخلوقات و المحدثات یراد به الألفاظ المنطوقة المسموعة كما فی قولنا قرأت نصف القرآن أو المخیّلة كما فی قولنا حفظت القرآن أو الأشكال المنقوشة كما فی قولنا یحرم للمحدث مسّ القرآن .

و لما كان دلیل الأحكام الشرعیّة هو اللّفظ دون المعنى القدیم عرّفه أئمة الاصول بالمكتوب فی المصاحف المنقول بالتواتر و جعلوه اسما للنظم و المعنى جمیعا أى للنظم من حیث الدّلالة على المعنى لا لمجرّد المعنى .

ثمّ قال فی آخر كلامه : و التحقیق انّ كلام اللّه اسم مشترك بین الكلام النّفسى

[ 268 ]

القدیم و معنى الاضافة كونه صفة له و بین اللّفظى الحادث و معنى الاضافة أنه مخلوق اللّه تعالى لیس من تألیفات المخلوقین فلا یصحّ نفى كونه كلام اللّه .

و ما فی عبارة بعض المشایخ من أنّه مجاز فلیس معناه أنه غیر موضوع للنظم المؤلّف ، بل معناه أنّ الكلام فی التحقیق و بالذات اسم للمعنى القائم بالنفس و تسمیة اللفظ به و وضعه لذلك إنما هو باعتبار دلالته على معنى ، انتهى ما أهمّنا نقله من محصّل كلامه بعد ردّ أوّله إلى آخره ، و هذا القدر كاف فی بیان مرادهم من الكلام النفسى .

و استدلّوا على إثباته بقول الأخطل :

إنّ الكلام لفى الفؤاد و إنّما
جعل اللّسان على الفؤاد دلیلا

و قول القائل : فی نفسى كلام أرید أن أذكره لك .

و بأنّ الألفاظ الذى تتكلّم بها مدلولات قائمة بالنفس ، و هذه المدلولات هی الكلام النفسانی و هو أمر غیر العلم مدلول الخبر إذا أخبر بشى‏ء إذ ربما یخبر الرجل عما لا یعلمه بل یعلم خلافه أو یشكّ فیه ، فالخبر عن الشى‏ء غیر العلم به و غیر الارادة أیضا عندنا أمر لأنه قد یأمر بما لا یریده كالمختبر لعبده هل یطیعه أم لا و كالمعتذر من ضرب عبده بعصیانه فانه قد یأمره و هو یرید أن لا یفعل المأمور به لیظهر عذره عند من یلومه ، فانّ مقصود المتكلّم فی هذین الأمرین لیس الاتیان بالمأمور بل مجرد الاختبار و الاعتذار و غیر الكراهة أیضا إذا نهى لأنّه قد ینهى الرجل عما لا یكرهه بل یریده فی صورتى الاختبار و الاعتذار .

و اعترض على دلیلهم الأوّل بمنع كون البیت من الأخطل ، و على تسلیمه فلیس حجّة لأنّه مبنىّ على اعتقاده ثبوت الكلام النفسى تقلیدا أو على أنه لما كان ما فی الضمیر مدلولا علیه بالكلام فاطلق علیه من باب اطلاق اسم الدّال على المدلول و حصره فیه تنبیها على أنه آلة یتوصّل بها إلیه فكانّه المستحقّ لاسم تلك الآلة .

و على دلیلهم الثانى بمنع ما ذكروه من أنّ مدلول الخبر غیر العلم معلّلا بأنه قد یخبر عما لا یعلمه ، إذ لقائل إن یقول : إنّ المعنی النفسى الذى یدّعون أنه غیر العلم

[ 269 ]

هو ادراك مدلول الخبر أعنى حصوله فی الذّهن مطلقا یقینیّا كان أو مشكوكا فلا یكون مغایرا للعلم و بعبارة اخرى انّ هذا إنما یدلّ على مغایرته للعلم الیقینى لا للعلم المطلق ، ضرورة أن كلّ عاقل تصدّى للاخبار یحصل فی ذهنه صورة ما اخبر به و منع انه مغایر للارادة و الكراهة عند الأمر أو النهى ، إذ ما تشبّثوا به من صورتى الاختبار و الاعتذار فیه إنّ الموجود فی هاتین الصّورتین صیغة الأمر و النهى لا حقیقتها إذ لا طلب فیهما أصلا و لا إرادة و لا كراهة قطعا ، و بالجملة فما یدّعونه غیر معقول لأنه لیس له تعالى صفة زایدة على الذات أصلا و لو كان عین الذات فمرجعه الى العلم أو الارادة أو الكراهة أو سایر الصفات .

توضیح ذلك أنه اذا صدر عن المتكلّم خبر فهناك ثلاثة أشیاء احدها العبارة الصادرة و الثانى علمه بثبوت النسبة أو انتفائها بین طرفى القضیّة و الثالث ثبوت تلك النسبة أو انتفائها فی الواقع ، و الأخیران لیسا كلاما حقیقیّا اتفاقا ، فتعیّن الأوّل و إذا صدر عنه أمر أو نهى فهناك شیآن احدهما لفظ صادر عنه و الثانى إرادة أو كراهة قائمة بنفسه متعلّقة بالمأمور به أو بالمنهىّ عنه و لیستا أیضا كلاما حقیقیّا اتّفاقا فتعیّن الأوّل .

و استدلّوا على قدمه بمثل ما استدلّ به الحنابلة من الدّلیل الّذى قدّمناه و الجواب الجواب .

و استدلّوا على اتّحاده بأنه اذا ثبت الكلام النفسى كان كسایر الصفات مثل العلم و القدرة فكما أنّ العلم صفة واحدة تتعلّق بمعلومات متعدّدة و كذا القدرة كذلك الكلام صفة واحدة تنقسم إلى الأمر و النهى و الخبر و الاستفهام و النداء و هذا بحسب التعلّق فذلك الكلام باعتبار تعلّقه بشی‏ء على وجه مخصوص یكون خبرا ، و باعتبار تعلّقه بشی‏ء آخر أو على وجه آخر یكون أمرا و كذا البواقی .

و فیه انّ وحدته متفرّعة على ثبوت أصله و حیث عرفت فساد الأصل ففساد الفرع ظاهر .

قال العلاّمة الحلّی قدّس اللّه روحه : المعقول من الكلام على ما تقدّم أنّه

[ 270 ]

الحروف و الأصوات المسموعة و هذه الحروف المسموعة إنّما تتمّ كلاما مفهوما إذا كان الانتظام على أحد الوجوه الّتى یحصل لها الافهام ، و ذلك بأن یكون خبرا أو مرا أو نهیا أو استفهاما أو تنبیها و هو الشامل للتمنّى و الترجّى و التعجّب و القسم و النداء ، و لا وجود له إلاّ فی هذه الجزئیات .

و الّذین اثبتوا قدم الكلام اختلفوا فذهب بعضهم إلى أنّ كلامه تعالى واحد مغایر لهذه المعانی ، و ذهب آخرون إلى تعدّده ، و الّذین أثبتوا وحدته خالفوا جمیع العقلاء فی اثبات شی‏ء لا یتصوّرونه هم و لا خصومهم ، و من أثبت للّه وصفا لا یعقله لا یتصوّره هو و لا غیره كیف یجوز أن یجعل إماما یقتدى به و یناط بكلامه لأحكام .

تكملة

قد اشرنا إلى أنّ هذا الكلام مروىّ عنه علیه السّلام فی غیر واحد من الأصول المعتبرة من ؟ ؟ طرق مختلفة مع اختلاف فی متنه ، و ینبغی أن نروى ما فیها على ما جرى علیه دیدننا ؟ ؟ ؟ فی هذا الشرح فأقول :

روى ثقة الاسلام محمّد بن یعقوب الكلینیّ قدّس اللّه روحه فی باب جوامع التوحید عن محمّد بن أبی عبد اللّه رفعه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : بینا أمیر المؤمنین علیه السّلام یخطب على منبر الكوفة إذ قام إلیه رجل یقال له ذعلب ذو لسان بلیغ فی الخطب شجاع القلب فقال :

أمیر المؤمنین هل رأیت ربّك ؟ فقال علیه السّلام : ویلك یا ذعلب ما كنت أعبد ربّا لم أره ، فقال : یا أمیر المؤمنین كیف رأیته ؟ فقال : ویلك یا ذعلب لم تره العیون بمشاهدة ؟ ؟ ؟ الأبصار و لكن رأته القلوب بحقایق الایمان ، ویلك یا ذعلب إنّ ربّی لطیف الطافة ؟ ؟ لا یوصف باللّطف ، عظیم العظمة لا یوصف بالعظم ، كبیر الكبریاء لا یوصف بالكبر ، جلیل الجلالة لا یوصف بالغلظ ، قبل كلّ شی‏ء لا یقال شی‏ء قبله ، و بعد كلّ شی‏ء لا یقال له بعد ، شاء الأشیاء لا بهمّة ، درّاك لا بخدیعة ، فی الأشیاء كلّها غیر متمازج

[ 271 ]

بها و لا باین منها ، ظاهر لا بتأویل المباشرة ، متجلّ لا باستهلال رؤیة ، ناء لا بمسافة قریب لا بمداناة ، لطیف لا بتجسّم ، موجود لا بعد عدم ، فاعل لا باضطرار ، مقدّر لا بحركة ، مرید لا بهمامة ، سمیع لا بآلة ، بصیر لا بأداة ، لا تحویه الأماكن ، و لا تضمنه الأوقات ، و لا تحدّه الصّفات ، و لا تأخذه السّنات ، سبق الأوقات كونه ، و العدم وجوده ، و الابتداء أزله ، بتشعیره المشاعر عرف أن لا مشعر له ، و بتجهیره الجواهر عرف أن لا جوهر له ، و بمضادّته بین الأشیاء عرف أن لا ضدّ له ، و بمقارنته بین الأشیاء عرف أن لا قرین له ، ضادّ النّور بالظلمة ، و الیبس بالبلل ، و الخشن باللّین ، و الصرد بالحرور ، مؤلّف بین متعادیاتها ، مفرّق بین متدانیاتها ، دالّة بتفریقها على مفرّقها و بتألیفها على مؤلّفها ، و ذلك قوله تعالى : « و من كلّ شی‏ء خلقنا زوجین لعلّكم تذكّرون » ، ففرّق بین قبل و بعد لیعلم أن لا قبل له و لا بعد له ، شاهدة بغرایزها أن لا غریزة لمغرزها ، مخبرة بتوقیتها أن لا وقت لموقتها ، حجب بعضها عن بعض لیعلم أن لا حجاب بینه و بین خلقه ، كان ربّا إذ لا مربوب ، و إلها إذ لا مألوه ، و عالما إذ لا معلوم ، و سمیعا إذ لا مسموع .

و فی الاحتجاج روى أهل السیر أنّ رجلا جاء إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال :

یا أمیر المؤمنین أخبرنی عن اللّه أرأیته حین عبدته ؟ فقال أمیر المؤمنین : لم أك بالذى أعبد من لم أره فقال له : كیف رأیته یا أمیر المؤمنین ؟ فقال له : ویحك لم تره العیون بمشاهدة العیان و لكن رأته العقول بحقایق الایمان ، معروف بالدّلالات منعوت بالعلامات ، لا یقاس بالناس ، و لا یدرك بالحواسّ .

فانصرف الرّجل و هو یقول : اللّه أعلم حیث یجعل رسالته .

و فی الارشاد للمفید روى أهل السیرة و علماء النقلة أنّ رجلا جآء و ساق الحدیث إلى قوله حیث یجعل رسالته نحو ما رویناه عن الاحتجاج .

و فی الكافی فی باب إبطال الرؤیة عن عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن خالد عن أحمد بن محمّد بن أبی نصر عن أبی الحسن الموصلیّ عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال :

[ 272 ]

جاء حبر إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال یا أمیر المؤمنین هل رأیت ربّك حین عبدته ؟

قال : فقال : ویلك ما كنت أعبد ربّا لم أره ، قال : و كیف رأیته ؟ قال : ویلك لا تدركه العیون فی مشاهدة الأبصار و لكن رأته القلوب بحقایق الایمان .

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن مقتداى أنام علیه الصّلاة و السّلام است كه فرموده است آن را در حالتیكه سؤال كرد از آن بزرگوار ذعلب یمانی پس گفت آیا دیده پروردگار خود را اى أمیر مؤمنان ؟ پس فرمود آنحضرت : آیا عبادت میكنم چیزیرا كه نمى‏بینم ؟ گفت ذعلب : چطور میبینی او را ؟ فرمود :

درك نمیتواند بكند او را چشمها با مشاهده معاینه و لكن درك میكند او را قلبها با نورهاى ایمان ، نزدیك است پروردگار عالمین از أشیاء در حالتیكه چسبان نیست بآنها ، دور است أز آنها در حالتیكه جدا نیست ، صاحب تكلّم است نه با فكر و رویه ، اراده كننده است بدون عزم و همّت صاحب صنعت است نه با اعضا و جوارح ،

لطیف است كه متّصف نیست به پنهانی ، بزرگ است كه متّصف نمیشود با غلظت و خشونت طبیعت ، بیننده است متّصف نمیشود با حاسه بصر ، رحیم است موصوف نمیشود با رقّت قلب ، ذلیل میشود رویهاى مخلوقات از براى عظمت او ، و مضطرب میشود قلبهاى خلق از ترس او .


ادامه مطلب


نظرات() 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-05:31 ب.ظ

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام له علیه السّلام كما نبّه علیه السیّد ( ره ) وارد فی ذمّ أصحابه و التوبیخ لهم ، و الأشبه أنه علیه السّلام قاله بعد التّحكیم و انقضاء أمر الحكمین تقریعا لأصحابه على القعود عن قتال معاویة ، فافتتح كلامه بحمد اللّه تعالى و ثنائه على ما جرى علیه سیرته فی أغلب كلماته الواردة فی مقام الخطابة فقال :

( الحمد للّه على ما قضا من أمر و قدر من فعل ) یحتمل أن یرید بقوله قضا و قدر معنى واحدا و كذلك الأمر و الفعل فیكونان مترادفین كالفعلین ، و أن یرید بالقضاء الحكم الالهى بوجود الأشیاء ، و بعبارة اخرى هو عالم الأمر و لذا فسّره بقوله : من أمر ، و بالقدر ما قدره من الخلق و الایجاد و بعبارة اخرى هو عالم الخلق و لذا بیّنه بقوله : من فعل ، فیكون المعنى الثناء للّه على قضائه و قدره أى على أمره و فعله أو على ما قضاه و قدره على مقتضیاته من الأوامر و الأحكام ، و على مقدراته من الصنایع و الأفعال و قد مضى تفصیل الكلام مشبعا فی معنى القضاء و القدر فی شرح الفصل

[ 280 ]

التاسع من الخطبة الأولى .

و أقول هنا : إنّ قوله علیه السّلام هذا مؤیّد لما ذهب إلیه اتباع الاشراقیّین من أنّ القضاء عبارة عن وجود الصور العقلیة لجمیع الموجودات فایضة عنه تعالى على سبیل الابداع دفعة بلا زمان ، لكونها عندهم من جملة العالم و من أفعال اللّه تعالى المباینة و ذاتها لذاته ، خلافا لاتباع المشّائین كالشیخ الرئیس و من یحذو حذوه فانه عندهم عبارة عن صور علمیة لازمة لذاته بلا جعل و تأثیر و تأثّر ، و لیست من أجزاء العالم ،

إذ لیست لها جهة عدمیة و لا إمكانات واقعیة .

و أمّا القدر فهو عبارة عن وجود صور الموجودات فی العالم السماوى على الوجه الجزئی مطابقة لما فی موادّها الخارجیة الشخصیّة مستندة إلى أسبابها و عللها لازمة لأوقاتها المعیّنة و أمكنتها المشخّصة هذا .

و على ما استظهرناه من ورود هذا الكلام عنه علیه السّلام بعد التحكیم فیجوز أن أن یراد بما قضاه و قدره خصوص ما وقع من أمر الحكمین و إفضاء الأمر إلى معاویة ، فإنّ كل ما یقع فی العالم فلا یكون إلاّ بقضاء من اللّه و قدر ، فیكون مساق هذا الكلام مساق قوله علیه السّلام فی الخطبة الخامسة و الثلاثین : الحمد للّه و ان أتى الدّهر بالخطب الفادح و الحدث الجلیل .

فان قلت : فما معنى حمده على وقوع هذا الأمر مع أنه لیس نعمة موجبة للثناء قلت : اللاّزم على العبد الكامل فی مقام العبودیّة و البالغ فی مقام العرفان أن یحمد اللّه على بلاء اللّه سبحانه كما یحمد على نعمائه حسبما عرفت توضیحه فی شرح قوله :

نحمده على آلائه كما نحمده على بلائه فی الخطبة المأة و الاحدى و الثلاثین ، و لما كان وقوع ما وقع بلیّة له علیه السّلام فی الحقیقة لا جرم حمد اللّه سبحانه على ذلك .

و یفید ذلك أیضا قوله ( و على ابتلائى بكم ) خصوصا ما یروى فی بعض النسخ على ما ابتلانى بكم ( أیّتها الفرقة التى إذا أمرت لم تطع و اذا دعوت لم تجب ) و الاتیان بالموصول لزیادة التقریر أعنى تقریر الغرض المسوق له الكلام ، فانه لما بیّن ابتلائه بهم إجمالا عقّبه بتفصیل جهات الابتلاء ، و هو كونهم مخالفین له فی

[ 281 ]

جمیع الأحوال متمرّدین عن طاعته عند الأمر بالقتال ، متثاقلین عن إجابته عند الدّعوة إلى الحرب و الجدال .

( إن امهلتم ) و عن بعض النسخ إن اهملتم أى تركتم على حالكم ( خضتم ) فی لهو الحدیث و فى الضلالة و الأهواء الباطلة ( و إن حوربتم خرتم ) أى ضعفتم و جبنتم أو صحتم ضیاح الثور ، و عن بعض النسخ جرتم بالجیم أى عدلتم عن الحرب فرارا ( و إن اجتمع الناس على إمام ) أراد به نفسه ( طعنتم ) على المجتمعین ( و إن اجبتم الى مشاقة ) عدوّ أى مقاطعته و مصارمته ( نكصتم ) على أعقابكم و رجعتم محجمین ( لا أبا لغیركم ) دعاء بالذّل و فیه نوع تلطّف لهم حیث قال لغیركم و لم یقل لكم ( ما تنتظرون ) استفهام على سبیل التقریع و التوبیخ أى أىّ شى‏ء تنتظرونه ( بنصركم ) أى بتأخیر نصرتكم لدین اللّه ( و ) بتأخیر ( الجهاد على حقكم ) اللاّزم علیكم و هو إعلاء كلمة اللّه ( الموت أو الذّل لكم ) قال الشارح المعتزلى : دعاء علیهم بأن یصیبهم أحد الأمرین كأنّه شرع داعیا علیهم بالفناء الكلّى و هو الموت ثمّ استدرك فقال أو الذّل ، لأنّه نظیر الموت فی المعنى لكنه فی الصّورة دونه ، و لقد اجیب دعائه علیه السّلام بالدعوة الثانیة فانّ شیعته ذلّوا بعده فی الأیام الأمویّة .

أقول : و قد مضی له معنی آخر فی بیان الاعراب و على ذلك المعنی ففیه اشارة إلى أنّ تأخیر الجهاد إمّا مؤدّ إلى الموت على الفراش أو الذّل العظیم على سبیل منع الخلوّ ، و أهل الفتوّة و المروّة لا یرضی بشی‏ء منهما ، و القتل بالسیف فی الجهاد عندهم ألذّ و أشهى كما مرّ بیانه فی شرح المختار المأة و الثانی و العشرین .

ثمّ اقسم بالقسم البارّ بأنه إذا جاء موته لیكون مفارقته لهم عن قلى و بغض فقال ( فو اللّه لئن جاء یومی ) الموعود ( و لیأتینّى ) جملة معترضة أتی بها لدفع ایهام خلاف المقصود .

بیان ذلك أنّ لفظة إن و إذا الشرطیّتین تشتركان فی إفادة الشرط فی الاستقبال لكن أصل إن أن یستعمل فی مقام عدم الجزم بوقوع الشرط و أصل إذا أن یستعمل فی مقام الجزم بوقوعه ، و لذلك كان الحكم النادر الوقوع موقعا لان لكونه غیر مقطوع

[ 282 ]

به فی الغالب ، و الحكم الغالب الوقوع موردا لاذا و غلب لفظ الماضی معها لدلالته على الوقوع قطعا نظرا إلى نفس اللفظ و إن نقل ههنا الى معنی الاستقبال قال سبحانه مبیّنا لحال قوم موسى علیه السّلام : « فاذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه و إن تصبهم سیّئة یطیّروا بموسى و من معه » جى‏ء فی جانب الحسنة بلفظ الماضی مع إذا لأنّ المراد الحسنة المطلقة التی وقوعها مقطوع به و لذلك عرفت بلام الجنس لأنّ وقوع الجنس و الماهیة كالواجب لكثرته و وسعته ، و فی جانب السیئة بلفظ المضارع مع إن لندرتها و قلّتها و لذلك نكرت لدلالة التنكیر على التقلیل .

اذا عرفت ذلك فنقول : إنّ موته علیه السّلام لما كان أمرا محقّقا معلوم الوقوع كان المقام مقتضیا للاتیان باذا ، لكنه أتى بان الموهمة لعدم جزمه علیه السّلام به .

فاستدرك ذلك أوّلا بالعدول فی الشرط عن الاستقبال إلى الماضی حیث قال :

جاء یومی و لم یقل یجى‏ء إبرازا لغیر الحاصل فی معرض الحاصل و كون ما هو للوقوع كالواقع بقوّة أسبابه المعدّة له مع ما فیه من إظهار الرغبة و الاشتیاق الى حصول الشرط ، فانّ الطالب إذا عظمت رغبته فی حصول أمر یكثر تصوّره إیاه فربما یخیل ذلك الأمر إلیه حاصلا فیعتبر عنه بلفظ الماضی .

و استدركه ثانیا بقوله : و لیأتینّی ، فنبّه علیه السّلام بهذین الاستدراكین على أنّه جازم بمجی‏ء یومه الموعود قاطع به و أنّ مجیئه قریب الوقوع و هو مشتاق الیه و أشدّ حبّا له من الطفل بثدى امّه كما صرّح به فی غیر واحدة من كلماته ، و هذا من لطایف البلاغة و محسّناتها البدیعة الّتی لا یلتفت إلیها إلاّ مثله علیه السّلام هذا .

و قوله ( لیفرقنّ بینی و بینكم و أنا بصحبتكم قال ) یعنی إذا جاء مماتى یكون فارقا بیننا و الحال أنى مبغض لكم مستنكف عن مصاحبتكم ( و بكم غیر كثیر ) أى غیر كثیر بسببكم قوّة و عدة لأنّ نسبتكم إلىّ كالحجر فی جنب الانسان لا أعوان صدق عند مبارزة الشجعان ، و لا إخوان ثقة یوم الكریهة و مناضلة الأقران ( للّه أنتم ) أى للّه درّكم و هو دار و فی مقام التعجّب و المدح تلطفا قال العلاّمة المجلسی ره : و لعلّه للتعجّب على سبیل الذمّ .

[ 283 ]

أقول : إن أراد انفهام الذمّ منه بقرینة المقام فلا بأس و إلاّ فهو خلاف ما اصطلحوا علیه من استعمالها فی مقام المدح حسبما عرفته تفصیلا فی شرح الاعراب .

و قوله ( أما دین یجمعكم و لا حمیّة تشحذكم ) أى تحددكم فی معنى الطلب و الترغیب على الاجتماع على الدّین و ملازمة الحمیّة سواء جعلنا أما حرف عرض و تحضیض أو الهمزة للاستفهام التوبیخی أو التقریرى و ما حرف نفی .

أمّا على الأول فواضح لأنّ معنی التحضیض فی المضارع هو الحضّ على الفعل و الطلب له فهو فیه بمعنى الأمر و قلّما یستعمل فیه إلاّ فی موضع التوبیخ و اللّوم على ما كان یجب أن یفعله المخاطب قبل أن یطلب .

و أمّا على جعل الهمزة للانكار التوبیخى فكذلك لاقتضائه وقوع ما بعدها و كون فاعله ملوما و لوم المخاطبین و توبیخهم على عدم الدّین و ترك الحمیّة مستلزم لطلب الدّین و الحمیّة منهم .

و أمّا على جعلها للتقریر فلأنّ معنی التقریر هو حمل المخاطب على الاقرار بأمر قد استقرّ عنده ثبوته أو نفیه ، و المراد هنا التقریر بما بعد النفی أى تقریر المخاطبین و حملهم على الاعتراف بالدّین الجامع و الحمیّة الشاحذة و حملهم على الاعتراف بذلك فی معنى طلبه منهم و حملهم علیهم حتى لا یكونوا كاذبین .

و إلى ذلك ینظر ما قاله العلاّمة التفتازانی : من أنّ العرض مولد من الاستفهام أى لیس بابا على حدة ، فالهمزة فیه همزة الاستفهام دخلت على النفی و امتنع حملها على حقیقة الاستفهام لأنه یعرف عدم النزول مثلا فالاستفهام عنه یكون طلبا للحاصل فتولد منه بقرینة الحال عرض النزول على المخاطب و طلبه ، و هی فی التحقیق همزة الانكار ، أى لا ینبغی لك أن لا تنزل 1 و إنكار النفی إثبات .

و فیه أیضا و من مجی‏ء الهمزة للانكار « أ لیس اللّه بكاف » ، أى اللّه كاف عبده ، لأنّ إنكار النفی نفی له و نفی النفی إثبات ، و هذا المعنی مراد من قال : إنّ الهمزة للتقریر بما بعد النفی النفی لا بالنفی ، و هكذا أ لم نشرح لك صدرك ، و أ لم یجدك یتیماً ، و ما

-----------
( 1 ) اى ألا تنزل بنا ، م

[ 284 ]

أشبه ذلك ، فقد یقال : إنّ الهمزة للانكار و قد یقال إنها للتقریر و كلاهما حسن انتهى .

و من ذلك علم أنّ الهمزة فی قوله ( أو لیس عجبا ) أیضا تحتمل الانكار و التقریر كالجملة السابقة إلاّ أنّ بینهما فرقا ، و هو أنّ الانكار فی السابق للتوبیخ و هنا للابطال ، و مقتضاه أن یكون ما بعده غیر واقع و مدعیه كاذبا فیكون مفاده إنكار عدم العجب و أنّ من ادّعى عدمه فهو كاذب و یلزمه ثبوت العجب لأنّ نفی النفی إثبات كما مرّ فی نحو : أ لیس اللّه بكاف عبده ، و أمّا على كونها للتقریر فلا فرق بینهما لأنها هنا أیضا للتقریر بما بعد النفی أى حملهم على الاقرار بثبوت العجب .

و على أىّ تقدیر فالمقصود من الكلام بقرینة الحال و المقام حثّهم على رفع ما أوجب التعجّب عن قبلهم و هو تفرّقهم عنه و اختلافهم علیه .

كما أشار إلى تفصیله بقوله ( إنّ معاویة یدعو الجفاة الطعام ) أى الأراذل و الأوغاد من الناس ( فیتّبعونه ) و یجیبون دعوته ( على غیر معونة و لا عطاء ) قال الشارح المعتزلی : الفرق بینهما انّ المعونة إلى أنجد شى‏ء یسیر من المال یرسم لهم لترمیم أسلحهتم و إصلاح دوابهم و یكون ذلك خارجا عن العطاء المفروض شهرا فشهرا و العطاء المفروض شهرا فشهرا یكون شیئا له مقدار یصرف فی أثمان الأقوات و معونة العیال و قضاء الدّیون .

فان قلت : كیف یجتمع قوله فیتّبعونه على غیر معونة و لا عطاء بما هو المعروف من بذل معاویة و أنه یمدّ جیشه بالأموال و الرغایب .

قلت : قد أجاب عنه الشارح المعتزلی بأنّ معاویة لم یكن یعطى جنده على وجه المعونة و العطاء ، و إنما كان یعطی رؤساء القبایل من الیمن و ساكنی الشام الأموال الجلیلة تستعبدهم بها و یدعو أولئك الرؤساء أتباعهم من العرب فیطیعونه ، فمنهم من یطیعهم حمیة و منهم من یطیعهم دینا للطلب بدم عثمان ، و لم یكن یصل إلى هولاء الأتباع من أموال معاویة قلیل و لا كثیر ، و أما أمیر المؤمنین فانه كان یقسم بین الرؤساء و الاتباع على وجه العطاء و الرزق لا یرى شریف على مشروف فضلا

[ 285 ]

و إلى ذلك أشار بقوله ( و أنا أدعوكم و أنتم تریكة الاسلام و بقیّة ) المسلمین من ( النّاس ) لا یخفى ما فی الاتیان بهذه الجملة من النكتة اللّطیفة و هو الالهاب لهم و التهییج على المتابعة و استعار لهم لفظ التریكة لكونهم خلف الاسلام و بقیّته كالتریكة التی یتركها النعامة ، أى أدعوكم مع كونكم خلف الاسلام و بقیّة السلّف و أولى النّاس بالقیام على مراسمه و بسلوك نهج الاسلاف ( إلى المعونة أو طائفة من العطاء فتفرّقون عنّی ) و تقاعدون ( و تختلفون علىّ ) و لا تجتمعون .

و عمدة أسباب التفرّق و التقاعد هو ما أشرنا إلیه هنا إجمالا و قدّمناه فی شرح الخطبة الرابعة و الثلاثین تفصیلا من تسویته علیه السّلام فی العطاء بین الشریف و الوضیع و الرّئیس و المرؤوس و الموالی و العبید ، فكان الرؤساء من ذلك واجدین فی أنفسهم فیخذلونه باطنا و ینصرونه ظاهرا ، و إذا أحسّ الاتباع بتخاذل الرّؤساء تخاذلوا أیضا فلم یكن یجد علیه السّلام لما أعطى الاتباع من الرّزق ثمرة ، لأنّ قتال الأتباع لا یتصوّر وقوعه مع تخاذل الرّؤساء فكان یذهب ما یعطیهم ضیاعا ، هذا .

و قد تحصّل من قوله علیه السّلام أو لیس عجبا ، إلى قوله : تختلفون على أنّ منشأ تعجّبه علیه السّلام أمور :

أوّلها أنّ داعیهم معاویة إمام القاسطین و داعی هؤلاء أمیر المؤمنین إمام المتّقین و الأوّل یدعوهم إلى درك الجحیم و الثّانی یدعوهم إلى نضرة النعیم .

و ثانیها أنّ المدعوّ هناك الأوغاد الطغام مع خلوّهم غالبا عن الغیرة و الحمیّة و ههنا تریكة الاسلام و بقیّة أهل التقوى و المروّة .

و ثالثها متابعة الأوّلین على إمامهم من غیر معونة و لا عطاء و مخالفة الآخرین لامامهم مع المعونة و العطاء .

ثمّ أشار إلى مخالفتهم له علیه السّلام فی جمیع الأحوال فقال ( إنه لا یخرج إلیكم من أمرى رضا فترضونه و لا سخط فتجتمعون علیه ) أى لا یخرج إلیكم من أمرى شی‏ء من شأنه أن یرضى به كالمعونة و العطاء فترضونه أو من شأنه أن یسخط منه كالحرب و الجهاد لكراهة الموت و حبّ البقاء فتجتمعون علیه ، بل لا بدّ لكم من

[ 286 ]

المخالفة و التفرّق على الحالین أى لا تقبلون من أمرى و ما أقول لكم شیئا سواء كان فیه الرّضا أو السخط .

ثمّ قال ( و إنّ أحبّ ما أنالاق إلىّ الموت ) أى أحبّ الأشیاء إلىّ لقاء الموت قال الشارح المعتزلی : و هذه الحال الّتی ذكرها أبو الطیّب فقال :

كفى بك داء أن ترى الموت شافیا
و حسب المنایا أن یكنّ أمانیا

تمنّیتها لما تمنّیت أن أرى
صدیقا فأعیا أو عدوّا مراجیا

ثمّ أشار علیه السّلام إلى جهة محبّته للقاء الموت و كراهته لصحبتهم ، و هو تثقالهم من إجابة الحقّ و عدم قبولهم لمواعظه و نصایحه ، و ذلك معنى قوله : ( قد دارستكم الكتاب ) أى قرأته علیكم للتعلیم و قرأتم علىّ للتعلّم ( و فاتحتكم الحجاج ) أى حاكمتكم بالمحاجّة و المجادلة ( و عرفتكم ما أنكرتم ) أى عرفتكم ما كانت منكرة مجهولة عندكم من طریق الصّلاح و السّداد و ما فیه انتظام أمركم فی المعاش و المعاد ( و سوّغتكم ما مججتم ) أى أعطیتكم من الأرزاق و الأموال ما كنتم محرومین عنها فاستعار لفظ التسویغ للاعطاء ، و الجامع سهولة التناول كما استعار لفظ المجّ و هو اللّفظ من الفم للحرمان ، و الجامع امتناع الانتفاع .

و قوله ( لو كان الأعمى یلحظ أو النائم یستیقظ ) أى لو كان الأعمى یلحظ لأبصرتم ، و لو كان النائم یستیقظ لانتبهتم ، و هو تعریض علیهم بأنّ لهم أعینا لا یبصرون بها ، و آذانا لا یسمعون بها ، و قلوبا لا یفقهون بها ، فهم صمّ بكم عمى و هم لا یعقلون ثمّ تعجّب من حال أهل الشام و متابعتهم على معاویة فقال ( و أقرب بقوم ) قد مرّ لطف هذه اللّفظة و افادتها للمبالغة فی التعجّب فی بیان الاعراب أى ما أشدّ قرب قوم ( من الجهل باللّه ) و بشرایعه و بأحكامه ( قائدهم معاویة ) المنافق بن الكافر ( و مؤدّبهم ) و مشیرهم ( ابن النابغة ) الغادر الفاجر ، و أراد به عمرو بن العاص اللّعین و طوى عن ذكر اسمه تحقیرا و تعریضا على خسّته و دنائته ، و قدحا فی نسبه على ما عرفته تفصیلا فی شرح المختار الثالث و الثمانین .

[ 287 ]

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن امام أنام است علیه الصّلاة و السّلام در مذمّت أصحاب خود میفرماید :

حمد و ثنا میكنم معبود بحق را بر آنچه قضا فرمود از هر أمر و تقدیر كرد از هر فعل ، و بر امتحان شدن من بشما اى گروهى كه چون أمر مى‏كنم مرا اطاعت نمینمائید ، و اگر دعوت بكنم اجابت نمیكنید ، و اگر مهمل گذاشته شوید یا مهلت داده شده باشید غوص میكنید در لغو و باطل ، و اگر محاربه كرده شوید ضعیف میباشید یا صدا میكنید مثل صداى گاو ، و اگر جمعیت نمایند مردم بر امامی طعنه میزنید یا اینكه مفارقت مینمائید ، و اگر خوانده شوید یا ملجأ شوید بسوى مشقّت یعنی محاربه باز میگردید .

بى‏پدر باشد غیر شما چه انتظار میكشید با تأخیر یارى كردن و مجاهده نمودن بر حق خودتان ، مرگ یا ذلّت باد از براى شما ، پس سوگند بخدا اگر بیاید روز وفات من و البته خواهد آمد هر آینه جدائى میأندازد میان من و میان شما در حالتیكه من دشمن گیرنده باشم صحبت شما را ، و در حالتیكه من بسبب شما صاحب كثرت قوّت و زیادتی شوكت نمیباشم ، از براى خدا است خیر شما آیا نیست دینى كه جمع نماید شما را ، آیا نیست حمیّت غیرتی كه باعث حدّت شما بشود ، آیا نیست عجیب اینكه معاویه دعوت میكند جفا كاران و فرومایگان را پس متابعت میكنند بر او بدون اینكه جیره و مواجبی بآنها بدهد ، و من دعوت میكنم شما را در حالتى كه شما پس مانده اسلام و بقیه مردمان هستید بسوى معونت یا طائفه از عطاء پس متفرّق میشوید و اختلاف میورزید بر من .

بدرستیكه خارج نمیشود بسوى شما از امر من چیزیكه متضمّن رضا و خوشنودیست پس خوشنود بشوید از آن ، یا چیزى كه متضمّن سخط و خشم است پس اجتماع نمائید بر آن ، و بدرستى كه دوست‏ترین چیزى كه من ملاقات كننده‏ام بسوى من مرگ است ، بتحقیق كه من درس گفتم شما را كتاب خدا را و محاكمه

[ 288 ]

كردم با شما با اجتماع و شناساندم شما را چیزى را كه نمیدانستید ، و گوارا ساختم از براى شما چیزى را كه از دهان انداخته بودید اگر نابینا میدید یا اینكه خواب كننده بیدار میشد ، چه قدر نزدیك است قومى از جهالت بخدا كه پیشواى ایشان معاویه است و أدب دهنده ایشان پسر زن زناكار كه عبارت است از عمرو بن عاص بی‏دین .

[ 181 ]

وَ مِنْ كَلاَمٍ لَهُ ع وَ قَدْ أَرْسَلَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ یَعْلَمُ لَهُ عِلْمَ أَحْوَالِ قَوْمٍ مِنْ جُنْدِ اَلْكُوفَةِ قَدْ هَمُّوا بِاللِّحَاقِ بِالْخَوَارِجِ وَ كَانُوا عَلَى خَوْفٍ مِنْهُ ع فَلَمَّا عَادَ إِلَیْهِ اَلرَّجُلُ قَالَ لَهُ أَ أَمِنُوا فَقَطَنُوا أَمْ جَبَنُوا فَظَعَنُوا فَقَالَ اَلرَّجُلُ بَلْ ظَعَنُوا یَا أَمِیرَ اَلْمُؤْمِنِینَ فَقَالَ ع بُعْداً لَهُمْ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ أَمَا لَوْ أُشْرِعَتِ اَلْأَسِنَّةُ إِلَیْهِمْ وَ صُبَّتِ اَلسُّیُوفُ عَلَى هَامَاتِهِمْ لَقَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ إِنَّ اَلشَّیْطَانَ اَلْیَوْمَ قَدِ اِسْتَفَلَّهُمْ وَ هُوَ غَداً مُتَبَرِّئٌ مِنْهُمْ وَ مُتَخَلٍّ عَنْهُمْ فَحَسْبُهُمْ بِخُرُوجِهِمْ مِنَ اَلْهُدَى وَ اِرْتِكَاسِهِمْ فِی اَلضَّلاَلِ وَ اَلْعَمَى وَ صَدِّهِمْ عَنِ اَلْحَقِّ وَ جِمَاحِهِمْ فِی اَلتِّیهِ


ادامه مطلب


نظرات() 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-05:30 ب.ظ

[ 182 ]

وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ ع رُوِیَ عَنْ نَوْفٍ اَلْبَكَالِیِّ قَالَ خَطَبَنَا بِهَذِهِ اَلْخُطْبَةِ أَمِیرُ اَلْمُؤْمِنِینَ عَلِیٌّ ع بِالْكُوفَةِ وَ هُوَ قَائِمٌ عَلَى حِجَارَةٍ نَصَبَهَا لَهُ جَعْدَةُ بْنُ هُبَیْرَةَ اَلْمَخْزُومِیُّ وَ عَلَیْهِ مِدْرَعَةٌ مِنْ صُوفٍ وَ حَمَائِلُ سَیْفِهِ لِیفٌ وَ فِی رِجْلَیْهِ نَعْلاَنِ مِنْ لِیفٍ وَ كَأَنَّ جَبِینَهُ ثَفِنَةُ بَعِیرٍ فَقَالَ ع حمد اللّه و استعانته اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِی إِلَیْهِ مَصَائِرُ اَلْخَلْقِ وَ عَوَاقِبُ اَلْأَمْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِیمِ إِحْسَانِهِ وَ نَیِّرِ بُرْهَانِهِ وَ نَوَامِی فَضْلِهِ وَ اِمْتِنَانِهِ حَمْداً یَكُونُ لِحَقِّهِ قَضَاءً وَ لِشُكْرِهِ أَدَاءً وَ إِلَى ثَوَابِهِ مُقَرِّباً وَ لِحُسْنِ مَزِیدِهِ مُوجِباً وَ نَسْتَعِینُ بِهِ اِسْتِعَانَةَ رَاجٍ لِفَضْلِهِ مُؤَمِّلٍ لِنَفْعِهِ وَاثِقٍ بِدَفْعِهِ مُعْتَرِفٍ لَهُ بِالطَّوْلِ مُذْعِنٍ لَهُ بِالْعَمَلِ وَ اَلْقَوْلِ وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِیمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً وَ أَنَابَ إِلَیْهِ مُؤْمِناً وَ خَنَعَ لَهُ مُذْعِناً وَ أَخْلَصَ لَهُ مُوَحِّداً وَ عَظَّمَهُ مُمَجِّداً وَ لاَذَ بِهِ رَاغِباً مُجْتَهِداً اللّه الواحد لَمْ یُولَدْ سُبْحَانَهُ فَیَكُونَ فِی اَلْعِزِّ مُشَارَكاً وَ لَمْ یَلِدْ فَیَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً وَ لَمْ یَتَقَدَّمْهُ وَقْتٌ وَ لاَ زَمَانٌ وَ لَمْ یَتَعَاوَرْهُ زِیَادَةٌ وَ لاَ نُقْصَانٌ بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلاَمَاتِ اَلتَّدْبِیرِ اَلْمُتْقَنِ وَ اَلْقَضَاءِ اَلْمُبْرَمِ فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ اَلسَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلاَ عَمَدٍ قَائِمَاتٍ بِلاَ سَنَدٍ دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ غَیْرَ مُتَلَكِّئَاتٍ وَ لاَ مُبْطِئَاتٍ وَ لَوْ لاَ إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِیَّةِ وَ إِذْعَانُهُنَّ بِالطَّوَاعِیَةِ لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ وَ لاَ مَسْكَناً لِمَلاَئِكَتِهِ وَ لاَ مَصْعَداً لِلْكَلِمِ اَلطَّیِّبِ وَ اَلْعَمَلِ اَلصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلاَماً یَسْتَدِلُّ بِهَا اَلْحَیْرَانُ فِی مُخْتَلِفِ فِجَاجِ اَلْأَقْطَارِ لَمْ یَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا اِدْلِهْمَامُ سُجُفِ اَللَّیْلِ اَلْمُظْلِمِ وَ لاَ اِسْتَطَاعَتْ جَلاَبِیبُ سَوَادِ اَلْحَنَادِسِ أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِی اَلسَّمَاوَاتِ مِنْ تَلَأْلُؤِ نُورِ اَلْقَمَرِ فَسُبْحَانَ مَنْ لاَ یَخْفَى عَلَیْهِ سَوَادُ غَسَقٍ دَاجٍ وَ لاَ لَیْلٍ سَاجٍ فِی بِقَاعِ اَلْأَرَضِینَ اَلْمُتَطَأْطِئَاتِ وَ لاَ فِی یَفَاعِ اَلسُّفْعِ اَلْمُتَجَاوِرَاتِ وَ مَا یَتَجَلْجَلُ بِهِ اَلرَّعْدُ فِی أُفُقِ اَلسَّمَاءِ وَ مَا تَلاَشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ اَلْغَمَامِ وَ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ تُزِیلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ اَلْأَنْوَاءِ وَ اِنْهِطَالُ اَلسَّمَاءِ وَ یَعْلَمُ مَسْقَطَ اَلْقَطْرَةِ وَ مَقَرَّهَا وَ مَسْحَبَ اَلذَّرَّةِ وَ مَجَرَّهَا وَ مَا یَكْفِی اَلْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِهَا وَ مَا تَحْمِلُ اَلْأُنْثَى فِی بَطْنِهَا عود إلى الحمد وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْكَائِنِ قَبْلَ أَنْ یَكُونَ كُرْسِیٌّ أَوْ عَرْشٌ أَوْ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضٌ أَوْ جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ لاَ یُدْرَكُ بِوَهْمٍ وَ لاَ یُقَدَّرُ بِفَهْمٍ وَ لاَ یَشْغَلُهُ سَائِلٌ وَ لاَ یَنْقُصُهُ نَائِلٌ وَ لاَ یَنْظُرُ بِعَیْنٍ وَ لاَ یُحَدُّ بِأَیْنٍ وَ لاَ یُوصَفُ بِالْأَزْوَاجِ وَ لاَ یُخْلَقُ بِعِلاَجٍ وَ لاَ یُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ وَ لاَ یُقَاسُ بِالنَّاسِ اَلَّذِی كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِیماً وَ أَرَاهُ مِنْ آیَاتِهِ عَظِیماً بِلاَ جَوَارِحَ وَ لاَ أَدَوَاتٍ وَ لاَ نُطْقٍ وَ لاَ لَهَوَاتٍ بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَیُّهَا اَلْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ فَصِفْ جِبْرِیلَ وَ مِیكَائِیلَ وَ جُنُودَ اَلْمَلاَئِكَةِ اَلْمُقَرَّبِینَ فِی حُجُرَاتِ اَلْقُدُسِ مُرْجَحِنِّینَ مُتَوَلِّهَةً عُقُولُهُمْ أَنْ یَحُدُّوا أَحْسَنَ اَلْخَالِقِینَ فَإِنَّمَا یُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو اَلْهَیْئَاتِ وَ اَلْأَدَوَاتِ وَ مَنْ یَنْقَضِی إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ فَلاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلاَمٍ وَ أَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُورٍ الوصیة بالتقوى أُوصِیكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ اَلَّذِی أَلْبَسَكُمُ اَلرِّیَاشَ وَ أَسْبَغَ عَلَیْكُمُ اَلْمَعَاشَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً یَجِدُ إِلَى اَلْبَقَاءِ سُلَّماً أَوْ لِدَفْعِ اَلْمَوْتِ سَبِیلاً لَكَانَ ذَلِكَ سُلَیْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ع اَلَّذِی سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ مَعَ اَلنُّبُوَّةِ وَ عَظِیمِ اَلزُّلْفَةِ فَلَمَّا اِسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ وَ اِسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ رَمَتْهُ قِسِیُّ اَلْفَنَاءِ بِنِبَالِ اَلْمَوْتِ وَ أَصْبَحَتِ اَلدِّیَارُ مِنْهُ خَالِیَةً وَ اَلْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً وَ وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ وَ إِنَّ لَكُمْ فِی اَلْقُرُونِ اَلسَّالِفَةِ لَعِبْرَةً أَیْنَ اَلْعَمَالِقَةُ وَ أَبْنَاءُ اَلْعَمَالِقَةِ أَیْنَ اَلْفَرَاعِنَةُ وَ أَبْنَاءُ اَلْفَرَاعِنَةِ أَیْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ اَلرَّسِّ اَلَّذِینَ قَتَلُوا اَلنَّبِیِّینَ وَ أَطْفَئُوا سُنَنَ اَلْمُرْسَلِینَ وَ أَحْیَوْا سُنَنَ اَلْجَبَّارِینَ أَیْنَ اَلَّذِینَ سَارُوا بِالْجُیُوشِ وَ هَزَمُوا بِالْأُلُوفِ وَ عَسْكَرُوا اَلْعَسَاكِرَ وَ مَدَّنُوا اَلْمَدَائِنَ وَ مِنْهَا قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا وَ أَخَذَهَا بِجَمِیعِ أَدَبِهَا مِنَ اَلْإِقْبَالِ عَلَیْهَا وَ اَلْمَعْرِفَةِ بِهَا وَ اَلتَّفَرُّغِ لَهَا فَهِیَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ اَلَّتِی یَطْلُبُهَا وَ حَاجَتُهُ اَلَّتِی یَسْأَلُ عَنْهَا فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اِغْتَرَبَ اَلْإِسْلاَمُ وَ ضَرَبَ بِعَسِیبِ ذَنَبِهِ وَ أَلْصَقَ اَلْأَرْضَ بِجِرَانِهِ بَقِیَّةٌ مِنْ بَقَایَا حُجَّتِهِ خَلِیفَةٌ مِنْ خَلاَئِفِ أَنْبِیَائِهِ ثم قال علیه السلام أَیُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّی قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ اَلْمَوَاعِظَ اَلَّتِی وَعَظَ اَلْأَنْبِیَاءُ بِهَا أُمَمَهُمْ وَ أَدَّیْتُ إِلَیْكُمْ مَا أَدَّتِ اَلْأَوْصِیَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ وَ أَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِی فَلَمْ تَسْتَقِیمُوا وَ حَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا لِلَّهِ أَنْتُمْ أَ تَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَیْرِی یَطَأُ بِكُمُ اَلطَّرِیقَ وَ یُرْشِدُكُمُ اَلسَّبِیلَ أَلاَ إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ اَلدُّنْیَا مَا كَانَ مُقْبِلاً وَ أَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً وَ أَزْمَعَ اَلتَّرْحَالَ عِبَادُ اَللَّهِ اَلْأَخْیَارُ وَ بَاعُوا قَلِیلاً مِنَ اَلدُّنْیَا لاَ یَبْقَى بِكَثِیرٍ مِنَ اَلْآخِرَةِ لاَ یَفْنَى مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا اَلَّذِینَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ وَ هُمْ بِصِفِّینَ أَلاَّ یَكُونُوا اَلْیَوْمَ أَحْیَاءً یُسِیغُونَ اَلْغُصَصَ وَ یَشْرَبُونَ اَلرَّنْقَ قَدْ وَ اَللَّهِ لَقُوا اَللَّهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ وَ أَحَلَّهُمْ دَارَ اَلْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ أَیْنَ إِخْوَانِیَ اَلَّذِینَ رَكِبُوا اَلطَّرِیقَ وَ مَضَوْا عَلَى اَلْحَقِّ أَیْنَ عَمَّارٌ وَ أَیْنَ اِبْنُ اَلتَّیِّهَانِ وَ أَیْنَ ذُو اَلشَّهَادَتَیْنِ وَ أَیْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ اَلَّذِینَ تَعَاقَدُوا عَلَى اَلْمَنِیَّةِ وَ أُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى اَلْفَجَرَةِ قَالَ ثُمَّ ضَرَبَ بِیَدِهِ عَلَى لِحْیَتِهِ اَلشَّرِیفَةِ اَلْكَرِیمَةِ فَأَطَالَ اَلْبُكَاءَ ثُمَّ قَالَ ع أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِیَ اَلَّذِینَ تَلَوُا اَلْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ وَ تَدَبَّرُوا اَلْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ أَحْیَوُا اَلسُّنَّةَ وَ أَمَاتُوا اَلْبِدْعَةَ دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا وَ وَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ اَلْجِهَادَ اَلْجِهَادَ عِبَادَ اَللَّهِ أَلاَ وَ إِنِّی مُعَسْكِرٌ فِی یَومِی هَذَا فَمَنْ أَرَادَ اَلرَّوَاحَ إِلَى اَللَّهِ فَلْیَخْرُجْ قَالَ نَوْفٌ وَ عَقَدَ لِلْحُسَیْنِ ع فِی عَشَرَةِ آلاَفٍ وَ لِقَیْسِ بْنِ سَعْدٍ رَحِمَهُ اَللَّهُ فِی عَشَرَةِ آلاَفٍ وَ لِأَبِی أَیُّوبَ اَلْأَنْصَارِیِّ فِی عَشَرَةِ آلاَفٍ وَ لِغَیْرِهِمْ عَلَى أَعْدَادٍ أُخَرَ وَ هُوَ یُرِیدُ اَلرَّجْعَةَ إِلَى صِفِّینَ فَمَا دَارَتِ اَلْجُمُعَةُ حَتَّى ضَرَبَهُ اَلْمَلْعُونُ اِبْنُ مُلْجَمٍ لَعَنَهُ اَللَّهُ فَتَرَاجَعَتِ اَلْعَسَاكِرُ فَكُنَّا كَأَغْنَامٍ فَقَدَتْ رَاعِیهَا تَخْتَطِفُهَا اَلذِّئَابُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ

و من خطبة له علیه السّلام

و هى المأة و الواحدة و الثمانون من المختار فی باب الخطب و شرحها فی فصول :

الفصل الاول

روى عن نوف البكالی قال : خطبنا بهذه الخطبة بالكوفة أمیر المؤمنین علیه السّلام و هو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبیرة المخزومی و علیه مدرعة من صوف و حمایل سیفه من لیف و فی رجلیه نعلان من لیف و كأنّ جبینه ثفنة بعیر فقال علیه السّلام :

[ 299 ]

ألحمد للّه الّذی إلیه مصآئر الخلق ، و عواقب الأمر ، نحمده على عظیم إحسانه ، و نیّر برهانه ، و نوامی فضله و امتنانه ، حمدا یكون لحقّه قضآء ، و لشكره أدآء ، و إلى ثوابه مقرّبا ، و لحسن مزیده موجبا ، و نستعین به استعانة راج لفضله ، مؤمّل لنفعه ،

واثق بدفعه ، معترف له بالطّول ، مذعن له بالعمل و القول ، و نؤمن به إیمان من رجاه موقنا ، و أناب إلیه مؤمنا ، و خنع له مذعنا ،

و أخلص له موّحدا ، و عظّمه ممجّدا ، و لاذ به راغبا مجتهدا ، لم یولد سبحانه فیكون فی العزّ مشاركا ، و لم یلد فیكون موروثا هالكا ،

و لم یتقدّمه وقت و لا زمان ، و لم یتعاوره زیادة و لا نقصان ، بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التّدبیر المتقن ، و القضآء المبرم .

فمن شواهد خلقه خلق السّموات موطّدات بلا عمد ، قائمات بلا سند ، دعاهنّ فأجبن طآئعات مذعنات ، غیر متلكّئات و لا مبطئات ،

و لولا إقرارهنّ له بالرّبوبیّة ، و إذعانهنّ بالطّواعیة ، لما جعلهنّ موضعا لعرشه ، و لا مسكنا لملائكته ، و لا مصعدا للكلم الطّیّب و العمل الصّالح من خلقه ، جعل نجومها أعلاما یستدلّ بها الحیران فی مختلف فجاج الأقطار ، لم یمنع ضوء نورها ادلهمام سجف اللّیل

[ 300 ]

المظلم ، و لا استطاعت جلابیب سواد الحنادس أن تردّ ما شاع فی السّموات من تلالؤ نور القمر .

فسبحان من لا یخفى علیه سواد غسق داج ، و لا لیل ساج فی بقاع الأرضین المتطأطئات ، و لا فی یفاع السّفع المتجاورات ، و ما یتجلجل به الرّعد فی أفق السّماء ، و ما تلاشت عنه بروق الغمام ، و ما تسقط من ورقة تزیلها عن مسقطها عواصف الأنواء و انهطال السّماء ،

و یعلم مسقط القطرة و مقرّها ، و مسحب الذّرّة و مجرّها ، و ما یكفى البعوضة من قوتها ، و ما تحمل الانثى فی بطنها .

و الحمد للّه الكائن قبل أن یكون كرسیّ ، أو عرش ، أو سماء ،

أو أرض ، أو جآنّ ، أو إنس ، لا یدرك بوهم ، و لا یقدّر بفهم ،

و لا یشغله سآئل ، و لا ینقصه نائل ، و لا ینظر بعین ، و لا یحدّ بأین ، و لا یوصف بالأزواج ، و لا یخلق بعلاج ، و لا یدرك بالحواسّ ، و لا یقاس بالنّاس ، الّذی كلّم موسى تكلیما ، و أراه من آیاته عظیما ، بلا جوارح و لا أدوات ، و لا نطق و لا لهوات .

بل إن كنت صادقا أیّها المتكلّف لوصف ربّك ، فصف جبرئیل و میكائیل و جنود الملائكة المقرّبین فی حجرات القدس مرجحنّین ،

[ 301 ]

متولّهة عقولهم أن یحدّوا أحسن الخالقین ، و إنّما یدرك بالصّفات ذووا الهیئات و الأدوات ، و من ینقضی إذا بلغ أمد حدّه بالفناء ، فلا إله إلاّ هو ، أضاء بنوره كلّ ظلام ، و أظلم بظلمته كلّ نور .

اللغة

( البكالی ) بكسر الباء قال فی القاموس : و بنو بكال ككتاب بطن من حمیر منهم نوف بن فضالة التابعی و كأمیر حىّ من همدان ، و عن الجوهرى أنّه بفتح الباء ،

و عن قطب الراوندی فی شرح النهج أنّ بكال و بكیل شی‏ء واحد و هو اسم حىّ من همدان و بكیل أكثر ، و الصواب كما قاله الشارح المعتزلی ما فی القاموس .

و ( ثفنة ) البعیر بالكسر ركبته و ما مسّ الأرض من كركرته و سعداناته و اصول أفخاذه ، و ثفنت یده من باب فرح غلظت و ( العمد ) جمع عماد على خلاف القیاس قال سبحانه : فی عمد ممدّدة و ( تلكأ ) علیه اعتلّ و عنه أبطأ و ( الطواعیة ) وزان ثمانیة الطاعة و ( المختلف ) الاختلاف و التردّد أو موضعه أو من المخالفة و ( الفجّ ) الطریق الواسع بین الجبلین و ( القطر ) الجانب و الناحیة و ( السجف ) بالفتح و الكسر الستر و الجمع سجوف و أسجاف و ( الحنادس ) جمع الحندس وزان زبرج اللّیل شدید الظلمة و ( الیفاع ) و الیفع محرّكة التلّ و ( السفع ) بالضمّ جمع سفعة و هو من الألوان ما اشرب حمرة و ( المسقط ) اسم مكان كمقعد و مجلس .

و ( الأنواء ) جمع نوء و هو سقوط النجم من منازل القمر الثمانیة و العشرین فی المغرب من الفجر و طلوع رقیبه من المشرق مقابلا له من ساعته و ستعرف زیادة تحقیق له فی بیان المعنى و ( اللّهوات ) و اللّهیات جمع اللّهاة و هی اللّحمة المشرفة على الحلق أو بین منقطع اصل اللّسان و منقطع القلب من أعلى الفم و ( ارجحنّ ) یرجحنّ كاقشعرّ مال و اهتزّ و عن الجزرى أرجحنّ الشی‏ء إذا مال من ثقله و تحرّك .

[ 302 ]

الاعراب

من فی قوله : و العمل الصّالح من خلقه ، ابتدائیّة نشویّة ، و قوله : فى مختلف فجاج آه ، متعلّق بالحیران أو بقوله : یستدلّ ، قوله : لم یمنع ضوء نورها ادلهمام ،

فی أكثر النسخ برفع ادلهمام على أنّه فاعل یمنع و نصب ضوء على أنّه مفعوله ، و فی بعض النسخ بالعكس قال الشارح المعتزلی : و هذا أحسن و ستعرف وجه الحسن فی بیان المعنى .

و أو فی قوله : أو عرش و ما بعدها بمعنى الواو ، و قوله : لا یحدّ بأین قال الشارح المعتزلی : لفظة أین فی الأصل مبنیّة على الفتح فاذا نكرتها صارت اسما متمكّنا من الاعراب ، و إن شئت قلت بأنّه علیه السّلام تكلّم بالاصطلاح الحكمى و الأین عندهم حصول الجسم فی المكان و هو أحد المقولات العشر و قوله : فی حجرات القدس ، إمّا متعلّق بالمقرّبین أو بمرجحنین ، و الأوّل أقرب لفظا و الثانی معنی ، و الاضافة فی قوله :

أمد حدّه ، بیانیّة و قوله : بالفناء متعلّق بقوله : ینقضى

المعنى

قال السیّد ره ( روى عن نوف ) بن فضالة ( البكالى ) الحمیرى انّه ( قال خطبنا بهذه الخطبة أمیر المؤمنین علیه السّلام بالكوفة ) الظاهر أنّ المراد بجامع الكوفة ( و هو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبیرة المخزومى ) و هو ابن اخت أمیر المؤمنین علیه السّلام و امّه امّ هانی بنت أبی طالب بن عبد المطلب بن هاشم و أبوه كما قاله السیّد ره :

هبیرة و هو ابن أبی وهب بن عمرو بن عایذ بن عمران بن مخزوم ، و كان فارسا شجاعا فقیها والى خراسان من جانب أمیر المؤمنین علیه السّلام ، و من شعره الّذى یباهى فیه بنسبه قوله :

أبى من بنى مخزوم إن كنت سائلا
و من هاشم أمّى لخیر قبیل

فمن ذا الّذى باهی علىّ بخاله
كخالى علىّ ذى الندى و عقیل

( و علیه علیه السّلام مدرعة ) أى جبّة تدرّع بها ( من صوف و حمائل سیفه من لیف ) النخل

[ 303 ]

( و فی رجلیه نعلان من لیف ) أیضا و كفی بذلك زهدا ( و كأنّ جبینه ) من طول السجود ( ثفنة بعیر ) و كفى به عناء و عبادة و قد ورثه منه علیه السّلام ابن ابنه علىّ بن الحسین زین العابدین و سیّد الساجدین صلوات اللّه علیه و على آبائه و أبنائه أجمعین حتّى اشتهر و لقّب بالسجّاد ذى الثفنات قال دعبل الخزاعى فی قصیدته المعروفة :

دیار علىّ و الحسین و جعفر
و حمزة و السجّاد ذى الثفنات

( فقال الحمد للّه الذى إلیه مصائر الخلق و عواقب الأمر ) أى إلیه مرجع الخلایق فی المبدء و المآب و عواقب امرهم یوم الحساب كما قال تعالى : إنَّ إلینا إیابهم ثمّ إنّ علینا حسابهم ، و قال : و إلى اللّه المصیر إنما أتى علیه السّلام بلفظ الجمع مع أنّ المصدر یصحّ إطلاقه على القلیل و الكثیر باعتبار كونه أى الجمع المضاف نصّا فی العموم مفیدا لكون جمیع رجوعات المخلوقات إلیه سبحانه فی جمیع حالاتهم لافتقار الممكن الى الواجب و حاجته الیه فی الوجود و البقاء و الفناء فهو أوّل الأوّلین و آخر الآخرین و إلیه المصیر و المنقلب .

( نحمده على عظیم احسانه ) الذى أحسن إلینا به و هو معرفته و توحیده إذ لا إحسان أعظم من ذلك ، و قول الشارح المعتزلی : إنه اصول نعمه كالحیاة و القدرة و الشهوة و نحوها ، و كذا قول الشارح البحرانی إنه الخلق و الایجاد على وفق الحكمة و المنفعة فلیسا بشی‏ء و یؤیّد ما قلناه تعقیبه بقوله ( و نیّر برهانه ) فانّ المراد به الأدلّة الواضحة الّتى أقامها فی الآفاق و الأنفس و من طریق العقل و النقل للدّلالة على ذاته و صفات جماله و جلاله ( و نوامى فضله و امتنانه ) أراد بها نعمه النامیة الزاكیة الّتی أفضل بها على عباده و امتنّ بها علیهم باقتضاء ربوبیّته و حفظا لبقاء النوع .

و قوله ( حمدا یكون لحقه قضاء و لشكره أداء ) من باب المبالغة فی كمال ثنائه سبحانه كما فی قولهم حمدا ملاء السماوات و الأرض ، و إلاّ فالحمد الّذی یقضی حقّه

[ 304 ]

و یؤدّى شكره على ما هو أهل له و مستحقّه فهو خارج عن وسع البشر كما عرفت تحقیق ذلك فی شرح الفصل الأوّل من المختار الأوّل و شرح المختار السابع و السبعین أیضا ( و إلى ثوابه مقرّبا ) لأنّه سبحانه وعد الثواب للشاكر و قال : فاشكرونی أشكركم ، من باب المشاكلة أى اثیبكم على شكركم 1 و معلوم أنه سبحانه منجز لوعده و من أوفی بعهده من اللّه ( و لحسن مزیده موجبا ) لأنه أخبر عن ایجاب الشكر لزیادة النعمة و وعد به و قال : لئن شكرتم لأزیدنّكم ، و معلوم أنه صادق فی وعده لا یخلف المیعاد .

( و نستعین به استعانة ) صادرة عن صمیم القلب و كمال الرجا و الوثوق باعانته و لذلك وصفها بكونها مثل استعانة ( راج لفضله مؤمّل لنفعه واثق بدفعه ) فان المستعین المتّصف بهذه الأوصاف لا تكون استعانته إلاّ على وجه الكمال إذ رجاه للفضل و أمله لایصال المنافع و وثوقه بدفع المضارّ إنما هو فرع المعرفة بفضله و إحسانه و بقدرته و قهره على كلّ شی‏ء ، و بأنه لا رادّ لحكمه و لا دافع لقضائه و أنّ بیده خزائن الملك و الملكوت ، و معلوم أنّ من عرف اللّه تعالى بذلك یكون طلبه للاعانة آكد و أشد ، و هذه الأوصاف الثلاثة فی الحقیقة مظنّة للاعانة باعتبار صفات العظمة و الكمال فی المستعان .

ثمّ وصفها بوصفین آخرین هما مظنّة للاعانة باعتبار وصف الذّل و الاستكانة فی المستعین و هو قوله ( معترف له بالطوّل مذعن له بالعمل و القول ) فانّ من اعترف لطوله و إفضاله و أذعن أى خضع و ذلّ و انقاد على ربوبیّته و أسرع إلى طاعته قولا و عملا فحقیق على الاعانة و جدیر بالافضال .

ثمّ أردف ذلك بالاعتراف بالایمان الكامل فقال ( و نؤمن به ) ایمانا كاملا مستجمعا لصفات الكمال و انما یكون كذلك إذا كان مثل ( ایمان من رجاه ) للمطالب العالیة ( موقنا ) بأنه أهله لقدرته على إنجاح المأمول و قضاء المسئول ( و أناب إلیه مؤمنا )

-----------
( 1 ) فی هذه الجملات من الاشتباه ما لا یخفى « المصحح »

[ 305 ]

علما منه بأنّ مرجع العبد إلى سیّده و معوّله إلى مولاه ( و خنع ) أى خضع ( له مذعنا ) بأنّ نفسه ذلیل أسیر فی ربق الافتقار و الامكان و أنّ ربّه جلیل متّصف بالعزّة و العظمة و السلطان ( و أخلص له موحدا ) اى أخلص له العبودیّة حال كونه معتقدا بوحدانیّته علما منه بأنّ من كان یرجو لقاء ربّه فلیعمل عملا صالحا و لا یشرك بعبادة ربّه أحدا ( و عظّمه ممجّدا ) أى عظّمه بصفات العزّ و الكبریاء و الجلال حال التمجید له بأوصاف القدرة و العظمة و الكمال ( و لاذ به ) أى لجأ إلیه ( راغبا مجتهدا ) أى راغبا فی الالجاء مجدّا فی الرغبة و الالتجاء علما منه بأنّه الملاذ و الملجاء ، هذا و لما حمد اللّه سبحانه و استعان منه و امن به أخذ فی تنزیهه و تقدیسه باعتبارات سلبیّة و إضافیة هی غایة وصف الواصفین و منتهى درك الموحّدین فقال ( لم یولد سبحانه فیكون فی العزّ مشاركا ) أى لیس له والد حتّى یكون له شریك فی العزّ و الملك لجریان العادة بكون والد العزیز عزیزا غالبا ( و لم یلد فیكون موروثا هالكا ) أى لیس له ولد حتّى یهلك و یرثه ولده كما هو الغالب عادة من موت الوالد قبل الولد و وارثة الولد عنه و برهان تنزّهه سبحانه عنهما أنهما من لواحق الحیوانیة المستلزمة للجسمیّة فهو یفید لنفی تولّده سبحانه عن شی‏ء و نفى تولّد شی‏ء عنه بالمعنى المعروف فی الحیوان .

و یدلّ على تنزّهه سبحانه عن ذلك مطلقا ما رواه فی البحار و الصافى من كتاب التوحید للصّدوق بسنده عن وهب بن وهب القرشی قال : حدّثنى الصادق جعفر بن محمّد عن أبیه الباقر عن أبیه علیهم السّلام أنّ أهل البصرة كتبوا إلى الحسین بن علىّ علیه السّلام یسألونه عن الصّمد ، فكتب إلیهم :

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم أمّا بعد فلا تخوضوا فى القرآن و لا تجادلوا فیه و لا تتكلّموا فیه بغیر علم ، فقد سمعت جدّى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : من قال فی القرآن بغیر علم فلیتبوء مقعده فی النار ، و أنه سبحانه قد فسّر الصمد فقال اللّه أحد اللّه الصمد ثمّ فسّره فقال لم یلد و لم یولد و لم یكن له كفواً احد ، لم یلد لم یخرج منه شی‏ء كثیف كالولد و سایر الأشیاء الكثیفة الّتى تخرج من المخلوقین و لا شی‏ء لطیف كالنفس

[ 306 ]

و لا ینشعب منه البدوات كالسنّة و النوم و الخطرة و الهمّ و الحزن و البهجة و الضحك و البكاء و الخوف و الرجاء و الرغبة و السّامة و الجوع و الشبع تعالى أن یخرج منه شی‏ء و أن یتولّد منه شی‏ء كثیف ، أو لطیف ، و لم یولد لم یتولّد من شی‏ء و لم یخرج من شى‏ء كما یخرج الأشیاء الكثیفة من عناصرها كالشی‏ء من الشى‏ء و الدابّة من الدابّة ،

و النبات من الأرض ، و الماء من الینابیع ، و الثمار من الأشجار ، و لا كما تخرج الأشیاء اللطیفة من مراكزها كالبصر من العین ، و السّمع من الاذن ، و الشمّ من الانف ، و الذوق من الفم ، و الكلام من اللسان ، و المعرفة و التمیز من القلب ، و كالنار من الحجر ، لا بل هو اللّه الصّمد الّذى لا من شى‏ء و لا فی شى‏ءو لا على شی‏ء ، مبدع الأشیاء و خالقها و منشی‏ء الأشیاء بقدرته یتلاشى ما خلق للفناء بمشیّته و یبقی ما خلق للبقاء بعلمه ، فذلكم اللّه الصمد الّذى لم یلد و لم یولد عالم الغیب و الشهادة الكبیر المتعال ، و لم یكن له كفوا أحد ( و لم یتقدّمه وقت و لا زمان ) قال الشارح المعتزلی : الوقت هو الزمان و إنما خالف بین اللفظین و أتى بحرف العطف تفنّنا ، و قال الشارح البحرانی : الوقت جزء الزمان ، و قال العلاّمة المجلسی ره : و یمكن حمل أحدهما على الموجود و الآخر على الموهوم ، و على أىّ تقدیر فهو خالقهما و مبدعهما و مقدّم علیهما فكیف یتصوّر تقدّمهما علیه تعالى .

( و لم یتعاوره ) أى لم یختلف و لم یتناوب علیه ( زیادة و لا نقصان ) لاستلزامهما التغیر المستلزم للامكان المنزّه قدسه عزّ و جلّ عنه .

فان قلت : كان اللاّزم أن یقال زیادة و نقصان لأنّ التعاور یقتضی الضدّین معا كما أنّ الاختلاف كذلك تقول : لم یختلف زید و عمرو و لا تقول لم یختلف زید و لا عمرو .

قلت : أجاب عنه الشارح المعتزلی بأنّ مراتب الزیادة لما كانت مختلفة جاز أن یقال : لا یعتوره الزیادة ، و كذلك القول فی جانب النقصان و جرى كلّ واحد من النوعین مجرى أشیاء متنافیة یختلف على الموضع الموصوف بها .

[ 307 ]

( بل ظهر للعقول ) و تجلّى للبصائر ( بما أرانا من علامات التدبیر المتقن ) المحكم ( و ) آیات ( القضاء المبرم ) فی الأنفس و الآفاق فی أصناف الموجودات و أنواع المصنوعات المبدعة على أحسن نظام و أتقن انتظام على ما عرفت تفصیلا و تحقیقا فی شرح المختار التاسع و الأربعین .

و نزید علیه ایضاحا و تاكیدا ما قاله الصادق علیه السّلام للمفضل بن عمر فی حدیثه المعروف : یا مفضّل أوّل العبر و الأدلّة على البارى جلّ قدسه تهیئة هذا العالم و تألیف أجزائه و نظمها على ما هى علیه ، فانّك إذا تأمّلت العالم بفكرك و میّزته بعقلك وجدته كالبیت المبنىّ المعدّ فیه جمیع ما یحتاج إلیه عباده ، فالسّماء مرفوعة كالسّقف و الأرض ممدودة كالبساط ، و النجوم منضودة كالمصابیح ، و الجواهر مخزونة كالذخایر ، و كلّ شى‏ء فیها لشأنه معدّ ، و الانسان كالمملك ذلك البیت و المخوّل جمیع ما فیه ، و ضروب النبات مهیّأة لمآربه ، و صنوف الحیوان مصروفة فى مصالحه و منافعه ، ففی هذا دلالة واضحة على أنّ العالم مخلوق بتقدیر و حكمة و نظام و ملایمة و أنّ الخالق له واحد ، و هو الّذى ألفه و نظمه بعضا إلى بعض جلّ قدسه و تعالى جدّه و كرم وجهه و لا إله غیره ، تعالى عمّا یقول الجاحدون و جلّ و عظم عما ینتحله الملحدون ، هذا .

و لما ذكر اجمالا أنّه تعالى تجلّی للعقول بما أظهر من آیات القدرة و علامات التدّبر أراد أن یشیر إلى بعض تلك الآیات تفصیلا و هو خلق السماوات .

فقال ( فمن شواهد خلقه ) أى آیات الابداع و علامات التدبّر المحكم أو ما یشهد من الخلق بوجوده سبحانه و تدبیره و علمه أو ما حضر من خلقه أى ظهر وجوده بحیث لا یمكن لاحد إنكاره من آیات تدبیره تعالى ( خلق السماوات ) و تخصیصها من بین سایر الشواهد بالبیان لكونها من أعظم شواهد القدرة ، و أظهر دلایل الرّبوبیّة ،

و أوضح علائم التدبیر حیث خلقت ( موطدات ) أى محكمات الخلقة مثبتات فی محالها على وفق النظام و الحكمة ( بلا عمد ) ترونها و لا دسار ینتظمها ( قائمات ) فی الجوّ ( بلا سند ) یكون علیه استنادها و به اعتمادها ( دعاهنّ ) سبحانه فقال لها و للأرض ائتیا

[ 308 ]

طوعاً أو كرهاً ( فأجبن طائعات ) كما قال حكایة عنها و عن الأرض : قالتا أتینا طائعین و لفظ الدّعا و الاجابة فی كلام الامام علیه السّلام إمّا محمولان على حقایقهما نظرا إلى أنّ للسّماوات أرواحا مدبّرة عاقلة كما هو قول بعض الحكماء و المتكلّمین أو نظرا إلى أنّه تعالى خاطبها و أقدرها على الجواب .

و إمّا محمولان على المجاز و الاستعارة تشبیها لتأثیر قدرته تعالى فیها و تأثّرها عنها بأمر المطاع و إجابة المطیع الطائع كقوله : كن فیكون ، و هذا هو الأظهر و یؤیّده ما حكی عن ابن عباس فی تفسیر الآیة المتقدّمة أعنی قوله : أتینا طائعین ، أنه قال أتت السماء بما فیها من الشمس و القمر و النجوم ، و أتت الأرض بما فیها من الأنهار و الأشجار و الثمار ، و لیس هناك أمر ما بقول حقیقة و لا جواب لذلك القول بل أخبر سبحانه عن اختراعه للسماوات و الأرض و إنشائه لهما من غیر تعذّر و لا كلفة و لا مشقّة بمنزلة ما یقال افعل فیفعل من غیر تلبّث و لا توقّف و لا تأنّ و هو كقوله : إنما أمره إذا أراد شیئاً أن یقول له كن فیكون .

و من ذلك علم أنّ قوله : ( مذعنات غیر متلكّئات و لا مبطئات ) أراد به انقیادهنّ من غیر توقّف و لا إبطاء فی الاصابة و خضوعهنّ فی رقّ الامكان و الحاجة و اعترافهنّ بلسان الذّل و الافتقار بوجوب وجود مبدعها و عظمة سلطان مبدئها .

( و لولا ) اعترافهنّ و ( اقرارهنّ له بالربوبیّة ) و القدرة و العظمة و لأنفسهنّ بالامكان و الذلّ و الحاجة ( و اذعانهنّ بالطواعیة ) و الامتثال لبارئهنّ ( لما جعلهنّ موضعا لعرشه ) قال الشارح البحرانی إقرارهنّ بالرّبوبیّة راجع إلى شهادة لسان الحال الممكن بالحاجة إلى الرّب و الانقیاد لحكم قدرته ، و ظاهر أنه لو لا امكانها و انفعالها عن قدرته و تدبیره لم یكن فیها عرش و لم یكن أهلا لسكنى الملائكة و صعود الكلم الطیّب المشار الیه بقوله ( و لا مسكنا لملائكته ) و لعلّ المراد بهم المقرّبون أو الأكثر لأنّ منهم من یسكن الهواء و الأرض و الماء ( و لا مصعدا للكلم الطیّب ) و هو شهادة أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ( و العمل الصالح ) الصادر ( من خلقه ) و هو

[ 309 ]

الخیرات و الحسنات من الفرایض و المندوبات .

و المراد لصعودهما صعود الكتبة بصحایف الأعمال إلیها و إلیه الاشارة بقوله سبحانه و تعالى : إلیه یصعد الكلم الطیّب و العمل الصّالح یرفعه ، هذا و قد تقدّم فی تذییلات الفصل الثامن من الخطبة الأولى و فی شرح الفصل الرابع من الخطبة التسعین فصل واف فی عجائب خلقة السماء و ما أبدعه اللّه سبحانه فیها من دلائل القدرة و آیات التدبیر و الحكمة فانظر ماذا ترى ، و لشرافتها و كون مادّتها أقبل خصّ علیه السّلام هنا طاعتها بالذكر و إن كانت الأرض مشاركة لها فی الطاعة مذكورة معها فی الآیة .

و لما ذكر خلق السماوات و كونها من شواهد الرّبوبیّة و أدلّة التوحید استطرد إلى ذكر النجوم و الكواكب لما فیها من بدایع التدبیر و عجایب التقدیر ،

و قد مرّ فی الفصل الثامن من فصول المختار الأوّل و الفصل الرابع من المختار التسعین و شرحیهما منه علیه السّلام و منّا جملة وافیة من الكلام علیها و أشار هنا إلى بعض منافعها فقال :

( جعل نجومها أعلاما یستدلّ بها الحیران ) أى جعلها علامات یهتدى بها المتحیّرون كما قال عزّ من قائل : و علامات و بالنّجم هُم یهتدون ( فی مختلف فجاج الأقطار ) أى یستدلّ بها الحیارى فی اختلاف فجاج الأقطار و تردّدها ، أو فی محلّ اختلافها أو فی حال مخالفة الفجاج الموجودة فی أقطار الأرض و نواحیها و ذهاب كلّ منها إلى جهة غیر ما یذهب إلیه الآخر .

( لم یمنع ضوء نورها ادلهمام سجف اللیل المظلم ) أى شدّة ظلمة ستر اللّیل ذى الظلمة لم تكن مانعة من إضائة النجوم ، و على روایة ادلهمام بالنصب فالمعنى أنّ ضوء نورها لم یمنع من ظلمة اللیل .

( و لا استطاعت جلابیب سواد الحنادس ) أى أثواب سواد اللیال المظلمة شدیدة الظلمة لم تكن مستطیعة من ( أن تردّ ما شاع ) و ظهر ( فی السماوات من تلألؤ نور

[ 310 ]

القمر ) و لمعانه .

قال الشارح المعتزلی بعد روایته عن البعض نصب لفظ الادلهمام : و هذه الروایة أحسن فی صناعة الكتابة لمكان الازدواج أى لا القمر و الكواكب تمنع اللیلة من الظلمة ، و لا اللیل یمنع الكواكب و القمر من الاضاءة أقول : و محصّل مقصود الامام علیه السّلام إنّ اللّه سبحانه لما قدّر بلطیف حكمته أن یجعل اللیل سباتا و راحة للخلق جعلها مظلمة لأنّ كثیرا من الناس لو لا ظلمتها لم یكن لهم هدء و لا قرار حرصا على الكسب و الجمع و الادخار مع عظم حاجتهم إلى الهدؤ و الراحة لسكون أبدانهم و جموم حواسّهم و انبعاث القوّة الهاضمة لهضم الطعام و تنفیذ الغذاء إلى الأعضاء و لما كان شدّة ظلمتها و كونها داحیة مدلهمة مانعة عن جمیع الأعمال و ربما كان الناس محتاجین إلى العمل فیها لضیق الوقت علیهم فی تقضى الأعمال بالنهار أو شدّة الحرّ و إفراطه المانع من الزرع و الحرث و قطع الفیافی و الأسفار جعل ببدیع صنعه فیها كواكب مضیئة و قمرا منیرا و لیهتدى بها فی ظلمات البرّ و البحر و الطرق المجهولة ، و یقام بالأعمال من الزرع و الغرس و الحرث و غیرها عند مسیس الحاجة ،

و جعل نورها ناقصا من نور الشمس كیلا یمنع من الهدؤ و الراحة .

( فسبحان من ) جعل النور و الظلام على تضادّهما منقادین متظاهرین على ما فیه صلاح العالم و قوامه و سبحان من هو بكلّ شى‏ء محیط حتّى لا یعزب عنه مثقال ذرّة فی الأرض و لا فی السماء و ( لا یخفى علیه سواد غسق داج ) أى ظلمة مظلمة و العطف للمبالغة من قبیل شعر شاعر ( و لا لیل ساج ) أى ساكن و فى الاسناد توسّع باعتبار سكون الناس و هدؤهم فیها ( فی بقاع الأرضین المتطاطئات ) المنخفضات ( و لا فی یفاع السفع المتجاورات ) أى فی مرتفع الجبال المتجاورة و انما عبر عن الجبال بالسفع لأنّ لونها غالبا مشرب حمرة ، و لا یخفى ما فیما بین لفظ البقاع و الیفاع من جناس الخط و هو من محاسن البدیع حسبما عرفته فی دیباجة الشرح .

[ 311 ]

( و ) لا یخفی علیه عزّ و جلّ أیضا ( ما یتجلجل ) و یصوت ( به الرّعد فی افق السماء ) و أراد بتجلجله تسبیحه المشار إلیه فی قوله تعالى : و یسبّح الرّعد بحمده قال الطبرسى : تسبیح الرّعد دلالته على تنزیه اللّه تعالى و وجوب حمده فكأنه هو المسبّح ، و قیل : إنّ الرّعد هو الملك الّذى یسوق السحاب و یزجره بصوته فهو یسبّح اللّه و یحمده .

و قال الرازى : فی قوله تعالى و یسبّح الرعد بحمده أقوال :

الاول أنّ الرّعد اسم ملك من الملائكة و الصّوت المسموع هو صوت ذلك الملك بالتسبیح و التهلیل عن ابن عباس ، أنّ الیهود سألت النبیّ صلّى اللّه علیه و آله عن الرّعد ما هو فقال : ملك من الملائكة موكّل بالسحاب معه مخاریق من نار یسوق بها السحاب حیث شاء اللّه قالوا : فما الصّوت الّذى نسمع ؟ قال : زجره السحاب ، و عن الحسن أنّه خلق من خلق اللّه لیس بملك فعلى هذا القول الرّعد هو الملك الموكّل بالسحاب و صوته تسبیح اللّه تعالى و ذلك الصّوت أیضا یسمى بالرّعد و یؤكّد هذا ما روى عن ابن عباس كان اذا سمع الرّعد قال : سبحان الّذى سبّحت له ، و عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله قال : إنّ اللّه ینشى‏ء السحاب الثقال فینطق أحسن المنطق و یضحك أحسن الضحك ، فنطقه الرّعد و ضحكه البرق و اعلم أنّ هذا القول غیر مستبعد ، و ذلك لأنّ عند أهل السنّة البنیة لیست شرطا لحصول الحیاة ، فلا یبعد من اللّه تعالى أن یخلق الحیاة و العلم و القدرة و النطق فی أجزاء السحاب ، فیكون هذا الصوت المسموع فعلا له .

و كیف یستبعد ذلك ؟ و نحن نرى أنّ السمندر یتولّد فی النار ، و الضفادع تتولّد فی الماء البارد ، و الدودة العظیمة ربما تتولّد فی الثلوج العظیمة .

و أیضا فاذا لم یبعد تسبیح الجبال فی زمن داود علیه السّلام و لا تسبیح الحصى فی زمان محمّد صلّى اللّه علیه و آله فكیف یستبعد تسبیح السحاب .

و على هذا القول فهذا الشی‏ء المسمّى بالرّعد ملك أو لیس بملك فیه قولان :

[ 312 ]

أحدهما أنّه لیس بملك لأنّه عطف علیه الملائكة فقال : و الملائكة من خیفته .

و الثانی أنّه لا یبعد أن یكون من جنس الملائكة و إنما حسن إفراده بالذكر على سبیل التشریف كما فی قوله : و ملائكته و رسله و جبرئیل و میكائیل ، و فی قوله :

و إذ أخذنا من النّبیین میثاقهم و منك و من نوح .

القول الثانى أنّ الرّعد اسم لهذا الصوت المخصوص و مع ذلك فانّ الرّعد یسبّح اللّه سبحانه ، لأنّ التسبیح و التقدیس و ما یجرى مجراها لیس إلاّ وجود لفظ یدلّ على حصول التنزیه و التقدیس للّه سبحانه و تعالى ، فلما كان هذا الصّوت دلیلا على وجود موجود متعال عن النقص و الامكان كان ذلك فی الحقیقة تسبیحا و هو معنى قوله : و إن من شی‏ء إلاّ یسبّح بحمده .

و القول الثالث أنّ المراد من كون الرّعد مسبّحا أنّ من یسمع الرّعد فانّه یسبّح اللّه تعالى ، فلهذا المعنى اضیف هذا التسبیح إلیه .

( و ) لا یعزب عنه ( ما تلاشت ) و اضمحلّت عنه ( بروق الغمام ) یعنی أنّه سبحانه عالم بالأقطار التی یضمحلّ عنها البرق بعد ما كانت مضیئة به ، و تخصیص ما تلاشت عنه بالذكر مع اشتراك غیر المتلاشیة عنه معه فی إحاطة علمه سبحانه به كالأوّل ، لأنّ علمه بما لیس بمضیّ بالبرق أعجب و أغرب ، و أمّا ما هو مضىّ به و لم یضمحل عنه فیمكن إدراك غیره سبحانه له من اولى الأبصار الصحیحة ، هذا .

و أعجب من ذلك ما فی نفس البرق من عظیم القدرة و دلالته على عظمة بارئه .

قال الفخر الرازی : و اعلم أنّ أمر الصاعقة عجیب جدّا ، و ذلك لأنّها نار تتولّد من السحاب و إذا نزلت من السحاب فربما غاصت فی البحر و أحرقت الحیتان فی قعر البحر و الحكماء بالغوا فی وصف قوّتها ، و وجه الاستدلال أنّ النار حارّة یابسة و طبیعتها ضدّ طبیعة السحاب ، فوجب أن تكون طبیعتها فی الحرارة و الیبوسة أضعف من طبیعة النیران الحادثة عندنا ، لكنه لیس الأمر كذلك ، فانها أقوى نیران هذا العالم ، فثبت أنّ اختصاصها بمزید تلك القوّة لا بدّ و أن یكون بسبب تخصیص الفاعل

[ 313 ]

المختار ( و ) لا یغیب عنه ( ما تسقط من ورقة تزیلها عن مسقطها عواصف الأنواء و انهطال السماء ) أى الریاح الشدیدة المنسوبة إلى الأنواء و انصباب الأمطار .

و النّوء سقوط نجم من منازل القمر الثمانیة و العشرین الّتی عرفتها تفصیلا فی شرح الفصل الرابع من فصول المختار التسعین فی المغرب 1 مع الفجر و طلوع رقیبه من المشرق من ساعته مقابلا له فی كلّ لیلة إلى ثلاثة عشر یوما ، و هكذا كلّ نجم منها إلى انقضاء السنة إلاّ الجبهة فانّ لها أربعة عشر یوما .

و فى البحار من معانی الأخبار مسندا عن الباقر علیه السّلام قال : ثلاثة من عمل الجاهلیة : الفخر بالانساب ، و الطعن فی الأحساب ، و الاستسقاء بالأنواء .

قال الصّدوق ( ره ) أخبرنی محمّد بن هارون الزنجانی عن علیّ بن عبد العزیز عن أبی عبید أنّه قال : سمعت عدّة من أهل العلم یقولون : إنّ الأنواء ثمانیة و عشرون نجما معروفة المطالع فی أزمنة السنة كلّها من الصّیف و الشتاء و الرّبیع و الخریف ،

یسقط منها فی كلّ ثلاث عشرة لیلة نجم فی المغرب مع طلوع الفجر و یطلع آخر یقابله فی المشرق من ساعته ، و كلاهما معلوم مسمّى و انقضاء هذه الثمانیة و العشرین كلّها مع انقضاء السنة ، ثمّ یرجع الأمر إلى النجم الأوّل مع استیناف السنة المقبلة و كانت فی الجاهلیة إذا سقط منها نجم و طلع آخر قالوا : لا بدّ أن یكون عند ذلك ریاح و مطر ، فینسبون كلّ غیث یكون عند ذلك إلى ذلك النجم الذی یسقط حینئذ فیقولون مطرنا بنوء الثریّا و الدّبران و السماك ، و ما كان من هذه النجوم فعلى هذا فهذه هی الأنواء واحدها نوء و إنما سمّى نوء لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق بالطلوع و هو ینوء نوء ، و ذلك النهوض هو النوء فسمّى النجم به و كذلك كلّ ناهض ینتقل بابطاء فانّه ینوء عند نهوضه ، قال اللّه تبارك و تعالى :

لتنوء بالعصبة اُولی القوّة .

و فیه عن الجزرى فی النهایة قال : قد تكرّر ذكر النوء و الأنواء فی الحدیث و منه الحدیث : مطرنا بنوء كذا قال : و إنما غلّظ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله فی أمر الأنواء ، لأنّ

-----------
( 1 ) متعلق بسقوط ( منه ) .



ادامه مطلب


نظرات() 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-05:27 ب.ظ


حوله دوران الرحا المسرعة و یبسط الأسدان أیدیهما و یضربان الأرض بأذنابهما و ینشر النسران و الطاووسان أجنحتهما فیفزع منه الشهود و یدخلهم من ذلك رعب و لا یشهدون إلاّ بالحقّ .

و فى البحار من كتاب تنبیه الخاطر روى أنّ سلیمان بن داود علیه السّلام مرّ فی موكبه و الطیر تظلّه و الجنّ و الانس عن یمینه و عن شماله بعابد من عبّاد بنی إسرائیل فقال : و اللّه یا ابن داود لقد أتاك اللّه ملكا عظیما ، فسمعه سلیمان فقال : للتسبیحة فی صحیفة مؤمن خیر مما اعطى ابن داود و إنّ ما أعطى ابن داود تذهب و أنّ التسبیحة تبقى .

و كان سلیمان إذا أصبح تصفح وجوه الأغنیاء و الأشراف حتّى یجی‏ء إلى المساكین و یقعد معهم و یقول مسكین مع المساكین .

و من ارشاد القلوب كان سلیمان مع ما هو فیه من الملك یلبس الشعر و اذا جنّه اللّیل شدّ یدیه إلى عنقه فلا یزال قائما حتّى یصبح باكیا و كان قوته من سفایف الخوص یعملها بیده و إنما سأل الملك لیقهر ملوك الكفر .

الثانى فى بیان مداین الرس و قصة اصحابها

قال تعالى فی سورة الفرقان « و عاداً و ثمود و أصحاب الرّس » و فی سورة ق « كذّبت قبلهم قوم نوح و أصحاب الرّس » 1 قال الطبرسیّ : أی و أهلكنا عادا و ثمود و أصحاب الرّس ، و هو بئر رسّوا فیها نبیّهم أى ألقوه فیها عن عكرمة و قیل انهم كانوا أصحاب مواش و لهم بئر یقعدون علیها و كانوا یعبدون الأصنام فبعث اللّه إلیهم شعیبا علیه السّلام فكذّبوه فانهار البئر و انخسف بهم الأرض فهلكوا عن وهب .

-----------
( 1 ) الرّس البئر التى لم تطو بالحجارة و لا غیرها ( مجمع البیان ) .

[ 340 ]

و قیل الرّس قریة بالیمامة یقال لها فلج قتلوا نبیّهم فأهلكهم اللّه عن قتادة .

و قیل كان لهم نبیّ یسمّى حنظلة فقتلوه فاهلكوا عن سعید بن جبیر و الكلبی .

و قیل هم أصحاب رسّ و الرّس بئر بانطاكیة قتلوا فیها حبیبا النجار فنسبوا إلیها عن كعب و مقاتل .

و قیل أصحاب الرّس كان نساؤهم سحّاقات عن أبی عبد اللّه علیه السّلام .

و فی البحار من تفسیر علیّ بن ابراهیم أصحاب الرسّ هم الّذین هلكوا لأنّهم استغنوا الرّجال بالرّجال و النّساء بالنّساء .

و من معانی الأخبار معنى أصحاب الرّس أنّهم نسبوا إلى نهر یقال له :

الرّس من بلاد المشرق .

و قد قیل : إنّ الرّس هو البئر و إنّ أصحابه رسّوا نبیّهم بعد سلیمان بن داود علیه السّلام و كانوا قوما یعبدون شجرة صنوبرة یقال لها شاه درخت كان غرسها یافث ابن نوح فانبتت لنوح علیه السّلام بعد الطوفان و كان نساؤهم یشتغلن بالنساء عن الرّجال فعذّبهم اللّه عزّ و جلّ بریح عاصف شدید الحمرة و جعل الأرض من تحتهم حجر كبریت یتوقد و أظلّتهم سحابة سوداء مظلمة فانكفت علیهم كالقبّة جمرة تلتهب فذابت أبدانهم كما یذوب الرّصاص فی النار .

و من العرایس للثعلبی قال : قال اللّه عزّ و جلّ « و عاداً و ثمود و أصحاب الرّس » و قال « كذّبت قبلهم قوم نوح و أصحاب الرّس » اختلف أهل التفسیر و أصحاب الأقاصیص فیهم .

فقال سعید بن جبیر و الكلبی و الخلیل بن أحمد دخل كلام بعضهم فی بعض و كلّ أخبر بطائفة من حدیث : أصحاب الرّسّ بقیّة ثمود و قوم صالح و هم أصحاب البئر الّتی ذكرها اللّه تعالى فی قوله « و بئر معطّلة و قصر مشید » و كانوا بفلیج الیمامة نزولا على تلك البئر و كلّ ركیّة لم تطو بالحجارة و الآجر فهو بئر و كان لهم نبیّ یقال له حنظلة بن صفوان ، و كان بأرضهم جبل یقال له فتح مصعدا فی السماء میلا ، و كانت العنقاء تنتابه و هى كأعظم ما یكون من الطیر و فیها من كلّ

[ 341 ]

لون و سمّوها العنقآء لطول عنقها و كانت تكون فی ذلك الجبل تنقض على الطیر تأكلها ، فجاعت ذات یوم فاعوزها الطّیر فانقضت على صبیّ فذهبت به ، ثمّ إنها انقضت على جاریة حین ترعرعت فأخذتها فضمّتها إلى جناحین لها صغیرین سوى الجناحین الكبیرین ، فشكوا إلى نبیّهم فقال : اللّهمّ خذها و اقطع نسلها و سلّط علیها آیة یذهب بها ، فأصابتها صاعقة فاحترقت فلم یر لها أثر فضربتها العرب مثلا فی أشعارها و حكمها و أمثالها ثمّ إنّ أصحاب الرّس قتلوا نبیّهم فأهلكهم اللّه تعالى و قال بعض العلماء : بلغنی أنه كان رسّان .

أما أحدهما فكان أهله بدد و أصحاب غنم و مواش فبعث اللّه إلیهم نبیّا فقتلوه ثمّ بعث إلیهم رسولا آخر و عضده بولیّ فقتلوا الرّسول و جاهدهم الولیّ حتّى أفحمهم و كانوا یقولون إلهنا فی البحر و كانوا على شفیرة و كان یخرج إلیهم شیطان فی كلّ شهر خرجة فیذبحون و یتّخذونه عیدا فقال لهم الولیّ أرأیتم إن خرج إلهكم الّذی تدعونه إلىّ و أطاعنی أتجیبوننی إلى ما دعوتكم إلیه ؟ فقالوا : بلى ، و أعطوه على ذلك العهود و المواثیق .

فانتظر حتّى خرج ذلك الشیطان على صورة حوت راكبا أربعة أحوات و له عنق مستعلیة و على رأسه مثل التاج ، فلمّا نظروا إلیه خرّوا له سجّدا و خرج الولیّ إلیه فقال ائتنی طوعا أو كرها بسم اللّه الكریم ، فنزل عند ذلك عن أحواته فقال له الولیّ ائتنی علیهنّ لئلاّ یكون من القوم فی أمری شكّ فاتى الحوت و اتین به حتّى افضین به الى البرّ یجرّونه .

فكذّبوه بعد ما رأوا ذلك و نقضوا العهد فأرسل اللّه تعالى إلیهم ریحا فقذفهم فی البحر و مواشیهم جمیعا و ما كانوا یملكون من ذهب و فضّة ، فأتى الولیّ الصالح إلى البحر حتّى أخذ التبر و الفضّة و الأوانى فقسّم على أصحابه بالسویّة على الصّغیر منهم و الكبیر و انقطع هذا النسل .

و أما الاخر فهم قوم كان لهم نهر یدعى الرسّ ینسبون إلیه و كان فیهم أنبیاء كثیرة قلّ یوم یقوم نبیّ إلاّ قتل و ذلك النهر بمنقطع آذربیجان بینها و بین أرمنیّة

[ 342 ]

فاذا قطعته مدبرا دخلت فی حدّ ارمنیّة و إذا قطعته مقبلا دخلت فی حدّ آذربیجان یعبدون النیران و كانوا یعبدون الجوارى « الفذاری » فاذا تمّت لإحدیهنّ ثلاثون سنة قتلوها و استبدلوا غیرها و كان عرض نهرهم ثلاثة فراسخ ، و كان یرتفع فی كلّ یوم و لیلة حتّى یبلغ أنصاف الجبال الّتی حوله ، و كان لا ینصب فی برّ و لا بحر إذا خرج من حدّهم یقف و یدور ثمّ یرجع إلیهم .

فبعث اللّه تعالى ثلاثین نبیّا فی شهر واحد فقتلوهم جمیعا ، فبعث اللّه عزّ و جلّ نبیّا و أیّده بنصره و بعث معه ولیّا فجاهدهم فی اللّه حقّ جهاده .

فبعث اللّه تعالى إلیه میكائیل حین نابذوه و كان ذلك فی أوان وقوع الحبّ فی الزرع ، و كانوا إذ ذاك أحوج ما كانوا من الماء ، ففجر نهرهم فی البحر فانصبّت ما فی أسفله و أتى عیونه من فوق فسدّها و بعث إلیه خمسمأة ألف من الملائكة أعوانا له ففرّقوا ما بقى فى وسط النهر .

ثمّ أمر اللّه جبرئیل فنزل فلم یدع فی أرضهم عینا و لا نهرا إلاّ أیبسه بإذن اللّه عزّ و جلّ و أمر ملك الموت فانطلق إلى المواشی فأماتهم ربضة واحدة ، و أمر الریاح الأربع الجنوب و الشمال و الدّبور و الصّبا فضمت ما كان لهم من متاع و ألقى اللّه عزّ و جلّ علیهم السّبات ، ثمّ حفت الریاح الأربع المتاع أجمع فنهبته فی رؤوس الجبال و بطون الأودیة .

فأمّا ما كان من علی أو تبرأ أو آنیة فانّ اللّه تعالى أمر الأرض فابتلعته فأصبحوا و لا شاء عندهم و لا بقرة و لا مال یعودون و لا ماء یشربونه و لا طعام یأكلونه ، فآمن باللّه عند ذلك قلیل منهم و هداهم إلى غار فی جبل له طریق الى خلفه فنجوا و كانوا أحدا و عشرین رجلا و أربع نسوة و صبیّین و كان عدّة الباقین من الرّجال و النساء و الذراری ستّمأة ألف فماتوا عطشا و جوعا و لم یبق منهم باقیة .

ثمّ عاد القوم إلى منازلهم فوجدوها قد صار أعلاها أسفلها فدعا القوم عند ذلك مخلصین أن یجیهم « ینجیهم » بزرع و ماء و ماشیة و یجعله قلیلا لئلاّ یطغوا ، فأجابهم اللّه تعالى إلى ذلك لما علم من صدق نیّاتهم و علم منهم الصّدق و آلوا أن لا یبعث رسولا ممن قاربهم إلاّ أعانوه و عضدوه ، و علم اللّه منهم الصّدق فأطلق اللّه لهم نهرهم

[ 343 ]

و زادهم على ما سألوا ، فأقام اولئك فی طاعة اللّه عزّ و جلّ ظاهرا و باطنا حتّى مضوا و انقرضوا .

و حدث بعدهم من نسلهم قوم أطاعوا اللّه فی الظاهر و نافقوه فی الباطن فأملى اللّه تعالى لهم و كان علیهم قادرا ، ثمّ كثرت معاصیهم و خالفوا أولیاء اللّه تعالى فبعث اللّه عزّ و جلّ عدوّهم ممن فارقهم و خالفهم فأسرع فیهم القتل و بقیت منهم شرذمة فسلّط اللّه علیهم الطاعون فلم یبق منهم أحدا و بقى نهرهم و منازلهم مأتی عام لا یسكنها أحد ثمّ أتى اللّه بقرن بعد ذلك فنزلوها و كانوا صالحین سنین ثمّ أحدثوا فاحشة جعل الرجل بنته و اخته و زوجته فینیلها جاره و أخاه و صدیقه یلتمس بذلك البرّ و الصّلة .

ثمّ ارتفعوا من ذلك إلى نوع آخر ترك الرّجال النساء حتّى شبقن و استغنوا بالرّجال فجائت النساء شیطانهنّ فی صورة و هى الدّلهاث بنت ابلیس و هى اخت الشیصاء و كانت فی بیضة واحدة فشهت إلى النساء ركوب بعضهنّ بعضا و علمهنّ كیف یصنعن فأصل ركوب النساء بعضهنّ بعضا من الدّلهاث ، فسلّط اللّه على ذلك القرن صاعقة فی أوّل اللّیل و خسفا فی آخر اللّیل ، و صیحة مع الشمس فلم یبق منهم باقیة و بادت مساكنهم و لا احسب منازلهم الیوم تسكن .

و فى البحار من كتابی العیون و العلل عن الهمدانی عن علیّ عن أبیه عن الهروی عن الرضا علیه السّلام عن آبائه عن الحسین بن علیّ علیهم السّلام قال :

أتى علیّ بن أبی طالب علیه السّلام قبل مقتله بثلاثة أیام رجل من أشراف تمیم یقال له عمرو فقال : یا أمیر المؤمنین أخبرنی عن أصحاب الرّس فی أىّ عصر كانوا و أین كانت منازلهم و من كان ملكهم ؟ و هل بعث اللّه عزّ و جلّ إلیهم رسولا أم لا ؟

و بما ذا اهلكوا ؟ فانّى أجد فی كتاب اللّه تعالى ذكرهم و لا أجد خبرهم .

فقال له علیّ علیه السّلام لقد سألت عن حدیث ما سألنی عنه أحد قبلك و لا یحدثك به أحد بعدی إلاّ عنّی ، و ما فی كتاب اللّه عزّ و جلّ آیة إلاّ و أنا أعرف تفسیرها و فی أىّ مكان نزلت من سهل أو جبل و فی أىّ وقت من لیل أو نهار و إنّ ههنا لعلما جمّا

[ 344 ]

و أشار إلى صدره و لكن طلاّبه یسیر و عن قلیل یندمون لو فقدونی .

كان من قصّتهم یا أخا تمیم أنهم كانوا قوما یعبدون شجرة صنوبر یقال لها شاه درخت كان یافث بن نوح غرسها على شفیر عین یقال لها روشاب « دوشاب » كانت انبعت لنوح علیه السّلام بعد الطوفان ، و إنما سمّوا أصحاب الرّس لأنهم رسّوا نبیّهم فی الأرض و ذلك بعد سلیمان بن داود علیه السّلام .

و كانت لهم اثنتا عشرة قریة على شاطى‏ء نهر یقال له الرّس من بلاد المشرق و بهم سمّى ذلك النهر و لم یكن یومئذ فی الأرض نهر أغزر منه و لا أعذب منه و لا قرى أكثر و لا أعمر منها تسمّى إحدیهنّ أبان ، و الثانیة ، آذر ، و الثّالثة دى ،

و الرّابعة بهمن ، و الخامسة اسفندار ، و السادسة فروردین ، و السابعة اردى بهشت ،

و الثامنة خرداد ، و التاسعة مرداد ، و العاشرة تیر ، و الحادیعشرة مهر ، و الثانی عشرة شهریور .

و كانت أعظم مداینهم اسفندار و هی الّتی ینزلها ملكهم ، و كان تركوز بن غابور بن یارش بن شازن بن نمرود بن كنعان فرعون إبراهیم و بها العین و الصنوبرة و قد غرسوا فی كلّ قریة منها حبّة من طلع تلك الصّنوبرة ، و أجروا إلیها نهرا من العین التی عند الصنوبرة .

فنبتت الحبّة و صارت شجرة عظیمة و حرّموا ماء العین و الأنهار فلا یشربون منها و لا أنعامهم ، و من فعل ذلك قتلوه و یقولون هو حیاة آلهتنا فلا ینبغی لأحد أن ینقص من حیاتها و یشربون هم و أنعامهم من نهر الرّس الّذی علیه قراهم .

و قد جعلوا فی كلّ شهر من السنة فی كلّ قریة عیدا یجتمع إلیه أهلها ،

فیضربون علی الشجرة التى بها كلّة 1 من حریر فیها من أنواع الصّور ثمّ یأتون بشاة و بقر فیذبحونهما قربانا للشجرة و یشعلون فیها النیران بالحطب فاذا سطع دخان تلك الذبایح و قتارها فی الهواء و حال بینهم و بین النظر إلى السّماء خرّوا سجّدا یبكون و یتضرّعون إلیها أن ترضى عنهم .

-----------
( 1 ) الكلّة بالكسر الستر الرقیق یخاط كالبیت یتوقّى فیه من البقّ ( بحار ) .

[ 345 ]

فكان الشیطان یجى‏ء فیحرّك أغصانها و یصیح من ساقها صیاح الصّبی أن قد رضیت عنكم فطیبوا نفسا و قرّوا عینا فیرفعون رؤوسهم عند ذلك و یشربون الخمر و یضربون بالمعازف و یأخذون الدستبند فیكون على ذلك یومهم و لیلتهم ثمّ ینصرفون .

و انما سمّت العجم شهورها بأبان ماه و آذرماه و غیرهما اشتقاقا من أسماء تلك القرى لقول أهلها بعضهم لبعض هذا عید شهر كذا و عید شهر كذا .

حتّى اذا كان عید قریتهم العظمى اجتمع إلیها صغیرهم و كبیرهم فضربوا عند الصنوبرة و العین سرادقا من دیباج علیه من أنواع الصور و جعلوا له اثنى عشر بابا كلّ باب لأهل قریة منهم و یسجدون للصنوبرة خارجا من السرادق و یقرّبون لها الذّبایح أضعاف ما قرّبوا للشجرة الّتی فی قراهم .

فیجی‏ء ابلیس عند ذلك فیحرّك الصنوبرة تحریكا شدیدا و یتكلّم من جوفها كلاما جهوریّا و یعدهم و یمنّیهم بأكثر ما وعدتهم و منتهم الشیاطین كلّها فیرفعون رؤوسهم من السجود و بهم من الفرح و النشاط ما لا یفیقون و لا یتكلّمون من الشرب و العزف .

فیكونون على ذلك اثنى عشر یوما و لیالیها بعدد أعیادهم سایر السّنة ثمّ ینصرفون .

فلما طال كفرهم باللّه عزّ و جلّ و عبادتهم غیره بعث اللّه عزّ و جلّ إلیهم نبیّا من بنی إسرائیل من ولد یهودا بن یعقوب ، فلبث فیهم زمانا طویلا یدعوهم إلى عبادة اللّه عزّ و جلّ و معرفة ربوبیّته فلا یتّبعونه ، فلما رأى شدّة تمادیهم فی الغىّ و الضلال و تركهم قبول ما دعاهم إلیه من الرّشد و النجاح و حضر عید قریتهم العظمى قال : یا ربّ إنّ عبادك أبوا إلا تكذیبى و الكفر بك و غدوا یعبدون شجرة لا تنفع و لا تضرّ فأیبس شجرهم أجمع و أرهم قدرتك و سلطانك .

فأصبح القوم و قد یبس شجرهم كلّها فهالهم ذلك و فظع بهم و صاروا فرقتین فرقة قالت : سحر آلهتكم هذا الرجل الّذی زعم أنه رسول ربّ السماء و الأرض إلیكم لیصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى اللّه ، و فرقة قالت : لا بل غضبت آلهتكم حین

[ 346 ]

رأت هذا الرّجل یعیبها و یقع فیها و یدعوكم إلى عبادة غیرها فحجبت حسنها و بهائها لكى تغضبوا لها فتنصروا منه .

فأجمع رأیهم على قتله فاتّخذوا أنابیب طوالا من رصاص واسعة الأفواه ثمّ أرسلوها فی قرار العین إلى أعلا الماء واحدة فوق الأخرى مثل البرانج « الیراع خ » و نزحوا ما فیها من الماء ثمّ حفروا فی قرارها بئرا ضیّقة المدخل عمیقة و أرسلوا فیها نبیّهم و ألقموا فاها صخرة عظیمة ثمّ أخرجوا الأنابیب من الماء و قالوا نرجو الآن أن ترضى عنّا آلهتنا إذا رأت أنا قد قتلنا من كان یقع فیها و یصدّ عن عبادتها و دفنّاه تحت كبیرها یتشفى منه فیعود لنا نورها و نضرتها كما كان .

فبقوا عامة یومهم یسمعون أنین نبیّهم علیه السّلام و هو یقول سیدی قد ترى ضیق مكانی و شدّة كربی فارحم ضعف ركنى و قلّة حیلتى و عجّل بقبض روحى و لا تؤخّر إجابة دعوتی حتّى مات علیه السّلام .

فقال اللّه جلّ جلاله لجبرئیل : یا جبرئیل أیظنّ عبادى هؤلاء الّذین غرّهم حلمى و امنوا مكرى و عبدوا غیرى و قتلوا رسولی أن یقوموا بغضبی و یخرجوا من سلطانی كیف و أنا المنتقم ممّن عصانی و لم یخش عقابی و انی حلفت بعزّتی لأجعلنّهم عبرة و نكالا للعالمین .

فلم یرعهم فی یوم عیدهم ذلك إلاّ ریح عاصفة شدیدة الحمرة فتحیّروا فیها و ذعروا منها و تضام بعضهم إلى بعض ، ثمّ صارت الأرض تحتهم حجر كبریت یتوقّد و أظلّتهم سحابة سوداء فألقت علیهم كالقبّة جمرا یتلهّب « یلتهب خ » فذابت أبدانهم كما یذوب الرّصاص فی النّار ، فنعوذ باللّه تعالى ذكره من غضبه و نزول نقمته و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلیّ العظیم .

الترجمة

فصل دویم از این خطبه در وصیّت بتقوى و پرهیزكاریست مى‏فرماید :

وصیّت مى‏كنم شما را أى بندگان خدا بپرهیزكارى خداوندى كه پوشانیده

[ 347 ]

بشما لباس فاخر ، و واسع گردانیده بر شما أسباب معیشت را ، پس اگر احدى مى‏یافت بسوى بقا نردبانی یا از براى دفع مرگ وسیله و راهى هر آینه بودى آن شخص سلیمان بن داود علیه السّلام كه مسخّر شد از براى او پادشاهى جنّ و انسان با منصب پیغمبرى و بزرگی قرب و منزلت ، پس زمانى كه استیفا نمود طعمه خود را و استكمال كرد مدّت عمر خود را انداخت او را كمانهاى فنا بتیرهاى مرگ . و گردید شهرها از وجود او خالى و مسكنها از او معطل و وارث گردید آنها را قوم دیگر ، و بدرستى كه مر شما را در روزگارهاى سابقه هر آینه عبرتى است .

كجایند طایفه عمالقه و پسران عمالقه كجایند فراعنه و پسران فراعنه كجایند أصحاب مدینهاى رسّ كه كشتند پیغمبران را و خاموش كردند روشنائى طریقهاى مرسلین را و زنده كردند طریقهاى گردن كشان را و كجایند آنكسانى كه سیر كردند با لشگرها و غلبه كردند با هزاران قشون و جمع آوردند لشگرها و بنا كردند شهرها را .

الفصل الثالث منها

قد لبس للحكمة جنّتها ، و أخذها بجمیع أدبها ، من الإقبال علیها ، و المعرفة بها ، و التّفرّغ لها ، و هی عند نفسه ضالّته الّتی یطلبها ، و حاجته الّتی یسئل عنها ، فهو مغترب إذا اغترب الإسلام ،

و ضرب بعسیب ذنبه و ألصق الأرض بجرانه ، بقیّة من بقایا حجّته ،

خلیفة من خلائف أنبیائه .

ثمّ قال علیه السّلام :

[ 348 ]

أیّها النّاس إنّی قد بثثت لكم المواعظ الّتی وعظ بها الأنبیاء أممهم ،

و أدّیت إلیكم ما أدّت الأوصیاء إلى من بعدهم ، و أدّبتكم بسوطی فلم تستقیموا ، و حدوتكم بالزّواجر فلم تستوسقوا ، للّه أنتم أتتوّقعون إماما غیری یطأ بكم الطّریق ، و یرشدكم السّبیل ، ألا إنّه قد أدبر من الدّنیا ما كان مقبلا ، و أقبل منها ما كان مدبرا ، و أزمع التّرحال عباد اللّه الأخیار ، و باعوا قلیلا من الدّنیا لا یبقى ، بكثیر من الآخرة لا یفنى .

ما ضرّ إخواننا الّذین سفكت دمائهم و هم بصفّین ألاّ یكونوا الیوم أحیاء ، یسیغون الغصص ، و یشربون الرّنق ، قدو اللّه لقوا اللّه فوفّاهم أجورهم ، و أحلّهم دار الأمن بعد خوفهم ، أین إخوانی الّذین ركبوا الطّریق و مضوا على الحقّ ؟ أین عمّار ؟ و أین ابن التّیّهان ؟

و أین ذوا الشّهادتین ؟ و أین نظراؤهم من إخوانهم الّذین تعاقدوا على المنیّة ، و أبرد برؤوسهم إلى الفجرة .

قال : ثمّ ضرب یده على لحیته الشریفة الكریمة فأطال البكاء ثمّ قال علیه السّلام :

أوه على إخوانی الّذین تلوا القرآن فأحكموه ، و تدبّروا الفرض فأقاموه ، أحیوا السّنّة ، و أماتوا البدعة ، دعوا للجهاد فأجابوا ،

و وثقوا بالقائد فاتّبعوه ، ثمّ نادى بأعلى صوته : الجهاد الجهاد عباد

[ 349 ]

اللّه ألا و إنّی معسكر فی یومی هذا فمن أراد الرّواح إلى اللّه فلیخرج .

قال نوف و عقد للحسین علیه السّلام فی عشرة آلاف ، و لقیس بن سعد ( ره ) فی عشرة آلاف ، و لأبی أیّوب الأنصاری فی عشرة آلاف ، و لغیرهم على أعداد اخر و هو یرید الرّجعة إلى صفّین ، فما دارت الجمعة حتّى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه اللّه فتراجعت العساكر فكنّا كأغنام فقدت راعیها تختطفها الذئاب من كلّ مكان .

اللغة

( الجنّة ) بالضم نوع من السلاح ( عسیب الذّنب ) قال الشارح المعتزلی أصله و قال الفیروزآبادی : العسیب عظم الذنب أو منبت الشعر منه و ( جران ) البعیر صدره أو مقدم عنقه و ( الحدا ) سوق الابل و الغنا لها و ( الترحال ) مبالغة فی الرحلة و ( الغصص ) جمع الغصّة و هى ما یعترض فی الحلق و ( الرنق ) بالفتح و التحریك الكدر من الماء ، و فی بعض النسخ بالكسر و لا بأس به قال فی القاموس : رنق الماء كفرح و نصر رنقا و رنقا و رنوقا كدر فهو رنق كعدل و كتف و جبل .

و ( ابن التیهان ) قال الشارح بالیآء المنقوطة باثنتین تحتها المشدّدة المكسورة و قبلها تآء منقوطة باثنتین فوقها ، و قال العلاّمة المجلسی ( ره ) : و المضبوط فی أكثر النسخ بالیاء الساكنة و فتح التاء و كسرها معا ، و فى القاموس و تیّهان مشدّدة الیاء و یكسر و تیهان بالسكون .

و ( اوه ) على إخوانى بسكون الواو و كسر الهاء كلمة توجّع و فیها لغات اخر قال فی القاموس : اوه كجیر و حیث و أین واه و إوه بكسر الهاء و الواو المشدّدة واو بحذف الهاء و اوّه بفتح الواو المشدّدة و اووه بضمّ الواو واه بكسر الهاء منوّنة

[ 350 ]

واو بكسر الواو منوّنة و غیر منوّنة و أوتاه بفتح الهمزة و الواو و المثنّاة الفوقیّة و اویاه بتشدید المثناة التحتیة كلمة یقال عند الشكایة أو التوجّع اه اوها واه تاوها و تاوّه قالها . 1 و ( تختطفها ) من الاختطاف و هو أخذ الشی‏ء بسرعة و فی بعض النسخ تتخطفها

الاعراب

قوله : بقیّة خبر لمبتدء محذوف ، و قوله : للّه أنتم ، قد مضى تحقیق الكلام فیه فی شرح المختار المأة و التاسع و السبعین ، و ما فی قوله ما ضرّ إخواننا ، نافیة و یحتمل الاستفهام على سبیل الانكار ، و اخواننا بالنصب مفعول ضرّ و فاعله ألاّ یكونوا و جملة یسیغون فی محلّ النّصب صفة للاحیاء ، و الجهاد الجهاد بالنصب على الاغراء

المعنى

اعلم أنّ السیّد ( ره ) قد سلك فی هذا الفصل من الخطبة مسلك الالتقاط و أسقط صدر الكلام فالتبس الأمر فی قوله : ( قد لبس للحكمة جنّتها ) حیث اشتبه المرجع لفاعل لبس و لم یدر أنّ الموصوف بتلك الجملة و ما یتلوها من هو ، فمن ذلك فسّره كلّ على زعمه و اعتقاده .

قال العلاّمة المجلسیّ ( ره ) إنّه إشارة إلى القائم علیه السّلام و نقله الشارح المعتزلی عن الشیعة الامامیّة .

و قال الصّوفیّة إنه علیه السّلام یعنی به ولیّ اللّه فی الأرض و عندهم لا یخلو الدّنیا من الأبدال و الأولیاء .

و قالت الفلاسفة : إنّ مراده علیه السّلام به العارف .

و قالت المعتزلة : انه یرید به العالم بالعدل و التوحید و زعموا أنّ اللّه لا یخلى الامة من جماعة من المؤمنین العلماء بالتوحید و العدل و انّ الاجماع إنما یكون

-----------
( 1 ) أى قال آوه ( منه ) .

[ 351 ]

حجّة باعتبار قول أولئك ، لكنه لما تعذّرت معرفتهم بأعیانهم اعتبر اجماع الجمیع و انما الأصل قول أولئك .

قال الشّارح المعتزلی بعد نقل هذه الأقوال : و لیس یبعد أن یرید علیه السّلام به القائم من آل محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی آخر الوقت إذا خلقه اللّه تعالى و إن لم یكن الآن موجودا ، فلیس فی الكلام ما یدلّ على وجوده الآن ، و قد وقع اتّفاق الفرق من المسلمین أجمعین على أنّ الدّنیا و التكلیف لا ینقضی إلاّ علیه ، انتهى .

أقول : أما ما ذكره من كون المراد به القائم علیه السّلام فهو كما ذكره غیر بعید لظهور اتّصافه علیه السّلام بهذه الأوصاف و كونه مظهرا لها ، و أما ما زعمه كسایر المعتزلة من أنّه علیه السّلام غیر موجود الآن و انما یخلقه اللّه فی آخر الزمان فهو زعم فاسد و وهم باطل ، لقیام البراهین العقلیة و النقلیة على أنّ الأرض لو تبقى بغیر حجّة لانخسفت و ساخت ، و على أنّه لا بد من وجوده فی كلّ عصر و زمان ، و أنه إما ظاهر مشهور أو غایب مستور ، و أنّ القائم من آل محمّد صلّى اللّه علیه و آله مخلوق من غابر الزمان و موجود الآن و هو غایب مستور لمصالح مقتضیة لغیبته و الانتفاع بوجوده الشریف حال الغیبة كالانتفاع بالشمس المجلّلة للعالم المحجوبة بالسحاب .

و بعد قیام الأدلّة المحكمة على ذلك كلّه فلا یعبأ بالاستبعادات الوهمیة للمنكرین ، و الاستدلالات السخیفة الهیّنة للمبطلین على ما اشیر الیها فی كتب أصحابنا الامامیّة المؤلّفة فی الغیبة مع أجوبتها المتقنة ، و قد مضى طرف من الكلام على هذا المرام فی شرح الفصل الأوّل من المختار المأة و الثّامن و الثّلاثین فلیراجع ثمة ، هذا .

و الحكمة اسم لمجامع الخیر كلّه قال أبو البقاهى فی عرف العلماء استعمال النفس الانسانیة باقتباس العلوم النظریّة و اكتساب الملكة التامّة على الأفعال الفاضلة قدر طاقتها .

و قال بعضهم : هی معرفة الحقایق على ما هى علیه بقدر الاستطاعة و هی العلم النافع المعبّر عنها بمعرفة ما لها و معرفة ما علیها .

[ 352 ]

و قال ابن درید : كلّ ما یؤدّى إلى ما یلزمه أو یمنع من قبیح ، و قیل : ما یتضمّن صلاح النّشأتین .

و قال فی البحار : العلوم الحقّة النافعة مع العمل بمقتضاها ، قال : و قد یطلق على العلوم الفایضة من جنابه تعالى على العبد بعد العمل بما علم .

أقول : و المعانی متقاربة و الیها یرجع تفاسیره المختلفة ، فقد یفسّر بأنه معرفة اللّه و طاعته ، و قد یفسّر بأنه العلم الذی یرفع الانسان عن فعل القبیح ، و فسّر فی قوله تعالى بالحكمة و الموعظة الحسنة بالنبوّة و فی قوله : و یعلّمه الكتاب و الحكمة بالفقه و المعرفة ، و فی قوله : و یعلّمهم الكتاب و الحكمة بالقرآن و الشریعة ،

و فی قوله : یؤتى الحكمة من یشاء من عباده و من یؤتی الحكمة فقد أُوتى خیراً كثیراً و ما یذكّر إلاّ أُولوا الألباب بتحقیق العلم و إتقان العمل و فی الصافی من الكافی و تفسیر العیاشی عن الصّادق علیه السّلام فی تفسیر هذه الآیة قال : طاعة اللّه و معرفة الامام .

و عنه علیه السّلام معرفة الامام و اجتناب الكبائر التی أوجب اللّه علیها النار .

و عن العیاشی عنه علیه السّلام : الحكمة المعرفة و الفقه فی الدّین و من فقه منكم فهو حكیم .

و عن مصباح الشریعة عنه علیه السّلام الحكمة ضیاء المعرفة و میراث التقوى و ثمرة الصدق و لو قلت ما أنعم اللّه على عباده بنعمة أنعم و أعظم و أرفع و أجزل و أبهى من الحكمة لقلت ، قال اللّه یؤتى الحكمة من یشاء و من یؤت الحكمة فقد أُوتى خیراً كثیراً و ما یذكّر إلاّ أُولوا الألباب أى لا یعلم ما أودعت و هیأت فی الحكمة إلاّ من استخلصته لنفسی و خصصته بها و الحكمة هی الكتاب و صفة الحكیم الثبات عند أوائل الأمور و الوقوف عند عواقبها و هو هادى خلق اللّه إلى اللّه .

و عن الخصال عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله رأس الحكمة مخافة اللّه .

و عنه و عن الكافی عنه صلّى اللّه علیه و آله أنه كان ذات یوم فی بعض أسفاره اذ لقاه ركب فقالوا : السّلام علیك یا رسول اللّه ، فالتفت إلیهم و قال : ما أنتم ؟ فقالوا : مؤمنون ،

[ 353 ]

قال : فما حقیقة ایمانكم ؟ قالوا : الرّضا بقضاء اللّه و التسلیم لأمر اللّه و التفویض إلى اللّه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : علماء حكماء كادوا أن یكونوا من الحكمة أنبیاء فان كنتم صادقین فلا تبنوا ما لا تسكنون ، و لا تجمعوا ما لا تأكلون ، و اتّقوا اللّه الّذی إلیه ترجعون .

إذا عرفت ذلك فأقول : قوله : قد لبس للحكمة جنّتها الظاهر أنه أراد بجنّة الحكمة مخافة اللّه كما أنّ النبیّ جعلها رأسها فی روایة الخصال المتقدّمة ،

فاستعار لفظ الجنّة لها باعتبار أنّ مخافته سبحانه و وجود وصف التّقوى الموجب لقمع النفس عن الشهوات و قلعها عن العلایق و الامنیات مانع عن كون الحكمة غرضا عن الهام الهوى و عن وقوع الحكیم فی الهلاكة و الرّدى ، كما أنّ الجنّة و هو ما یستتر به السّلاح كالدّرع و نحوه مانعة للابسها عن اصابة سهام الأعداء .

فیكون محصّل المعنى أنّ ذلك الحكیم قد اتّصف بمخافة اللّه سبحانه و خشیته التی هی بمنزلة الجنّة للحكمة لأجل حفظ حكمته و كونها وقایة لها عما یصادمها كما أنّ الجنّة تحفظ الانسان عن صدمات الأعداء .

و بما ذكرنا یظهر ما فی كلام الشارح البحرانی ، فانّه قال : لفظ الجنّة مستعار فی الاستعداد للحكمة بالزهد و العبادة الحقیقین و المواظبة على العمل بأوامر اللّه ، و وجه الاستعارة أنّ بذلك الاستعداد یأمن إصابة سهام الهوى و ثوران دواعى الشهوات القائدة إلى النار كما یأمن لابس الجنّة من أذى الضرب و الجرح ، انتهى فانّ مفاده كما ترى هو أنّ لفظ الجنّة مستعار للاستعداد الحاصل من الزهد و العبادة و المواظبة على التكالیف الشرعیّة .

فیتوجّه علیه حینئذ أوّلا أنّ الاستعداد المذكور لا یكون جنّة للحكمة على ما ذكره ، إنّما یكون جنّة للانسان من الوقوع فی النار ، و ظاهر كلام الامام یفید تلبسه بجنّة الحكمة لأجل الحكمة لا لأجل نفسه .

و ثانیا أنّ الاستعداد و التهیّوء للشی‏ء قبل وجود الشی‏ء ، فلو جعل الجنّة استعارة للاستعداد للحكمة لكان مفاد كلامه علیه السّلام عدم اتّصاف الرّجل الموصوف

[ 354 ]

بالحكمة فعلا .

و بعبارة اخرى یدلّ على تلبسه و اتّصافه بالاستعداد فقط لا بالحكمة نفسها مع أنّ الغرض من الكلام الوارد فی مقام المدح إفادة اتّصافه بها و كونها حاصلا له بالفعل لا بالقوّة ، إذ كمال المدح إنما هو فی ذلك .

و یدلّ على ذلك أیضا أى على الاتّصاف بالفعل صریح قوله ( و أخذها بجمیع أدبها ) أى أخذ الحكمة على وجه الكمال و قام بآدابها ( من الاقبال علیها و المعرفة بها و التفرّغ لها ) یعنی أنّه لما علم أنه لا خصلة أعظم و أشرف و أرفع و أبهى من الحكمة و عرف أنه من یؤتها فقد أوتى خیرا كثیرا أقبل الكلّیة علیها و قصر همّته و نهمته فیها و عرف شرفها و قدرها و نفاستها و تفرّغ لها و تخلّى عن جمیع العلایق الدنیویة التی تضادّها و تنحّى عن كلّ ما سواها .

( فهى عند نفسه ضالّته الّتی یطلبها و حاجته الّتی یسأل عنها ) ذلك مثل قوله علیه السّلام فی أواخر الكتاب : الحكمة ضالّة المؤمن .

فان قلت : قوله یطلبها و یسأل عنها صریحان فی عدم حصولها له فعلا فینافی ما استظهرت آنفا من كلامه علیه السّلام السابق .

قلت : لا منافاة بینهما لأنه علیه السّلام استعار لها لفظ الضالّة و جملة یطلبها وصف للمستعار منه لا للمستعار له ، إذ من شأن الضلالة أن تطلب فهى استعارة مرشّحة لا استعارة مجرّدة ، و الجامع شدّة الشوق و فرط الرغبة و المحبّة لا الطلب كما زعمه الشارح البحرانی حیث قال استعار لها لفظ الضالّة لمكان انشاده لها و طلبه كما تطلب الضالّة من الابل ، نعم قوله علیه السّلام : یسأل عنها ظهوره فیما أفاده الشارح ، لكن تأویله على وجه یوافق ما ذكرناه سهل فتأمل ، هذا .

و لا یخفى علیك أنّ جعل الكلام من باب الاستعارة إنّما هو جریا على مذاق الشارح البحرانی ، و إلاّ فقد علمت فی دیباجة الشرح أنه من باب التشبیه البلیغ حیث ذكر المشبّه و المشبّه به و حذف الأداة فیكون الوصف بالطلب ترشیحا للتشبیه لا للاستعارة .

[ 355 ]

( فهو مغترب ) یعنی هذا الشخص یخفى نفسه و یختار العزلة ، و هو إشارة إلى غیبة القائم علیه السّلام ( إذا اغترب الاسلام ) أى إذا ظهر الجور و الفساد و صار الاسلام غریبا ضعیفا بسبب اغتراب الصلاح و السداد كما قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : بدء الاسلام غریبا و سیعود غریبا كما بدء .

ثمّ شبّه الاسلام بالبعیر البارك فی قلّة النفع و الضعف على سبیل الاستعارة بالكنایة فأثبت له لوازم المشبّه به و قال : ( و ضرب بعسیب ذنبه ) لأنّ البعیر إذا أعیى و تأذّى ضرب بذنبه ( و ألصق الأرض بجرانه ) أى مقدّم عنقه فلا یكون له تصرّف و لا نهوض ، و قلّ أن یكون له نفع حال بروكه ، هذا .

و لما وصفه علیه السّلام بلبسه لجنّة الحكمة و ایثاره العزلة و الغیبة عرّفه بأنه ( بقیّة من بقایا حجّته ) على عباده و ( خلیفة من خلائف أنبیائه ) فی بلاده ، و هذان الوصفان یقویان الظنّ بكون نظره علیه السّلام بما أورده فی هذا الفصل إلى القائم المنتظر علیه السّلام و آبائه الطاهرین علیهم السّلام .

قال الشارح المعتزلی : فان قلت : ألیس لفظ الحجّة و الخلیفة مشعرا بما یقوله الامامیّة أى كون المراد بها الامام القائم علیه السّلام .

قلت : لا لأنّ أهل التصوّف یسمّون صاحبهم حجّة و خلیفة و كذلك الفلاسفة و أصحابنا لا یمتنعون من إطلاق هذه الألفاظ على العلماء المؤمنین فی كلّ عصر لأنّهم حجج اللّه أى إجماعهم حجّة و قد استخلفهم اللّه فی أرضه لیحكموا بحكمه .

أقول : فیه أوّلا منع صحّة اطلاق حجّة اللّه و خلیفته على غیر الأنبیاء و الأوصیاء إذ العصمة منحصرة فیهم فیختصّ الحجیّة و الخلافة بهم لمكان العصمة الّتی فیهم ،

و أما غیرهم فلیس بمعصوم بالاتّفاق فلا یكون قوله و فعله حجّة ، و حجّیة إجماع العلماء أیضا باعتبار دخول قول المعصوم فی جملة أقوالهم لا من حیث إنّ كلاّ من العلماء من حیث إنّه عالم قوله حجّة .


ادامه مطلب


نظرات() 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-05:25 ب.ظ

[ 183 ] من خطبة له ع فی قدرة

اللّه و فی فضل القرآن و فی الوصیة بالتقوى الله تعالى اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْمَعْرُوفِ مِنْ غَیْرِ رُؤْیَةٍ وَ اَلْخَالِقِ مِنْ غَیْرِ مَنْصَبَةٍ خَلَقَ اَلْخَلاَئِقَ بِقُدْرَتِهِ وَ اِسْتَعْبَدَ اَلْأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ وَ سَادَ اَلْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ وَ هُوَ اَلَّذِی أَسْكَنَ اَلدُّنْیَا خَلْقَهُ وَ بَعَثَ إِلَى اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ رُسُلَهُ لِیَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا وَ لِیُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا وَ لِیَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا وَ لِیُبَصِّرُوهُمْ عُیُوبَهَا وَ لِیَهْجُمُوا عَلَیْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وَ أَسْقَامِهَا وَ حَلاَلِهَا وَ حَرَامِهَا وَ مَا أَعَدَّ اَللَّهُ لِلْمُطِیعِینَ مِنْهُمْ وَ اَلْعُصَاةِ مِنْ جَنَّةٍ وَ نَارٍ وَ كَرَامَةٍ وَ هَوَانٍ أَحْمَدُهُ إِلَى نَفْسِهِ كَمَا اِسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِهِ وَ جَعَلَ لِكُلِّ شَیْ‏ءٍ قَدْراً وَ لِكُلِّ قَدْرٍ أَجَلاً وَ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاباً فضل القرآن منها فَالْقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ حُجَّةُ اَللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ أَخَذَ عَلَیْهِ مِیثَاقَهُمْ وَ اِرْتَهَنَ عَلَیْهِمْ أَنْفُسَهُمْ أَتَمَّ نُورَهُ وَ أَكْمَلَ بِهِ دِینَهُ وَ قَبَضَ نَبِیَّهُ ص وَ قَدْ فَرَغَ إِلَى اَلْخَلْقِ مِنْ أَحْكَامِ اَلْهُدَى بِهِ فَعَظِّمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَّمَ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَمْ یُخْفِ عَنْكُمْ شَیْئاً مِنْ دِینِهِ وَ لَمْ یَتْرُكْ شَیْئاً رَضِیَهُ أَوْ كَرِهَهُ إِلاَّ وَ جَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِیاً وَ آیَةً مُحْكَمَةً تَزْجُرُ عَنْهُ أَوْ تَدْعُو إِلَیْهِ فَرِضَاهُ فِیمَا بَقِیَ وَاحِدٌ وَ سَخَطُهُ فِیمَا بَقِیَ وَاحِدٌ وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ یَرْضَى عَنْكُمْ بِشَیْ‏ءٍ سَخِطَهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ لَنْ یَسْخَطَ عَلَیْكُمْ بِشَیْ‏ءٍ رَضِیَهُ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ إِنَّمَا تَسِیرُونَ فِی أَثَرٍ بَیِّنٍ وَ تَتَكَلَّمُونَ بِرَجْعِ قَوْلٍ قَدْ قَالَهُ اَلرِّجَالُ مِنْ قَبْلِكُمْ قَدْ كَفَاكُمْ مَئُونَةَ دُنْیَاكُمْ وَ حَثَّكُمْ عَلَى اَلشُّكْرِ وَ اِفْتَرَضَ مِنْ أَلْسِنَتِكُمُ اَلذِّكْرَ الوصیة بالتقوى وَ أَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَى وَ جَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ وَ حَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ فَاتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِی أَنْتُمْ بِعَیْنِهِ وَ نَوَاصِیكُمْ بِیَدِهِ وَ تَقَلُّبُكُمْ فِی قَبْضَتِهِ إِنْ أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ وَ إِنْ أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ قَدْ وَكَّلَ بِذَلِكَ حَفَظَةً كِرَاماً لاَ یُسْقِطُونَ حَقّاً وَ لاَ یُثْبِتُونَ بَاطِلاً وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ یَتَّقِ اَللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ اَلْفِتَنِ وَ نُوراً مِنَ اَلظُّلَمِ وَ یُخَلِّدْهُ فِیمَا اِشْتَهَتْ نَفْسُهُ وَ یُنْزِلْهُ مَنْزِلَ اَلْكَرَامَةِ عِنْدَهُ فِی دَارٍ اِصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ ظِلُّهَا عَرْشُهُ وَ نُورُهَا بَهْجَتُهُ وَ زُوَّارُهَا مَلاَئِكَتُهُ وَ رُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ فَبَادِرُوا اَلْمَعَادَ وَ سَابِقُوا اَلْآجَالَ فَإِنَّ اَلنَّاسَ یُوشِكُ أَنْ یَنْقَطِعَ بِهِمُ اَلْأَمَلُ وَ یَرْهَقَهُمُ اَلْأَجَلُ وَ یُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ اَلتَّوْبَةِ فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِی مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَیْهِ اَلرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ أَنْتُمْ بَنُو سَبِیلٍ عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَیْسَتْ بِدَارِكُمْ وَ قَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالاِرْتِحَالِ وَ أُمِرْتُمْ فِیهَا بِالزَّادِ وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ لَیْسَ لِهَذَا اَلْجِلْدِ اَلرَّقِیقِ صَبْرٌ عَلَى اَلنَّارِ فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِی مَصَائِبِ اَلدُّنْیَا أَ فَرَأَیْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ اَلشَّوْكَةِ تُصِیبُهُ وَ اَلْعَثْرَةِ تُدْمِیهِ وَ اَلرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ فَكَیْفَ إِذَا كَانَ بَیْنَ طَابَقَیْنِ مِنْ نَارٍ ضَجِیعَ حَجَرٍ وَ قَرِینَ شَیْطَانٍ أَ عَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً إِذَا غَضِبَ عَلَى اَلنَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ وَ إِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَیْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ أَیُّهَا اَلْیَفَنُ اَلْكَبِیرُ اَلَّذِی قَدْ لَهَزَهُ اَلْقَتِیرُ كَیْفَ أَنْتَ إِذَا اِلْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ اَلنَّارِ بِعِظَامِ اَلْأَعْنَاقِ وَ نَشِبَتِ اَلْجَوَامِعُ حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ اَلسَّوَاعِدِ فَاللَّهَ اَللَّهَ مَعْشَرَ اَلْعِبَادِ وَ أَنْتُمْ سَالِمُونَ فِی اَلصِّحَّةِ قَبْلَ اَلسُّقْمِ وَ فِی اَلْفُسْحَةِ قَبْلَ اَلضِّیقِ فَاسْعَوْا فِی فَكَاكِ رِقَابِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا أَسْهِرُوا عُیُونَكُمْ وَ أَضْمِرُوا بُطُونَكُمْ وَ اِسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ وَ أَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ وَ خُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ لاَ تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا فَقَدْ قَالَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ إِنْ تَنْصُرُوا اَللَّهَ یَنْصُرْكُمْ وَ یُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ وَ قَالَ تَعَالَى مَنْ ذَا اَلَّذِی یُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَیُضاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِیمٌ فَلَمْ یَسْتَنْصِرْكُمْ مِنْ ذُلٍّ وَ لَمْ یَسْتَقْرِضْكُمْ مِنْ قُلٍّ اِسْتَنْصَرَكُمْ وَ لَهُ جُنُودُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ هُوَ اَلْعَزِیزُ اَلْحَكِیمُ وَ اِسْتَقْرَضَكُمْ وَ لَهُ خَزَائِنُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ هُوَ اَلْغَنِیُّ اَلْحَمِیدُ وَ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ یَبْلُوَكُمْ أَیُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جِیرَانِ اَللَّهِ فِی دَارِهِ رَافَقَ بِهِمْ رُسُلَهُ وَ أَزَارَهُمْ مَلاَئِكَتَهُ وَ أَكْرَمَ أَسْمَاعَهُمْ أَنْ تَسْمَعَ حَسِیسَ نَارٍ أَبَداً وَ صَانَ أَجْسَادَهُمْ أَنْ تَلْقَى لُغُوباً وَ نَصَباً ذلِكَ فَضْلُ اَللَّهِ یُؤْتِیهِ مَنْ یَشاءُ وَ اَللَّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِیمِ أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَ اَللَّهُ اَلْمُسْتَعانُ عَلَى نَفْسِی وَ أَنْفُسِكُمْ وَ هُوَ حَسْبُنَا وَ نِعْمَ اَلْوَكِیلُ


اللغة

( نصب ) نصبا من باب تعب أعیا و عیش ناصب و ذو منصبة فیه كدّ و جهد و نصبه الهمّ أتعبه و ( هجمت ) علیه هجوما من باب قعد دخلت على غفلة منه ، و هجمت على القوم جعلت یهجم علیهم یتعدّی و لا یتعدّى و ( المصاح ) جمع مصحّة مفعلة من الصحّة كمضار جمع مضرّة ، و الصّوم مصحّة بفتح الصاد و كسرها أى فیه صحّة أو یصحّ به و ( سخط ) سخطا من باب تعب غضب .

و ( رجع قول ) قال الشارح البحرانی أى المردد منه ، و لعلّه وهم لأنّ التردید معنى الترجیح مصدر باب التفعیل و منه ترجیع الصّوت و هو تحریكه ، و ترجیع الأذان و هو تكریر فصوله ، و فی القاموس الرجیع من الكلام المردود إلى صاحبه و الروث و كلّ مردود و لم یذكر فی معانی رجع التردید ، فالظاهر أنه بمعنى النفع من قولهم لیس له منه رجع أى نفع و فائدة قال فی القاموس : الرجع النفع و رجع كلامی فیه أفاد .

و ( یوشك ) أن یكون كذا بكسر الشین من أفعال المقاربة مضارع أو شك یفید الدنوّ من الشی‏ء ، و قال الفارابی الایشاك الاسراع ، و قال النحاة استعمال المضارع أكثر من الماضی و استعمال اسم الفاعل قلیل و قد استعملوا ماضیا ثلاثیا فقالوا و شك مثل قرب و شكا ، و فی القاموس و شك الأمر ككرم سرع كوشك و أوشك أسرع السیر كواشك و یوشك الأمر أن یكون و أن یكون الأمر و لا تفتح شینه أو لغة ردیئة

[ 376 ]

و ( رهقت ) الشی‏ء رهقا من باب تعب قربت منه ، قال أبو زید : طلبت الشی‏ء حتّى رهقته و كدت آخذه أو أخذته ، و قال : رهقته أدركته و رهقه الدّین غشیه و ( الطابق ) وزان هاجر و صاحب و رویا معا الآجر الكبیر ، و ظرف یطبخ فیه معرب تابه و الجمع طوابیق و ( الیفن ) محرّكة الشیخ الكبیر و ( لغب ) لغبا من باب قتل و تعب لغوبا أعیا و تعب .

الاعراب

الباء فی قوله علیه السّلام : بمعتبر ، للمصاحبة أو التعدیة ، و من فی قوله : من تصرّف بیانیة ، و حلالها بالجرّ عطف على تصرّف أو على أسقامها ، و قوله : و ما أعدّ اللّه ، إما عطف على معتبر أو على عیوبها ، و الى فی قوله : أحمده إلى نفسه ، لانتهاء الغایة كما فی نحو الأمر إلیك أى منته إلیك قال ابن هشام : و یقولون أحمد إلیك اللّه ، أى انهى حمده إلیك آه ، و فی قوله كما استحمد إلى خلقه ، لانتهاء الغایة أیضا أو بمعنى من كما فی قول الشاعر :

تقول و قد عالیت بالكور فوقها
أیسقى فلا یروى إلىّ ابن احمرا

أى منّى ، و من فی قوله : فعظموا منه زایدة أى عظموه ، و ما فی قوله : ما عظم مصدریة ،

و حاجته بالنصب عطف على منتهى .

و قوله : من ألسنتكم الذكر ، قال الشارح المعتزلی من متعلّقة بمحذوف دلّ علیه المصدر المتأخر ، تقدیره : و افترض علیكم الذكر من ألسنتكم .

أقول : و كأنّه نظر إلى أنّ المصدر فی تقدیر أن و الفعل ، و ان موصول حرفی لا یتقدّم معموله علیه فلا یجوز تعلّقه بنفس المصدر المذكور إلاّ أنه یتوجّه علیه أنّ الظرف و الجارّ و المجرور یتّسع فیه ما لا یتّسع فی غیره كما صرّح به المحقّقون من علماء الأدبیة ، و مثله قوله تعالى فلمّا بلغ معه السّعى فیصحّ فیهما تعلّقهما بالمصدر المذكور و لا حاجة إلى التقدیر .

و قوله : ضجیع حجر حال من اسم كان ، و على القول بأنّ كان الناقصة و أخواتها

[ 377 ]

لا تعمل فی الحال كما نسب إلى المحقّقین من علماء الأدبیّة فلا بدّ من جعل كان تامة بمعنى وجد ، و على ذلك فیكون قوله : بین طابقین ظرفا لغوا متعلّقا بكان .

و قوله : فاللّه اللّه ، نصب على الأغراء أى اتقوا اللّه ، و هذا الفعل المحذوف هو متعلّق قوله فی الصحة أى اتّقوه سبحانه فی حال الصحّة ، و قوله : قبل السقم إمّا بدل من قوله فی الصحة أو حال مؤكدة من الصحّة ، و قوله : خذوا من أجسادكم ، حرف من نشویة ، و جملة : وافق بهم رسله استیناف بیانیّ فكأنه سئل عن ثمرة الكون مع جیران اللّه فأجاب بأنّ ثمرته مرافقة الرّسل و زیارة الملائكة و غیرهما .

و قوله : و نعم الوكیل ، عطف إمّا على جملة هو حسبنا ، فیكون المخصوص محذوفا ، و إمّا على حسبنا أى هو نعم الوكیل ، فیكون المخصوص هو الضمیر المتقدّم و على التقدیرین و هو من عطف الانشاء على الاخبار و لا بأس به كما صرّح به ابن هشام و غیره .

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشریفة مسوقة للثناء على اللّه سبحانه و وصف الكتاب العزیز و موعظة المخاطبین و وعدهم بالجنّة و وعیدهم من النار و افتتحها بما هو أحقّ بالافتتاح .

فقال ( الحمد للّه ) أى الثناء و الذكر الجمیل حقّ له سبحانه و مختصّ به لاختصاص أوصاف الجمال و نعوت الكمال بذاته و أشار إلى جملة من تلك الصّفات فقال ( المعروف من غیر رؤیة ) أى معروف بالآیات ، موصوف بالعلامات ، مشهود بما أبدعه من عجایب القدرة و شواهد العظمة فی الأرضین و السّماوات ، و لیست معروفیّته كمعروفیّة الأجسام و الجسمانیّات ، و ذوى الكیفیّات و الهیئآت بأن یعرف برؤیة العیون بمشاهدة العیان لكونه تعالى شأنه منزّها عن المقابلة و الجهة و المكان ،

و غیرها من لواحق الامكان ، و انما تعرفه القلوب بحقایق الایمان على ما عرفت ذلك كلّه تفصیلا و تحقیقا فی شرح المختار التاسع و الأربعین و المختار المأة و الثّامن و السّبعین .

[ 378 ]

و ( الخالق من غیر منصبة ) یعنی أنه خالق للمخلوقات بلا آلات و أدوات فلا یلحقه ضعف و تعب و اعیاء و نصب .

و انما ( خلق الخلایق ب ) نفس ( قدرته ) الباهرة و مشیّته القاهرة المضمرة بین الكاف و النون ، فأمره إذا أراد شیئا أن یقول له كن فیكون ( و استعبد الأرباب بعزّته ) أى طلب العبودیّة من السادات و الملوك بقهره و غلبته ( و ساد العظماء بجوده ) إذ كلّ عظیم فهو بمقتضا امكانه داخر عند وجوده مفتقر إلى إفاضته وجوده .

( و هو الّذی أسكن الدّنیا خلقه ) و بثّ فیها من كلّ دابّة ( و بعث إلى الجنّ و الانس رسله ) بمقتضى اللّطف و الحكمة و واتر إلیهم أنبیائه ( لیكشفوا لهم عن غطائها ) و یرفعوا عنها سترها و حجابها و یسفروا عن وجهها نقابها ( و لیحذروهم ) منها و ( من ضرّائها ) و لیرغبوهم فی الآخرة و فی سرّائها ( و لیضربوا لهم أمثالها ) .

لأنّ أكثر الأفهام لما كانت قاصرة عن إدراك ماهیّات الأشیاء إلاّ فی موادّ محسوسة جرت عادة اللّه سبحانه و عادة رسله و أنبیائه فی تبلیغ الأحكام و بیان التكالیف و الكشف عن ماهیّات الأشیاء على ضرب الأمثال تقریبا للأفهام حسبما عرفت توضیح ذلك فی شرح الفصل الثالث من المختار المأة و الاثنین و السبعین .

و لما كان عمدة الغرض من بعث الرّسل و الأنبیاء هو جذب الناس إلى طرف الحقّ ،

و كان حصول ذلك الغرض موقوفا على التنفیر عن الدّنیا و الترغیب إلى الأخرى لا جرم أكثروا لها من الأمثال المنفرة ، فشبّهوها فی وقاحتها و قباحتها بالعجوز الهتماء الشمطآء ، و فی سرعة الفناء و الانقضاء بالظلّ الزائل و الضوء الآفل ، و فی حسن صورتها و قبیح باطنها بالحیّة اللّین مسّها و القاتل سمّها إلى غیر هذه من الأمثال المضروبة لها فی الكتاب العزیز و الأخبار و كلمات الأنبیاء و الأولیاء الأخیار ، و قد مضت جملة من تلك الأمثال فی شرح الفصل الثانی من المختار الثانی و الثمانین .

( و لیبصّروهم عیوبها ) حتّى یشاهدوا معایبها و یروا معاطبها و یعلموا أنّها و إن كانت یونق منظرها إلاّ أنها یوبق مخبرها مع تضمّنها لقرب الزیال و ازف الانتقال و علز القلق و ألم المضض و غصص الجرض .


ادامه مطلب


نظرات() 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-05:23 ب.ظ


قال فیمرّ المؤمن فلا یمرّ بشی‏ء إلاّ أضاء له حتّى ینتهى إلى أزواجه ، فیقلن و الّذی أباحنا الجنّة یا سیّدنا ما رأیناك قط أحسن منك الساعة فیقول : إنّی قد نظرت بنور ربّی الحدیث .

قال العلاّمة المجلسی ( ره ) قوله تجلّى لهم الرّب أى بأنوار جلاله و آثار رحمته و افضاله فاذا نظروا إلیه أى إلى ما ظهر لهم من ذلك و على المعنى الثانی فالمراد أنّ نور الجنّة و أهلها ابتهاج اللّه سبحانه بها و بهم أما وصفه سبحانه بالابتهاج و البهجة فلما قال الحكماء و المتكلّمون المثبتون له تعالى اللّذة العقلیّة من أنّ أجل مبتهج هو المبدء الأوّل بذاته لأنّ الابتهاج و اللّذة عبارة عن إدراك الكمال فمن أدرك كمالا فی ذاته ابتهج به و التذّ ، و كماله تعالى أجلّ الكمالات و إدراكه أقوى الادراكات فوجب أن یكون لذّاته أقوى اللّذات .

قال صدر المتألّهین : أجلّ مبتهج بذاته هو الحقّ الأوّل ، لأنه أشدّ إدراكا لاعظم مدرك له الشرف الأكمل و النور الأنور و الجلال الأرفع ، و هو الخیر المحض و بعده فی الخیریّة و الوجود و الادراك هو الجواهر العقلیّة و الأرواح النوریّة و الملائكة القدسیّة المبتهجون به تعالى ، و بعد مرتبتهم مرتبة النفوس البشریّة و السعداء من أصحاب الیمین على مراتب ایمانهم باللّه .

و أما المقرّبون من النفوس البشریّة و هم أصحاب المعارج الروحانیّة فحالهم فی الآخرة كحال الملائكة المقرّبین فی العشق و الابتهاج به تعالى .

إذا عرفت ذلك ظهر لك أنّ ابتهاج اللّه بمخلوقاته راجع إلى ابتهاجه بذاته ،

لأنه لما ثبت أنه أشدّ مبتهج بذاته لما له من الشرف و الكمال كان ذاته أحبّ الأشیاء إلیه ، و كلّ من أحبّ شیئا أحبّ جمیع أفعاله و آثاره لاجل ذلك المحبوب ، و كلّ ما هو أقرب إلیه فهو أحبّ الیه و ابتهاجه به أكمل .

فثبت بذلك أنّ اللّه سبحانه مبتهج بالجنّة و أهلها لأنها دار كرامته و رحمته و أقرب المجعولات إلیه ، و كذلك أهلها لأنهم مقرّبو حضرته و محبوبون إلیه و مكرّمون لدیه كما أنهم مبتهجون به سبحانه و محبّون إیّاه .

[ 394 ]

و أما أنّ بهجته تعالى نور لها أى لأهلها فلكون محبّته و ابتهاجه سببا لاستنارة نفوسهم بما یفاض علیهم من الأنوار الملكوتیّة الّتی تغشى أبصار البصایر و یستغرق فی الابتهاج بها الأولیاء المقرّبون ، و على ذلك فتسمیة البهجة بالنور من باب تسمیة السبب باسم المسبّب ، هذا .

و انما خصّ بهجته بالذكر لأنها حسبما عرفت ملازمة للمحبّة ، و محبّته تعالى لهم و رضوانه عنهم أعظم الخیرات و أفضل الكمالات .

روى فی البحار عن العیاشی عن ثویر عن علیّ بن الحسین علیهما السّلام قال : إذا صار أهل الجنّة فی الجنّة و دخل ولیّ اللّه إلى جنانه و مساكنه ، و اتكى كلّ مؤمن منهم أریكته حفّته خدّامه و تهدّلت علیه الثمار و تفجّرت حوله العیون و جرت من تحته الأنهار و بسطت له الزّرابی ، و صففت له النمارق و أتته الخدّام بما شائت شهوته من قبل أن یسألهم ذلك قال : و یخرج علیهم الحور العین من الجنان فیمكثون بذلك ما شاء اللّه ، ثمّ إنّ الجبّار یشرف علیهم فیقول لهم : أولیائی و أهل طاعتی و سكان جنّتی فی جواری ألا هل انبئكم بخیر مما أنتم فیه ؟ فیقولون : ربّنا و أىّ شی‏ء خیر مما نحن فیه ؟ نحن فیما اشتهت أنفسنا و لذّت أعیننا من النعم فی جوار الكریم ، قال :

فیعود علیهم بالقول ، فیقولون : ربّنا نعم ، فأتنا بخیر مما نحن فیه ، فیقول لهم تبارك و تعالى : رضاى عنكم و محبّتی لكم خیر و أعظم مما أنتم فیه ، فیقولون : نعم یا ربّنا رضاك عنّا و محبّتك لنا خیر لنا و أطیب لأنفسنا ، ثمّ قرء علیّ بن الحسین علیه السّلام هذه الآیة « وعد اللَّه المؤمنین و المؤمنات جنّات تجری من تحتها الأَنهار خالدین فیها و مساكن طیّبة فی جنّات عدن و رضوان من اللَّه أكبر ذلك هو الفوز العظیم » .

( و زوّارها ملائكته ) یعنی أنّ الملائكة یزورون ساكنیها تعظیما لهم و تشریفا و تكریما حسبما عرفت الاشارة إلیه فی الروایة الّتی رویناها من روضة الكافی فی شرح الفصل التاسع من المختار الأول .

( و رفقاؤها رسله ) كما قال عزّ من قائل « و من یطع اللَّه و الرّسول فاُولئك مع الّذین أنعم اللَّه علیهم من النّبیّین و الصّدیقین و الشهداء و الصالحین و حسن اُولئك رفیقاً »

[ 395 ]

رغب اللّه تعالى و كذا أمیر المؤمنین أهل الطاعة و التّقوى بهذا الوعد و ما أحسنه من وعد و هو كونهم رفیق النّبیین الّذینهم فی أعلا علّیین و الصدّیقین الّذین صدقوا فی أقوالهم و أفعالهم ، و الشهداء المقتول أنفسهم و أبدانهم بالجهاد الأكبر و الأصغر و الصالحین الّذین صلحت حالهم و استقامت طریقتهم .

روى فی الصّافی من الكافی عن الصادق علیه السّلام : المؤمن مؤمنان : مؤمن وفى للّه بشروطه الّتی اشترطها علیه فذلك مع النّبیین و الصدّیقین و الشهداء و الصّالحین و حسن اولئك رفیقا ، و ذلك ممّن یشفع و لا یشفع له ، و ذلك ممّن لا یصیبه أهوال الدّنیا و لا أهوال الآخرة ، و مؤمن زلّت به قدم فذلك كخامة الزرع كیفما كفته الریح انكفى ، و ذلك ممّن یصیبه أهوال الدّنیا و أهوال الآخرة و یشفع له و هو على خیر .

و فیه من الكافی و العیاشی عن الصّادق علیه السّلام لقد ذكركم اللّه فی كتابه فقال :

« اُولئك مع الّذین أنعم اللَّه » الآیة ، فرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی الآیة النبیّون و نحن فی هذا الموضع الصدّیقون و الشهداء و أنتم الصّالحون فتسمّوا بالصّلاح كما سمّاكم اللّه ، هذا .

و لجزالة هذا الوعد أعنى مرافقة النّبیین عقّب اللّه تعالى قوله « و حسن اُولئك رفیقاً » بقوله « ذلك الفضل من اللَّه و كفى باللَّه علیما » و قد مضى بعض الكلام فی وصف الجنّة و نعیمها فی شرح الفصل الثالث من المختار الثامن و المأة ، رزقنا اللّه نیلها بمنّه و جوده .

ثمّ إنه علیه السّلام لما أمر بالتقوى و نبّه على فضلها و عظم ما یترتّب علیها من الثمرات الدّنیویّة و الأخرویّة رتّب علیه قوله ( فبادروا المعاد و سابقوا الآجال ) أى سارعوا إلى المعاد بالمغفرة و التّقوى لأنّها خیر الزّاد و استبقوا إلى الآجال بالخیرات و صالح الأعمال .

و المراد بالمعاد هو العود إلى الفطرة الاولى بعد الانتقال منها و النزول إلى الدّنیا فالاشارة إلى الابتداء بقوله تعالى « فطرة اللَّه الّتی فطر الناس علیها » « و قد خلقتك من قبل و لم تك شیئاً » و الاشارة إلى الانتهاء « كلّ شی‏ء هالك إلاّ وجهه »

[ 396 ]

« و كلّ من علیها فان و یبقى وجه ربّك ذی الجلال و الاكرام » فالبدو و الرّجوع متقابلان قال تعالى « كما بدءنا أوّل خلق نعیده » فالعدم الخاصّ الأوّل للانسان هو الجنّة الّتی كان فیها أبونا آدم علیه السّلام و أمّنا حوّا ، و الوجود بعد العدم هو الهبوط منها إلى الدّنیا « اهبطوا منها جمیعاً » و العدم الثانی من هذا الوجود هو الفناء فی التّوحید ، و الأوّل هو النزول و الهبوط ، و الثانی هو العروج و الصّعود ، و البدایة النزول عن الكمال إلى النقص ، و النهایة المعاد من النقصان إلى الكمال و الیه الاشارة بقوله « ارجعی إلى ربّك راضیة مرضیّة فادخلی فی عبادی و ادخلی جنّتی » هذا .

و لما أمر علیه السّلام بالمبادرة إلى المعاد و المسابقة إلى الآجال علّله بقوله ( فانّ الناس یوشك أن ینقطع بهم الأمل و یرهقهم الأجل ) یعنی أنه تقریب انقطاع آمالهم الخادعة و مفاجاة آجالهم المستورة ( و ) أن ( یسدّ عنهم باب ) الانابة و ( التوبة ) و من كان هذا شأنه فلا بدّ أن یتّقى ربّه و ینصح نفسه و یقدّم توبته و یغلب شهوته و یستغفر من خطیئته و یستقیل من معصیته ، فانّ أجله مستور عنه و أمله خادع له ،

و الشیطان موكّل به یزیّن له المعصیة لیركبها و یمّنیه التوبة لیسوّفها حتّى یهجم منیته علیه أغفل ما یكون علیها .

( فقد أصبحتم فی مثل ما سأل إلیه الرّجعة من كان قبلكم ) أى أصبحتم فی حال الحیاة و الصحّة و سلامة المشاعر و القوى و البنیة و سایر الأسباب الّتی یتمنّى من كان قبلكم الرجعة إلیها لتدارك ما فات و اصلاح الزلاّت و الهفوات ، و قال : « ربّ ارجعون لعلیّ أعمل صالحاً فیما تركت » ، و لكنّهم قد حیل بینهم و بین ما یشتهون و قیل كلاّ إنها كلمة هو قائلها و من ورائهم برزخ إلى یوم یبعثون .

فالآن و الخناق مهمل ، و الروح مرسل ، فی راحة الأجساد ، و باحة الاحتشاد و انتظار التوبة ، و انفساح الحوبة ، لا بدّ من اغتنام الفرصة و الانابة من الخطیئة قبل الضنك و الضیق ، و الرّوع و الزهوق ، و قبل أن یروع من الرّجعة و یعظم الحسرة

[ 397 ]

( و أنتم بنو سبیل على سفر من دار لیست بداركم ) شبّههم بأبناء السبیل تنبیها على أنّ كونهم فی هذه الدّار بالعرض و أنّ وطنهم الأصلی هو الدّار الآخرة و أنهم مسافرون إلیها .

( و ) قوله ( قد أوذنتم منها بالارتحال و أمرتم فیها بالزاد ) قد تقدّم فی شرح المختار الثالث و الستّین و غیره توضیح معنى الفقرة الأولى ، و مرّ غیر مرّة أنّ المراد بالزاد الّذی أمروا بأخذها هو التقوى قال عزّ و جلّ « و تزوّدوا فانّ خیر الزّاد التّقوى » و الغرض من هاتین الفقرتین و سابقتهما التنفیر عن الدّنیا و الترغیب إلى الأخرى و تنبیه المخاطبین من نوم الغفلة و الجهالة و إرشادهم إلى الاستعداد و تهیئة الزاد لسلوك مسالك الآخرة .

و بیان ذلك بلسان الرمز و الاشارة أنّ للّه تعالى عالمین : عالم الدّنیا و عالم الآخرة و نشأتین : الغیب و الشهادة و الملك الملكوت ، و أنّ الناس فی مبدء تكوّنهم مخلوقون من موادّ العالم الأسفل و لهم الارتقاء بحسب الفطرة الأولى الّتی فطر الناس علیها إلى جوار اللّه سبحانه قاله سبحانه برحمته و عنایته ، خلق الأنبیاء و بعثهم لیكونوا هداة الخلق إلى معادهم و قوادهم فی السفر إلیه و سابقوهم إلى منازلهم ، كرؤساء القوافل و أنزل الكتب لیعلّمهم و یبیّن لهم كیفیّة السفر و الارتحال و أخذ الزاد و الراحلة و تعریف الأحوال عند الوصول إلى منازلهم فی الآخرة .

و الخلق ما داموا فی الدّنیا و لم یصلوا إلى أوطانهم الأصلیّة ، فهم فی الظلمات على حالات متفاوتة مختلفة ، فمنهم نائمون ، الناس نیام إذا ماتوا انتبهوا ، الدّنیا منام و العیش فیها كالأحلام ، و منهم موتى لقوله تعالى « أموات غیر أحیاء » .

فمن مات عن هذه الحیاة المجازیة الموسومة باللّعب و اللّهو كما قال تعالى « إنما الحیوة الدّنیا لعب و لهو » فقد انتبه عن نوم الغفلة و حىّ بالحیاة الأبدیّة .

فانّ الموت على ضربین أحدهما الارادى المشار إلیه بقوله علیه السّلام : موتوا قبل أن تموتوا ، و الآخر الطبیعی و إلیه الاشارة بقوله تعالى : « أینما تكونوا یدرككم الموت » .

[ 398 ]

فكلّ من مات بالموت الارادى أى قلع قلبه عن العلایق و الامنیّات و نهى نفسه عن الهوى و الشهوات فقد حىّ بالحیاة السّرمدیّة الطبیعیّة .

قال أفلاطن : مت بالارادة تحیى بالطبیعة ، و كلّ من مات بالموت الطبیعی فقد هلك هلاكا أبدیّا عقلا و ضلّ ضلالا بعیدا و من كان فی هذه أعمى فهو فی الآخرة أعمى و أضلّ سبیلا ، هذا .

و لما أمر علیه السّلام بالتقوى و بشّر بما رتّب علیها من الثواب و حسن المآب أردف ذلك بالانذار و الوعید من ألیم السخط و العذاب فقال ( و اعلموا أنه لیس لهذا الجلد الرقیق صبر على النار ) الّتی قعرها بعید ، و حرّها شدید ، و شرابها صدید ، و عذابها جدید ، و مقامعها حدید ، لا یفتر عذابها ، و لا یموت ساكنها ، كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غیرها لیذوقوا العذاب إنّ اللّه كان عزیزا حكیما .

روى فی البحار من تفسیر علیّ بن إبراهیم عن ابن أبی عمیر عن أبى بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قلت له : یا بن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله خوّفنی فانّ قلبی قد قسى ، فقال : یا با محمّد استعد للحیاة الطویلة ، فانّ جبرئیل جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و هو قاطب و قد كان قبل ذلك یجى‏ء و هو متبسّم ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یا جبرئیل جئتنی الیوم قاطبا فقال : یا محمّد قد وضعت منافخ النار ، فقال صلّى اللّه علیه و آله : و ما منافخ النار یا جبرئیل ؟ فقال :

یا محمّد إنّ اللّه عزّ و جلّ أمر بالنّار فنفخ علیها ألف عام حتّى ابیضّت ، ثمّ نفخ علیها ألف عام حتّى احمرّت ، ثمّ نفخ علیها ألف عام حتّى اسودّت ، فهى سوداء مظلمة لو أنّ قطرة من الضریع قطرت فی شراب أهل الدنیا لمات أهلها من نتنها ، و لو أنّ حلقة واحدة من السلسلة الّتی طولها سبعون ذراعا وضعت على الدّنیا لذابت الدّنیا من حرّها ، و لو أنّ سربالا من سرابیل أهل النار علّق بین السماء و الأرض لمات أهل الدّنیا من ریحه .

قال علیه السّلام فبكى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و بكى جبرئیل ، فبعث اللّه إلیهما ملكا فقال لهما : ربكما یقرئكما السلام و یقول قد امنتكما أن تذنبا ذنبا اعذّبكما علیه فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام : فما رأى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم جبرئیل متبسّما بعد ذلك .

[ 399 ]

ثمّ قال : إنّ أهل النار یعظمون النّار ، و إنّ أهل الجنّة یعظمون الجنّة و النعیم و إنّ جهنّم إذا دخلوها هووا فیها مسیرة سبعین عاما فاذا بلغوا علاها قمعوا بمقامع الحدید ، فهذه حالهم و هو قول اللّه عزّ و جلّ كلّما أرادوا أن یخرجوا منها من غمّ أعیدوا فیها و ذوقوا عذاب الحریق » ثمّ تبدّل جلودهم غیر الجلود الّتی كانت علیهم ، قال أبو عبد اللّه علیه السّلام حسبك ؟ قلت : حسبی حسبى .

( فارحموا نفوسكم ) إلى مصیر هذه النّار الّتی علمت وصفها و عرفت حال أهلها ( فانّكم قد جرّبتموها فی مصائب الدّنیا ) و لم تصبروا على أهون مصائبها و أحقر آلامها ( أفرأیتم جزع أحدكم من الشوكة تصیبه و العثرة تدمیه و الرّمضاء ) أى الأرض الشدیدة الحرارة ( تحرقه فكیف ) حاله و تحمّله ( إذا كان بین طابقین من نار ) یغشیهم العذاب من فوقهم و من تحت أرجلهم و یقول ذوقوا ما كنتم تعملون ( ضجیع حجر ) أشیر إلیه فی قوله : وقودها الناس و الحجارة قال ابن عبّاس و ابن مسعود : إنّها حجارة الكبریت لأنّها أحرّ شی‏ء إذا احمیت و قیل إنهم یعذّبون بالحجارة المحمیة بالنّار .

( و قرین شیطان ) و هو المشار إلیه فی قوله سبحانه و من یعش عن ذكر الرحمن نقیض له شیطانا فهو له قرین ، و قال قرینه ربّنا ما أطغیته و لكن كان فی ضلال بعید قال ابن عباس و غیره : أى شیطانه الّذی أغواه و إنما سمّى قرینه لأنه یقرن به فی العذاب .

و فی البحار من تفسیر علیّ بن إبراهیم فی روایة أبی الجارود عن أبی جعفر علیه السّلام فی قوله تعالى و إذا النفوس زوّجت قال علیه السّلام أما أهل الجنّة فزوّجوا الخیرات الحسان و أما أهل النار فمع كلّ إنسان منهم شیطان یعنی قرنت نفوس الكافرین و المنافقین بالشیاطین فهم قرناؤهم .

( أعلمتم أنّ مالكا ) و هو اسم مقدّم خزنة النار و الملائكة الموكّلین لأمرها قال تعالى علیها ملائكة غلاظ شداد روى عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أنه قال : و الّذی نفسى

[ 400 ]

بیده لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنّم بألف عام فهم كلّ یوم یزدادون قوّة إلى قوّتهم .

و فی البحار من تفسیر علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن ابن أبی عمیر عن هشام بن سالم عن الصّادق علیه السّلام فی خبر المعراج قال : قال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله : فصعد جبرئیل و صعدت حتّى دخلت سماء الدّنیا فما لقینی ملك إلاّ و هو ضاحك مستبشر حتّى لقینی ملك من الملائكة لم أر أعظم خلقا منه كریه المنظر ظاهر الغضب فقال لی مثل ما قالوا من الدّعا إلاّ أنّه لم یضحك و لم أر فیه الاستبشار ما رأیت ممّن ضحك من الملائكة فقلت : من هذا یا جبرئیل ؟ فانّى قد فزعت منه ، فقال : یجوز أن تفزع منه فكلّنا نفزع منه إنّ هذا مالك خازن النار لم یضحك قط و لم یزل منذ ولاه اللّه جهنّم یزداد كلّ یوم غضبا و غیظا على أعداء اللّه و أهل معصیته فینتقم اللّه به منهم و لو ضحك إلى أحد كان قبلك أو كان ضاحكا إلى أحد بعدك لضحك إلیك ، و لكنّه لا یضحك فسلّمت علیه فردّ السلام علىّ و بشّرنی بالجنّة .

فقلت لجبرئیل و جبرئیل بالمكان الّذی وصفه اللّه « مطاع ثمّ أمین » : ألا تأمره أن یرینی النار ؟ فقال له جبرئیل : یا مالك أر محمّدا صلّى اللّه علیه و آله النار ، فكشف منها غطائها و فتح بابا منها فخرج منها لهب ساطع فی السّماء و فارت و ارتفعت حتّى ظننت لیتناولنى مما رأیت ، فقلت : یا جبرئیل قل له : فلیرد علیها غطائها ، فأمرها فقال لها : ارجعى فرجعت إلى مكانها الّذی خرجت منه ، الحدیث ، فقد علم به زیادة قوّته و شدّة غیظه و غضبه .

( إذا غضب على النار حطم بعضها بعضا لغضبه ) أى أكله أو كسره و منه الحطمة اسم من أسماء جهنم قال تعالى لینبذنّ فی الحطمة أى لیطرحنّ فیها قال مقاتل و هى تحطم العظام و تأكل اللحوم حتّى تهجم على القلوب و لتفخیم أمرها قال تعالى و ما أدریك ما الحطمة نار اللَّه الموقدة المؤجّجة أضافها سبحانه إلى نفسه لیعلم أنها لیست كنیران الدّنیا .

« ج 25 »

[ 401 ]

( و اذا زجرها توثّبت بین أبوابها جزعا من زجرته ) و لمّا حذّر من أهوال الجحیم و أفزعهم بذكر وصف مالك خازنها حذّرهم بأسلوب آخر و أیّهم بقوله :

( أیّها الیفن ) أى الشیخ ( الكبیر الّذی قد لهزه ) أى خالطه ( القتیر ) و المشیب ، و تخصیصه بالخطاب من بین سایر المخاطبین لكونه أولى بالحذر و الاقلاع عن المعصیة و الخطاء لاشراف عمره على الزوال و الانقضاء و قرب تورّطه فی ورطات الاخرى .

( كیف أنت ) استفهام على سبیل التقریر تقریعا على المعصیة ( إذا التحمت ) أى التصقت و انضمّت ( أطواق النار بعظام الأعناق ) كما قال تعالى فسوف یعلمون إذ الاغلال فی أعناقهم و السّلاسل یسحبون فی الحمیم ثمّ فی النّار یسجرون .

( و نشبت الجوامع ) أى علقت الأغلال الجامعة بین الأیدی و الأعناق ( حتّى أكلت لحوم السّواعد ) قال تعالى فی سورة الرّحمن یعرف المجرمون بسیماهم فیؤخذ بالنواصی و الأقدام قال الطبرسیّ أى تأخذهم الزّبانیة فیجتمع بین نواصیهم و أقدامهم بالغلّ ، و فی سورة الفرقان و إذا اُلقوا منها مكاناً ضیّقا مقرّنین دعوا هنالك ثبوراً لا تدعوا الیوم ثبوراً واحدا و ادعوا ثبوراً كثیراً قال الطبرسیّ مقرّنین أى مصفّدین قرنت أیدیهم إلى أعناقهم فی الأغلال .

( فاللّه اللّه ) أى اتّقوه سبحانه یا ( معشر العباد و أنتم سالمون فی الصحّة قبل السقم ) أى فی زمان صحّتكم قبل أن ینزل بكم السّقم ( و فی الفسحة قبل الضیق ) أى فى سعة الأعمار قبل أن تبدل بالضیق ( فاسعوا فی فكاك رقابكم ) من النّار بالتوبة و التقوى ( من قبل أن تغلق رهائنها ) أصل غلق الرّهن عبارة عن بقائه فی ید المرتهن لا یقدر راهنه على انتزاعه .

قال ابن الاثیر و كان من فعل الجاهلیّة أنّ الراهن إذا لم یؤدّ ما علیه فی الوقت المعیّن ملك المرتهن الرّهن فأبطله الاسلام .

إذا عرفت ذلك فأقول : إنّ ذمم المكلّفین لكونها مشغولة بالتكالیف الشرعیّة المطلوبة منهم فكأنّها رهن علیها ، و كما أنّ انتزاع الرّهن من ید المرتهن و التمكّن من التّصرف فیه موقوف على أداء الدّین ، فكذلك تخلیص الرّقاب موقوف على

[ 402 ]

الخروج من عهدة التكالیف ، فمن أجل ذلك أمر علیه السّلام بالسّعى فی فكاكها و استخلاصها و على ذلك فالاضافة فی رهائنها من قبیل إضافة المشبّه به إلى المشبّه و ذكر الغلق ترشیح للتشبیه .

و لما أمر بالسّعى فی الفكاك إجمالا أشار إلى ما به یحصل الفكّ تفصیلا و لكمال الاتّصال بین الجملتین ترك العاطف فقال :

( أسهروا عیونكم ) أى بالتهجّد و صلاة اللّیل و سایر النوافل و قد تقدّم بعض الأخبار فی فضلها فی شرح الفصل السادس من المختار الثانی و الثمانین .

و أقول هنا مضافا إلى ما سبق : روى الصّدوق فی ثواب الأعمال عن عبد اللّه بن سنان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : شرف المؤمن صلاة اللّیل و عزّ المؤمن كفّه عن النّاس .

و فیه عن معاویة بن عمار عن بعض أصحابه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : علیكم بصلاة اللّیل فانها سنّة نبیّكم و دأب الصالحین قبلكم و مطردة الداء عن أجسادكم .

و بهذا الاسناد قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام صلاة اللّیل تبیض الوجه و صلاة اللّیل تطیب الرّیح ، و صلاة اللّیل تجلب الرّزق .

و فیه عن أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : حدّثنی أبی عن جدّی عن آبائه عن علیّ علیهم السّلام قال : قیام اللّیل مصحّة للبدن ، و رضاء الرّبّ ، و تمسّك بأخلاق النبیّین ، و تعرّض لرحمة اللّه تعالى .

و عن إبراهیم بن عمرو رفعه إلى أبی عبد اللّه فی قول اللّه عزّ و جلّ إنَّ الحسنات یذهبن السیئآت قال : صلاة المؤمن باللّیل تذهب بما عمل من ذنب بالنهار .

و فیه عن أبیه قال : حدّثنی سعد بن عبد اللّه عن سلمة بن الخطاب عن محمّد بن اللیث عن جعفر بن إسماعیل عن جعفر بن محمّد عن أبیه علیهما السّلام أنّ رجلا سأل أمیر المؤمنین علیه السّلام عن قیام اللّیل بالقرآن ، فقال له علیه السّلام ابشر :

من صلّى من اللّیل عشر لیله للّه مخلصا ابتغاء ثواب اللّه « یقول اللّه ظ » عزّ و جلّ لملائكته اكتبوا لعبدی هذا من الحسنات عدد ما انبت من النباتات فی النیل « اللّیل خ » من حبّة

[ 403 ]

و ورقة و شجرة و عدد كلّ قصبة و خوطة 1 و مرعى .

و من صلّى تسع لیله أعطاه اللّه عشر دعوات مستجابات و أعطاه كتابه بیمینه یوم القیامة .

و من صلّى ثمن لیله أعطاه اللّه عزّ و جلّ أجر شهید صابر صادق النیّة و شفع فی أهل بیته .

و من صلّى سبع لیله خرج من قبره یوم القیامة و وجهه كالقمر لیلة البدر حتّى یمرّ على الصراط مع الآمنین .

و من صلّى سدس لیله كتب مع الأوّابین و غفر له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر .

و من صلّى خمس لیله زاحم إبراهیم خلیل اللّه فی قبّته .

و من صلّى ربع لیله كان أوّل الفایزین حتّى یمرّ على الصّراط كالرّیح العاصف و یدخل الجنّة بغیر حساب .

و من صلّى ثلث لیله لم یلق ملكا « لم یبق ملك خ » إلاّ غبطه بمنزلته من اللّه عزّ و جلّ و قیل له ادخل من أىّ أبواب الجنّة الثّمانیة شئت .

و من صلّى نصف لیله فلو اعطى ملاء الأرض ذهبا سبعین ألف مرّة لم یعدل أجره ، و كان له بذلك أفضل من سبعین رقبة یعتقها من ولد إسماعیل .

و من صلّى ثلثى لیله كان له من الحسنات قدر رمل عالج أدناها حسنة أثقل من جبل أحد عشر مرّات .

و من صلّى لیلة تامّة تالیا لكتاب اللّه عزّ و جلّ ذكره راكعا و ساجدا و ذاكرا اعطى من الثواب أدناها أن یخرج من الذّنوب كما ولدته أمّه و یكتب له عدد ما خلق اللّه من الحسنات و مثلها درجات ، و یبثّ النور فی قبره و ینزع الاثم و الحسد من قلبه ، و یجار من عذاب القبر و یعطى براءة من النار و یبعث من الآمنین و یقول الرّب تبارك و تعالى لملائكته : ملائكتی انظروا إلى عبدی أحیى لیله ابتغاء مرضاتی أسكنوه الفردوس و له فیها مأة ألف مدینة فی كلّ مدینة جمیع ما یشتهى الأنفس

-----------
( 1 ) الخوط بالضمّ الغصن الناعم أو كلّ قصب ( ص ) .

[ 404 ]

و تلذّ الأعین و ما لا یخطر على بال سوى ما أعددت له من الكرامة و المزید و القربة .

( و أضمروا بطونكم ) أى بالصیام و الجوع و قد مضى الأخبار فی فضل الصوم فی شرح المختار المأة و التاسع ( و استعملوا أقدامكم ) أى فی القیام إلى الصلوات أو مطلق القربات كاستعمالها فی تشییع الجنایز و السّعى إلى المساجد و المشى إلى المشاهد المشرّفة و نحوها .

روى فی ثواب الأعمال باسناده عن الأصبغ بن نباتة قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام : إنّ اللّه عزّ و جلّ لیهمّ أن یعذّب أهل الأرض جمیعا حتّى لا یتحاشى منهم أحدا إذا عملوا بالمعاصی و اجترحوا السیئات ، فاذا نظر إلى الشیّب ناقلى أقدامهم إلى الصّلاة و الولدان یتعلّمون القرآن رحمهم فأخّر ذلك عنهم .

( و أنفقوا أموالكم ) أى فی الزكاة و الصدقات و صنایع المعروف ، و قد عرفت فضل هذه كلّها فی شرح المختار المأة و التاسع أیضا ( و خذوا من أجسادكم فجودوا بها على أنفسكم ) و هو كنایة عن إتعاب الأبدان و إذابتها بالعبادات و الرّیاضات و سلوك مسالك الخیرات ، و معلوم أنّ الأخذ من الأجساد بهذه القربات جود بها على النفوس و لذلك قال : جودوا بها علیها ( و لا تبخلوا بها عنها ) ثمّ اشتشهد على ما رامه بكلام الحقّ سبحانه و قال :

( فقد قال اللّه سبحانه ) فی سورة محمّد صلّى اللّه علیه و آله ( إن تنصروا اللّه ینصركم و یثبّت أقدامكم ) قال فی مجمع البیان أى إن تنصروا دین اللّه و نبیّ اللّه بالقتال و الجهاد ینصركم على عدوّكم و یثبّت أقدامكم إى یشجعكم و یقوى قلوبكم لتثبتوا ، و قیل :

ینصركم فی الآخرة و یثبّت أقدامكم عند الحساب و على الصراط ، و قیل : ینصركم فی الدّنیا و الآخرة و یثّبت أقدامكم فی الدّارین و هو الوجه .

قال قتاده : حقّ على اللّه أن ینصر من نصره لقوله : إن تنصروا اللّه ینصركم و أن یزید من شكره لقوله : لئن شكرتم لأزیدنّكم ، و أن یذكر من ذكره لقوله :

فاذكرونی أذكركم .

[ 405 ]

( و قال ) فی سورة الحدید ( من ذا الّذی یقرض اللّه قرضاً حسناً فیضاعفه له و له أجر كریم ) و نحوه فی سورة البقرة إلاّ أنّ فیها بدل قوله : و له أجر كریم :

أضعافا كثیرة .

قال فی مجمع البیان : ثمّ حث اللّه سبحانه على الانفاق فقال من ذا الّذى یقرض اللَّه أى ینفق فی سبیل اللّه و طاعته ، و المراد به الأمر « قرضاً حسناً » و القرض الحسن أن ینفق من حلال و لا یفسده بمنّ و لا أذى ، و قیل : هو أن یكون محتسبا طیّبا به نفسه ، و قیل : هو أن یكون حسن الموقع عند الانفاق فلا یكون خسیسا ،

و الأولى أن یكون جامعا لهذه الأمور كلّها فلا تنافی بینها « فیضاعفه له » أى یضاعف له الجزاء من بین سبع إلى سبعین إلى سبعمأة « و له أجر كریم » أى جزاء خالص لا یشوبه صفة نقص ، فالكریم الّذی من شأنه أن یعطى الخیر الكثیر فلما كان ذلك الأجر یعطى النفع العظیم وصف بالكریم و الأجر الكریم هو الجنّة .

و لما كان ظاهر النصرة موهما لكونها من الذلّة ، و ظاهر القرض موهما لكونه من القلّة أردف ذلك من باب الاحتراس بقوله ( فلم یستنصركم من ذلّ و لم یستقرضكم من قلّ ) أى لیس استنصاره و استقراضه من أجل الذلّة و القلّة حسبما زعمته الیهود و قالوا : إنما یستقرض منّا ربّنا عن عوز فانما هو فقیر و نحن أغنیاء فأنزل اللّه سبحانه لقد سمع اللَّه قول الّذین قالوا إنّ اللَّه فقیر و نحن أَغنیاء بل سمّى نصرة دینه و نبیّه نصرة له و الانفاق فی سبیله قرضا تلطّفا للدّعاء إلى فعلهما و تأكیدا للجزاء علیهما ،

فانّ النّصر یوجب المكافاة و القرض یوجب العوض .

و إلیه أشار بقوله ( استنصركم و له جنود السّموات و الأرض و هو العزیز الحكیم ) یعنی أنّه عزیز فی سلطانه أی قادر قاهر لا یتمكّن أحد أن یمنعه من عذاب من یرید عذابه ، ذو قدرة على الانتقام من أعدائه ، و انّه حكیم فی أفعاله واضع كلاّ منها فی مقام صالح له و لایق به .

( و استقرضكم و له خزائن السّموات و الأرض و هو الغنیّ الحمید ) یعنی غنیّ بنفسه عن غیره غیر مفتقر إلى شی‏ء من مخلوقاته و محمود فی أفعاله و صنایعه و أحكامه


ادامه مطلب


نظرات() 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-05:21 ب.ظ

[ 185 ] و من خطبة له ع یحمد

اللّه فیها و یثنی على رسوله و یصف خلقا من الحیوان حمد اللّه تعالى اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِی لاَ تُدْرِكُهُ اَلشَّوَاهِدُ وَ لاَ تَحْوِیهِ اَلْمَشَاهِدُ وَ لاَ تَرَاهُ اَلنَّوَاظِرُ وَ لاَ تَحْجُبُهُ اَلسَّوَاتِرُ اَلدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ وَ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى وُجُودِهِ وَ بِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لاَ شَبَهَ لَهُ اَلَّذِی صَدَقَ فِی مِیعَادِهِ وَ اِرْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ وَ قَامَ بِالْقِسْطِ فِی خَلْقِهِ وَ عَدَلَ عَلَیْهِمْ فِی حُكْمِهِ مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ اَلْأَشْیَاءِ عَلَى أَزَلِیَّتِهِ وَ بِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ اَلْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَ بِمَا اِضْطَرَّهَا إِلَیْهِ مِنَ اَلْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ وَاحِدٌ لاَ بِعَدَدٍ وَ دَائِمٌ لاَ بِأَمَدٍ وَ قَائِمٌ لاَ بِعَمَدٍ تَتَلَقَّاهُ اَلْأَذْهَانُ لاَ بِمُشَاعَرَةٍ وَ تَشْهَدُ لَهُ اَلْمَرَائِی لاَ بِمُحَاضَرَةٍ لَمْ تُحِطْ بِهِ اَلْأَوْهَامُ بَلْ تَجَلَّى لَهَا بِهَا وَ بِهَا اِمْتَنَعَ مِنْهَا وَ إِلَیْهَا حَاكَمَهَا لَیْسَ بِذِی كِبَرٍ اِمْتَدَّتْ بِهِ اَلنِّهَایَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِیماً وَ لاَ بِذِی عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ اَلْغَایَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسِیداً بَلْ كَبُرَ شَأْناً وَ عَظُمَ سُلْطَاناً الرسول الأعظم وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ اَلصَّفِیُّ وَ أَمِینُهُ اَلرَّضِیُّ ص أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ اَلْحُجَجِ وَ ظُهُورِ اَلْفَلَجِ وَ إِیضَاحِ اَلْمَنْهَجِ فَبَلَّغَ اَلرِّسَالَةَ صَادِعاً بِهَا وَ حَمَلَ عَلَى اَلْمَحَجَّةِ دَالاًّ عَلَیْهَا وَ أَقَامَ أَعْلاَمَ اَلاِهْتِدَاءِ وَ مَنَارَ اَلضِّیَاءِ وَ جَعَلَ أَمْرَاسَ اَلْإِسْلاَمِ مَتِینَةً وَ عُرَى اَلْإِیمَانِ وَثِیقَةً منها فی صفة خلق أصناف من الحیوان وَ لَوْ فَكَّرُوا فِی عَظِیمِ اَلْقُدْرَةِ وَ جَسِیمِ اَلنِّعْمَةِ لَرَجَعُوا إِلَى اَلطَّرِیقِ وَ خَافُوا عَذَابَ اَلْحَرِیقِ وَ لَكِنِ اَلْقُلُوبُ عَلِیلَةٌ وَ اَلْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ أَ لاَ یَنْظُرُونَ إِلَى صَغِیرِ مَا خَلَقَ كَیْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ وَ أَتْقَنَ تَرْكِیبَهُ وَ فَلَقَ لَهُ اَلسَّمْعَ وَ اَلْبَصَرَ وَ سَوَّى لَهُ اَلْعَظْمَ وَ اَلْبَشَرَ اُنْظُرُوا إِلَى اَلنَّمْلَةِ فِی صِغَرِ جُثَّتِهَا وَ لَطَافَةِ هَیْئَتِهَا لاَ تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ اَلْبَصَرِ وَ لاَ بِمُسْتَدْرَكِ اَلْفِكَرِ كَیْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وَ صُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا تَنْقُلُ اَلْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا وَ تُعِدُّهَا فِی مُسْتَقَرِّهَا تَجْمَعُ فِی حَرِّهَا لِبَرْدِهَا وَ فِی وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا لاَ یُغْفِلُهَا اَلْمَنَّانُ وَ لاَ یَحْرِمُهَا اَلدَّیَّانُ وَ لَوْ فِی اَلصَّفَا اَلْیَابِسِ وَ اَلْحَجَرِ اَلْجَامِسِ وَ لَوْ فَكَّرْتَ فِی مَجَارِی أَكْلِهَا فِی عُلْوِهَا وَ سُفْلِهَا وَ مَا فِی اَلْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِیفِ بَطْنِهَا وَ مَا فِی اَلرَّأْسِ مِنْ عَیْنِهَا وَ أُذُنِهَا لَقَضَیْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً وَ لَقِیتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً فَتَعَالَى اَلَّذِی أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا وَ بَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا لَمْ یَشْرَكْهُ فِی فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ وَ لَمْ یُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ وَ لَوْ ضَرَبْتَ فِی مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَایَاتِهِ مَا دَلَّتْكَ اَلدَّلاَلَةُ إِلاَّ عَلَى أَنَّ فَاطِرَ اَلنَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ اَلنَّخْلَةِ لِدَقِیقِ تَفْصِیلِ كُلِّ شَیْ‏ءٍ وَ غَامِضِ اِخْتِلاَفِ كُلِّ حَیٍّ وَ مَا اَلْجَلِیلُ وَ اَللَّطِیفُ وَ اَلثَّقِیلُ وَ اَلْخَفِیفُ وَ اَلْقَوِیُّ وَ اَلضَّعِیفُ فِی خَلْقِهِ إِلاَّ سَوَاءٌ خلقة السماء و الكون وَ كَذَلِكَ اَلسَّمَاءُ وَ اَلْهَوَاءُ وَ اَلرِّیَاحُ وَ اَلْمَاءُ فَانْظُرْ إِلَى اَلشَّمْسِ وَ اَلْقَمَرِ وَ اَلنَّبَاتِ وَ اَلشَّجَرِ وَ اَلْمَاءِ وَ اَلْحَجَرِ وَ اِخْتِلاَفِ هَذَا اَللَّیْلِ وَ اَلنَّهَارِ وَ تَفَجُّرِ هَذِهِ اَلْبِحَارِ وَ كَثْرَةِ هَذِهِ اَلْجِبَالِ وَ طُولِ هَذِهِ اَلْقِلاَلِ وَ تَفَرُّقِ هَذِهِ اَللُّغَاتِ وَ اَلْأَلْسُنِ اَلْمُخْتَلِفَاتِ فَالْوَیْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ اَلْمُقَدِّرَ وَ جَحَدَ اَلْمُدَبِّرَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ وَ لاَ لاِخْتِلاَفِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ وَ لَمْ یَلْجَئُوا إِلَى حُجَّةٍ فِیمَا اِدَّعَوْا وَ لاَ تَحْقِیقٍ لِمَا أَوْعَوْا وَ هَلْ یَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَیْرِ بَانٍ أَوْ جِنَایَةٌ مِنْ غَیْرِ جَانٍ خلقة الجرادة وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِی اَلْجَرَادَةِ إِذْ خَلَقَ لَهَا عَیْنَیْنِ حَمْرَاوَیْنِ وَ أَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَیْنِ قَمْرَاوَیْنِ وَ جَعَلَ لَهَا اَلسَّمْعَ اَلْخَفِیَّ وَ فَتَحَ لَهَا اَلْفَمَ اَلسَّوِیَّ وَ جَعَلَ لَهَا اَلْحِسَّ اَلْقَوِیَّ وَ نَابَیْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ وَ مِنْجَلَیْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ یَرْهَبُهَا اَلزُّرَّاعُ فِی زَرْعِهِمْ وَ لاَ یَسْتَطِیعُونَ ذَبَّهَا وَ لَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ حَتَّى تَرِدَ اَلْحَرْثَ فِی نَزَوَاتِهَا وَ تَقْضِیَ مِنْهُ شَهَوَاتِهَا وَ خَلْقُهَا كُلُّهُ لاَ یُكَوِّنُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَّةً فَتَبَارَكَ اَللَّهُ اَلَّذِی یَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِی اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ یُعَفِّرُ لَهُ خَدّاً وَ وَجْهاً وَ یُلْقِی إِلَیْهِ بِالطَّاعَةِ سِلْماً وَ ضَعْفاً وَ یُعْطِی لَهُ اَلْقِیَادَ رَهْبَةً وَ خَوْفاً فَالطَّیْرُ مُسَخَّرَةٌ لِأَمْرِهِ أَحْصَى عَدَدَ اَلرِّیشِ مِنْهَا وَ اَلنَّفَسِ وَ أَرْسَى قَوَائِمَهَا عَلَى اَلنَّدَى وَ اَلْیَبَسِ وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهَا وَ أَحْصَى أَجْنَاسَهَا فَهَذَا غُرَابٌ وَ هَذَا عُقَابٌ وَ هَذَا حَمَامٌ وَ هَذَا نَعَامٌ دَعَا كُلَّ طَائِرٍ بِاسْمِهِ وَ كَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ وَ أَنْشَأَ اَلسَّحَابَ اَلثِّقَالَ فَأَهْطَلَ دِیَمَهَا وَ عَدَّدَ قِسَمَهَا فَبَلَّ اَلْأَرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا وَ أَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُوبِهَا


و من خطبة له علیه السّلام و هی المأة و الرابعة و الثمانون من المختار فی باب الخطب

و رواها الطبرسی فی الاحتجاج مثله .

الحمد للّه الّذی لا تدركه الشّواهد ، و لا تحویه المشاهد ، و لا تراه النّواظر ، و لا تحجبه السّواتر ، الدّالّ على قدمه بحدوث خلقه ،

و بحدوث خلقه على وجوده ، و باشتباههم على أن لا شبه له ، الّذی صدق فی میعاده ، و ارتفع عن ظلم عباده ، و قام بالقسط فی خلقه ،

و عدل علیهم فی حكمه ، مستشهد بحدوث الأشیاء على أزلیّته ، و بما وسمها به من العجز على قدرته ، و بما اضطرّها إلیه من الفناء على دوامه ،

واحد لا بعدد ، و دائم لا بأمد ، و قائم لا بعمد ، تتلقّاه الأذهان لا بمشاعرة ، و تشهد له المرائی لا بمحاضرة ، لم تحط به الأوهام بل

[ 3 ]

تجلّى لها بها ، و بها امتنع منها ، و إلیها حاكمها ، لیس بذی كبر امتدّت به النّهایات فكبّرته تجسیما ، و لا بذی عظم تناهت به الغایات فعظّمته تجسیدا ، بل كبر شأنا ، و عظم سلطانا .

و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله الصّفیّ ، و أمینه الرّضیّ صلّى اللّه علیه و آله أرسله بوجوب الحجج ، و ظهور الفلج ، و ایضاح المنهج ، فبلّغ الرّسالة صادعا بها ، و حمل على المحجّة دالاّ علیها ، و أقام أعلام الإهتداء ،

و منار الضّیاء ، و جعل أمراس الإسلام متینة ، و عرى الإیمان وثیقة .

منها فی صفة خلق اصناف من الحیوان و لو فكّروا فی عظیم القدرة ، و جسیم النّعمة ، لرجعوا إلى الطّریق ،

و خافوا عذاب الحریق ، و لكنّ القلوب علیلة ، و الأبصار « و البصائر خ » مدخولة ، ألا ینظرون إلى صغیر ما خلق كیف أحكم خلقه ، و أتقن تركیبه ، و فلق له السّمع و البصر ، و سوّى له العظم و البشر .

أنظروا إلى النّملة فی صغر جثّتها ، و لطافة هیئتها ، لا تكاد تنال بلحظ البصر ، و لا بمستدرك الفكر ، كیف دبّت على أرضها ،

و صبّت على رزقها ، تنقل الحبّة إلى جحرها ، و تعدّها فی مستقرّها ،

تجمع فی حرّها لبردها ، و فی ورودها لصدرها ، مكفولة برزقها ، مرزوقة

[ 4 ]

بوفقها ، لا یغفلها المنان ، و لا یحرمها الدّیّان ، و لو فی الصّفا الیابس ،

و الحجر الجامس .

و لو فكّرت فی مجاری أكلها ، و فی علوها و سفلها ، و ما فی الجوف من شراسیف بطنها ، و ما فی الرّأس من عینها و أذنها ، لقضیت من خلقها عجبا ، و لقیت من وصفها تعبا ، فتعالى الّذی أقامها على قوائمها ، و بناها على دعائمها ، لم یشركه فی فطرتها فاطر ، و لم یعنه فی خلقها قادر ، و لو ضربت فی مذاهب فكرك لتبلغ غایاته ما دلّتك الدّلالة إلاّ على أنّ فاطر النّملة هو فاطر النّخلة ، لدقیق تفصیل كلّشی‏ء و غامض اختلاف كلّ حیّ ، و ما الجلیل و اللّطیف ، و الثّقیل و الخفیف ،

و القویّ و الضّعیف ، فی خلقه إلاّ سوآء ، و كذلك السّماء و الهواء و الرّیاح و الماء .

فانظر إلى الشّمس و القمر ، و النّبات و الشّجر ، و الماء و الحجر ،

و اختلاف هذا اللّیل و النّهار ، و تفجّر هذه البحار ، و كثرة هذه الجبال ،

و طول هذه القلال ، و تفرّق هذه اللّغات ، و الألسن المختلفات .

فالویل لمن جحد المقدّر ، و أنكر المدبّر ، یزعمون « زعموا خ » أنّهم كالنّبات ما لهم زارع ، و لا لاختلاف صورهم صانع ، و لم یلجاوا إلى حجّة فیما

[ 5 ]

ادّعوا ، و لا تحقیق لما أوعوا ، و هل یكون بناء من غیر بان ، أو جنایة من غیر جان .

و إن شئت قلت فی الجرادة إذ خلق لها عینین حمراوین ،

و أسرج لها حدقتین قمراوین ، و جعل لها السّمع الخفیّ ، و فتح لها الفم السّویّ ، و جعل لها الحسّ القویّ ، و نابین بهما تقرض ، و منجلین بهما تقبض ، یرهبها الزّرّاع فی زرعهم ، و لا یستطیعون ذبّها و لو أجلبوا بجمعهم ، حتّى ترد الحرث فی نزواتها ، و تقضی منه شهواتها ، و خلقها كلّه لا یكون إصبعا مستدقّة .

فتبارك اللّه الّذی یسجد له من فی السّموات و الأرض طوعا و كرها و یعفّر له خدّا و وجها ، و یلقی إلیه بالطّاعة سلما و ضعفا ، و یعطی له القیاد رهبة و خوفا ، فالطّیر مسخّرة لأمره ، أحصى عدد الرّیش منها و النّفس ، و أرسى قوائمها على النّدى و الیبس ، و قدّر أقواتها ، و أحصى أجناسها ، فهذا غراب ، و هذا عقاب ، و هذا حمام ، و هذا نعام ، دعا كلّ طآئر باسمه ، و كفل له برزقه ، و أنشأ السّحاب الثّقال فأهطل دیمها ، و عدّد قسمها ، فبلّ الأرض بعد جفوفها ، و أخرج نبتها بعد جدوبها .

[ 6 ]

اللغة

( العمد ) بالتحریك جمع العمود و ( المرائی ) جمع المرئی كمرمی و هو ما یدرك بالبصر أو جمع مرآة بفتح المیم یقال فلان حسن فی مرآة عینى قاله الشارح المعتزلی ، و سیأتی ما فیه و ( تجسیما و تجسیدا ) مصدران من باب التفعیل و فی بعض النسخ من باب التفعل ، و یفرق بین الجسم و الجسد بأنّ الجسم یكون جیوانا و جمادا و نباتا ، و الجسد مختصّ بجسم الانس و الجنّ و الملائكة و یطلق على غیر ذوى العقول و قوله تعالى : « عجلا جسدا » أی ذا جثّة على التشبیه بالعاقل أو بجسمه .

و ( فلجت ) فلجا و فلوجا ظفرت بما طلبت و فلج بحجّته أثبتها و أفلج اللّه حجّته بالألف أظهرها قال الشارح المعتزلی : الفلج النصرة و أصله سكون العین و إنما حرّكه لیوازن بین الألفاظ لأنّ الماضی منه فلج الرّجل على خصمه بالفتح و مصدره الفلج بالسّكون .

و ( الأمراس ) الحبال جمع المرس و هو جمع المرسة بالتحریك الحبل و ( البشر ) جمع البشرة مثل قصب و قصبة ظاهر الجلد و ( النملة ) واحدة النمل و ( جثّة ) الانسان شخصه .

و ( استدرك ) الشی‏ء و إدراكه بمعنى و استدركت مافات و تداركته بمعنى و استدركت الشی‏ء أى حاولت إدراكه به ، و مستدرك الفكر یحتمل أن یكون مصدرا بمعنى الادراك و أن یكون اسم مفعول و ( الفكر ) و زان عنب جمع فكرة بالكسر و هو اعمال النظر و قیل اسم من الافتكار و فی بعض النسخ الفكر بسكون العین .

و ( صبّت ) على البناء للمفعول من صبّ الماء أراقه ، و فی بعض النّسخ بالضاد المعجمة و النون على بناء المعلوم أى بخلت و ( الجحر ) بالضمّ الحفرة التی تحتفرها الهوام و السّباع لأنفسها ( و فی ورودها لصدرها ) الورود فی الأصل الاشراف على الماء للشرب ثمّ اطلق على مطلق الاشراف على الشی‏ء دخله أو لم یدخله كالورود و الصدر بالتحریك اسم من صدر صدرا و مصدار أى رجع ، و فی نسخة الشارح البحرانی فی وردها لصدرها .

[ 7 ]

و ( كفل ) كفالة من باب نصر و علم و شرف ضمن و كفلته و به و عنه إذا تحملت به و ( المنان ) من المن بمعنى العطاء لا من المنّة و ( الدّیان ) الحاكم و القاضی و قیل القهار ، و قیل السائس أى القائم على الشی‏ء بما یصلحه و ( الصفا ) بالقصر الحجر و قیل الحجر الصّلبة الضخم لا ینبت شیئا و الواحدة صفاة و ( الجامس ) الجامد و قیل أكثر ما یستعمل فی الماء جمد و فی السمن و غیره جمس .

و ( اكلها ) بالضمّ فى بعض النسخ و فی بعضها بضمتین المأكول و ( علوها ) و ( سفلها ) بالضمّ فیهما فی بعض النسخ و بالكسر فی بعضها و ( الشراسیف ) مقاط الاضلاع و هی أطرافها التی تشرف على البطن ، و قیل الشرسوف كعصفور غضروف معلّق بكلّ ضلع مثل غضروف الكتف و ( الاذن ) بالضمّ و بضمّتین على اختلاف النسخ و ( العجب ) التعجّب أو التّعجب الكامل و ( الضرب فی الأرض ) السیّر فیها أو الاسراع به و ( الدلالة ) بالكسر و الفتح اسم من دلّه إلى الشی‏ء ، و علیه أی أرشده و سدّده و ( الغامض ) خلاف الواضح و ( القلال ) و زان جبال جمع قلّة بالضمّ و هى أعلى الجبل ، و قیل الجبل .

و ( وعا ) الشی‏ء و أوعاه حفظه و جمعه ، و فی بعض النسخ وعوه على المجرّد بدل أوعوه و ( جنا ) فلان جنایة بالكسر أى جرّ جریرة على نفسه و قومه ، و جنیت الثمرة و اجتنیتها اقتطفتها و اسم الفاعل منهما جان إلاّ أنّ المصدر من الثانی جنى لا جنایة و ( الناب ) من الأسنان خلف الرباعیة و ( المنجل ) و زان منبر حدیدة یقضب بها الزرع و ( نزا ) كدعا نزوا وثب و ( العفر ) بالتحریك و قد یسكن وجه الأرض و یطلق على التراب و عفّره تعفیرا مرغه فیه .

و ( السّلم ) بالكسر كما فی بعض النسخ الصّلح و المسالم ، و بالتحریك كما فی بعضها الاستسلام و الانقیاد و ( القیاد ) بالكسر ما یقاد به و اعطاء القیاد الانقیاد و ( الیبس ) بالتحریك ضدّ الرطوبة و طریق یبس لانداوة فیه و لا بلل و ( الحمام ) بالفتح كلّ ذى طوق من الفواخت و القمارى و غیرهما و الحمامة تقع على الذكر و الأنثى كالحیّة .

[ 8 ]

و ( النعام ) بالفتح اسم جنس النعامة و ( الهطل ) بالفتح تتابع المطر أو الدّمع و سیلانه و قیل تتابع المطر المتفرّق العظیم القطر و ( الدیمة ) بالكسر مطر یدوم فی سكون بلا رعد و برق و الجمع دیم كعنب و ( البلّة ) بالكسر ضد الجفاف بالفتح و ( الجدوب ) بالضمّ انقطاع المطر و یبس الأرض .

الاعراب

بل فی قوله بل تجلّى للاضراب ، و البآء فی بها للسببیّة ، و تجسیما و تجسیدا منصوبان على الحال ، و الباء فی قوله بوجوب الحجج تحتمل المصاحبة و السببیّة ،

و جملة لا تكاد تنال حال من النملة و العامل انظروا ، و قوله : كیف دبّت ، فی محلّ الجرّ بدل من النملة أو كلام مستأنف و الاستفهام للتّعجّب .

و مكفولة برزقها و مرزوقة بوفقها بالرفع فی أكثر النسخ خبران لمبتدء محذوف قال الشارح البحرانی نصب على الحال و فی بعض النسخ رزقها و وفقها بدون الباء ، و عجبا مفعول به لقضیت قال الشارح البحرانی : و یحتمل المفعول له على كون القضاء بمعنى الموت و هو بعید .

و قوله : فالویل لمن جحد المقدّر ، جملة اخباریة أو إنشائیة دعائیة قال سیبویه : الویل مشترك بین الدّعاء و الخبر ، و الواو فی قوله : و خلقها ، للحال ، و الفاء فی قوله : فتبارك ، فصیحة ، و طوعا و كرها منصوبان على الحال ، و خدا و وجها منصوبان على المفعول به ، و سلما و ضعفا منصوبان على الحال أو التمیز ، و رهبة و خوفا منصوبان على المفعول لأجله .

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشریفة مشتملة على مطالب نفیسة من العلم الالهى و مقاصد لطیفة من آثار قدرته ، و بدایع تدبیره و حكمته فی مصنوعاته ، و افتتحها بما هو حقیق بالافتتاح فقال :

( الحمد للّه الذی لا تدركه الشواهد ) أراد بالشواهد الحواسّ و تسمیتها بها

[ 9 ]

إمّا لحضورها من شهد فلان بكذا إذا حضره ، أو لشهادتها عند العقل على ما تدركه و تثبته ، و عدم امكان إدراكها له سبحانه لانحصار مدركاتها فی المحسوسات و اختصاص معلوماتها بالأجسام و الجسمانیات ، و هو سبحانه منزّه عن ذلك حسبما عرفته فی شرح الفصل الثانی من المختار الأوّل و غیره .

و لا تحویه المشاهد أی المجالس و الأمكنة ، لأنّ حوایة المجلس و المكان من صفات الامكان كما مرّ فی شرح الفصل الخامس من المختار الأول و غیره .

و لا تراه النواظر أی نواظر الأبصار و تخصیصها بالذكر مع شمول الشواهد لقوّتها و وقوع الشبهة فی أذهان أكثر الجاهلین فی جواز إدراكه تعالى بها كما هو مذهب المجسمة و المشبهة و الكرامیة و الأشاعرة المجوّزین للرّؤیة ، و قد عرفت فساد قولهم فی شرح المختار التاسع و الأربعین ، و المختار المأة و الثامن و السبعین و غیرهما .

و لا تحجبه السواتر لأنّ المحجوبیّة بالسواتر الجسمانیة من أوصاف الأجسام و عوارضها حسبما عرفت تحقیقه فی شرح المختار المأة و الثانی و الخمسین الدالّ على قدمه بحدوث خلقه ، و بحدوث خلقه على وجوده ) یعنی أنّ حدوث خلقه دلیل على وجوده و قدمه معا ، و قد مرّ تحقیقه أیضا فی شرح المختار المأة و الثانی و الخمسین و المختار التاسع و الأربعین و باشتباههم على أن لا شبه له ) أی بابدائه المشابهة بین الموجودات دلّ على أن لا شبه له و لا نظیر ، و قد مرّ تحقیقة أیضا فی شرح المختار الّذی أشرنا إلیه .

الّذی صدق فی میعاده ) أی فی وعده لأنّ الخلف فی الوعد كذب قبیح محال علیه سبحانه كما قال عزّ من قائل : « إنّ اللّه لا یخلف المیعاد » و استدلّ على عدم جواز الكذب علیه بأنّه إذا جاز وقوع الكذب فی كلامه ارتفع الوثوق عن اخباره بالثواب و العقاب و الوعد و الوعید و سایر ما أخبر به من أخبار الآخرة و الأولى ، و فی ذلك تفویت مصالح لا تحصى و هو سبحانه حكیم لا یفوت عنه الأصلح بنظام العالم ، فعلم من ذلك عدم جواز الخلف فی وعده و وعیده .

و ) بذلك أیضا علم أنّه تعالى ارتفع عن ظلم عباده ) لكون الظلم قبیحا

[ 10 ]

عقلا و نقلا . یعنی أنّه سبحانه منزه عن حال ملوك الأرض الذین من شأنهم ظلم رعیتهم إذا شاهدوا انّ فی ظلمهم منفعة لهم ، و فی ترك الظلم مضرّة ، فیظلمون من تحت ملكهم نیلا إلى تلك المنفعة ، و دفعا لتلك المضرّة ، و تحصیلا لذلك الكمال الحقیقی أو الوهمی ، و اللّه سبحانه كامل فی ذاته غیر مستكمل بغیره .

و قام بالقسط ) و العدل فی خلقه و عدل علیهم فی حكمه ) یعنی أنّه سبحانه خلقهم و أوجدهم على وفق الحكمة و مقتضى النظام و المصلحة و أجرى فیهم الأحكام التكوینیّة و التكلیفیّة على مقتضى عدله و قسطه قال تعالى « شهد اللّه أنّه لا إله إلاّ هو و الملائكة و اولوا العلم قائما بالقسط » .

قال لطبرسیّ : أی أخبر بما یقوم مقام الشهادة على وحدانیته من عجیب حكمته و بدیع صنعته ، و شهدت الملائكة بما عاینت من عظیم قدرته و شهد أولوا العلم بما ثبت عندهم و تبیّن من صنعه الّذی لا یقدر علیه غیره .

قال : و روی عن الحسن أنّ فی الآیة تقدیما و تأخیرا و التقدیر شهد اللّه أنّه لا إله إلاّ هو قائما بالقسط ، و شهدت الملائكة أنّه لا إله إلاّ هو قائما بالقسط ، و شهد اولوا العلم أنّه لا إله إلاّ هو قائما بالقسط ، و القسط العدل الّذی قامت به السّماوات و الأرض ، و رواه أصحابنا أیضا فی التفسیر ، و قیل : معنى قوله قائما بالقسط أنّه یقوم باجراء الأمور و تدابیر الخلق و جزاء الأعمال بالعدل كما یقال : فلان قائم بالتدبیر أی یجری فی أفعاله على الاستقامة .

مستشهد بحدوث الأشیاء على أزلیّته ) أى مستدلّ بحدوثها على قدمه سبحانه و قد عرفت وجه الدلالة فی شرح المختار المأة و الثانی و الخمسین .

و قال العلاّمة المجلسی ( ره ) الاستشهاد طلب الشهادة أی طلب من العقول بما بین لها من حدوث الأشیاء الشهادة على أزلیّته أو من الأشیاء أنفسها بأن جعلها حادثة ، فهى بلسان حدوثها تشهد على أزلیّته ، و المعنى على التقدیرین أنّ العقل یحكم بأنّ كلّ حادث یحتاج إلى موجد و أنّه لا بدّ أن تنتهى سلسلة الاحتیاج الى من لا یحتاج إلى موجد ، فیحكم بأنّ علّة العلل لا بدّ أن یكون أزلیّا و إلاّ لكان

[ 11 ]

محتاجا إلى موجد آخر بحكم المقدّمة الأولى .

و بما وسمها به من العجز على قدرته ) یعنی أنّه استشهد على قدرته بالعجز الذی وسم و وصف به خلقه ، و وجه شهادته علیها أنّا نرى أنّ غیره تعالى لا یقدر على ما یقدر علیه هو جلّ و علا من الموجودات بل لا یقدر على شی‏ء أصلا و لا یملك لنفسه موتا و لا حیاتا و لا نشورا ، فضلا عن غیره ، و لا یتمكّن من أن یخلق ذبابا فضلا عما هو أعظم منه ، فعلم بذلك أنّ الموجودات على كثرتها و عظمتها لا بدّ من انتهاء وجوداتها على من هو قادر علیها كلّها بالایجاد و الاعدام و التصریف و التقلیب قال تعالى « و ما كان اللّه لیعجزه من شی‏ء فی السّموات و لا فی الأرض انّه كان علیما قدیرا » و قال العلاّمة المجلسی ( ره ) فی تفسیر هذه الفقرة : الوسم الكى شبّه ما اظهر علهیا من آثار العجز و الامكان و الاحتیاج بالسمة الّتی تكون على العبید و النعم و تدلّ على كونها مقهورة مملوكة .

و قال الصّدوق ( ره ) الدلیل على أنّ اللّه قادر أنّ العالم لما ثبت أنّه صنع لصانع و لم نجد أن یصنع الشی‏ء من لیس بقادر علیه بدلالة أنّ المقعد لا یقع منه المشى و العاجز لا یتأتّی منه الفعل صحّ أنّ الذی صنعه قادر ، و لو جاز غیر ذلك لجاز منّا الطیران مع فقد ما یكون به من الآلة و یصحّ لنا الادراك و ان عدمنا الحاسّة فلما كان اجازة هذا خروجا عن المعقول كان الأوّل مثله .

و بما اضطرّها الیه من الفناء على دوامه ) المراد من اضطرارها الى الفناء حكم قدرته القاهرة على ما استعدّ منها للعدم بافنائه حین استعداده بحكم قضائه المبرم ، و دلالة ذلك على دوامه سبحانه أنّ الفناء لما كان دلیلا على الحدوث و الامكان دلّ فناؤها على أنّ صانعها لیس كذلك و أنّه أزلیّ أبدیّ سرمدیّ .

واحد لا بعدد ) یعنی أنّ وحدته لیست وحدة عددیة بأن یكون معه ثان من جنسه ، و قد مرّ تحقیق ذلك مستوفی فی شرح المختار الرابع و الستّین .

قال الصّدوق « ره » فی التوحید فی تفسیر أسماء اللّه الحسنى : الأحد الواحد الأحد معناه أنّه واحد فی ذاته أى لیس بذى ابعاض و لا أجزاء و لا أعضاء ، و لا یجوز

[ 12 ]

علیه الاعداد و الاختلاف لأنّ اختلاف الأشیاء من آیات وحدانیّته ممّا دلّ به على نفسه و یقال لم یزل اللّه واحدا ، و معنى ثان أنه واحد لا نظیر له و لا یشاركه فی معنى الوحدانیة غیره ، لأنّ كلّ من كان له نظراء أو أشباه لم یكن واحدا فی الحقیقة و یقال فلان واحد الناس أى لا نظیر له فیما یوصف به ، و اللّه واحد لا من عدد لأنّه عزّ و جلّ لا یعدّ فی الأجناس و لكنه واحد لیس له نظیر .

( دائم لا بأمد ) قال الشارح البحرانی قد سبق بیان أنّ كونه دائما بمعنى أنّ وجوده مساوق لوجود الزمان ، إذ كان تعالى هو موجد الزمان بعد مراتب من خلقه و مساوقة الزمان لا یقتضى الكون فی الزمان ، و لما كان الأمد هو الغایة من الزمان و منتهى المدّة المضروبة لذی الزمان من زمانه ، و ثبت أنّه تعالى لیس بذى زمان یفرض له الأمد ثبت أنّه دائم لا أمد له .

و قال الصّدوق ( ره ) الدائم الباقی الذی لا یبید و لا یفنى .

( قائم لا بعمد ) أی لیس قیامه قیاما جسمانیا یكون بالعمد البدنیّة أو بالاعتماد على الساقین ، أو أنّه قائم باق من غیر استناد الى سبب یعتمد علیه و یقیمه كسایر الوجودات الممكنة .

و فی حدیث الرّضا علیه السّلام المروی فی الكافی عنه علیه السّلام مرسلا قال : و هو قائم لیس على معنى انتصاب و قیام على ساق فی كبد كما قامت الأشیاء ، و لكن قائم یخبر أنّه حافظ كقول الرّجل القائم بأمرنا فلان و اللّه هو القائم على كلّ نفس بما كسبت و القائم أیضا فی كلام النّاس الباقی ، و القائم أیضا یخبر عن الكفایة كقولك للرجل قم بأمر بنی فلان ، أی اكفهم و القائم منّا قائم على ساق فقد جمعنا الاسم و لم یجمع المعنى الحدیث .

قال صدر المتألّهین فی شرح الكافی : قوله علیه السّلام : و هو قائم لیس على معنى انتصاب ، یعنی أنّ من الأسماء المشتركة بین الخالق و الخلق اسم القائم لكن فی كلّ منهما بمعنى آخر ، فإنّ القائم من الأجسام ما ینتصب على ساق كما نحن ننتصب عند القیام بأمر على سوقنا فی كبد و مشقّة ، و أمّا الباری جلّ مجده فاسم القیام فیه یخبر بأنه

[ 13 ]

حافظ للأشیاء مقوم لوجودها و لا یؤده حفظهما و أنّه القائم على كلّ نفس بما كسبت فاختلف المعنى و اتّحد الاسم .

و قد یطلق القائم فی كلام الناس بمعنى الباقی و هو أیضا معناه مختلف فمعنى الباقی فی الخلق ما یوجد فی زمان بعد زمان حدوثه ، و أما فی حقّه تعالى فلیس بهذا المعنى لارتفاعه عن مطابقة الزمان ، بل بقاؤه عبارة عن وجوب وجوده و امتناع العدم علیه بالذات و بقاؤه نفس ذاته .

و القائم قد یجی‏ء بما یخبر عن الكفایة كما یقال : قم بأمر بنی فلان أى اكفه و لا شكّ أنّ هذا المعنى فیه تعالى على وجه أعلى و أشرف ، بل لا نسبة بین كفایته للخلق كافّة لا بآلة و قوّة و تعمل و تكلّف ، و بین كفایة الخلق بعضهم لبعض بتعب و مشقة فقد اتّفق الاسم و اختلف المعنى .

( تتلقّاه الأذهان لا بمشاعرة ) أى لا من طریق المشاعر و الحواس ، و المراد بتلقّى الأذهان له تقبّلها ، أی إدراكها لما یمكن لها إدراكه من صفاته السّلبیّة و الاضافیة لا تلقّى ذاته ، لما عرفت مرارا من عجز العقول و الأوهام و الأذهان و الأفهام عن تعقّل ذاته .

( و تشهد له المرائی لا بمحاضرة ) یعنی تشهد له المرئیات و المبصرات و تدلّ على وجوده و صفات كماله حسبما عرفته فی شرح المختار التاسع و الأربعین .

و لما كان بناء الشهادة غالبا على حضور الشاهد عند المشهود به كما یشعر به تصاریف تلك المادّة مثل قوله سبحانه « فمن شهد منكم الشهر فلیصمه و من كان مریضا أو على سفر » الآیة أی من كان حاضرا غیر مسافر فلیصمه ، و قولهم : الشاهد یرى ما لا یراه الغایب ، و شهدت مجلس فلان أى حضرته ، و سمّى الشهید شهیدا لحضور ملائكة الرّحمة عنده فعیل بمعنى المفعول إلى غیر ذلك من تصاریفها ، و كان قوله تشهد له المرائی موهما لكون شهادتها بعنوان الحضور .

استدرك بقوله : لا بمحاضرة ، من باب الاحتراس دفعا للتوهّم المذكور ،

یعنی أنّ شهادتها لیست بعنوان الحضور كما فی سایر الشهود ، بل المراد من شهادتها

[ 14 ]


ادامه مطلب


نظرات() 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-05:19 ب.ظ

[ 31 ]

و یؤیّد الأوّل قوله ( و یعفّر له خدّا و وجها ) لظهوره فی التمریغ أى تقلیب الوجه و الخدّ بالأرض اللّهمّ إلاّ أن یكون كنایة عن غایة الخضوع ( و یلقى الیه بالطاعة ) أى یطیع له ( سلما و ضعفا ) أی من حیث التسلیم و الضعف أو حالكونه مستسلما ضعیفا ( و یعطى له القیاد رهبة و خوفا ) أی ینقاد له لأجل الخوف و الرهبة .

( فالطیر مسخّرة لأمره ) كما قال تعالى ألم یروا إلى الطیر مسخّرات فی جوّ السّماء ما یمسكهنّ إلاّ اللّه إنّ فی ذلك لآیات لقوم یؤمنون .

قال الطبرسی : أى ألم تتفكّروا و تنظروا إلى الطیر كیف خلقها اللّه خلقة یمكنها معها التصرّف فی جوّ السّماء صاعدة و منحدرة و ذاهبة و جائیة مذللات للطّیران فی الهواء بأجنحتها تطیر من غیر أن تعتمد على شی‏ء ما یمسكهنّ إلاّ اللّه أى ما یمسكهنّ عن السقوط على الأرض من الهواء إلاّ اللّه فیمسك الهواء تحت الطیر حتّى لا ینزل فیه كامساك الهواء تحت السابح فی الماء حتّى لا ینزل فیه ، فجعل إمساك الهواء تحتها إمساكا لها على التوسّع ، فانّ سكونها فی الجوّ إنما هو فعلها ، فالمعنى ألم ینظروا فی ذلك فتعلموا أنّ لها مسخّرا و مدبّرا لا یعجزه شی‏ء و لا یتعذّر علیه شی‏ء و أنه إنّما خلق ذلك لیعتبروا .

و لما نبّه على كونها مسخّرة مقهورة تحت قدرته ، أردفه باحاطة علمه تعالى علیها بجمیع أجزائها فقال ( أحصى عدد الریش منها و النفس ) و احصائه كنایة عن علمه به ( و أرسى قوایمها على الندى و الیبس ) أى أثبت قوایمها بعضها على الندى كطیر البحر و بعضها على الیبس كطیر البرّ ( قدّر أقواتها ) أى جعل لكلّ منها قوتا مقدّرا معیّنا على قدر الكفایة ( و أحصى أجناسها ) و هو كنایة عن احاطته بأنواعها .

و فصّلها بقوله ( فهذا غراب و هذا عقاب و هذا حمام و هذا نعام دعا كلّ طایر باسمه ) .

قال الشارح البحرانی : الدّعاء استعارة فی أمر كلّ نوع بالدّخول فی الوجود و ذلك الأمر یعود إلى حكم القدرة الالهیة العظیمة علیه بالدّخول فی الوجود ، و وجه

[ 32 ]

الاستعارة ما یشترك فیه معنى الدّعاء و الأمر من طلب دخول مهیّة المطلوب بالدّعاء و الأمر فی الوجود و هو كقوله تعالى فقال لها و للأرض ائتیا طوعا أو كرها قالتا أتینا طائعین . فقضیهنّ الآیة ، و لما استعار لفظ الدّعاء رشّح بذكر الاسم لأنّ الشی‏ء إنّما یدعى باسمه ، و یحتمل أن یرید الاسم اللغوی و هو العلامة فانّ لكلّ نوع من الطیر خاصّة و سمة لیست للآخر و یكون المعنى أنه تعالى أجرى علیها حكم القدرة بمالها من السّمات و الخواص فی العلم الالهی و اللّوح المحفوظ .

قال : و قال بعض الشارحین : أراد أسماء أجناس و ذلك أنّ اللّه تعالى كتب فی اللّوح المحفوظ كلّ لغة تواضع علیها العباد فی المستقبل ، و ذكر الأسماء الّتی یتواضعون علیها ، و ذكر لكلّ اسم مسمّاه فعند إرادة خلقها نادى كلّ نوع باسمه فاجاب دعواه و أسرع فی إجابته .

( و كفل له برزقه ) أى ضمنه ثمّ أشار إلى كمال قدرته تعالى فی خلق المطر و السحاب فقال ( و انشأ السحاب الثقال ) أى الثقیلة بما فیها من الماء ، و هو اقتباس من قوله سبحانه فی سورة الرّعد « هو الذی یریكم البرق خوفا و طمعا و ینشى‏ء السّحاب الثقال » و قد تقدّم فی الهدایة الرابعة فی شرح الفصل السّادس من المختار التسعین تفسیر هذه الآیة و نبّهنا هناك على ما تضمنها الرّعد و البرق و السحاب و المطر من عجائب القدرة و العظمة و الحكمة فلیراجع ثمّة .

و قوله : ( فأهطل دیمها ) أى جعل دیمها هاطلة سایلة متتابعة ( و عدّد قسمها ) أى أحصى ما قدر منها لكلّ بلد و أرض على وفق الحكمة و المصلحة ( فبلّ الأرض بعد جفوفها و أخرج نبتها بعد جدوبها ) كما قال عزّ من قائل فی سورة الحجّ و ترى الأرض هامدة فاذا أنزلنا علیها الماء اهتزّت و ربت و أنبتت من كلّ زوج بهیج أى ترى الأرض میتة یابسة فاذا أنزلنا علیها المطر تحرّكت بالنبات و انتفخت و أنبتت من كلّ نوع من أنواع النبات موصوف بالبهجة و الحسن و النضارة و فی سورة الروم « و ینزل من السّماء ماء فیحیى به الأرض بعد موتها إنّ فی ذلك لآیات لقوم یعقلون

[ 33 ]

تبصرة

لما كان هذه الخطبة الشریفة متضمّنة بوصف خلقة أصناف من الحیوان و تشریح ما أبدعه اللّه سبحانه فیها من دلائل القدرة و الحكمة و براهین التّوحید و التفرید و العظمة ، بعضها بالتفصیل كالنملة و الجرادة ، و بعضها بالاجمال و الاشارة كالغراب و العقاب و الحمامة و النعامة أحببت أن أذكر فصلا وافیا فی وصف هذه الأنواع الستّة من الحیوان التی تضمّنها كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام على الترتیب الوارد فی كلامه ، و المقصود بذكر هذا الفصل تأكید الغرض المسوق له هذه الخطبة الشریفة و هی الدّلالة على قدرة الصانع و حكمة المبدع عزّ و جلّ فأقول :

تذنیبات

الاول فى خلقة النملة

قال الدمیرى فی كتاب حیوة الحیوان : النمل معروف الواحدة نملة و الجمع أنمال ، و أرض نملة ذات نمل ، و النملة بالضمّ النمیمة یقال رجل نمل أى نمام ، و ما أحسن قول الأوّل :

اقنع بما تلقی بلا بلغة
فلیس ینسى ربّنا النملة

إن أقبل الدّهر فقم قائما
و إن تولّى مدبرا نم له

قال : و سمیت النملة نملة لتنمّلها و هو كثرة حركتها و قلّة قوائمها ، و النمل لا یتزاوج و لا یتلاقح إنّما یسقط منه شی‏ء حقیر فی الأرض فینمو حتى یصیر بیظتا ثم یتكوّن منه ، و البیض كلّه بالضاد المعجمة إلاّ بیض النمل فانّه بالظاء المشالة و النمل عظیم الحیلة فی طلب الرّزق فاذا وجد شیئا أنذر الباقین یأتون إلیه ، و قیل انما یفعل ذلك منه رؤساؤها ، و من طبعه أنّه یحتكر فی أیّام الصیف للشتاء ، و له فی الاحتكار من الحیل ما أنه إذا احتكر ما یخاف إنباته قسّمه نصفین ما خلا الكسفرة فانه یقسّمها أرباعا لما ألهم من أنّ كلّ نصف منها ینبت ، و إذا خاف العفن على

[ 34 ]

الحبّ أخرجه إلى ظاهر الأرض و نشره ، و أكثر ما یفعل ذلك لیلا فی ضوء القمر و یقال : إنّ حیاته لیست من قبل ما یأكل و لا قوامه ، و ذلك إنه لیس له جوف ینفذ فیه الطعام و لكنه مقطوع نصفین ، و إنّما قوته إذا قطع الحبّ فی استنشاق ریحه فقط و ذلك یكفیه .

أقول : و ظاهر كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام فی هذه الخطبة أعنى قوله علیه السّلام فی مجاری أكلها و من شراسیف بطنها یدلّ على فساد زعم هذا القائل ، و التجربة أیضا تشهد بخلافه ، فانا قد شاهدنا كثیرا أنّ الذّر و هی صغار النمل تجتمع على حبوبات الطعام و نحوها و یأكلها حتّى یفنیها بتمامها .

قال الدمیرى : و قد روى عن سفیان بن عیینة أنه قال : لیس شی‏ء یخبا قوته إلاّ الانسان و العقعق و النمل و الفار ، و به جزم فی الاحیاء فی كتاب التوكل ، و عن بعضهم أنّ البلبل یحتكر الطعام و یقال : إنّ للعقعق محابی إلاّ أنّه ینساها ، و النمل شدید الشم ، و من أسباب هلاكه نبات أجنحته فاذا صار النمل كذلك أخصبت العصافیر لأنّها تصیدها فی حال طیرانها ، و قد أشار إلى ذلك أبو العتاهیة بقوله :

فاذا استوت للنمل أجنحة
حتى تطیر فقد دنا عطبه

و كان الرشید یتمثل بذلك كثیرا عند نكبة البرامكة .

و هو یحفر قریة بقوائمه ، و هی ستّ فاذا حفرها جعل فیها تعاویج « تعاریخ خ » لئلاّ یجرى إلیها ماء المطر ، و ربما اتخذ قریة فوق قریة لذلك و إنما یفعل ذلك خوفا على ما یدّخره من البلل .

قال البیهقی فی الشعب : و كان عدى بن حاتم الطائی یفتّ الخبز للنمل و یقول : إنهنّ جارات و لهنّ علینا حقّ الجوار .

و سیأتی فی الوحش عن الفتح بن خرشف الزاهد انّه كان یفتّ الخبز لهنّ فی كلّ یوم فاذا كان یوم عاشوراء لم تأكله .

و لیس فی الحیوان ما یحمل ضعف بدنه مرارا غیره على انّه لا یرضى بأضعاف الأضعاف حتّى أنّه یتكلّف حمل نوى التمر و هو لا ینتفع به و إنما یحمله على حمله

[ 35 ]

الحرص و الشره و هو یجمع غذاء سنین لو عاش و لا یكون عمره أكثر من سنة .

و من عجایبه اتخاذ القریة تحت الأرض و فیها منازل و دهالیز و غرف و طبقات معلقات تملاءها حبوبا و ذخایر للشتاء ، و منه ما یسمّى الذرّ الفارسی و هو من النمل بمنزلة الزنابیر من النحل ، و منه أیضا ما یسمّى بنمل الأسد سمّى بذلك لأنّ مقدمه یشبه وجه الأسد و مؤخره یشبه النمل .

و روى البخارى و مسلم و أبو داود النسائى عن أبی هریرة عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قال : نزل نبیّ من الأنبیاء علیهم السّلام تحت شجرة فلذعته ، فأمر بجهازه فاخرج من تحتها و أمر بها فاحرقت بالنار فأوحى اللّه تعالى إلیه هلاّ نملة واحدة .

قال أبو عبد اللّه الترمذی فی نوادر الأصول : لم یعاتبه على تحریقها و إنما عاتبه بكونه أخذ البری‏ء بغیر البری‏ء ، و هذا النّبی هو موسى بن عمران علیه السّلام و أنّه قال یا ربّ تعذّب أهل قریة بمعاصیهم و فیهم الطایع ، و كأنّه أحبّ أن یریه ذلك من عنده فسلّط علیه الحرّ حتّى التجأ إلى شجرة مستروحا إلى ظلّها و عندها قریة نمل فغلبه النوم فلما وجد لذّة النوم لذعته نملة فدلكهنّ بقدمه فأهلكهنّ و أحرق مسكنهنّ فأراه تعالى الآیة فی ذلك عبرة لما لذعته نملة كیف اصیب الباقون بعقوبتها ، یرید أن ینبّهه على أنّ العقوبة من اللّه تعالى تعمّ الطایع و العاصی ، فتصیر رحمة و طهارة و بركة على المطیع ، و شرّا و نقمة و عدوانا على العاصی ، و على هذا لیس فی الحدیث ما یدلّ على كراهة و لا حظر فی قتل النّمل ، فانّ من أذاك حلّ لك دفعه عن نفسك و لا أحد من خلق اللّه أعظم حرمة من المؤمن و قد أبیح لك دفعه بضرب أو قتل على ماله من المقدار ، فكیف بالهوام و الدّواب التی قد سخّرت للمؤمن و سلّط علیها .

قال الدمیری : و روى الطبرانی و الدار قطنی أنّه قال : لما كلّم اللّه موسى علیه السّلام كان یبصر دبیب النملة على الصفاء فی اللّیلة الظلماء من مسیرة عشرة فراسخ .

قال : و روى أنّ النملة التی خاطبت سلیمان أهدت إلیه نبقة 1 فوضعها علیه السّلام فی كفّه فقالت :

-----------
( 1 ) النبقة بالنون المكسورة ثم الباء الساكنة حمل السدر ، ق

[ 36 ]

أ لم ترنا نهدى إلى اللّه ماله
و إن كان عنه ذاغنی فهو قابله

و لو كان یهدى للجلیل بقدره
لقصر عنه البحر حین یساجله

و لكنّنا نهدى إلى من نحبّه
فیرضى بها عنّا و یشكر فاعله

و ما ذاك إلاّ من كریم فعاله
و إلاّ فما فی ملكنا من یشاكله

فقال سلیمان علیه السّلام : بارك اللّه فیكم فهو بتلك الدعوة أكثر خلق اللّه ، انتهى ما أهمّنا نقله من كتاب حیوة الحیوان .

أقول : و من عجیب قصّة النمل ما جرى له مع سلیمان علیه السّلام و قد اخبر به سبحانه فی كتابه العزیز قال تعالى فی سورة النمل و حشر لسلیمان جنوده من الجنّ و الانس و الطیر فهم یوزعون . حتّى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة یا أیّها . النّمل ادخلوا مساكنكم لا یحطمنّكم سلیمان و جنوده و هم لا یشعرون . فتبسّم ضاحكا من قولها و قال ربّ أوزعنی أن أشكر نعمتك التى أنعمت علىّ و على والدیّ و أن أعمل صالحا ترضیه و أدخلنی برحمتك فی عبادك الصّالحین .

قال الطبرسیّ « أتوا على واد النمل » هو واد بالطایف و قیل بالشام « قالت نملة » أى صاحت بصوت خلق اللّه لها ، و لما كان الصوت مفهوما لسلیمان عبّر عنه بالقول ، و قیل : كانت رئیسة النّمل « لا یحطمنّكم » أى لا یسكرنّكم « سلیمان و جنوده و هم لا یشعرون » بحطمكم أو وطئكم فانهم لو علموا بمكانكم لم یطأوكم .

و هذا یدلّ على أنّ سلیمان و جنوده كان ركبانا و مشاة على الأرض و لم تحملهم الریح ، لأنّ الریح لو حملتهم بین السّماء و الأرض لما خافت النملة أن یطأوها بأرجلهم و لعلّ هذه القصّة كانت قبل تسخیر اللّه الریح لسلیمان علیه السّلام .

فان قیل : كیف عرفت النّملة سلیمان و جنوده حتّى قالت هذه المقالة ؟

قلنا : إذا كانت مأمورة بطاعته فلا بدّ و أن یخلق اللّه لها من الفهم ما تعرف به امور طاعته ، و لا یمتنع أن یكون لها من الفهم ما تستدرك به ذلك و قیل : إنّ ذلك كان منها على سبیل المعجز .

« فتبسّم ضاحكا من قولها » و سبب ضحكه التعجب لأنّه رأى ما لا عهد له به

[ 37 ]

و قیل انه تبسّم بظهور عدله حتّى عرفه النمل ، و قیل : إنّ الریح أطارت كلامها إلیه من ثلاثة أمیال حتّى سمع ذلك فانتهى إلیها و هى تأمر النمل بالمبادرة ، فتبسّم علیه السّلام من حذرها ، هذا .

قال بعض أهل العلم : إنّ النملة تكلّمت بعشرة أنواع من البدیع قولها : یا نادت ، أیّها ، نبّهت ، النمل ، سمّت ، ادخلوا ، أمرت ، مساكنكم ، نعتت ، لا یحطمنّكم حذرت ، سلیمان ، خصّت ، و جنوده ، عمّت ، و هم ، أشارت ، لا یشعرون ، اعتذرت .

و فی البحار من تفسیر علیّ بن إبراهیم « و حشر لسلیمان جنوده من الجنّ و الانس و الطیر » قعد على كرسیّه و حملته الریاح على واد النمل و هو واد ینبت الذّهب و الفضة ، قد وكّل اللّه به النمل و قول الصّادق علیه السّلام : إن للّه وادیا ینبت الذّهب و الفضة قد حماء اللّه بأضعف خلقه و هو النمل لو رامه البخاتی ما قدرت علیه ، فلما انتهى سلیمان إلى وادى النمل قالت نملة الآیة .

و فی البحار من العیون و العلل بسنده عن داود بن سلیمان الغازی قال :

سمعت علیّ بن موسى الرّضا علیه السّلام یقول عن أبیه موسى بن جعفر عن أبیه جعفر ابن محمّد علیهم السّلام فی قوله عزّ و جلّ « فتبسّم ضاحكا من قولها » .

قال : لما قالت النملة « یا أیّها النمل ادخلوا مساكنكم لا یحطمنّكم سلیمان و جنوده » حملت الریح صوت النملة إلى سلیمان و هو مارّ فی الهواء و الریح قد حملته فوقف و قال : علىّ بالنملة .

فلما اتى بها قال سلیمان : یا أیّتها النملة أما علمت أنّی نبیّ اللّه و أنّی لا أظلم أحدا ؟ قالت النّملة : بلى ، قال سلیمان : فلم حذّر تنیهم ظلمی ؟ و قلت : یا أیّها النمل ادخلوا مساكنكم ؟ قالت النملة : خشیت أن ینظروا إلى زینتك فیفتتنوا بها فیبعدوا عن ذكر اللّه .

ثمّ قالت النملة : أنت أكبر أم أبوك داود ؟ قال سلیمان : بل أبی داود ، قالت النملة : فلم زید فی حروف اسمك حرف على حروف اسم أبیك داود ؟ قال سلیمان علیه السّلام : ما لى بهذا علم ، قالت النملة : لأنّ أباك داوى جرحه بودّ فسمّى داود و أنت

[ 38 ]

یا سلیمان أرجو أن تلحق بأبیك .

ثمّ قالت النّملة : هل تدرى لم سخّرت لك الرّیح من بین سایر المملكة ؟

قال سلیمان : ما لی بهذا علم ، قالت النّملة : یعنی عزّ و جلّ بذلك لو سخّرت لك جمیع المملكة كما سخّرت لك هذه الرّیح لكان زوالها من یدك كزوال الریح « فتبسّم ضاحكا من قولها » .

قال العلاّمة المجلسی ( ره ) معنى التعلیل الذی ذكره النملة أنّ أباك لما ارتكب ترك الأولى و صار قلبه مجروحا بذلك فداواه بودّ اللّه و محبّته فلذا سمّى بداود و اشتقاقا من الدواء بالودّ ، و أنت لما ترتكب بعد و أنت سلیم منه سمّیت سلیمان فخصوص العلتین للتسمیتین صارتا علّة لزیادة اسمك على اسم أبیك .

ثمّ لما كان كلامها موهما لكونه من جهة السّلامة أفضل من أبیه استدركت ذلك بأنّ ما صدر منه لم یصر سببا لنقصه بل صار سببا لكمال محبّته و تمام مودّته و أرجو أن تلحق أنت أیضا بأبیك فی ذلك لیكمل محبّتك .

و فی حیوة الحیوان عن الثعلبی و غیره أنّها كانت مثل الذئب فی العظم و كانت عرجاء ذات جناحین .

و فی تفسیر مولا فتح اللّه من كشف الغمّة : كانت مثل الدّیك ، و من زاد المسیر : كانت بعظم نعجة ، و من كشف الأسرار سألها سلیمان علیه السّلام عن مقدار جیشها فقالت أربعة آلاف قائد ، و لكلّ قائد أربعون ألف نقیب ، و لكلّ نقیب أربعون ألفا و فی روضة الصفا قال لها سلیمان علیه السّلام أما علمت أنّی نبیّ اللّه لا أرضى بظلم أحد ؟ قالت : نعم ، قال : فلم حذرتهم ؟ قال : یلزم على السائس أن ینصح قومه ، و أیضا فقد خفت من جنودك أن یحطمنّهم من حیث لا یشعرون ، فاستحسن علیه السّلام قولها .

ثمّ قال لها تلطّفا : سلطانك أعظم أم سلطانی ؟ قالت : بل سلطانی ، قال :

فكیف ذلك ؟ قالت : لأنّ سریرك على الریح و سریرى كفك .

ثمّ قال : جندك أكثر أم جندی ؟ قالت : بل جندی ، قال من أین هذا ؟ قالت فارجه حتّى أعرض علیك بعض جیشی ، فصاحت علیهم أن اخرجوا من حجراتكم

[ 39 ]

حتّى ینظر إلیكم نبیّ اللّه ، فخرج سبعون ألف فوج لا یعلم عددهم إلاّ اللّه قال علیه السّلام :

هل بعد ذلك ؟ قالت : لو خرج كلّ یوم مثلها إلى سبعین عاما لم تنفدوا ، ثمّ لما أراد المسیر أهدت إلیه نصف رجل جراد و اعتذرت كما قال الشاعر :

أهدت سلیمان یوم العرض نملته
تأتى برجل جراد كان فی فیها

ترنمت بفصیح القول و اعتذرت
إنّ الهدایا على مقدار مهدیها

الثانی فی الجرادة

قال فی حیوة الحیوان : الجراد معروف الواحدة جرادة الذكر و الانثى فیه سواء یقال هذه جرادة انثى كنملة و حمامة ، قال أهل اللّغة : و هو مشتقّ من الجرد قالوا : و الاشتقاق فی أسماء الأجناس قلیل جدّا یقال : ثوب جرد أى أملس ، و ثوب جرد إذا ذهب زبره .

و هو أصناف مختلفة فبعضه كبیر ، و بعضه صغیر ، و بعضه أصفر و بعضه أبیض و إذا خرج من بیضه یقال له الدبا ، فاذا طلعت أجنحته و كبرت فهو الغوغا ، الواحدة غوغاة و ذلك حین یموج بعضه فی بعض ، فاذا بدت فیه الألوان و اصفرت الذكور و اسودت الاناث سمّى جرادا حینئذ و إذا أراد أن یبیض التمس لبیضه المواضع الصّلدة و الصخور الصّلبة التی لا تعمل فیها المعاول فیضربها بذنبه فتفرج له فیلقى بیضه فی ذلك الصّدع فیكون له كالافحوص و یكون حاضنا له و مربیا .

و للجرادة ستّة أرجل یدان فی صدرها و قائمتان فی وسطها و رجلان فی مؤخّرها و طرفا رجلیها منشاران ، و هو من الحیوان الّذی ینقاد لرئیسه فیجتمع كالعسكر إذا ظعن أوله تتابع جمیعه ظاعنا و إذا نزل أوله نزل جمیعه ، و لعابه سمّ ناقع للنبات لا یقع على شی‏ء منه إلاّ أهلكه .

قال : و فی الجراد خلقة عشرة من جبابرة الحیوان مع ضعفه : وجه فرس و عینا فیل ، و عنق ثور ، و قرنا ایل ، و صدر أسد ، و بطن عقرب ، و جناحا نسر ، و فخذا جمل ، و رجلا نعامة ، و ذنب حیّة .

[ 40 ]

و قد أحسن القاضی محیى الدّین فی وصف الجراد بذلك فی قوله :

فخذا بكر و ساقا نعامة
و قادمتا نسر و جؤجؤ ضیغم

حبتها أفاعى الأرض بطنا و أنعمت
علیها جیاد الخیل بالرأس و الفم

قال الشارح المعتزلی : قال أبو عثمان فی كتاب الحیوان : من عجائب الجرادة التماسها لبیضها الموضع الصّلد و الصّخور الملس ثقة بأنها إذا ضربت بأذنابها فیها انفرجت لها ، و معلوم أنّ ذنب الجراد لیس فی خلقة المنشار و لا طرف ذنبه كحدّ السّنان و لا لها من قوّة الاسر و لا لذنبها من الصّلابة ما اذا اعتمدت به على الكدیة جرح فیها ، كیف و هی تتعدّى إلى ما هو أصلب من ذلك .

و لیس فی طرفها كابرة العقرب و على أنّ العقرب لیس تخرق القمقم بذنبها من جهد الأید و قوّة البدن ، بل انما ینفرج المها بطبع مجعول هناك ، و كذلك انفراج الصخور لأذناب الجراد .

و لو أنّ عقابا أرادت أن تخرق جلد الجاموس لما انخرق لها إلاّ بالتكلّف الشدید و العقاب هى التی تنكدر على الذئب فتقد بدابرتها ما بین صلوه إلى موضع الكاهل فاذا غرزت الجرادة و ألقت بیضها و انضمّت علیها تلك الأخادید التی هی أحدثتها و صارت كالأفاحیص لها ، صارت حاضنة لها و مربیة و حافظة و صائنة واقیة .

حتّى اذا جائت وقت دبیب الرّوح فیها حدث عجب آخر لأنّه تخرج من بیضه أصهب إلى البیاض ، ثمّ یصفّر و یتكوّن فیه خطوط سود و بیض ، و حجم جناحه ثمّ یستقل فیموج بعضه فی بعض .

قال فی حیوة الحیوان : تكتب هذه الكلمات و تجعل فی انبوبة قصب و تدفن فی الزرع أو فی الكرم فانّه لا یؤذیه الجراد باذن اللّه تعالى و هی :

« بسم اللّه الرّحمن الرّحیم اللّهمّ صلّ على سیّدنا محمّد و على آل سیّدنا محمّد و سلّم ، اللّهمّ أهلك صغارهم و اقتل كبارهم ، و افسد بیضهم و خذ بأفواههم عن معایشنا و أرزاقنا إنّك سمیع الدّعاء ، إنّى توكّلت على اللّه ربّی و ربّكم ما

[ 41 ]

من دابّة إلاّ هو آخذ بناصیتها إنّ ربّی على صراط مستقیم ، اللّهم صلّ على سیّدنا محمد و على آل سیدنا محمّد و سلّم و استجب منّا یا أرحم الرّاحمین » و هو عجیب مجرّب .

الثالث فی الغراب

قال فی حیوة الحیوان : الغراب معروف سمّى بذلك لسواده و منه قوله تعالى « و غرابیب سود » و كنیته أبو المرقال قال : قال الشاعر :

انّ الغراب و كان یمشى مشیة
فیما مضى من سالف الأجیال

حسد القطاة و رام یمشى مشیها
فأصابه ضرب من العقال

فأضلّ مشیته و أخطأ مشیها
فلذاك سمّوه أبا المرقال

و هو أصناف : العذاف ، و الزاغ ، و الاكحل ، و غراب الزرع ، و الاورق ، و هذا الصنف یحكى جمیع ما یسمعه ، و الغراب الأعصم عزیز الوجود قالت العرب : أعزّ من الغراب الأعصم .

و قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مثل المرأة الصالحة فی النساء كمثل الغراب الأعصم فی مأة غراب رواه الطبرانی من حدیث أبی أمامة .

و فی روایة ابن أبی شیبة قیل : یا رسول اللّه و ما الغراب الأعصم ؟ قال : الّذی إحدى رجلیه بیضاء .

و قال فی الاخبار الأعصم أبیض البطن ، و قیل : أبیض الجناحین ، و قیل :

أبیض الرجلین ، و غراب اللیل قال الجاحظ : هو غراب ترك أخلاق الغربان و تشبه باخلاق البوم فهو من طیر اللیل .

و قال ارسطا طالیس : الغراب أربعة أجناس : أسود حالك ، و أبلق ، و مطرف ببیاض لطیف الجرم یأكل الحبّ ، و أسود طاووسى براق الرّیش و رجلاه كلون المرجان یعرف بالزاغ .

قال صاحب المنطق : الغراب من لئام الطیر و لیس من كرامها و لا من أحرارها و من شأنه أكل الجیف و القمامات .

[ 42 ]

و هو إما حالك السّواد شدید الاحتراق ، و یكون مثله فی النّاس الزنج فانّهم شرار الخلق تركیبا و مزاجا كمن بردت بلاده و لم تنضجه الأرحام أو سخنت بلاده فأحرقته الأرحام ، و إنما صارت عقول أهل بابل فوق العقول و كمالهم فوق الكمال لأجل ما فیها من الاعتدال ، فالغراب الشدید السّواد لیس له معرفة و لا كمال .

و الغراب الأبقع كثیر المعرفة و هو اللئیم من الأسود .

و غراب البین الأبقع قال الجوهری : هو الذی فیه سواد و بیاض ، و قال صاحب المجالسة : سمّی الغراب البین لأنه بان عن نوح علیه السّلام لما وجّهه لینظر إلى الماء فذهب و لم یرجع ، و لذلك تشأموا به .

و قال صاحب منطق الطیر : الغربان جنس من الأجناس التی امر بقتلها فی الحلّ و الحرم من الفواسق ، اشتقّ لها ذلك الاسم من اسم إبلیس لما یتعاطاه من الفساد الذی هو شأن إبلیس ، و اشتقّ ذلك أیضا لكلّ شی‏ء اشتدّ أذاه ، و أصل الفسق الخروج عن الشی‏ء ، و فی الشرع الخروج عن الطاعة .

و قال الجاحظ : غراب البین نوعان : أحدهما غراب صغیر معروف باللّوم و الضعف و أمّا الآخر فانّه ینزل فی دور النّاس و یقع على مواضع اقامتهم إذا ارتحلوا عنها و بانوا منها ، فلما كان هذا الغراب لا یوجد إلاّ عند بینونتهم عن منازلهم اشتقّوا له هذا الاسم من البینونة .

و قال المقدسی : هو غراب أسود ینوح نوح الحزین المصاب و ینعق بین الحلال « الخلاّن » و الأحباب ، و إذا رأى شملا مجتمعا انذر بشتاته ، و إن شاهد ربعا عامرا بشّر بخرابه و دروس عرصاته ، یعرّف النازل و الساكن بخراب الدّور و المساكن ، و یحذّر الآكل غصّة المآكل ، و یبشّر الراحل بقرب المراحل ، ینعق بصوت فیه تحزین ، كما یصیح المعلن بالتأذین ، و أنشد على لسان حاله :

أنوح على ذهاب العمر منّى
و حق أن أنوح و أن أنادى

و أنذر كلّما عاینت ركبا
حدابهم لو شك البین حادى

[ 43 ]

یعنّفنی الجهول إذا رآنی
و قد البست أثواب الحداد

فقلت له اتّعظ بلسان حالی
فانّى قد نصحتك باجتهاد

و ها أنا كالخطیب و لیس بدعا
على الخطباء أثواب السّواد

ألا ترنى إذا عاینت ركبا
أنادى بالنوى فی كلّ ناد

أنوح على الطلول فلم یجبنی
بساحتها سوى خرس الحماد

فأكثر فی نواحیها نواحى
من البین المفتّت للفؤاد

تیقّظ یا ثقیل السّمع و افهم
إشارة من تسیر به الغوادی

فما من شاهد فی الكون إلاّ
علیه من شهود الغیب بادى

و كم من رائح فیها و غاد
ینادى من دنوّ أو بعاد

لقد أسمعت لو نادیت حیّا
و لكن لا حیاة لمن ینادى

قال الدمیرى : و العرب تتشأم بالغراب و لذا اشتقّوا من اسمه الغربة و الاغتراب و الغریب .

و قال الجاحظ : و انما كان الغراب عندهم هو المقدم فی باب الشوم لأنّه لما كان أسود و لونه مختلفا ان كان أبقع و لم یكن على ابلهم شی‏ء أشدّ من الغراب و كان حدید البصر یخاف من عینیه كما یخاف من عین المعیان قدّموه فی باب الشوم ، انتهى .

و یقال : إنّ الغراب یبصر من تحت الأرض بقدر منقاره ، و فی طبع الغراب كلّه :

الاستتار عند السّفاد ، و هو یسفد مواجهة و لا یعود إلى الأنثى بعد ذلك أبدا لقلّة وفائه ، و الأنثى تبیض أربع بیضات أو خمسا .

و إذا خرجت الفراخ من البیض طردتها لأنّها تخرج قبیحة المنظر جدّا اذ تكون صغار الأجرام عظام الرؤوس و المناقیر ، جرو اللون متفاوتات الأعضاء ، فالأبوان ینكران الفراخ و یطیران لذلك و یتركانه ، فیجعل اللّه قوته فی الذباب و البعوض الكائن فی عشه إلى أن یقوى و ینبت ریشه ، فیعود إلیه أبواه و على الأنثى الحضن و على الذكر أن یأتیها بالمطعم .


ادامه مطلب


نظرات() 




درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox