تبلیغات
پیام هادی - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-02:40 ب.ظ

[ 397 ]

و الدّعوة عن الشّر و المكروه قال الشّاعر :

ألا یا أمّ زنباغ أقیمى
صدور العیس نحو بنى تمیم

هنالك لو دعوت أتاك منهم
فوارس مثل أرمیة الحمیم

( و لا إلى ظلّ الفة یعتمدون على عزّها ) إضافة ظلّ إلى الفة من إضافة المشبّه به إلى المشبّه ، و وجه الشبّه أنّ الظّل سبب الرّاحة و السّلامة من حرارة الشمس و الالفة سبب الرّاحة و السلامة من نار العدوّ ، و وصف الالفة بالاعتماد لأنّ الالفة مستلزم للعزّ ، فبا لاعتماد علیها یحصل العزّ اللاّزم منها .

و لمّا بیّن مساوى حالاتهم من الفقر و الفاقة و الذلّة و ضیق المعاش و غیرها فرّع علیه قوله :

( فالأحوال ) أى أحوالهم ( مضطربة و الأیدى مختلفة و الكثرة متفرّقة ) كائنین ( فی بلاء أزل و أطباق جهل ) أى فی شدّة بلاء و طبقات من الجهل أى جهل متراكم بعضه فوق بعض قال الشارح البحرانی : و فی نسخة الرّضی و إطباق بكسر الهمزة فیكون المعنی و جهل مطبق علیهم عام .

ثمّ فصل ما نشأ من هذا الجهل من القبایح و الفضایح بقوله ( من بنات موؤودة ) أى مدفونة حیّة فقد كانت العرب یئدون البنات و یرشد إلیه قوله تعالى و إذا الموؤودة سئلت بأىّ ذنب قتلت .

و قیل إنّه مختصّ بنی تمیم و استفاض منهم فی جیرانهم ، و قیل : بل كان ذلك أى الوئد فی بنی تمیم و قیس أسد و هذیل و بكر بن وائل و یؤیّدة قوله و كذلك زیّن لكثیر من المشركین قتل اولادهم شركائهم .

و اختلفوا فی سبب الوئد فقیل : هو الفقر و الاملاق ، قالوا : و ذلك إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم دعا علیهم فقال ، اللّهم اشدد وطأتك على مضروا جعل علیهم سنین كسنى یوسف ،

فاجدبوا سبع سنین حتّى أكلوا الوبر بالدّم فوأدوا البنات لفقرهم ، و یدلّ على ذلك قوله سبحانه و لا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم و ایّاهم .

و قیل : بل الأنفة و لحوق العار بهم من أجلهنّ ، و ذلك إنّ تمیما منعت النعمان بن

[ 398 ]

المنذر الخراج سنة من السّنین فوجّه إلیهم أخاه الریّان بن المنذر فأغار علیهم و استاق النّعم و سبى الذّرارى ، فوفدت بنو تمیم الى النعمان و استعطفوه ، فرقّ علیهم و أعاد علیهم السّبى و قال كلّ امرأة اختارت أباها ردّت علیه و إن اختارت صاحبها تركت علیه ، فكلّهنّ اخترن أباهنّ إلاّ بنت قیس بن عاصم فانها اختارت من سباها ،

فنذر قیس بن عاصم المنقرى التمیمى أن لا تولد له بنت إلاّ وئدها ، ثمّ اقتدى به كثیر من بنی تمیم .

و اختلف فی كیفیّة الوئد فقیل : كان الرّجل إذا ولدت له بنت فأراد بقاء حیاتها ألبسها جبّة من صوف أو شعر لترعى له الابل و الغنم فى البادیة ، و إن أراد قتلها تركها حتّى إذا بلغت قامتها ستّة أشبار فیقول لامّها طیّبیها و زیّنیها حتّى أذهب بها إلى أقاربها ، و قد حفر لها بئرا فى الصّحرا فیبلغ بها إلى البئر فیقول لها :

انظرى فیها ، ثمّ یدفعها من خلفها و یهیل علیها التراب حتّى یستوى البئر بالأرض .

و قیل : كانت الحامل إذا قربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة فإذا ولدت بنتا رمتها فی الحفرة ، و إذا ولدت ابنا أمسكته .

و كانت صعصعة بن ناجیة ممّن منع الوئد ، فافتخر الفرزدق به فى قصیدته الّتی یهجوبها جریرا ، و هو قوله :

و منّا الّذى أحیى الوئید و غالب
و عمرو و منا حاجب و الأقارع

و قد حكینا فی دیباجة الشّرح ، عن ابن أبى الدّنیا أنّه قال : لم یكن أحد من أشراف العرب بالبادیة كان أحسن دینا من صعصعة ، و هو الّذى أحیى ألف موؤودة و حمل على ألف فرس .

و روى الشّارح المعتزلى هنا قال : إنّ صعصعة لمّا وفد على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال :

یا رسول اللّه إنّی كنت أعمل فى الجاهلییة عملا صالحا فهل ینفعنى ذلك الیوم ؟

قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : و ما عملت ؟ قال : أضللت ناقتین عشراوین فركبت جملا و مضیت فى بغائهما فرفع لى بیت جرید فقصدته فإذا شیخ جالس بفنائه فسألته عن الناقتین فقال : ما نارهما ؟ قلت : میسم بنى دارم قال : هما عندى و قد أحیى اللّه

[ 399 ]

بهما قوما من أهلك من مضر ، فجلست معه لیخرجهما إلىّ فاذا عجوز قد خرجت من كسر البیت فقال لها : ما وضعت ؟ فان كان سقیا شاركنا فی أموالنا و إن كان حائلا 1 أوئدناها ، فقالت العجوز : وضعت أنثى ، فقلت له : أ تبیعها ؟ قال : و هل تبیع العرب أولادها ؟ قلت : إنّما أشترى حیاتها و لا أشترى رقّها ، قال : فبكم ؟ قلت :

احتكم ، قال : بالنّاقتین و الجمل ، قلت : ذاك لك على أن یبلغنی الجمل و إیّاها ،

قال : قد بعتك ، فاستنقذتها منه بالجمل و النّاقتین و آمنت بك یا رسول اللّه و قد صارت لى سنّة فى العرب أن اشترى كلّ موؤودة بناقتین عشراوین و جمل ، فعندى إلى هذه الغایة ثمانون و مأتا موؤودة قد أنقذتهنّ ، فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لا ینفعك ذلك لأنّك لم تبتغ به وجه اللّه و إن تعمل فى إسلامك عملا صالحا تصب علیه .

( و أصنام معبودة ) قد مضى فى شرح الفصل السّادس عشر من المختار الأوّل أنّ جمهور العرب كانوا عند بعثة النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عبدة أصنام ، و مضى هناك تفصیل أصنامهم المعبودة و لا حاجة إلى الاعادة .

( و أرحام مقطوعة و غارات مشنونة ) أى مصبوبة من كلّ جهة ، فانّ القتل و الغارة و قطع الأرحام كانت من شعار العرب فی الجاهلیة و قد أشار إلى ذلك و إلى بعض ما تقدّم هنا من حالات العرب فى الفصل الأوّل من المختار السّادس و العشرین حیث قال علیه السّلام هناك :

إنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نذیرا للعالمین ، و أمینا على التّنزیل ، و أنتم معشر العرب على شرّ دین و فی شرّ دار ، بین حجارة خشن ، و حیّات صمّ ، تشربون الكدر ،

و تأكلون الجشب ، و تسفكون دماءكم ، و تقطعون أرحامكم ، الأصنام فیكم منصوبة ،

و الآثام بكم معصوبة .

و قد ألّف إبراهیم بن مسعود الثقفى كتابا سمّاه كتاب الغارات جمع فیه غارات العرب و حروبهم ، و إن شئت ارشدك إلى اثنین من تلك الحروب و الغارات فانّهما انموزج منها .

أحدهما ما كان بین الأوس و الخزرج من الحروب الّتى تطاولت مأة و عشرین سنة

-----------
( 1 ) الانثى من أولاد الابل ، م .

[ 400 ]

إلى أن ألف اللّه بین قلوبهم بالاسلام .

و ثانیهما ما كان بین تغلب و بكر بن وابل أربعین سنة حتّى صار من أمثال العرب السّائرة أشأم من البسوس .

قیل : إنها امرأة كانت لها ناقة فرآها كلیب ترعى فى حماه و قد كسرت بیض طائر كان قد أجاره ، فرمی ضرعها بسهم فوثب جساس 1 إلى كلیب فقتله ، فهاجت الحرب بین بكر و تغلب « تغلب و بكرظ » بن وابل أربعین سنة .

قال التفتّازانی : البسوس زارت اختها البهیلة و هى امّ جساس بجار لها من جرم زیاد له ناقة و كلیب قد حمى أرضا من العالیة فلم یكن یرعاها إلاّ إبل جساس لمصاهرة بینهما ، فخرجت فى ابل جساس ناقة الجرمى ترعى فى حمى كلیب فأنكرها كلیب فرماها فاختلّ زرعها « ضرعها ظ » فولّت حتّى بركت بفناء صاحبها و زرعها « ضرعها ظ » تشخب دما و لبنا ، و صاحت البسوس : و اذلاّه و اعزبتاه ، فقال جساس ایّتها الحرّة اهدئى فو اللّه لأعقرنّ فحلا هو أعزّ على أهله منها ، فلم یزل جساس یتوقّع عزّة كلیب حتّى خرج و تباعد عن الحىّ فبلغ جساسا خروجه ، فخرج على فرسه و اتّبعه فرمى صلبه حتّى وقف علیه ، فقال كلیب : یا عمرو أغثنى بشربة من ماء فاجهز علیه و نشب الشّر بین تغلب و بكر أربعین سنة .

و هذا انموزج من شنّ الغارات فى العرب و قطع الأرحام أوردناه تبصرة لك و توضیحا لكلامه علیه السّلام هذا .

و لمّا ذكر ما كانت العرب علیه قبل بعثة النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من الضّیم و الذّل و الفقر و الجهل ، أردفه بالتّنبیة على أعظم ما أنعم اللّه سبحانه به علیهم من بعث النّبى الكریم محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلیهم و تبدیل سوء حالهم بحسن الحال ببركة هذه النعمة العظیمة فقال :

( فانظروا إلى مواقع نعم اللّه علیهم حین بعث إلیهم رسولا ) كریما ( فعقد ) أى

-----------
( 1 ) جساس بن مرة قاتل كلیب بن وابل م

[ 401 ]

اللّه سبحانه أو الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ( بملّته طاعتهم ) لأنّ طاعتهم قد كانت فی الجاهلیّة تابعة لأهوائهم الباطلة ، متشتّتة بتشتّت الآراء المختلفة ، فلذلك اتّخذوا لهم آلهة فأطاع كلّ منهم إلهه و صنمه فعقد الملّة طاعتهم للّه تعالى بعد الانتشار و عبادة الأصنام .

( و جمع على دعوته ) أى الرّسول ( الفتهم ) بعد طول تضاغن القلوب و تشاحن الصّدور ، و أشار إلى تفصیل مواقع نعم اللّه بقوله :

( كیف نشرت النعمة علیهم جناح كرامتها ) شبّه النعمة أى نعمة الاسلام الحاصلة بالبعثة فى انبساطها علیهم بالطایر الباسط لجناحه على فرخه على سبیل الاستعارة بالكنایة و ذكر الجناح تخییل و النّشر ترشیح .

( و أسالت ) أى أجرت ( لهم جداول نعیمها ) و الكلام فی هذه القرینة مثله فی سابقتها ، فانّه علیه السّلام شبّه النعمة بالنّهر العظیم الّذی تسیل منه الجداول و الأنهار الصّغار إلى المحال القابلة و المواضع المحتاجة ، فأثبت الجداول تخییلا و الاسالة ترشیحا ، و وجه الشبّه أنّ جریان الجداول من النهر سبب لحیاة الموات من الأرض و كذلك إفاضة أنواع النّعم و شؤون الخیرات من نعمة الاسلام الّتی هی أعظم النعماء فی الموادّ المستعدّة سبب لحیاة القلوب المیّتة بموت الجهل و الضّلالة مضافة الى الثّمرات الدّنیویّة .

( و التقّت الملّة بهم عوائد بركتها ) أى جمعتهم ملّة الاسلام بعد ما كانوا متفرّقین فی منافعها و معروفاتها الحاصلة ببركتها ، فكان تلك المنافع ظرفا لاجتماعهم حاویة لهم محیطة بهم إحاطة الظرف بالمظروف .

( فأصبحوا ) أى صاروا بحوایة عوائدها لهم ( فی نعمتها غرقین ) و التعبیر به مبالغة فی احاطة النعمة علیهم من جمیع الجهات إحاطة الماء بالغرقى و الغائصین .

( و عن خضرة عیشها فكهین ) أى اشربن فرحین بسعة المعاش و طیبه ، أو ناعمین مازحین من خضرة العیش .

( و قد تربعت الامور بهم ) أى اعتدلت امورهم و استقامت ( فی ظلّ سلطان قاهر ) اى سلطان الاسلام الغالب على سایر الأدیان ( و آوتهم الحال ) أى ضمّتهم حسن حالهم

[ 402 ]

و أنزلتهم ( الى كنف عزّ غالب ) أى إلى جانبه و ناحیته أو كنایة عن حرزه كما فی قولك :

أنت فی كنف اللّه ، أى حرزه و ستره ( و تعطّفت الأمور علیهم فی ذرى ملك ثابت ) أى أقبلت السعادات الدّنیویّة و الأخرویّة علیهم بعد إدبارها عنهم إقبال الشفیق العطوف على من یشفق و یتعطف علیه فی أعالی السّلطنة الثّابتة المستقرّة .

( فهم حكّام على العالمین و ملوك فى أطراف الأرضین یملكون الامور ) أى امور الملك و السلطنة ( على من كان یملكها علیهم ) من الكفرة الفجرة ( و یمضون الأحكام فیمن كان یمضیها فیهم ) من كفّار مكّة ، و قریش و غیرهم من عبدة الأوثان ( لا تغمز لهم قناة و لا تقرع لهم صفاة ) إشارة إلى قوّتهم و عدم تمكّن الغیر من قهرهم و غلبتهم .

قال الشارح المعتزلی : و یكنّی عن العزیز الّذى لا یضام فیقال : لا یغمز له قناة ، أى هو صلب و القناة إذا لم تكن فی ید الغامز كانت أبعد عن الحطم و الكسر ،

قال : و لا تقرع لهم صفاة مثل یضرب لمن لا یطمع فی جانبه لعزّته و قوّته .

تبصرة

لمّا كان أوّل هذا الفصل من كلامه علیه السّلام متضمّنا للاشارة إلى ملك الأكاسرة ، و آخرها متضمّنا للاشارة إلى بعثة الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و اقتصاص حال أهل الجاهلیّة فی دولة الأكاسرة و أیّام الفترة و حین البعثة و بعدها أحببت أن أورد هنا روایة متضمّنة لهذا المرام ،

مبیّنا فیها أسماء الملوك مفصّلا من زمن عیسى إلى زمن الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أسماء المبعوثین قبله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من الأنبیاء و الرّسل علیهم السّلام لمزید ارتباطها بالمقام فأقول :

روى الصّدوق فی كتاب اكمال الدّین عن أبیه و محمّد بن الحسن « رض » قالا :

حدّثنا سعد بن عبد اللّه قال : حدّثنا أحمد بن محمّد بن عیسى عن العبّاس بن معروف عن علیّ بن مهزیار عن الحسن بن سعید عن محمّد بن اسماعیل القرشی عمّن حدّثه عن إسماعیل بن أبی رافع عن أبیه أبی رافع قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّ جبرئیل نزل علیّ بكتاب فیه خبر الملوك ملوك الأرض قبلی ، و خبر من بعث قبلی من الأنبیاء

[ 403 ]

و الرّسل و هو حدیث طویل أخذنا منه موضع الحاجة إلیه قال :

لمّا ملك اشبح بن اشجان و كان یسمى الكیس و كان قد ملك مأتى و ستّا و ستّین سنة .

ففی سنة إحدى و خمسین من ملكه بعث اللّه عزّ و جل عیسى بن مریم علیه السّلام و استودعه النور و العلم و الحكم و جمیع علوم الأنبیاء قبله ، و زاده الانجیل ، و بعثه إلى بیت المقدس الى بنی إسرائیل یدعوهم إلى كتابه و حكمته و إلى الایمان باللّه و رسوله ،

فأبى أكثرهم إلاّ طغیانا و كفرا ، فلمّا لم یؤمنوا به دعا ربّه و عزم علیه ، فمسخ منهم شیاطین لیریهم آیة فیعتبروا فلم یزدهم ذلك إلاّ طغیانا و كفرا ، فأتى بیت المقدس فمكث یدعوهم و یرغبهم فیما عند اللّه ثلاثا و ثلاثین سنة حتّى طلبه الیهود و ادّعت أنّها عذّبته و دفنته فی الأرض ، و ادّعا بعضهم أنّهم قتلوه و صلبوه ، و ما كان اللّه لیجعل لهم سلطانا علیه و إنّما شبّه لهم و ما قدروا على عذابه و دفنه و على قتله و صلبه لقوله عزّ و جلّ إنّى متوفّیك و رافعك إلىّ و مطهّرك من الّذین كفروا و لم یقدروا على قتله و صلبه لأنّهم لو قدروا على ذلك كان تكذیبا لقوله تعالى : و لكن رفعه اللّه الیه بعد أن توفّاه علیه السّلام .

فلمّا أراد أن یرفعه أوحى إلیه أن استودع نور اللّه و حكمته و علم كتابه شمعون ابن حمّون الصّفا خلیفة على المؤمنین ، ففعل ذلك فلم یزل شمعون فی قومه یقوم بأمر اللّه عزّ و جلّ و یهتدى بجمیع مقال عیسى فی قومه من بنی إسرائیل و جاهد الكفّار ، فمن أطاعه و آمن به فیما جاء به كان مؤمنا ، و من جحده و عصاه كان كافرا حتّى استخلص ربّنا تبارك و تعالى و بعث فی عباده نبیّا من الصّالحین و هو یحیى بن زكریّا علیه السّلام و قبض شمعون .

و ملك عند ذلك اردشیر بن اشكان « زار كان خ ل » أربع عشرة سنة و عشرة أشهر ،

و فی ثمان سنین من ملكه قتلت الیهود یحیى بن زكریا علیه السّلام .

و لمّا أراد اللّه سبحانه أن یقبضه أوحى إلیه أن یجعل الوصیّة فی ولد شمعون و یأمر الحواریّین و أصحاب عیسى علیه السّلام بالقیام معه ففعل ذلك .

[ 404 ]

و عندها ملك سابور بن أردشیر ثلاثین سنة حتّى قتله اللّه و استودع علم اللّه و نوره و تفصیل حكمته فی ذریّته یعقوب بن شمعون و معه الحواریّون من أصحاب عیسى علیه السّلام و عند ذلك ملك بخت نصر مأة سنة و سبعا و ثمانین سنة ، و قتل من الیهود سبعین ألف مقاتل على دم یحیى بن زكریّا و خرّب بیت المقدّس و تفرّقت الیهود فی البلدان .

و فی سبعة و أربعین سنة من ملكه بعث اللّه عزّ و جلّ العزیز نبیّا إلى أهل القرى الّتی أمات اللّه عزّ و جلّ أهلها ثمّ بعثهم له و كانوا عن قرى شتّى فهربوا فرقا من الموت فنزلوا فی جوار عزیز و كانوا مؤمنین و كان عزیر یختلف إلیهم و یسمع كلامهم و إیمانهم و احبّهم على ذلك ، و آخاهم علیه فغاب عنهم یوما واحدا ثمّ أتاهم فوجدهم صرعى موتى فحزن علیهم ، و قال « أنّى یحیى هذه اللّه بعد موتها » تعجّبا منه حیث أصابهم قد ماتوا أجمعین فی یوم واحد ، فأماته اللّه عزّ و جلّ عند ذلك مأة عام فلبث « و هى خ ل » فیهم مأة سنة ثمّ بعثه اللّه و ایّاهم و كانوا مأة ألف مقاتل ثمّ قتلهم اللّه أجمعین لم یفلت منهم أحد على یدى بخت نصر .

و ملك بعده مهرویة بن بخت نصر ستّ عشر سنة و ستّ و عشرین یوما .

و أخذ عند ذلك دانیال و حفر له جبّا فی الأرض و طرح فیه دانیال علیه السّلام و أصحابه و شیعته من المؤمنین فالقى علیهم النّیران ، فلمّا رأى أنّ النّار لیست تقربهم و لا تحرقهم استودعهم الجبّ و فیه الأسد و السّباع و عذّبهم بكلّ لون من العذاب حتّى خلّصهم اللّه عزّ و جلّ منه و هم الذین ذكرهم اللّه فی كتابه العزیز فقال عزّ و جلّ قتل أصحاب الاخدود . النّار ذات الوقود .

فلمّا أراد اللّه أن یقبض دانیال أمره أن یستودع نور اللّه و حكمته مكیخا بن دانیال ففعل .

و عند ذلك ملك هرمز ثلاثة و ستّین « ثلاثین خ ل » سنة و ثلاثة أشهر و أربعة أیّام .

و ملك بعده بهرام ستّة و عشرین سنة .

[ 405 ]

و ولّی أمر اللّه مكیخا بن دانیال و أصحابه المؤمنین و شیعته الصدیقون غیر أنّهم لا یستطیعون أن یظهروا الایمان فی ذلك الزّمان و لا أن ینطقوا به .

و عند ذلك ملك بهرام بن بهرام سبع سنین ، و فی زمانه انقطعت الرّسل فكانت الفترة .

و ولّی الأمر مكیخا بن دانیال و أصحابه المؤمنین فلمّا أراد اللّه عزّ و جلّ أن یقبضه أوحى إلیه فی منامه أن استودع « یستودع » نور اللّه و حكمته ابنه انشو بن مكیخا و كانت الفترة بین عیسى و بین محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أربعمأة و ثمانین سنة و أولیاء اللّه یومئذ فی الأرض ذرّیة انشو بن مكیخا یرث ذلك منهم واحد بعد واحد ممّن یختاره الجبار عزّ و جل فعند ذلك ملك سابور بن هرمز اثنین و سبعین سنة ، و هو أوّل من عقد التّاج و لبسه .

و ولىّ أمر اللّه یومئذ انشو بن مكیخا .

و ملك بعد ذلك اردشیر أخو سابور سنتین ، و فی زمانه بعث اللّه الفتیة أصحاب الكهف و الرّقیم .

و ولىّ أمر اللّه یومئذ فی الأرض رسیحا « رشیحاء خ ل » بن انشوبن مكیخا .

و عند ذلك ملك سابور بن اردشیر خمسین سنة .

و ولىّ امر اللّه یومئذ رسیحاء بن انشو .

و ملك بعده یزدجرد بن سابور احدى و عشرین سنة و خمسة أشهر و تسعة عشر یوما .

و ولّى أمر اللّه یومئذ فی الأرض رسیحا علیه السّلام ، و لما أراد اللّه عزّ و جل أن یقبض رسیحا أوحى الیه أن استودع علم اللّه و نوره و تفصیل حكمته نسطورس بن رسیحا .

فعند ذلك ملك بهرام جور ستّا و عشرین سنة و ثلاثة أشهر و ثمانیة عشر یوما .

و ولّى أمر اللّه یومئذ نسطورس بن رسیحا .

و عند ذلك ملك فیروز بن یزدجرد بن بهرام سبعة و عشرین سنة .

و ولىّ أمر اللّه یومئذ نسطورس بن رسیحا و أصحابه المؤمنین ، فلمّا أراد اللّه

[ 406 ]

عزّ و جلّ أن یقبضه أوحى الیه فی منامه أن استودع نور اللّه و حكمته و كتبه مرعیدا .

و عند ذلك ملك فلاس بن فیروز أربع سنین .

و ولىّ أمر اللّه عزّ و جل مرعیدا .

و ملك بعده قباد بن فیروز ثلاثا و اربعین سنة .

و ملك بعده جاماسف اخو قباد ستّا و أربعین « خ ل ستین » سنة و ولىّ أمر اللّه یومئذ فی الأرض مرعیدا .

و عند ذلك ملك كسرى 1 بن قباد ستّا و أربعین سنة و ثمانیة أشهر و ولىّ أمر اللّه یومئذ مرعیدا علیه السّلام و اصحابه و شیعته المؤمنین ، فلمّا أراد اللّه عزّ و جل أن یقبض مرعیدا أوحى الیه فی منامه ان استودع نور اللّه و حكمته بحیراء الرّاهب ففعل فعند ذلك ملك هرمز بن كسرى ثلاث و ثمانین سنة .

و ولىّ أمر اللّه یومئذ بحیرا و أصحابه المؤمنون و شیعته الصدّیقون .

و عند ذلك ملك كسرى بن هرمز بن پرویز و ولىّ امر اللّه یومئذ بحیرا .

حتّى إذا طالت المدّة و انقطع الوحى و استخفّ بالنعم و استوجب الغیر و درس الدّین و تركت الصلاة و اقتربت السّاعة و كثرت الفرق و صار النّاس فی حیرة و ظلمة و أدیان مختلفة و أمور متشتّتة و سبل ملتبسة و مضت تلك القرون كلّها و مضى صدر منها على منهاج نبیّها علیه السّلام و بدّل آخر نعمة اللّه كفرا و طاعته عدوانا فعند ذلك استخلص اللّه عزّ و جل لنبوّته و رسالته من الشجرة المشرفة الطیّبة و الجرثومة 2 المتحیّزة « المتمرة خ ل » 3 الّتى اصطفاها اللّه عزّ و جلّ فی سابق علمه و نافذ قوله قبل ابتداء خلقه ، و جعلها منتهى خیرته و غایة صفوته و معدن خاصیّته محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و اختصّه بالنبوّة و اصطفاه بالرّسالة و أظهر بدینه الحق لیفصل بین عباد اللّه القضاء ، و یعطی فی الحقّ جزیل العطاء ، و یحارب أعداء رب السّماء و جمع عند ذلك ربّنا تبارك و تعالى

-----------
( 1 ) و هو المعروف بأنوشیروان كما فی روضة الصفا ، منه .

-----------
( 2 ) جرثومة الشی‏ء اصله ، م

-----------
( 3 ) أتمر النخلة اى صارت حاملة للتمر . م

[ 407 ]

لمحمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم علم الماضین و زاده من عنده القرآن الحكیم بلسان عربىّ مبین لا یأتیه الباطل من بین یدیه و لا من خلفه تنزیل من حكیم حمید ، فیه خبر الماضین و علم الباقین .

بیان

ما فی هذه الرّوایة من كون الفترة بین عیسى و محمّد أربعمأة و ثمانین سنة مخالف لما فی البحار من كتاب كمال الدّین بسنده عن یعقوب بن شعیب عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : كان بین عیسى و بین محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم خمسمأة عام منها مأتان و خمسون عاما لیس فیها نبیّ و لا عالم ظاهر ، قلت : فما كانوا ؟ قال : كانوا متمسّكین بدین عیسى ، قلت : فما كانوا ؟ قال : مؤمنین ثمّ قال علیه السّلام : و لا تكون الأرض إلاّ و فیه عالم .

و فیه أیضا من الاحتجاج قال : سأل نافع مولى ابن عمر أبا جعفر علیه السّلام كم بین عیسى و بین محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من سنة ؟ قال : اجیبك بقولك أم بقولى ؟ قال : أجبنی بالقولین قال علیه السّلام : أمّا بقولی فخمسمأة سنة ، و أمّا قولك فستّمأة سنة .

قال المحدّث العلاّمة المجلسی بعد نقل هذه الأخبار : و المعوّل على هذین الخبرین ، ثمّ قال : و یمكن تأویل الخبر المتقدّم بأن یقال : لم یحسب بعض زمان الفترة من أوّلها لقرب العهد بالدّین .

أقول : أمّا أنّ التعویل على ما تضمّنه الخبران من كون المدّة بینهما خمسمأة عام فلا غبار علیه لشهرته ، و أمّا التّأویل الّذى ذكره فی الخبر فلیس بذلك البعد و لكن فی خصوص هذه الفقرة منه إلاّ أنّ السنین المشخّصة فیه لكلّ من السلاطین بین عیسى و محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یزید مجموعها على تسعمأة سنة و منافاته لكون المدّة بینهما خمسمأة سنة كما فی الخبرین واضح و لا یمكن دفعه بالتّأویل المذكور ، و الجمع بینهما محتاج إلى التأمل .

[ 408 ]

الترجمة

پس عبرت بردارید بحالت فرزندان جناب اسماعیل و پسران جناب إسحاق و فرزندان جناب یعقوب علیهم السّلام پس چه قدر سخت است معتدل شدن حالت شما با حالات ایشان ، و چه نزدیكست مشابهت صفات شما بصفتهاى ایشان ، تدبّر نمائید كار ایشان را در حال پراكندگى ایشان و متفرّق بودن ایشان در شبهائى كه بودند پادشاهان فارس و روم پادشاه ایشان ، در حالتی كه دور میكردند ایشانرا از كشت زار آفاق و از دریاى عراق كه شطّ و فراتست ، و از سبزى دنیا یعنى بلاد معموره بسوى مواضع روئیدن درمنه 1 و مكانهاى وزیدن باد و تنگى معاش .

پس گذاشتند پادشاهان ایشان را در حالتى كه فقرا و مساكین بودند برادران شتران مجروح صاحب كرك در حالتى كه ذلیل‏ترین امّتها بودند از حیثیت خانه ،

و قحطترین ایشان بودند از حیثیّت منزل و مقرّ ، نمى‏توانستند خودشان را بچسبانند و پناه برند بسوى جناح دعوتى كه طلب حفظ كنند با آن ، و نه بسوى سایه الفتى كه اعتماد نمایند بر عزّت آن .

پس احوال ایشان پریشان بود و دستهاى ایشان مختلف ، و جمعیت و كثرت ایشان متفرّق ، در شدّت بلا و جهالت عام از دختران زنده در گور شده ، و بتهاى عبادت كرده شده ، و رحمهاى بریده شده ، و غارتهاى ریخته شده از هر طرف .

پس نظر كنید بمواقع نعمتهاى خداوند بر ایشان وقتى كه مبعوث فرمود بسوى ایشان پیغمبرى را یعنى محمّد مصطفى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، پس منعقد ساخت با ملّت خود اطاعت ایشانرا ، و جمع فرمود با دعوت خود الفت ایشان را چگونه منتشر ساخت و فراخ گردانید نعمتى كه بر ایشان بود بال كرامت خود را ، و جارى ساخت بر ایشان نهرهاى ناز و نعمتهاى خود ، و پیچیده شد ملّت بایشان یعنى جمع نمود دین اسلام ایشانرا در منافع بركت خود .

-----------
( 1 ) با تركى پوشان . م

[ 409 ]

پس گردیدند در نعمت ملت غرق شدگان ، و از سبزى و طراوت عیش آن شادمان ، بتحقیق كه مستقیم شد كارهاى ایشان در سایه سلطان غالب ، و نازل كرد ایشانرا حالت ایشان بسوى پناه عزّت قاهر ، و مهربانى كردند كارها بر ایشان در بلندیهاى پادشاهى ثابت .

پس ایشان حاكمانند بر عالمیان ، و پادشاهانند در أطراف زمینها ، مالك مى‏شوند در كارها بر كسانى كه مالك بودند در آن كارها بر ایشان ، و امضا مى‏كنند و جارى مى‏سازند حكمها را در اشخاصى كه امضاء مى‏نمودند آن كارها را در ایشان فشرده نمى‏شود براى ایشان هیچ نیزه بجهت قوت ایشان ، و كوبیده نمى‏شود مر ایشانرا هیچ سنگى بجهت غایت قدرت و جرأت ایشان . هذا آخر الجزء الحادیعشر من هذه الطبعة النفیسة القیمة ، و قد تمّ تصحیحه و تهذیبه و ترتیبه بید العبد السید ابراهیم المیانجى عفى عنه و عن والدیه ، و ذلك فی الیوم الثالث عشر من شهر رجب الاصبّ ، یوم میلاد الامام علیّ بن ابیطالب أمیر المؤمنین صلوات اللّه و سلامه علیه و على آله الطاهرین سنة 1382 و یلیه انشاء اللّه الجزء الثانى عشر و أوله :

« الفصل السابع » و الحمد للّه ربّ العالمین

[ 2 ]

ج 12

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم

الفصل السابع

ألا و إنّكم قد نفضتم أیدیكم من حبل الطّاعة ، و ثلمتم حصن اللّه المضروب علیكم بأحكام الجاهلیّة ، و إنّ اللّه سبحانه قد امتنّ على جماعة هذه الامّة فیما عقد بینهم من حبل هذه الالفة ، الّتی ینتقلون « یتقلّبون خ ل » فی ظلّها ، و یأوون إلى كنفها ، بنعمة لا یعرف أحد من المخلوقین لها قیمة ، لأنّها أرجح من كلّ ثمن ، و أجلّ من كلّ خطر و اعلموا أنّكم صرتم بعد الهجرة أعرابا ، و بعد الموالاة أحزابا ،

ما تتعلّقون من الإسلام إلاّ باسمه ، و لا تعرفون من الإیمان إلاّ رسمه ، تقولون : النّار و لا العار ، كأنّكم تریدون أن تكفؤا الإسلام على وجهه انتهاكا لحریمه ، و نقضا لمیثاقه ، الّذی وضعه اللّه لكم حرما فی أرضه ، و أمنا بین خلقه ، و إنّكم إن لجأتم إلى غیره حاربكم أهل الكفر ، ثمّ لا جبرئیل و لا میكائیل و لا مهاجرین و لا أنصار ینصرونكم إلاّ المقارعة بالسّیف ، حتّى یحكم اللّه بینكم ، و إنّ عندكم الأمثال

[ 3 ]

من بأس اللّه و قوارعه ، و أیّامه و وقایعه فلا تستبطؤا وعیده جهلا بأخذه ، و تهاونا ببطشه ، و یأسا من بأسه ، فإنّ اللّه سبحانه لم یلعن القرن الماضی « القرون الماضیة خ ل » بین أیدیكم إلاّ لتركهم الأمر بالمعروف و النّهی عن المنكر ،

فلعن اللّه السّفهاء لركوب المعاصی ، و الحلماء لترك التّناهی ، ألا و قد قطعتم قید الإسلام ، و عطّلتم حدوده ، و أمتّم أحكامه

اللغة

( نفضت ) الورقة من الشجرة أسقطته ، و نفضت الثوب نفضا حرّكته لیزول عنه الغبار و نحوه فهو منتفض و ( ثلمت ) الاناء ثلما من باب ضرب كسرته من حافته فهو منثلم ، و الثلمة فی الحایط و غیره الخلل و الجمع ثلم مثل غرفة و غرف و ( الخطر ) محرّكة السّبق الّذى یتراهن علیه ، و خطر الرّجل خطرا وزان شرف شرفا إذا ارتفع قدره و منزلته فهو خطیر و ( الأحزاب ) جمع حزب و هو الطّائفة من النّاس و تحزّب القوم صاروا أحزابا ، و یوم الأحزاب هو یوم الخندق و ( كفات ) الاناء قلبته و أكفأته مثله و ( بطش به ) من باب نصر و ضرب أخذه بالعنف و السّطوة كأبطشه ، و البطش الأخذ الشدید فی كلّ شی‏ء و ( تناهوا عن المنكر ) نهی بعضهم بعضا .

الاعراب

قال الشارح المعتزلی : الباء فی قوله : بنعمة ، متعلّقة بقوله : امتنّ ، و فی من قوله فیما عقد بینهم متعلّقة بمحذوف و موضعها نصب على الحال ، انتهى

[ 4 ]

و الظاهر من سیاق كلامه أنّ ذا الحال هو قوله : بنعمة ، أى امتنّ بنعمة حاصلة فیما عقدآه ، و لا یضرّ تقدّمها علیه لكونها ظرفا یغتفر فیه ما لا یغتفر فی غیره ، و یجوز أن یكون ذو الحال قوله : على جماعة إى امتنّ على جماعة هذه الأمّة حالكونهم ثابتین مستقرّین فیما عقد بینهم .

و قوله : النّار و لا العار منصوبان بفعل مضمر ، أى ادخلوا النّار و لا تلتزموا العار ، و انتهاكا مفعول لأجله لقوله : تریدون ، أو لقوله : تكفؤا ، و الثانی أظهر و أقرب .

و قوله : لا جبرئیل و لا میكائیل و لا مهاجرین قال الشّارح المعتزلی : الرّوایة المشهورة هكذا بالنّصب و هو جائز على التشبیه بالنّكرة كقولهم معضلة و لا أبا حسن لها ، انتهى .

أقول : قال نجم الأئمة بعد اشتراط كون اسم لا النّافیة للجنس نكرة :

و اعلم أنّه قد یؤول العلم المشتهر ببعض الخلال بنكرة فینتصب و ینزع منه لام التعریف إن كان فیه ، نحو لا حسن فی الحسن البصرى ، و لا صعق فی الصعق ، أو فیما اضیف إلیه نحو لا امرء قیس و لا ابن زبیر ، و لتأویله بالمنكر وجهان : إمّا أن یقدّر مضاف هو مثل فلا یتعرّف بالاضافة لتوغّله فی الابهام ، و إمّا أن یجعل العلم لاشتهاره بتلك الحلّة كانّه اسم جنس موضوع لافادة ذلك المعنی ، لأنّ معنی قضیّة و لا أبا حسن لها لا فیصل لها إذ هو علیه السّلام كان فیصلا فی الحكومات على ما قال النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أقضاكم علیّ ، فصار اسمه كالجنس المفید لمعنی الفصل و القطع كلفظ الفیصل ، انتهى .

و علیه فالتّاویل فی كلامه أن یراد بقوله لا جبرئیل و لا میكائیل أنّه لا ناصر لكم و لا معاون ، هذا .

و على الرّوایة الغیر المشهورة فالرّفع فی الجمیع بالابتداء على أن لا ملغاة عن العمل ، و هو أحد الوجوه الخمسة الّتی ذكرها علماء الأدب فی نحو لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه ، و على أىّ تقدیر فالخبر محذوف و جملة ینصرونكم وصف أو حال و الأوّل أظهر و أولى من جعلها خبرا أیضا كما ذهب إلیه الشّارح البحرانی .

و قوله : إلاّ المقارعة بالسّیف ، یروى بالنصب و بالرّفع

[ 5 ]

أمّا النّصب فعلی أنّه استثناء من الأسماء الواقعة بعد لاء التّبریة لعمومها بعد تأویل الأوّلین منها بالنّكرة حسبما عرفت ، فانّ الكلام بعد التأویل المذكور بمنزلة لا عوان و لا ناصرین ینصرونكم إلاّ المقارعة ، و یجوز جعل المستثنى منه ضمیر الجمع فی ینصرون العاید الى الأسماء المذكورة ، و على أىّ تقدیر فالظّاهر أنّ الاستثناء متّصل بعد ارتكاب التاویل المذكور لا منقطع كما قاله الرّاوندى .

و أمّا الرّفع فعلی أنّه بدل من الأسماء المذكورة على روایتها بالرّفع ،

أو من ضمیر ینصرون على روایتها بالنّصب ، و الرّفع هو المختار كما قاله علماء الأدب فی مثل ما فعلوه إلاّ قلیل و إلاّ قلیلا ، أى فیما إذا وقع المستثنى بالاّ فی كلام غیر موجب و ذكر المستثنى منه أنّه یجوز النّصب و یختار البدل .

و مرادهم بالكلام الغیر الموجب كما قاله نجم الأئمة أن یكون المستثنى مؤخّرا من المستثنى منه المشتمل علیه نفى أو نهى ، فیدخل فیه الضّمیر الرّاجع قبل الاستثناء بالاّ على اسم صالح لأن یبدل منه معمول للابتدا أو أحد نواسخه نحو قولك ما أحد ضربته إلاّ زیدا یجوز لك الابدال من هاء ضربته لأنّ المعنی ما ضربت أحدا إلاّ زیدا ، فقد اشتمل النفى على هذا الضمیر من حیث المعنى ،

و كذلك إذا كان الضمیر فى صفة المبتداء نحو ما أحد لقیته كریم إلاّ زیدا ، فانّه بمنزلة ما لقیت أحدا كریما إلاّ زیدا .

فعلم بذلك انّ جعل جملة ینصرون فی كلامه علیه السّلام صفة أو خبرا لا یوجب التفاوت فی الابدال من الضمیر الّذی فیه .

قال نجم الأئمة : و الابدال من صاحب الضمیر أولى لأنّه الاصل و لا یحتاج الى تاویل آه .

فان قلت : فعلى الابدال یكون بدل غلط فكیف به فى كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام الّذی هو أفصح الكلام ؟

قلت : كلاّ بل هو بدل اشتمال ، لأنّ نصرة جبرئیل و میكائیل و المهاجر و الأنصار لما كان بمقارعة السّیوف حسن ذلك للابدال ، هذا ما یقتضیه النظر الجلى .

و أمّا الذى یقتضیه النظر الدّقیق فهو أن جعل انتصاب المقارعة على روایة النصب

[ 6 ]

بالمصدر كما قاله الشارح المعتزلی أولى ، لافادته الدّوام و الثبوت .

بیان ذلك أنهم قد قالوا إنّ المصدر إذا وقع مثبتا بعد نفی داخل على اسم لا یكون خبرا عنه إلاّ مجازا لكونه صاحب هذا المصدر یحذف عامله قیاسا نحو ما زید إلاّ سیرا ، و ما الدّهر إلاّ تقلّبا ، و ما كان زید إلاّ سیرا ، فانّ سیرا لا یجوز جعله خیرا عن زید ، لأنّ زیدا صاحب السیر لا نفس السیر ، و هكذا لا یصحّ جعل تقلّبا خبرا عن دهر ، فلا بدّ من أن یكون العامل محذوفا أى ما زید إلاّ یسیر سیرا ،

و ما الدّهر إلاّ یتقلّب تقلّبا ، و فیما نحن فیه لا أنصار ینصرونكم إلاّ تقارعوا المقارعة بالسیف .

قال نجم الأئمة : و إنّما وجب حذف الفعل لأنّ المقصود من هذا الحصر وصف الشی‏ء بدوام حصول الفعل منه و لزومه له ، و وضع الفعل على الحدوث و التجدّد فلما كان المراد التنصیص على الدّوام و اللزوم لم یستعمل العامل أصلا لكونه إما فعلا و هو موضع على التجدّد ، أو اسم فاعل و هو مع العمل كالفعل لمشابهته ، فصار العامل لازم الحذف ، فان أرادوا زیادة المبالغة جعلوا المصدر نفسه خبرا نحو ما زید إلاّ سیر كما ذكرنا فى المبتداء فی قولنا إنما هی أقبال و إدبار ، فینمحى إذا عن الكلام معنی الحدوث أصلا لعدم صریح الفعل و عدم المفعول المطلق الدّال علیه ، انتهى .

و به یعلم أنه على روایة الرّفع یجوز أن یكون ارتفاعه على الخبر قصدا إلى المبالغة كما فى ما زید إلاّ سیر ، فافهم جیّدا .

المعنى

اعلم أنّه لمّا أمر المخاطبین فی الفصل السابق بالاعتبار بحال بنی إسماعیل و بنى إسرائیل ، عاد فی هذا الفصل إلى تقریعهم و توبیخهم كما فى أكثر الفصول السّابقة بقلّة الطّاعة و أخذ طریق الجاهلیّة فقال :

( ألا و انّكم قد نفضتم أیدیكم من حبل الطّاعة ) و التعبیر بلفظ النّفض دون الترك للاشارة إلى طرحهم له و إعراضهم عنه ، فانّ من یخلى الشى‏ء من یده

[ 7 ]

ثمّ ینفض یده منه یكون أشدّ تخلیة ممن لا ینفضها ، بل یقنع بتخلیته فقط .

و تشبیه الطاعة بالحبل من تشبیه المعقول بالمحسوس و وجه الشّبه أنّ الحبل آلة الوصلة بین الشیئین و الطاعة سبب الاتّصال بقرب الخالق ، و لذلك أمر اللّه سبحانه بالاعتصام به فى قوله « و اعتصموا بحبل اللَّه جمیعا و لا تفرّقوا » .

( و ثلمتم حصن اللّه المضروب علیكم بأحكام الجاهلیّة ) استعار حصن اللّه للاسلام ،

و رشح بذكر المضروب ، و الجامع بین المستعار منه و المستعار له أنّ الحصن سبب الحفظ و الوقایة من شرّ الأعداء ، و الاسلام سبب السّلامة من شرّ الأعداء فی الدّنیا و من حرّ النّار فی الآخرة ، یعنی أنّكم كسرتم حصن الاسلام الّذى كنتم متحصّنین فیه متحفّظین به بأحكام الجاهلیّة و هی التفرّق و الاختلاف و العصبیّة و الاستكبار .

و لمّا وبّخهم على ترك الطاعة و ثلم الاسلام بالافتراق و الاختلاف رغّبهم فی الاعتصام بحبل الایتلاف و الاجتماع بالتّنبیه على أنّه أعظم نعمة أنعم اللّه سبحانه بها على عباده و هو قوله :

( و انّ اللّه سبحانه قد امتنّ على جماعة هذه الأمّة ) أى منّ علیهم ( فیما عقد بینهم من حبل هذه الالفة الّتی ینتقلون ) و فی بعض النسخ یتقلّبون ( فی ظلّها و یأوون إلى كنفها ) أى ینزلون و یسكنون إلى جانبها و ناحیتها .

و المراد بحبل الالفة هو الاسلام الموجب للایتلاف و الارتباط بینهم استعار له الحبل لذلك .

( بنعمة ) أى امتنّ علیهم بنعمة عظیمة ( لا یعرف أحد من المخلوقین لها قیمة ) و المراد بتلك النعمة نفس هذه الالفة أو الاسلام الموجب لها ، فانّها نعمة عظیمة یترتّب علیها من المنافع الدّنیویّة و الأخرویة ما لا تحصى ، و یندفع بها من المضار الدّنیویة و الاخرویّة ما لا تستقصى .

و فی هذه الفقرات تلمیح إلى قوله تعالى فی سورة آل عمران یا ایّها الّذین آمنوا اتّقوا اللَّه حقَّ تقاته و لا تموتنّ إلاّ و أنتم مسلمون . و اعتصموا بحبل اللَّه جمیعا و لا تفرّقوا و اذكروا نعمة اللَّه علیكم اذ كنتم أعداءً فألّف بین قلوبكم فأصبحتم بنعمته

[ 8 ]

إخوانا و كنتم على شفا حفرة من النّار فأنقذكم منها 1 قال الطبرسی : أی تمسّكوا بحبل اللّه و هو دین اللّه و الاسلام قاله ابن عبّاس ،

و لا تفرّقوا معناه و لا تتفرّقوا عن دین اللّه الّذی أمركم فیه بلزوم الجماعة و الایتلاف على الطاعة و اثبتوا علیه .

و اذكروا نعمة اللّه علیكم إذ كنتم أعداء فألّف بین قلوبكم .

قیل : أراد ما كان بین الأوس و الخزرج من الحروب الّتی تطاولت مأة و عشرین سنة إلى أن ألّف اللّه بین قلوبهم بالاسلام فزالت تلك الأحقاد .

و قیل : هو ما كان بین مشركى العرب من الطوائل ، و المعنى احفظوا نعمة اللّه و منته علیكم بالاسلام و بالایتلاف ، و رفع ما كان بینكم من التنازع و الاختلاف ، فهذا هو النفع الحاصل لكم فى العاجل مع ما أعدّ لكم من الثواب الجزیل فى الآجل ، إذ كنتم أعداء فألّف بین قلوبكم ، بجمعكم على الاسلام و رفع البغضاء و الشحناء عن قلوبكم .

فأصبحتم بنعمته ، أى بنعمة اللّه إخوانا متواصلین و أحبابا متحابّین ، بعد أن كنتم متحاربین متعادین .

و كنتم على شفا حفرة من النار ، أى و كنتم یا أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على طرف حفرة

-----------
( 1 ) قال فى مجمع البیان فى وجه نزول هذه الآیة قال : مقاتل : افتخر رجلان من الأوس و الخزرج .

فقال الأوسى : منّا خزیمة بن ثابت ذو الشهادتین ، و منّا حنظلة غسیل الملائكة ،

و منّا عاصم بن ثابت بن أفلح حمى الدین ، و منّا سعد بن معاذ الذى اهتزّ عرش الرّحمن له و رضى بحكمه فى بنى قریظة .

و قال الخزرجى : منّا أربعة أحكموا القرآن ابىّ بن كعب ، و معاذ بن جبل ، و زید ابن ثابت ، و ابو زید ، و منّا سعد بن عبادة خطیب الأنصار و رئیسهم .

فجرى الحدیث بینهما فغضبا و تفاخرا و نادیا ، فجاء الأوس إلى الأوسى و الخزرج إلى الخزرجى و معهم السلاح ، فبلغ ذلك النبىّ ( ص ) فركب حمارا و أتاهم ، فأنزل اللّه الآیات فقرأها علیهم ، فاصطلحوا ، منه .

[ 9 ]

من جهنّم لم یكن بینكم و بینها إلاّ الموت .

فأنقذكم اللّه منها بأن أرسل إلیكم رسولا و هداكم للایمان و دعاكم إلیه فنجوتم باجابته من النار .

و انما قال : فأنقذكم منها و إن لم یكونوا فیها ، لأنهم كانوا بمنزلة من هو فیها حیث كانوا مستحقّین لها .

و بما ذكرنا كلّه علم أنّ هذه النعمة أعنى نعمة الالفة و المحابّة على الاسلام أعظم نعمة لا یعرف أحد من المخلوقین لها قیمة .

( لأنّها ) موجبة لسعادة النشأتین و عزّ الدّارین و للانقاذ من النار و الدّخول فى جنّات تجرى من تحتها الأنهار و النزول فى منازل الأبرار و ( أرجح من كلّ ثمن ) كما یشیر الیه قوله تعالى « لو أنفقت ما فى الأرض جمیعاً ما ألّفت بین قلوبهم و لكن اللَّه ألف بینهم ( و أجلّ من كلّ خطر ) و شرف و مزیّة لجمعها جمیع أقسام الشرف ،

إذ بها یتمكّن من دركها و تحصیلها و الوصول إلیها .

( و اعلموا أنكم صرتم بعد الهجرة أعرابا ) قال الشارح المعتزلى : الأعراب على عهد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من آمن به من أهل البادیة و لم یهاجر إلیه ، و هم ناقصوا المرتبة عن المهاجرین لجفائهم و قسوتهم و توحّشهم و تشتّتهم فی بعد من مخالطة العلماء و سماع كلام الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و فیهم انزل : « الأعراب أشدّ كفراً و نفاقاً و أجدر أن لا یعلموا حدود ما أنزل اللَّه على رسوله » و لیست هذه الآیة عامّة فی كلّ الأعراب بل خاصّة ببعضهم ، و هم الّذین كانوا حول المدینة و هم : جهنیة ، و أسلم ، و أشجع ،

و غفار ، و الیهم أشار سبحانه بقوله « و ممّن حولكم من الأَعراب منافقون » و كیف یكون كلّ الأعراب مذموما و قد قال تعالى « و من الأعراب من یؤمن باللَّه و الیوم الآخر و یتّخذ ما ینفق قربات عند اللَّه » و صارت هذه الكلمة جاریة مجرى المثل ، انتهى و قال الشهید الثانی : المراد بالأعراب من أهل البادیة و قد أظهر الشهادتین على وجه حكم باسلامه ظاهرا و لا یعرف من معنی الاسلام و مقاصده و أحكامه سوى الشهادتین آه .

[ 10 ]

إذا عرفت ذلك فأقول :

قد ظهر لك فی شرح الخطبة المأة و الثامنة و الثمانین أنّ حقیقة المهاجرة هو الهجرة إلى حضور الحجّة لمعرفته و العلم بوجوب اطاعته و امتثال أحكامه ، و على هذا فمقصوده علیه السّلام بقوله : صرتم بعد الهجرة أعرابا ، توبیخهم على أنّهم بعد ما كانوا عارفین به و بمقامه علیه السّلام و وجوب طاعته و عالمین بأحكام الشرع و آدابه و وظایف الاسلام كما هو شأن المهاجر ، قد تركوا ذلك كلّه و صاروا مثل الأعراب الّذین لا یعرفون إلاّ ظاهر الاسلام كما قال عزّ و جلّ « أجدر أن لا یعلموا حدود ما انزل اللَّه » أى أحرى بأن لا یعلموا حدود اللّه فی الفرایض و السنن و الحلال و الحرام .

یعنی أنكم قد صرتم بالعصبیّة و الاستكبار و العناد و إثارة الفتن بمنزلة الأعراب الجاهلین بما لهم و ما علیهم بعد ما كنتم عارفین بذلك كلّه .

( و بعد الموالات أحزابا ) أى بعد الالفة و الاجتماع أحزابا متعادیة متشتّتة مختلفة الآراء ، أى صرتم حزبا حزبا و طائفة طائفة كلّ منكم یخالف آخرین ،

و كلّ حزب بما لدیهم فرحون .

( ما تتعلّقون من الاسلام إلاّ باسمه و لا تعرفون من الایمان إلاّ رسمه ) لما جعلهم أعرابا أحزابا اتبعه بهذه الجملة و لكمال الاتّصال بینهما وصلها بسابقته و ترك العاطف .

و المراد أنّهم لم یأخذوا من الاسلام و أحكامه شیئا إلاّ اسمه فیسمّون باسم المسلم ، و لا یعرفون من الایمان إلاّ صورته دون ماهیّته و حقیقته ، و فی بعض النسخ لا تعقلون بدل لا تعرفون ، و المقصود واحد .

( تقولون النّار و لا العار ) كلمة جاریة مجرى المثل یقولها أهل الحمیّة و الانفة من تحمل الضیم و الذّل على نفسه أو من ینسب إلیه من قومه و خاصّته استنهاضا و الهابا بها إلى النضال و الجدال فاذا قیلت فی حقّ كان ثوابا و إذا قیلت فی باطل كان خطاء .

و لمّا كان غرض المخاطبین منها هو الشرّ و الفساد و إثارة الفتنة المخالفة لوظایف الاسلام شبّه حالهم فی أعمالهم و أقوالهم بقوله :

[ 11 ]

( كأنّكم تریدون أن تكفؤا الاسلام على وجهه ) بأنّهم یریدون أن یكبّوا و یقلبوا الاسلام على وجهه ، تشبیها له بالاناء المقلوب على وجهه فكما أنّه بعد قلبه لا یبقی فیه شی‏ء أصلا و یخرج ما كان فیه من حیّز الانتفاع ، فكذلك الاسلام الّذى لم یراع حدوده و احكامه كأنّه لم یبق منه شی‏ء ینتفع به ، و هو من الاستعارة المكنیّة و ذكر الكفاء تخییل .

و قوله ( انتهاكا لحریمه ) أراد به أنّ فعلكم ذلك كاشف عن كون غرضكم منه الانتهاك كالكفّار و المنافقین و أعادى الدّین الذین لا غرض لهم إلاّ إبطال الاسلام و هتك حریمه ( و نقضا لمیثاقه ) و هى حدوده و شرایطه المقرّرة و وظایفه المأخوذة فیه ( الذى وضعه اللّه لكم حرما فی أرضه ) لمنعه الآخذین به و المواظبین له من الرّفث و الفسوق و الجدال .

( و أمنا بین خلقه ) أى سبب أمن أى أمانا لهم من شرّ الأعداء و من تعدّى كلّ منهم إلى الآخر .

و المراد بنقضهم میثاقه تركهم لوظایفه المقرّرة ، و قطعهم لما أمر اللّه به أن یوصل ، و سعیهم فی إثارة الفتنة و الفساد و القتل و القتال ، قال سبحانه « الّذین ینقضون عهد اللَّه من بعد میثاقه و یقطعون ما أمر اللَّه به أن یوصل و یفسدون فی الأرض أولئك هم الخاسرون » .

قال الطبرسیّ : الذین ینقضون عهد اللّه ، أى یهدمونه أى لا یفون به ، و عهد اللّه وصیّته إلى خلقه على لسان رسوله بما أمرهم به من طاعته و نهیهم عنه من معصیته و نقضهم لذلك تركهم العمل به من بعد میثاقه قال فی الصّافی : أى تغلیظه و أحكامه و یقطعون ما أمر اللّه به أن یوصل قال الطبرسیّ : معناه امروا بصلة النبیّ و المؤمنین فقطعوهم ، و قیل : امروا بصلة الرّحم و القرابة فقطعوها و قیل : امروا بأن یصلوا القول بالعمل ففرّقوا بینهما بأن قالوا و لم یعملوا و قیل : معناه الأمر بوصل

[ 12 ]

كلّ من أمر اللّه بصلته من أولیائه و القطع و البرائة من أعدائه ، و هذا أقوى لأنّه أعمّ .

و فی الصّافی أقول : و یدخل فی الآیة التفریق بین الأنبیاء و الكتب فی التصدیق و ترك موالاة المؤمنین و الجمعة و الجماعات المفروضة و سایر ما فیه رفض خیر أو تعاطى شرّ لأنّه یقطع الوصلة بین اللّه و بین العبد الّتى هى المقصودة بالذات من كلّ وصل و فصل .

و یفسدون فی الأرض قیل : نقضهم العهد ، و قیل أراد كلّ معصیة تعدّى ضررها إلى غیر فاعلها .

و فی الصّافی یفسدون بسبب قطع ما فی وصله نظام العالم و صلاحه اولئك هم الخاسرون الذین خسروا أنفسهم بما صاروا إلى النیران و حرموا الجنان ، فیا لها خسارتا لزمتهم عذاب الأبد و حرّمتهم نعیم الأبد .

ثمّ حذّرهم و خوّفهم بقوله ( و إنّكم إن لجأتم إلى غیره حاربكم أهل الكفر ) یعنی أنّكم إن قطعتم حبل الاسلام العاقد بینكم و الجامع لجمعیّتكم و تمسّكتم بغیره من حمیة أو جماعة أو كثرة عشیرة مع الخروج عن طاعة سلطان الاسلام و التفرّق فیه فانّ ذلك یوجب أن یطمع فیكم الكفّار و یحاربونكم .

( ثمّ لا جبرئیل و لا میكائیل و لا مهاجرین و لا أنصار ینصرونكم ) كما كانوا ینصرون فی زمن الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ( إلاّ المقارعة ) أى المضاربة و قرع بعضكم بعضا ( بالسّیف حتّى یحكم اللّه بینكم ) و بینهم بغلبة أحد الفریقین على الآخر .

ثمّ ذكّرهم بالعقوبات النّازلة على الامم الماضیة فی القرون الخالیة بخروجهم عن طاعة اللّه سبحانه فقال :

( و انّ عندكم الأمثال ) الّتی ضربها اللّه لكم بأهل القرون الماضیة كما قال « و لقد أنزلنا الیكم آیات بیّنات و مثلا من الّذین خلوا من قبلكم و موعظة للمتّقین » و قال أیضا « و عاداً و ثمود و أصحاب الرّس و قروناً بین ذلك كثیراً . و كلاّ ضربنا له الأمثال و كلاّ تبّرنا تتبیراً »

[ 13 ]

( من بأس اللّه ) و عذابه لهم ( و قوارعه ) أى دواهیه و افزاعه الّتی كانت تقرع القلوب بشدّتها ( و أیّامه ) الّتی انتقم اللّه فیها من القرون الاولى .

قال الطبرسیّ فی قوله : و ذكّرهم بأیّام اللّه : معناه و أمرناه 1 بأن یذكّر قومه وقایع اللّه فی الامم الخالیة و اهلاك من أهلك منهم لیحذروا ذلك .

أقول : و من تلك الأیام ما اشیر إلیه فی قوله « انّا ارسلنا علیهم ریحاً صرصراً فی یوم نحس مستمرّ . تنزع الناس كأنّهم أعجاز نخل منقعر » و فی قوله « فأخذهم عذاب یوم الظلّة إنّه كان عذاب یوم عظیم » و فی قوله « و أمّا عاد فاهلكوا بریح صرصر عاتیة . سخّرها علیهم سبع لیال و ثمانیة أیّام حسوما فترى القوم فیها صرعى كأنّهم أعجاز نخل خاویة » .

( و وقایعه ) أى نوازله الشّدیدة و عقوباته الواقعة بالعاصین المتمرّدین كما اشیر الیها فی قوله عزّ و جلّ « فكلاّ أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا علیه حاصباً و منهم من أخذته الصیحة و منهم من خسفنا به الأرض و منهم من أغرقنا و ما كان اللَّه لیظلمهم و لكن كانوا أنفسهم یظلمون » .

و غرضه علیه السّلام من التذكیر بهذه الأمثال توعید المخاطبین و تهدیدهم من أن یقارفوا ما قارف أهل القرون المتقدّمة من الذّنوب و الآثام ، فتنزل علیهم ما نزل بهم من البأس و العذاب ، و لذلك فرّع علیه قوله :

( فلا تستبطؤا وعیده ) أى لا تعدّوا ما أوعدكم به من العذاب بطیئا بعیدا فانّه قریب كما قال « إنّهم یرونه بعیداً و نریه قریبا » .

و لا تبطؤا إبطاءه للعذاب طمعا منكم فی أنّ إبطاءه یوجب ذهابه ، و إمهاله یوجب إهماله كما هو الغالب فی وعید غیره سبحانه ، فانّ تأخیره غالبا یوجب عدم وقوعه إمّا لحصول الغفلة و النسیان من الموعد ، أو لأنه ربّما یفوته من طلب أو یعجزه من هرب ، و أمّا اللّه الحىّ القیّوم القهّار ذو القوّة المتین و البأس الشّدید فانّه لبالمرصاد و لا یخلف المیعاد ، و المخاطبون لما قاسوه عزّ شأنه بغیره و وعیده بوعید

-----------
( 1 ) أى موسى المتقدّم ذكره فى الآیة ،

[ 14 ]

غیره استبطؤه لذلك و انما وقعوا فی هذا الزّعم الفاسد .

( جهلا بأخذه و تهاونا ببطشه و یأسا من بأسه ) یعنى أنّ جهلكم بمؤاخذته الشدیدة ، و تهاونكم ببطشه الناشى من تأخیر وقوعه ، و یأسكم من بأسه الناشی من طول مدّة البأس صار علّة للاستبطاء فأوجب ذلك جسارتكم على اقتراف الجرائم و اقتحامكم فی ورطات الآثام .

كما أنّ أهل القرون الاولى قد وقعوا فی الهلاك الدّائم و استحقوا العذاب الألیم أیضا من الجهالة بأخذه كما اشیر إلیه فی الكتاب الكریم فی قوله « و إذا قیل إنّ وعد اللَّه حقّ و الساعة لا ریب فیها قلتم ما ندرى ما الساعة إن نظنُّ إلاّ ظناً و ما نحن بمستیقنین » .

و من التهاون ببطشه كما حكاه سبحانه عنهم بقوله عقیب هذه الآیة « و بدا لهم سیئآت ما عملوا و حاق بهم ما كانوا به یستهزؤن » و بقوله « و لقد استهزء برسل من قبلك فحاق بالذین سخروا منهم ما كانوا به یستهزؤن » .

و من الیأس من بأسه كما اخبر عنهم بقوله « فعقروا الناقة و عتوا عن أمر ربّهم و قالوا یا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلین . فأخذتهم الصیحة فأصبحوا فی دارهم جاثمین » .

و أما أهل العرفان و الایقان فیعرفون بنور الایمان و الیقین بما أخبر به الأنبیاء و المرسلین و شهد به الكتاب المكنون أنّ وعده عزّ و جلّ و وعیده واقعان لا محالة و أنّ أخذه و بطشه و بأسه و إن تأخر حقّ محقّق لا ریب فیه كما قال « و لا یردّ بأسنا عن القوم المجرمین » و قال « و لا یزال الذین كفروا تصیبهم بما صنعوا قارعة أو تحلّ قریباً من دارهم حتى یأتی وعد اللَّه إنّ اللَّه لا یخلف المیعاد . و لقد استهزء برسل من قبلك فأملیت للّذین كفروا ثمّ أخذتهم فكیف كان عقاب » .

و یعلمون أنّ التأخیر و الامهال فی العقاب لاقتضاء الحكمة الالهیّة و لو یعجّل 1 اللّه للنّاس الشرّ استعجالهم بالخیر لقضى إلیهم أجلهم .

-----------
( 1 ) اقتباس من الآیة فى سورة یونس ( ع ) ( منه )

[ 15 ]

و لكنه یمهل المؤمنین من باب اللّطف حتّى یتوبوا و یتداركوا الذّنوب بالانابة و الاستغفار .

و یمهل الظالمین و یذر الذین لا یرجون لقائه فی طغیانهم یعمهون من باب الاستدراج كما قال تعالى « و لا یحسبنّ الذین كفروا انما نملى لهم خیر لأنفسهم انما نملى لهم لیزدادوا اثما و لهم عذاب مهین » هذا .

و لما ذكّرهم بأمثال الذین خلوا من قبل و نهاهم عن استبطاء وعید اللّه سبحانه أردفه بالتنبیه على عمدة سبب الاستحقاق القرون الخالیة للطعن و العتاب و اللّعن و العقاب و هو ارتفاع الرّكن الأعظم من الاسلام أى الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر من بینهم ، و غرضه بذلك تحذیر المخاطبین و تنبیههم على أنهم مثلهم فی استحقاق اللّعن لارتفاع هذه الخصلة العظیمة من بینهم أیضا و لذلك أتى بالفاء التفریعیّة فقال :

( فانّ اللّه سبحانه لم یلعن القرون الماضیة ) و لم یحرمهم من رحمته الواسعة ( إلاّ لتركهم الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر ) كما اشیر إلیه فی قوله سبحانه « لعن الذین كفروا من بنی اسرائیل على لسان داود و عیسى بن مریم ذلك بما عصوا و كانوا یعتدون . كانوا لا یتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا یفعلون » .

قال الطبرسیّ : أخبر تعالى عما جرى على أسلافهم فقال : لعن الذین كفروا الآیة ، معناه لعنوا على لسان داود فصاروا قردة و على لسان عیسى فصاروا خنازیر .

قال و قال أبو جعفر الباقر علیه السّلام و أما داود فانه لعن أهل ایلة لما اعتدوا فی سبتهم و كان اعتداؤهم فی زمانه فقال : اللّهم البسهم اللعنة مثل الرّدا و مثل المنطقة على الحقوین ، فمسخهم اللّه قردة ، فأمّا عیسى علیه السّلام فانه لعن الذین انزلت علیهم المائدة ثمّ كفروا بعد ذلك قال الطبرسیّ : و انما ذكر اللعن على لسانهما إزالة للابهام بأنّ لهم منزلة بولادة الأنبیاء تنجیهم من العقوبة ، ثمّ بیّن اللّه تعالى حالهم فقال : كانوا لا یتناهون عن منكر فعلوه ، أى لم یكن ینهى بعضهم بعضا و لا ینتهون أى لا یكفّون عما نهوا عنه

[ 16 ]

قال ابن عباس : كان بنو اسرائیل ثلاث فرق : فرقة اعتدوا فی السّبت ، و فرقة نهوهم و لكن لم یدعوا مجالستهم و لا مؤاكلتهم ، و فرقة لما رأوهم یعتدون ارتحل عنهم و بقى الفرقتان المعتدیة و الناهیة المخالطة فلعنوا جمیعا .

و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لتأمرنّ بالمعروف و لتنهنّ عن المنكر و لتأخذن على ید السفیه و لتاطرنه 1 على الحقّ اطراء أو لیضربنّ اللّه قلوب بعضكم على بعض و یلعنكم كما لعنهم .

و فى الوسائل عن الحسن بن علیّ بن شعبة فی تحف العقول عن الحسین علیه السّلام قال : و یروى عن علیّ علیه السّلام : اعتبروا أیها الناس بما وعظ اللّه به أولیاءه من سوء ثنائه على الأحبار إذ یقول : « لو لا ینهیهم الرّبّانیّون و الأحبار عن قولهم الاثم » و قال « لعن الذین كفروا من بنی إسرائیل إلى قوله لبئس ما كانوا یفعلون » و إنما عاب اللّه علیهم لأنهم كانوا یرون من الظلمة المنكر و الفساد فلا ینهونهم عن ذلك رغبة فیما كانوا ینالونه منهم ، و رهبة مما یحذرون ، و اللّه یقول : « فلا تخشوا الناس و اخشونی » و قال : « المؤمنون بعضهم أولیاء بعض یأمرون بالمعروف و ینهون عن المنكر » فبدء اللّه بالأمر بالمعروف و النهى عن المنكر فریضة منه لعلمه بأنها إذا ادّیت و اقیمت استقامت الفرایض كلّها و هیّنها و صعبها ، و ذلك إنّ الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر دعاء إلى الاسلام مع ردّ المظالم ، و مخالفة الظالم ، و قسمة الفى‏ء و الغنایم ، و أخذ الصدقات من مواضعها و وضعها فی حقّها .

و قد تقدّم هذا الحدیث مع حدیث آخر مناسب للمقام و بعض الكلام فی الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر فی شرح الفصل الثانی من المختار المأة و الخامس و الخمسین ( فلعن اللّه السفهاء ) أى الجهّال ( لركوب المعاصی و الحلماء ) أى ذوى العقول و الاناة و فی بعض النسخ الحكماء بدله ( لترك التناهى )

-----------
( 1 ) الاطر عطف الشى‏ء ، ق

[ 17 ]

و هذه الجملة إمّا اخباریّة أتى بها أیضاحا للجملة المتقدّمة أعنى قوله :

إنّ اللّه لم یلعن القرون الماضیة إلاّ لتركهم اه ، و یؤیّده إضمار فاعل لعن و إسقاط لفظ الجلالة فی بعض النّسخ و إمّا انشائیّة دعائیة منه علیه السّلام أتى بها قیاما منه بوظیفته اللاّزمة ، فانّ لعنه علیهم نهى لهم عن المنكر و هو مقتضى وظیفة الامامة .

فعلى الاحتمال الأوّل یكون المراد بالسّفهاء و الحلماء سفهاء القرون الماضیة و حلماءهم .

و على الاحتمال الثانی سفهاء المخاطبین و حلماءهم ، و أوضح استحقاقهم للّعن و دخولهم فی زمرة الملعونین بقوله :

( ألا و قد قطعتم قید الاسلام ) أى حبل الالفة علیه بالاعتزاء و العصبیّة ( و عطلتم حدوده ) أى تركتم وظایفه المقرّرة الّتی لم یجز التّعدّى و التّخطی منها ( و أمتّم أحكامه ) أى أبطلتم أحكامه التی كان یلزم علیكم إحیاؤها و العمل بها .

و قد كان من جملة تلك الحدود و الأحكام المتروكة المعطلة أمرهم بالمعروف و نهیهم عن المنكر ، فانّ القیام بهما غالبا شأن الرّؤساء و الكبراء ، و قد كانوا قائمین بخلافه و كانوا یأمرون بالمنكر و ینهون عن المعروف و لذلك حذّر عن طاعتهم و متابعتهم فی الفصل الثالث من هذه الخطبة و قال : إنّهم قواعد أساس العصبیّة و دعائم أركان الفتنة و سیوف اعتزاء الجاهلیّة .

الترجمة

آگاه باشید بدرستى كه شما بتحقیق افشانده‏اید دستهاى خود را از ریسمان اطاعت و بالمرّه اعراض كرده‏اید از آن ، و خراب نموده‏اید حصار خدا را كه زده شده است بر شما با أحكام جاهلیّت ، و بدرستى خداى تبارك و تعالى منّت نهاده بر جماعت این امّت در آنچه منعقد ساخته در میان ایشان از ریسمان این الفت ،

چنان الفتى كه بر مى‏گردند در سایه آن ، و نازل میشوند در پناه‏گاه آن با نعمتى





نظرات() 


Can better posture make you taller?
دوشنبه 16 مرداد 1396 02:41 ق.ظ
If you wish for to improve your experience simply keep visiting
this web site and be updated with the newest news posted here.
http://BrandyWare.bravesites.com/entries/general/How-To-Relieve-Hammer-Toe-Pain
یکشنبه 31 اردیبهشت 1396 08:26 ب.ظ
May I simply just say what a comfort to discover someone that really knows what they are discussing online.
You actually realize how to bring an issue to light and make it important.
More people have to read this and understand this side of your story.
I was surprised that you're not more popular since you certainly possess
the gift.
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox