تبلیغات
پیام هادی - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-01:44 ب.ظ

[ 369 ]

و ما أشبه ذلك .

و یحتمل أن یكون المراد بالجوار أن تعطى رجلا ذمّته و أمانا یكون بذلك جارك ، قال الطریحى : و فى الحدیث أیّما رجل نظر إلى رجل من المشركین فهو جارحتى یسمع كلام اللّه أى فی أمن لا یظلم و لا یؤذی و على هذا فمعنى الحفظ للجوار هو المحافظة على ما اعطیته من الذمام و القیام بلوازمه و عدم الاضاعة له .

( و ) الثانیة ( الوفاء بالذمام ) أى الوفاء بالعهد و الأمان .

روى فی الوسائل عن الكلینیّ عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن النّوفلیّ عن السكونی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قلت له : ما معنى قول النّبی صلّى اللّه علیه و آله : المسلمون تتكافا دماؤهم و یسعى بذمّتهم أدناهم ؟ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لو أنّ جیشا من المسلمین حاصروا قوما من المشركین فأشرف رجل فقال : اعطونى الأمان حتى ألقى صاحبكم و اناظره فأعطاه أدناهم الأمان وجب على أفضلهم الوفاء به .

و فیه عن الصّدوق بسنده عن حبّة العرنى قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام : من ائتمن رجلا على دمه ثمّ خاس به فأنا من القاتل برى‏ء و إن كان المقتول فی النار .

( و ) الثالثة ( الطاعة للبرّ ) قیل : البرّ اسم جامع للخیر كلّه فیكون المراد من طاعته الانقیاد له و الاتیان بالخیرات ، و یجوز أن یكون بمعنى البارّ أو بحذف المضاف أى لذى البرّ على حدّ قوله تعالى لیس البرّ أن تأتوا البیوت من ظهورها و لكنّ البرّ من اتّقى أى البارّ ، أو ذو البرّ هو المتّصف بالتقوى ، و على هذا فالمراد بالطاعة للبرّ هو الطاعة للأبرار المتّقین .

( و ) الرابعة ( المعصیة للكبر ) أى المجانبة و المخالفة له بالملازمة للتواضع و انّما عبر بلفظة المعصیة لتقدّم لفظ الطاعة و كونها فی قبالها ، فعبّر بها لحسن المجاورة و مراعاة للنظیر و هو من محاسن البلاغة .

( و ) الخامسة ( الأخذ بالفضل ) یجوز أن یراد بالفضل التفضّل و الاحسان على الغیر ، و أن یراد به العمل الصالح و على أیّ تقدیر فأخذه عبارة عن المواظبة علیه و بهما فسّر قوله سبحانه و یمتّعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمّی و یؤت كلّ ذى

[ 370 ]

فضل فضله قال أمین الاسلام الطبرسى قیل : إنّ الفضل بمعنى التفضّل و الافضال أى و یؤت كلّ ذى إفضال على غیره بمال أو كلام أو عمل بید أو رجل جزاء إفضاله ، فیكون الهاء فی فضله عایدا إلى ذى الفضل ، و قیل : إنّ معناه یعط كلّ ذی عمل صالح فضله أى ثوابه على قدر عمله ، فانّ من كثرت طاعته فی الدّنیا زادت درجاته فی الجنّة و على هذا فالأولى أن تكون الهاء فی فضله عائدا إلى اسم اللّه .

أقول : و یرشد إلى المعنیین ما روى فی الكافی عن أبی حمزة الثمالی عن علیّ ابن الحسین علیهما السّلام قال : سمعته یقول : إذا كان یوم القیامة جمع اللّه تبارك و تعالى الأوّلین و الآخرین فی صعید واحد ثمّ ینادى مناد أین أهل الفضل ؟ قال : فیقوم عنق من الناس فتلقّاهم الملائكة فیقولون : ما كان فضلكم ؟ فیقولون : كنّا نصل من قطعنا ، و نعطى من حرمنا ، و نعفو عمن ظلمنا ، قال : فیقال لهم : صدقتم ادخلوا الجنّة .

( و ) السادسة ( الكفّ عن البغى ) أى عن الظلم و الاعتداء و الاستطالة و العدول عن الحقّ .

روى فی الكافی عن ابن القداح عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّ أعجل الشرّ عقوبة البغی .

و عن السكونى عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : یقول ابلیس لجنوده : القوا بینهم الحسد و البغی فانّهما یعدلان عند اللّه الشرك .

أى یعدلانه فی الاخراج من الدّین و العقوبة و التأثیر فی فساد نظام الخلق .

( و ) السابعة ( الاعظام للقتل ) أى تعظیمه و عدّه عظیما ، و المراد قتل النفس التی حرّم اللّه إلاّ بالحقّ فانّه من أكبر الكبائر و أعظم الذنوب قال تعالى و من یقتل مؤمنا متعمّدا فجزاؤه جهنّم خالدا فیها و غضب اللّه علیه و لعنه و أعدّ له عذابا عظیما » روى الصّدوق فی عقاب الأعمال عن جابر بن یزید عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال أوّل ما یحكم اللّه فی القیامة فی الدّماء فیوقف ابنى آدم فیفصل بینهما ، ثمّ الذین یلونهم من أصحاب الدّماء حتّى لا یبقى منهم أحد ، ثمّ الناس بعد ذلك فیأتی المقتول قاتله

[ 371 ]

فیشخب دمه فی وجهه فیقول : هذا قتلنى ، فیقول أنت قتلته ، فلا یستطیع أن یكتم اللّه حدیثا .

و عن سعید الأزرق عن أبى عبد اللّه علیه السّلام فى رجل قتل رجلا یقال له : مت أىّ میتة شئت إن شئت یهودیا و إن شئت نصرانیا و ان شئت مجوسیا .

و عن أبى الجارود عن محمّد بن علىّ صلوات اللّه علیهما قال : ما من نفس یقتل برّة و لا فاجرة إلاّ و هو یحشر یوم القیامة معلّقا بقاتله بیده الیمنى و رأسه بیده الیسرى و أوداجه تشخب دما یقول : یا ربّ سل هذا بم قتلنى ، و إن « فان ظ » كان قتله فى طاعة اللّه عزّ و جلّ أثیب القاتل و ذهب بالمقتول إلى النار ، و إن كان فى طاعة فلان قیل له : اقتله كما قتله ، ثمّ یفعل اللّه فیهما مشیّته .

( و ) الثامنة ( الانصاف للخلق ) روى فی الكافى عن السّكونى عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : سیّد الأعمال إنصاف الناس من نفسك ، و مواساة الأخ فى اللّه ، و ذكر اللّه على كلّ حال .

و عن أبى حمزة الثمالى عن علىّ بن الحسین علیهما السّلام قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول فی آخر خطبته : طوبى لمن طاب خلقه و طهرت سجیّته و صلحت سریرته و حسنت علانیته و أنفق الفضل من ماله و أمسك الفضل من قوله ، و أنصف الناس من نفسه و عن زرارة عن أبى جعفر علیه السّلام قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام فى كلام له : ألا انّه من ینصف الناس من نفسه لم یزده اللّه إلاّ عزّا .

و عن محمّد بن مسلم عن أبى عبد اللّه علیه السّلام قال : ثلاثة هم أقرب الخلق إلى اللّه عزّ و جلّ یوم القیامة حتى یفرغ من الحساب . رجل لم تدعه قدرته فی حال فى غضبه إلى أن یحیف على من تحت یده ، و رجل مشى بین اثنین فلم یمل مع أحدهما على الآخر بشعیرة ، و رجل قال بالحقّ فیما له و علیه .

( و ) التاسعة ( الكظم للغیظ ) روى فى الكافى عن مالك بن حصین السكونى قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : ما من عبد كظم الغیظ إلاّ زاده اللّه عزّ و جلّ عزّا فى الدّنیا و الآخرة ، و قد قال اللّه عزّ و جلّ و الكاظمین الغیظ و العافین عن الناس و اللّه

[ 372 ]

یحبّ المحسنین و أثابه اللّه مكان غیظه ذلك .

و عن سیف بن عمیرة قال حدّثنى من سمع أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : من كظم غیظا و لو شاء أن یمضیه أمضاه ملأ اللّه قلبه یوم القیامة رضاه .

و عن عبد اللّه بن منذر عن الوصافى عن أبى جعفر علیه السّلام قال : من كظم غیظا و هو یقدر على إمضائه حشا اللّه قلبه أمنا و ایمانا یوم القیامة .

( و ) العاشرة ( اجتناب الفساد فى الأرض ) و هو الدّعوة إلى عبادة غیر اللّه أو أخذ المال و قتل النفس بغیر حقّ أو العمل بالمعاصى ، و بها جمیعا فسّر قوله سبحانه تلك الدار الآخرة نجعلها للّذین لا یریدون علوّا فى الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتّقین هذا .

و لما أمرهم بأخذ مكارم الخصال و محامد الأفعال و أن یكون تعصّبهم لها أردفه بالتحذیر عن مذامّ الأفعال و ذمایم الأعمال بالتنبیه على سوء ما نزل بآخذیها من العذاب الألیم و الخزى العظیم و هو قوله :

( و احذروا ما نزل بالامم ) السابقین ( قبلكم من المثلات ) و العقوبات ( بسوء الأفعال و ذمیم الأعمال ) أى سوء أفعالهم و ذمیم أعمالهم .

( فتذكّروا فى الخیر و الشرّ أحوالهم ) أى تذكّروا اختلاف حالاتهم و لا حظوا تفاوتها فى الخیر الناشى من الأخذ بصالح الأعمال و اللّزوم للایتلاف و الاتّفاق ، و الشّر الناشى من الأخذ بسوء الأفعال و سلوك مسلك العناد و الافتراق .

( و احذروا أن تكونوا أمثالهم ) بأن ینزل علیكم المثلاث أیضا بسوء أفعالكم و ذمیم أعمالكم .

( فاذا تفكّرتم فی تفاوت حالیهم ) بالخیر و الشرّ و النعمة و النقمة .

( ف ) اسلكوا مسلك الخیر و ( الزموا كلّ أمر لزمت العزّة به حالهم ) أى شأنهم ( و زاحت الأعداء له عنهم ) أى زالت و بعدت أعداؤهم عنهم لأجل ذلك الأمر ( و مدّت العافیة فیه علیهم ) أى انبسطت و جرت العافیة علیهم لأجله و العافیة هو كفّ أذى النّاس عنهم و كفّ أذاهم عن النّاس ( و انقادت النعمة له معهم ) لكونه

[ 373 ]

سببا معدّا لافاضة النعم علیهم ( و وصلت الكرامة علیهم حبلهم ) قال البحرانى استعار لفظ الوصل لاجتماعهم عن كرامة اللّه لهم حالكونهم على ذلك الأمر و رشّح بذكر الحبل .

( من الاجتناب للفرقة و اللزوم للالفة ) بیان للأمر الموجب لعزّتهم و لسایر ما تقدیم من الخصایص الأربعة 1 یعنى أنّ الأمر الذى لزمت العزّة به شأنهم هو التجنب من الاختلاف و الافتراق و اللزوم للمحبّة و الایتلاف ( و التحاضّ ) أى الحثّ و الترغیب من الطرفین ( علیها و التواصى ) أى وصیّة بعضهم بعضا ( بها ) أى بتلك الالفة .

و اتركوا مسلك الشرّ ( و اجتنبوا كلّ أمر كسر فقرتهم ) أى ظهرهم ( و أوهن منّتهم ) أى قوّتهم .

( من تضاغن القلوب ) یعنى أنّ الأمر الموجب لكسر ظهرهم هو انطواء قلوبهم على الحقد ( و تشاحن الصّدور ) أى تباغضها و إعلانها بالعداوة ( و تدابر النفوس ) أى تقاطعها و مصارمتها و هجران بعضها عن بعض و أصله أنّ من یعادى أحدا یولّیه دبره بعداوته و یعرض عنه بوجهه ( و تخاذل الأیدى ) أى لا ینصر بعضهم بعضا ، و إضافة التخاذل إلى الأیدى لأنّ الأغلب أن یكون التناصر بها .

و لما ذكر على وجه العموم أنّ كلّ أمّة من الامم السابقة ترافدت أیدیهم و تناصروا و تعاونوا كان ذلك سببا لعزّتهم و ابعاد الأعداء عنهم ، و كلّ امّة افترقوا و تقاطعوا استلزم ذلك ذلّهم و كسر شوكتهم و ضعف قوّتهم ، عقّبه بتذكیر حال خصوص المؤمنین الماضین ، و أنّ اجتماع كلمتهم جعلهم ملوكا فی أقطار الأرضین و اختلافها أوجب خلع لباس العزّ عنهم و كونهم مقهورین بعد ما كانوا قاهرین و هو قوله :

( و تدبّروا أحوال الماضین من المؤمنین قبلكم كیف كانوا فی حال التمحیص و البلاء ) أى حال الاختبار و الابتلاء ( ألم یكونوا أثقل الخلایق أعباء ) أى أثقالا

-----------
( 1 ) و هى ازاحة الاعداء و مدّ العافیة و انقیاد النعمة و وصل الكرامة ، منه .

[ 374 ]

( و أجهد العباد بلاء و أضیق أهل الدّنیا حالا ) و بیّن شدة ابتلائهم و ضیق حالهم بقوله :

( اتّخذتهم الفراعنة عبیدا ) و المراد بهم إما فراعنة مصر كما سنشیر الیه و تقدیم ذكرهم فی شرح الفصل الثانی من الخطبة المأة و الاحدى و الثمانین و یدلّ علیه صریحا :

ما فى البحار من تفسیر القمّی عن أبی الجارود عن أبى جعفر علیه السّلام فی قوله تعالى و قال موسى إلى قوله : ربّنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمین فانّ قوم موسى علیه السّلام استعبدهم آل فرعون و قالوا : لو كان لهؤلاء على اللّه كرامة كما یقولون ما سلطنا علیهم ، الحدیث أو مطلق العتاة كما قال الشارح المعتزلی ( فساموهم ) أى كلّفوهم و أذاقوهم ( سوء العذاب و جرّعوهم جرع المرار ) أى سقوهم المرار جرعة بعد جرعة ،

و یستعار شرب المرار لكلّ من یلقى شدید المشقة .

و المراد بسومهم سوء العذاب إمّا خصوص ذبح الأبناء و ترك البنات ، فیكون جرع المرار إشارة إلى سایر شدایدهم ، أو الأعمّ منه و من سایر أعمالهم الشاقة ،

فیكون عطف و جرّعوهم جرع المرار ، من قبیل عطف المسبّب على السبب ، یعنى أنهم عذّبوهم بسوء العذاب من الذّبح و غیره ، فاشربوهم بسبب ذلك التعذیب جرع المرار إلى كلّ من المعنیین ذهب المفسّرون فی تفسیر قوله تعالى و إذ نجّیناكم من آل فرعون یسومونكم سوء العذاب یذبّحون أبناءكم و یستحیون نساءكم و فی ذلكم بلاء من ربّكم عظیم .

قال امین الاسلام الطبرسی : فرعون اسم لملك العمالقة كما یقال لملك روم قیصر ، و لملك الفرس كسرى ، و لملك الترك خاقان ، و لملك الیمن تبّع ، فهو على هذا بمعنى الصفة ، و قیل : إنّ اسم فرعون مصعب بن الرّیان ، و قال محمد بن إسحاق : هو الولید بن مصعب .

قال الطبرسی : فصّل سبحانه فی هذه الآیة النعمة الّتی أجملها فیما قبل فقال :

[ 375 ]

و اذكروا إذ نجّیناكم اى خلصناكم ، من قوم فرعون و أهل دینه ، یسومونكم یلزمونكم سوء العذاب ، و قیل : یذیقونكم و یكلّفونكم و یعذّبونكم ، و الكلّ متقارب و اختلفوا فی العذاب الذى نجّاهم اللّه منه فقال بعضهم : ما ذكر فی الآیة من قوله یذبّحون أبناءكم و یستحیون نساءكم و هذا تفسیره . 1 و قیل : أراد به ما كانوا یكلّفونهم من الأعمال الشاقّة ، فمنها أنّهم جعلوهم أصنافا فصنف یخدموهم ، و صنف یحرثون لهم ، و من لا یصلح منهم للعمل ضربوا علیهم الجزیة و كانوا یذبّحون أبناءهم و یستحیون نساءهم مع ذلك ، و یدلّ علیه قوله تعالى فی سورة إبراهیم یسومونكم سوء العذاب و یذبّحون أبناءكم فعطفه على ذلك یدلّ على أنه غیره ، و معناه یقتلون أبناءكم و یستحیون نساءكم یستبقونهنّ و یدعونهنّ احیاء لیستعبدن و ینكحن علی وجه الاسترقاق ، و هذا أشدّ من الذّبح ، و فی ذلكم أى فی سومكم العذاب و ذبح الأبناء ابتلاء عظیم من ربّكم ، لما خلى بینكم و بینه حتى فعل بكم هذه الأفاعیل .

و السبّب فی قتل الأبناء أنّ فرعون رأى فی منامه كان نارا أقبلت من بیت المقدّس حتى اشتملت على بیوت مصر فاحترقتها و احترقت القبط و تركت بنى إسرائیل ، فهاله ذلك و دعا السّحرة و الكهنة ، و القافة فسألهم عن رؤیاه ، فقالوا إنه یولد فی بنی إسرائیل غلام یكون على یده هلاكك و زوال ملكك و تبدیل دینك ،

فأمر فرعون بقتل كلّ غلام یولد فی بنی إسرائیل و جمع القوابل فقال لهنّ لا یسقط فی أیدیكنّ غلام من بنی إسرائیل إلاّ قتل و لا جاریة إلاّ تركت و وكّل بهنّ ،

فكنّ یفعلن ذلك و أسرع الموت فی مشیخة بنی إسرائیل ، فدخل رؤوس القبط على فرعون فقالوا له : إنّ الموت قد وقع فی بنی إسرائیل فیذبح صغارهم و یموت كبارهم و یوشك أن یقع العمل علینا ، فأمر فرعون أن یذبحوا سنة و یتركوا سنة فولد

-----------
( 1 ) و فى تفسیر الامام علیه السلام و كان من عذابهم الشدید انه كان فرعون یكلفهم عمل البناء و الطین و یخاف ان یهربوا من العمل فامرهم بتقییدهم و كانوا ینقلون ذلك على السلالیم الى السطوح فربما سقط الواحد منهم فمات او زمن فلا یحقلون بهم ، الحدیث .

[ 376 ]

هارون فی السنة الّتى لا یذبحون فیها فترك ، و ولد موسى فی السّنة الّتی یذبحون فیها .

و فی البحار عن الثعلبی فی كتاب عرایس المجالس لما مات الریان بن الولید فرعون مصر الأول صاحب یوسف علیه السّلام و هو الذى ولىّ یوسف خزائن أرضه و أسلم على یدیه ، فلما مات ملك بعده قابوس بن مصعب صاحب یوسف الثانی ، فدعاه یوسف علیه السّلام إلى الاسلام فأبی ، و كان جبّارا و قبض اللّه تعالى یوسف علیه السّلام فی ملكه ثمّ هلك و قام بالملك بعده أخوه أبو العباس بن الولید بن مصعب بن الریان بن اراشة بن مروان بن عمرو بن فاران بن عملاق بن لاوز بن سام بن نوح علیه السّلام ، و كان أعتى من قابوس و أكبر و أفجر ، و امتدّت أیام ملكه و أقام بنو إسرائیل بعد وفاة یوسف و قد نشروا و كثروا و هم تحت أیدى العمالقة و هم على بقایا من دینهم مما كان یوسف و یعقوب و إسحاق و إبراهیم علیهم السّلام شرعوا فیهم من الاسلام متمسّكین به ،

حتى كان فرعون موسى الذى بعثه اللّه إلیه و لم یكن منهم فرعون أعتى على اللّه و لا أعظم قولا و لا أقسى قلبا و لا أطول عمرا فی ملكه و لا أسوء ملكة لبنی إسرائیل منه و كان یعذّبهم و یستعبدهم فجعلهم خدما و خولا و صنفهم فی أعماله فصنف یبنون و صنف یحرسون ، و صنف یتولون الأعمال القذرة و من لم یكن من أهل العمل فعلیه الجزیة كما قال تعالى یسومونكم سوء العذاب .

( فلم تبرح الحال بهم فی ذلّ الهلكة و قهر الغلبة ) أى لم یزالوا أذلاّء هالكین مقهورین مغلوبین فی أیدى الفراعنة و أتباعهم ( لا یجدون حیلة فی امتناع ) منهم ( و لا سبیلا إلى دفاع ) عنهم .

( حتّى إذا ) طالت بهم المدّة و بلغت الغایة المشقّة و الشدّة و ( رأى اللّه سبحانه جدّ الصّبر منهم ) أى رأى منهم أنهم مجدّون فی الصّبر ( على الاذى فی محبّته و الاحتمال ) أى التحمل ( للمكروه من خوفه ) و خشیته .

( جعل لهم من مضائق البلاء فرجا ) و من سوء العذاب مخرجا ( فأبدلهم العزّ مكان الذلّ و الأمن مكان الخوف ) كما قال عزّ من قائل و اورثنا القوم الذین كانوا

[ 377 ]

یستضعفون مشارق الأرض و مغاربها الّتی باركنا فیها و تمّت كلمة ربّك الحسنى على بنى إسرائیل بما صبروا و دمّرنا ما كان یصنع فرعون و قومه و ما كانوا یعرشون و قال أیضا و لقد نجّینا بنی إسرائیل من العذاب المهین . من فرعون انه كان عالیا من المسرفین . و لقد اخترناهم على علم على العالمین أى نجّینا الذین آمنوا بموسى علیه السّلام من العذاب المهین ، یعنى قتل الأبناء و استخدام النساء و تكلیف المشاق و الاستعباد بعد سنین متطاولة و مدد متمادیة .

روى الصّدوق فی كتاب كمال الدّین و اتمام النعمة عن سعید بن جبیر عن سیّد العابدین علیّ بن الحسین عن أبیه سیّد الشهداء الحسین بن علیّ عن أبیه سید الوصیّین أمیر المؤمنین علیّ بن أبی طالب علیهم السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لما حضرت یوسف الوفاة جمع شیعته و أهل بیته فحمد اللّه و أثنا علیه ثمّ حدّثهم بشدّة تنالهم تقتل فیها الرجال و تشقّ بطون الحبالى و تذبح الأطفال حتّى یظهر اللّه فی القائم من ولد لاوى بن یعقوب و هو رجل أسمر طوال و نعته لهم بنعته فتمسّكوا بذلك ، و وقعت الغیبة و الشدّة على بنى اسرائیل و هم ینتظرون قیام القائم أربعمأة سنة حتّى إذا بشّروا بولادته و رأوا علامات ظهوره و اشتدّت البلوى و حمل علیهم بالحجارة « بالخشب و الحجارة خ ل » .

و طلب الفقیه الذى كانوا یستریحون إلى أحادیثه فاستتر ، و راسلهم « و طلبوا خ ل » فقالوا كنا مع الشدّة نستریح إلى حدیثك ، فخرج بهم إلى الصحارى و جلس یحدّثهم حدیث القائم و نعته و قرب الأمر ، و كانت لیلة قمراء .

فبیناهم كذلك حتّى طلع علیهم موسى علیه السّلام و كان فی ذلك الوقت حدث السّن قد خرج من دار فرعون یظهر النزهة ، فعدل عن موكبه و أقبل إلیهم و تحته بغلة و علیه طیلسان خزّ .

فلمّا رآه الفقیه عرفه بالنعت فقام الیه و انكبّ على قدمه فقبّلها ثمّ قال :

الحمد للّه الذى لم یمتنى حتّى أرانیك ، فلما رأى الشیعة ذلك علموا أنّه صاحبهم فأكبّوا على الأرض شكرا للّه عزّ و جلّ فلم یزدهم على أن قال : أرجو أن یعجّل

[ 378 ]

اللّه فرجكم .

ثمّ غاب بعد ذلك و خرج إلى مدینة مدین فأقام عند شعیب علیه السّلام ما أقام فكانت الغیبة الثانیة أشدّ علیهم من الاولى ، و كانت نیفا و خمسین سنة ، و اشتدّت البلوى علیهم .

و استتر الفقیه فبعثوا إلیه أنه لا صبر لنا على استتارك عنّا ، فخرج إلى بعض الصحارى و استدعاهم و طیّب نفوسهم و أعلمهم أنّ اللّه عز و جلّ أوحى إلیه أنّه مفرّج عنهم بعد أربعین سنة ، فقالوا بأجمعهم : الحمد للّه ، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلیه قل لهم قد جعلتها ثلاثین سنة لقولهم الحمد للّه ، فقالوا : كلّ نعمة من اللّه ، فأوحى اللّه إلیه قل لهم : قد جعلتها عشرین سنة ، فقالوا : لا یأتی بالخیر إلاّ اللّه ، فأوحى اللّه تعالى إلیه قل لهم : قد جعلتها عشرا ، فقالوا : لا یصرف السوء إلاّ اللّه ، فأوحى اللّه إلیه قل لهم :

لا تبرحوا فقد أذنت لكم فی فرجكم .

فبیناهم كذلك إذ طلع موسى علیه السّلام راكبا حمارا فأراد الفقیه أن یعرف الشیعة ما یستبصرون به فیه ، و جاء موسى علیه السّلام حتّى وقف علیهم فسلّم علیهم فقال له الفقیه :

ما اسمك ؟ قال : موسى ، قال : ابن من ؟ قال : ابن عمران ، قال : ابن من ؟ قال :

ابن فاهت بن لاوى بن یعقوب ، قال : بما ذا جئت ؟ قال : جئت بالرّسالة من عند اللّه عزّ و جلّ ، فقام إلیه فقبّل یده ثمّ جلس بینهم فطیّب نفوسهم و أمرهم أمره ثمّ فرّقهم ،

فكان بین ذلك الوقت و بین فرجهم بغرق فرعون أربعون سنة .

( فصاروا ) أى المؤمنون بعد غرق فرعون و جنوده ( ملوكا حكاما و أئمة أعلاما ) كما یدلّ علیه قوله سبحانه فی سورة القصص و نرید أن نمنّ على الّذین استضعفوا فی الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثین .

قال الطبرسى : المعنى أنّ فرعون كان یرید إهلاك بنى اسرائیل و إفنائهم و نحن نرید أن نمنّ علیهم و نجعلهم أئمة أى قادة و رؤساء فی الخیر یقتدى بهم عن ابن عباس ،

و قیل : نجعلهم ولاة و ملوكا عن قتادة ، و هذا القول مثل الأوّل ، لأنّ الذین جعلهم اللّه ملوكا فهم أئمة و لا یضاف إلى اللّه سبحانه ملك من یملك الناس ظلما و عدوانا ، و قد قال سبحانه فقد آتینا آل إبراهیم الكتاب و الحكمة و آتیناهم ملكا عظیما و الملك

[ 379 ]

من اللّه هو الذى یجب أن یطاع فالأئمة على هذا ملوك مقدّمون فی الدّین و الدّنیا یطأ الناس أعقابهم .

و فى سورة المائدة و اذ قال موسى لقومه یا قوم اذكروا نعمة اللّه علیكم اذ جعل فیكم انبیاء و جعلكم ملوكا و آتاكم ما لم یؤت احدا من العالمین اى اذكروا نعمة اللّه و أیادیه لدیكم إذ جعل فیكم أنبیاء یخبرون بالغیب و تنصرون بهم على الأعداء و لم یبعث فى أمّة ما بعث فى بنى اسرائیل من الأنبیاء ، و قیل : هم الأنبیاء الذین كانوا بعد موسى علیه السّلام مقیمین فیهم إلى زمن عیسى علیه السّلام مبیّنون لهم أمر دینهم ، و جعلكم ملوكا أى جعل منكم أو فیكم ، و قد تكاثر فیهم الملوك تكاثر الأنبیاء بعد فرعون ، و قیل :

لما كانوا مملوكین فى أیدى القبط فأنقذهم و جعلهم مالكین لأنفسهم و امورهم سماهم ملوكا ، و آتاكم ما لم یؤت أحدا من العالمین ، من فلق البحر و تظلیل الغمام و المنّ و السّلوى و غیرها مما أكرمهم اللّه تعالى به .

( و ) قد ( بلغت الكرامة من اللّه لهم ما ) أى إلى مقدار ( لم تذهب الآمال إلیه بهم ) أى إلى ذلك المقدار ، یعنی بلغت كرامة اللّه لهم إلى غایة الغایات و فوق ما یأمله الآملون و یرجوه الراجون ، حیث آتاهم ما لم یؤت أحدا من العالمین .

و لذلك منّ اللّه علیهم فی موضعین من سورة البقرة بقوله یا بنی اسرائیل اذكروا نعمتى الّتی أنعمت علیكم و أنّی فضّلتكم على العالمین و ذلك إنّ اللّه سبحانه فلق لهم البحر و أنجاهم من فرعون و أهلك عدوّهم و أورثهم دیارهم و أموالهم و أنزل علیهم التوراة فیها تبیان كلّ شی‏ء یحتاجون إلیه و أعطاهم ما أعطاهم فی التیه ، و ذلك أنهم قالوا أخرجتنا من العمران و البنیان إلى مفازة لا ظلّ فیها و لا كنّ فأنزل اللّه علیهم غماما أبیض رقیقا لیس بغمام المطر أرقّ و أطیب و أبرد منه فأظلّهم و كان یسیر معهم إذا ساروا ، و یدوم علیهم من فوقهم إذا نزلوا ، فذلك قوله تعالى و ظلّلنا علیكم الغمام یعنی فی التیه تقیكم من حرّ الشمس .

و من جملة كرامته تعالى لهم أنّه جعل لهم عمودا من نور یضی‏ء لهم باللیل إذا لم یكن ضوء القمر ، فقالوا : هذا الظلّ و النور قد حصل فأین الطعام فأنزل اللّه

[ 380 ]

تعالى علیهم المنّ .

و اختلفوا فیه ففی تفسیر الامام هو الترنجبین و به قال الضحاك ، و قال مجاهد :

هو شی‏ء كالصمغ كان یقع على الأشجار و طعمه كالشهد ، و قال وهب : هو الخبز الرقاق ،

و قال السّدى : هو عسل كان یقع على الشجر من اللیل فیأكلون منه ، و قال عكرمة :

هو شی‏ء أنزله علیهم مثل الربّ الغلیظ .

و قال الزجاج : جملة المنّ ما یمنّ اللّه به ممّا لا تعب فیه و لا نصب فقالوا : یا موسى قتلنا هذا المنّ حلاوته فادع لنا ربّك یطعمنا اللحم فأنزل اللّه علیهم السّلوى .

و اختلفوا فیه أیضا ففی تفسیر الامام هو السمانی أطیب طیر لحما یسترسل لهم فیصطا دونه ، و قال ابن عباس و الاكثر : هو طایر یشبه السّمانی ، و قال أبو العالیة و مقاتل : هو طیر حمر و كانت السّماء تمطر علیهم ذلك ، و قیل : كانت طیرا مثل فراخ الحمام طیّبا و سمینا قد تمعط ریشها و زغبها فكانت الریح تأتی بها إلیهم فیصبحون و هو فی معسكرهم .

و من جملة كراماته لهم أنهم عطشوا فی التیه فقالوا یا موسى من أنزلنا الشراب ،

فاستسقى لهم موسى ، فأوحى اللّه سبحانه أن اضرب بعصاك الحجر ، قال ابن عبّاس :

كان حجرا خفیفا مربعا مثل رأس الرّجل أمر أن یحمله فكان یضع فی مخلاته ،

فاذا احتاجوا إلى الماء ألقاه و ضربه بعصاه فسقاهم ، و كان یسقى كلّ یوم ستمأة ألف .

و منها أنهم قالوا لموسى : من أین لنا اللباس فجدّد اللّه لهم ثیابهم التى كانت علیهم حتّى لا تزید على كرور الأیام و مرور الأعوام إلاّ جدة و طراوة لا تخلق و لا تبلى ، و قد مضى تفصیل التیه فى شرح الخطبة المأة و الخامسة و السّتین ، هذا .

و لما أمر بالتدبر فى أحوال المؤمنین الماضین و تبدّل ذلّهم بالعزّ و خوفهم بالأمن و انتقالهم من عبودیّة الفراعنة إلى الملك و السلطنة ، و بلوغهم من كرامة اللّه إلى ما لم تذهب إلیه الآمال ، عقّبه بالأمر بالنظر فی حالهم و التّنبیه على أنّ المستلزم لتلك الخیرات كلّها إنما كان هو الالفة و الاجتماع ، و أنهم ما دامت كلمتهم متّفقة و قلوبهم مؤتلفة كان العزّ و السلطنة فیهم مستقرّة ، و لمّا اختلفت الآراء

[ 381 ]

و تشتّتت الأهواء عاد جمیعهم إلى الشتات و عزّهم إلى البتات ، فأبدلوا الذّل مكان العزّ ، و الخوف مكان الأمن و صار مآل أمرهم عبرا للمعتبرین و تذكرة للمتدبّرین و هو قوله :

( فانظروا كیف كانوا ) فى مبدء أمرهم بعد الخلاص من استرقاق الفراعنة ( حیث كانت الأملاء ) أى الجماعات و الأشراف ( مجتمعة و الأهواء مؤتلفة و القلوب معتدلة ) محفوظة من المیل إلى طرف الافراط أو التفریط ( و الأیدى مترادفة ) أى مترافدة متعاونة ( و السّیوف متناصرة ) نسبة التناصر إلى السّیوف من باب التوسّع و الاسناد إلى السبب ( و البصائر نافذة ) أى ماضیة غیر متردّدة فإنّ من نفذت بصیرته فی أمر لا یبقى له تردّد فیه لعلمه به و تحققه إیّاه ( و العزائم واحدة ) أى الارادات الجازمة اللازمة على طلب الحقّ متفقة .

( ألم یكونوا أربابا فی أقطار الأرضین و ملوكا على رقاب العالمین ) الاستفهام للتقریر بما بعد النفى و المقصود التنبیه على أنهم صاروا ملوكا و أربابا بسبب اتّصافهم بشئون الالفة ، و ملازمتهم لمراسم المحبّة فأمر المخاطبین بالنظر فی حالهم لیقتفوا آثارهم فی الایتلاف و الاجتماع ، فینالوا به الفوز العظیم ، ثمّ أمرهم بالنظر الى مآل أمرهم فقال :

( فانظروا إلى ما صاروا إلیه فى آخر امورهم ) و احذروا أن تكونوا مثلهم فى النفاق و الافتراق فتقعوا فى مهواة الذّلة و مفازة الهلكة ، فانهم ( حین وقعت الفرقة و تشتّتت ) أى تفرّقت ( الالفة و اختلفت الكلمة و الأفئدة و تشعّبوا ) أى صاروا شعوبا و قبائل حال كونهم ( مختلفین و تفرّقوا متحاربین ) و فى بعض النسخ متحزّبین أى اختلفوا أحزابا ( قد خلع اللّه عنهم ) بسبب التفرّق و الاختلاف ( لباس كرامته ) و عزّته ( و سبلهم غضارة نعمته ) أى طیّبها و لذّتها ( و بقى قصص أخبارهم فیكم عبرا للمعتبرین منكم ) و محصّل ما ذكره علیه السّلام أنّهم خلعوا من لباس الكرامة و سلبوا من غضارة النعمة ، و نزعوا من الملك و السلطنة بسبب افتراق الكلمة و اختلاف الآراء و تفرّقهم

[ 382 ]

بالحرب و البغى و الفساد و سفك الدّماء فضربت 1 علیهم الذّلة و المسكنة و بآؤا بغضب من اللّه ذلك بأنّهم كانوا یكفرون بآیات اللّه و یقتلون النبیّین بغیر الحقّ ذلك بما عصوا و كانوا یعتدون .

و الى ذلك اشیر فى قوله سبحانه فى سورة المائدة : و لقد جائتهم رسلنا بالبیّنات ثمّ إنّ كثیرا منهم بعد ذلك فى الأرض لمسرفون قال الباقر علیه السّلام المسرفون هم الذین یستحلّون المحارم و یسفكون الدّماء .

و فى الجاثیة و لقد آتینا بنى اسرائیل الكتاب و الحكم و النّبوة و رزقناهم من الطیّبات و فضّلناهم على العالمین . و آتیناهم بیّنات من الأمر فما اختلفوا إلاّ من بعد ما جاءهم العلم بغیا بینهم .

و فى سورة الاسراء و قضینا إلى بنى اسرائیل فی الكتاب لتفسدنّ فى الأرض مرّتین و لتعلنّ علوّا كبیرا . فإذا جآء وعد اولیهما بعثنا علیكم عبادا لنا اولى بأس . شدید فجاسوا خلال الدّیار و كان وعدا مفعولا . ثمّ رددنا لكم الكرّة و أمددناكم . بأموال و بنین و جعلناكم أكثر نفیرا . إن أحسنتم أحسنتهم لأنفسكم و إن أسأتم فلها فاذا جاء وعد الآخرة لیسؤوا وجوهكم و لیدخلوا المسجد كما دخلوه أوّل مرّة و لیتبّروا ما علوا تتبیرا .

قال البیضاوى : و قضینا إلى بنی اسرائیل أوحینا إلیهم وحیا مقتضیا فی التوراة ،

لتفسدنّ فی الأرض إفسادتین اولاهما مخالفة أحكام التوراة و قتل شعیا و قتل ارمیا ،

و ثانیتهما قتل زكریّا و یحیى و قصد قتل عیسى علیه السّلام ، فإذا جاء وعد عقاب أولیهما بعثنا علیكم عبادا لنا بخت النصر عامل لهراسف على بابل و جنوده ، و قیل جالوت ،

و قیل سخاریب من أهل نینوى ، أولى بأس شدید ذوى قوّة و بطش فی الحرب شدید ،

فجاسوا تردّدوا لطلبكم ، خلال الدّیار وسطها للقتل و الغارة ، قتلوا كبارهم و سبوا صغارهم و حرّقوا التوراة و خربوا المساجد ، ثمّ رددنا لكم الكرّة أى الدّولة و الغلبة علیهم على الذین بعثوا علیكم ، و ذلك بأن ألقى اللّه فی قلب بهمن بن اسفندیار

-----------
( 1 ) اقتباس من الآیة فى سورة البقرة م

[ 383 ]

لما ورث الملك من جدّه كشتاسف بن لهراسف شفقة علیهم ، فردّ اسراءهم إلى الشام و ملك دانیال علیهم فاستولوا على من كان فیها من اتباع بخت نصر ، أو بأن سلّط داود على جالوت فقتله و جعلناكم اكثر نفیرا ، مما كنتم و النفیر من ینفر مع الرّجل من قومه ، و قیل : جمع نفروهم المجتمعون للذهاب ، فاذا جاء وعد الآخرة ، وعد العقوبة الآخرة لیسؤوا وجوهكم أى بعثناهم لیسؤوا وجوهكم لیجعلوها بادیة آثار المساءة فیها ، و لیتبّروا لیهلكوا ما علوا ما غلبوه و استولوا علیه أو مدّة علوّهم ،

تتبیرا و ذلك بأن سلّط اللّه علیهم الفرس مرّة اخرى فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوایف اسمه جورز و قیل جردوس .

قیل دخل صاحب الجیش مذبح قرا بینهم فوجد فیه دما یغلى ، فسألهم عنه فقالوا دم قربان لم یقبل منّا فقال : ما صدقتمونی فقتل علیه الوفا منهم فلم یهدء الدّم ، ثمّ قال : إن لم تصدّقونی ما تركت منكم أحدا ، فقالوا : إنّه دم یحیى علیه السّلام ،

فقال : لمثل هذا ینتقم منكم ربّكم ، ثمّ قال : یا یحیى قد علم ربّی و ربّك ما أصاب قومك من أجلك فاهدء باذن اللّه قبل أن لا ابقى أحدا منهم ، فهدء .

و فى البحار من قصص الأنبیاء بالاسناد إلى الصّدوق باسناده إلى وهب بن منبه قال : كان بخت نصر منذ ملك یتوقّع فساد بنی اسرائیل یعلم أنّه لا یطیقهم إلاّ بمعصیتهم ، فلم یزل یأتیه العیون بأخبارهم حتّى تغیّرت حالهم و فشت فیهم المعاصی و قتلوا أنبیاءهم و ذلك قوله تعالى و قضینا الى بنی اسرائیل إلى قوله فاذا جاء وعد أولیهما یعنی بخت نصر و جنوده أقبلوا فنزلوا بساحتهم .

فلما رأوا ذلك فزعوا إلى ربّهم و تابوا و صابروا على الخیر و أخذوا على أیدى سفهائهم و أنكروا المنكر و أظهروا المعروف فردّ اللّه لهم الكرّة على بخت نصر و انصرفوا بعد ما فتحوا المدینة ، و كان سبب انصرافهم أنّ سهما وقع فی جبین فرس بخت نصر فجمح به حتّى أخرجه من باب المدینة .

ثمّ إنّ بنی اسرائیل تغیّروا فیما برحوا حتّى كرّ علیهم و ذلك قوله تعالى فاذا جاء وعد الآخرة لیسؤوا وجوهكم فأخبرهم ارمیا أنّ بخت نصر یتهیّأ بالمسیر

[ 384 ]

إلیكم و قد غضب اللّه علیكم و أنّ اللّه تعالى جلّت عظمته یستتیبكم لصلاح آبائكم و یقول هل وجدتم أحدا عصانی فسعد بمعصیتی أم هل علمتم أحدا أطاعنی فشقى بطاعتی و أمّا أحباركم و رهبانكم فاتّخذوا عبادى خولا یحكمون فیهم بغیر كتابى حتّى انسوهم ذكرى ، و أما ملوككم و امراؤكم فبطروا نعمتى فغرّتهم الحیاة الدّنیا ، و أمّا قرّاؤكم و فقهاؤكم فهم منقادون للملوك یبایعونهم على البدع و یطیعونهم فى معصیتى ، و أما الأولاد فیخوضون مع الخائضین ، و فی كلّ ذلك البسهم العافیة فلا بدلنّهم بالعزّ ذلاّ و بالأمن خوفا إن دعونی لم اجبهم ، و إن بكوا لم أرحمهم .

فلما بلّغهم ذلك نبیّهم كذّبوه و قالوا : و قد أعظمت الفریة على اللّه تزعم أنّ اللّه معطل مساجده من عبادته ، فقیّدوه ، و سجنوه .

فأمر بخت نصر و حاصرهم سبعة أشهر حتى اكلوا خلاهم و شربوا أبوالهم ، ثمّ بطش بهم بطش الجبّارین بالقتل و الصّلب و الاحراق و جدع الانوف و نزع الألسن و الأنیاب و وقف النساء .

فقیل له : إنّ لهم صاحبا كان یحذرهم بما أصابهم ، فاتّهموه و سجنوه ، فأمر بخت نصر فاخرج من السجن فقال له : أكنت تحذر هؤلاء ؟ قال : نعم قال : و أنّى علمت ذلك ؟ قال : أرسلنی اللّه به إلیهم ، قال : فكذّبوك و ضربوك ؟ قال : نعم ، قال :

لبئس القوم قوم ضربوا نبیّهم و كذّبوا رسالة ربّهم فهل لك أن تلحق بی فاكرمك و إن أحببت أن تقیم فی بلادك امنتك ؟ قال ارمیا : إنّی لم أزل فی أمان اللّه منذ كنت لم أخرج منه و لو أنّ بنی اسرائیل لم یخرجوا من أمانه لم یخافوك .

فأقام ارمیا علیه السّلام مكانه بارض ایلیا و هى حینئذ خراب و قد هدم بعضها فلما سمع به من بقی من بنی اسرائیل اجتمعوا فقالوا عرفنا أنّك نبیّنا فانصح لنا ، فأمرهم أن یقیموا معه ، فقالوا : ننطلق إلى ملك مصر نستجیر ، فقال ارمیا علیه السّلام : إن ذمّة اللّه أو فی الذمم ، فانطلقوا و تركوا ارمیا ، فقال لهم الملك : أنتم فی ذمّتی .

[ 385 ]

فسمع ذلك بخت نصر فأرسل إلى ملك مصر ابعث بهم إلىّ مصفدین و إلاّ آذنتك بالحرب ، فلما سمع ارمیا علیه السّلام بذلك أدركته الرّحمة لهم فتبادر إلیهم لینقذهم ، فورد علیهم و قال : إنّ اللّه تعالى جلّ ذكره أوحى إلىّ أنّی مظهر بخت نصر على هذا الملك و آیة ذلك انه تعالى أرانى موضع سریر بخت نصر الذى یجلس علیه بعد ما یظفر بمصر ،

ثمّ عمد فدفن أربعة أحجار فی ناحیة من الأرض .

فصار إلیهم بخت نصر فظفر بهم و أسرهم ، فلما أراد أن یقسم الفى‏ء و یقتل الأسارى و یعتق منهم كان منهم ارمیا فقال له بخت نصر : أراك مع أعدائى بعد ما عرضتك له من الكرامة ، فقال ارمیا علیه السّلام : إنّى جئتهم مخوفا اخبرهم خبرك ، و قد وضعت لهم علامة تحت سریرك هذا و أنت بأرض بابل ، ارفع سریرك فانّ تحت كلّ قائمة من قوائمه حجرا دفنته بیدى و هم ینظرون ، فلما رفع بخت نصر سریره وجد مصداق ما قال ، فقال لارمیا : إنّى لأقتلنهم إذ كذّبوك و لم یصدّقوك ، فقتلهم و لحق بأرض بابل .

الترجمة

پس بترسید از خدا در عذاب دنیوى بغى ، و عذاب اخروى سنگینى ظلم ، و بدى عاقبت كبر ، پس بدرستى كه اینها أسباب شكار بزرگ شیطان است ، و حیله بزرگتر او كه میجهد در قلبهاى مردان مثل جستن زهرهاى كشنده ، پس عاجز نمیشود هرگز ، و خطا نمى‏كند از مقتل أحدى ، نه از اهل علم بجهت علم خود ، و نه از فقیر پوشیده در لباس فقر خود .

و از اینست نگاه داشتن خداوند بندگان مؤمنان خود را بوسیله نمازها و زكاتها وجد و جهد روزه گرفتن در أیامى كه فرض شده‏اند بجهت ساكن كردن اعضا و جوارح ایشان ، و خاشع نمودن چشمهاى ایشان ، و رام گردانیدن نفسهاى ایشان ، و پست و متواضع فرمودن قلبهاى ایشان ، و بیرون بردن تجبّر از ایشان براى آنكه در این مذكوراتست از مالیدن رخسارهاى شریفه بخاك از جهت تواضع ، و از چسباندن

[ 386 ]

اعضاء كریمه بزمین از جهت حقارت ، و از ملحق شدن شكمها بپشتها در روزه گرفتن از جهت ذلّت ، علاوه بآنچه در زكاة است از صرف كردن میوهاى زمین و غیر آن بسوى درویشان و فقیران ، نظر نمائید بسوى آنچه در این اعمال است از ذلیل ساختن ظاهر شوندهاى فخر ، و از نگاه داشتن از طلوع كنندهاى كبر .

و بتحقیق نظر كردم بنظر بصیرت پس نیافتم أحدى را از أهل عالم كه تعصّب كند براى چیزى از چیزها مگر بجهت علّتى كه حامل اشتباه كارى جاهلان شود و بجهت دلیلى كه چسبد بعقلهاى سفیهان بغیر از شما ، پس بدرستیكه شما تعصّب مینمائید بجهت چیزیكه شناخته نمیشود از براى آن هیچ سبب و علّتى .

أما شیطان ملعون پس تعصّب كرد و تكبّر نمود بجناب آدم علیه السّلام بجهت أصل خود كه آتش بود ، و طعن كرد بر او در خلقت أو ، پس گفت بآدم علیه السّلام : من از آتش خلق شده‏ام و تو از گل آفریده شده ، و أمّا توانگران از متنعّمان امّتها پس تعصّب كردند بجهت آثار وقوع نعمتها پس گفتند ما بیشتریم از حیثیّت أموال و أولاد و نیستیم ما عذاب شدگان .

پس اگر لا بدّ شود از عصبیّت پس باید كه شود عصبیّتها بجهت مكارم أخلاق و كارهاى پسندیده و امورات نیكو كه تفاخر میكردند در آنها صاحبان مجدت و نجدت از خانواده‏هاى عربها و رئیسان قبیلها بخلقهاى مرغوبه ، و عقلهاى بزرگ و مرتبه‏هاى بلند ، و اثرهاى پسندیده .

پس تعصّب نمائید بخصلتهاى ستوده از محافظت حقّ همسایگى ، و وفا نمودن بعهد و امان ، و اطاعت نمودن نیكوكار ، و مخالفت نمودن كبر ، و فرا گرفتن فضل و باز ایستادن از بغى ، و بزرگ شمردن كشتن ناحق ، و انصاف كردن از براى خلق و فرو خوردن خشم نزد فوران غضب ، و پرهیز كردن از فساد در زمین .

و بترسید از چیزى كه نازل شد بامتها كه پیش از شما بودند از عقوبتها بسبب بدى فعلها و زشتى عملها ، پس متذكّر باشید در نیكى و بدى أحوال ایشان را ، و حذر نمائید از آنكه باشید امثال ایشان ، پس وقتى كه تفكر كردید در تفاوت دو حالت

[ 387 ]

ایشان یعنى حالت خوب و حالت بد ایشان .

پس لازم شوید هر كارى را كه لازم شد بسبب آن كار عزّت بحال ایشان و دور شد دشمنان بجهت آن كار از ایشان و ممدود شد رستگارى در آنكار بایشان ،

و منقاد شد نعمت از براى آنكار با ایشان ، و وصل كرد كرامت و بزرگوارى بر آن كار ریسمان ایشانرا كه عبارتست آن كار از اجتناب و پرهیز كردن از نفاق و افتراق و لازم شدن بایتلاف و اتّفاق ، و ترغیب كردن بر آن ، و وصیّت نمودن بآن و اجتناب نمائید از هركارى كه شكست مهره پشت ایشان را ، و سست كرد قوت ایشان را از كینه جوئى قلبها بیكدیگر ، و دشمنى سینه‏ها ، و پشت بیكدیگر كردن نفسها ، و خوار كردن دستها یكدیگر را .

و تدبّر نمائید در حال گذشتگان از مؤمنین كه پیش از شما بودند كه چگونه بودند در حال ابتلا و امتحان ، آیا نبودند ایشان سنگین‏ترین خلق از حیثیّت بارهاى گران ، و كوشش كننده‏ترین خلق از حیثیّت بلا ، و تنگ‏ترین اهل دنیا از حیثیّت حال ، اخذ كرد ایشانرا فرعونیان بندگان و غلامان ، پس عذاب كردند ایشانرا به بدترین عذاب ، و آشامیدند ایشان را جرعه‏هاى تلخ ، پس بود همیشه حال ایشان در ذلّت هلاكت ، و در قهر غلبه در حالتى كه نمى‏یافتند حیله و علاجى در امتناع از ظلم ایشان ، و نه راهى بسوى دفع كردن بلاى ایشان .

تا آنكه چون دید خداوند متعال كوشش در صبر از ایشان بر اذیّت در محبّت او ، و متحمّل شدن مكروه را از خوف او ، گردانید براى ایشان از تنگیهاى بلا و محنت گشایش ، پس بدل كرد بر ایشان عزّت را بجاى ذلّت ، و أمنیت را بجاى خوف ، پس گشتند پادشاهان و حاكمان و امامانى كه علمهاى هدایتند ، و رسید كرامت از جانب خدا براى ایشان بمقامى كه نمى‏برد آرزوها ایشانرا بآن مقام .

پس نظر نمائید بدیده اعتبار كه چگونه بودند ایشان وقتى كه بود جماعتها متّفق ، و خواهشات موافق ، و قلبها معتدل ، و دستها یارى یكدیگر كننده ، و شمشیرها رو بنصرت یكدیگر نهنده ، و بصیرتها نافذ ، و عزیمتها متّحد ، آیا نبودند ایشان مالكها

[ 388 ]

در اطراف زمینها ، و پادشاهان بر گردن عالمیان .

پس نظر كنید بسوى آنچه كه برگشتند بآن در آخر كارهاى خودشان وقتى كه واقع شد پراكندگى ، و پراكنده شد پیوستگى ، و مختلف شد گفتار و قلوب ،

و منتشر شدند در حالتى كه مختلف بودند ، و متفرّق گشتند در حالتى كه محارب یكدیگر بودند ، بر كند خداى تعالى از ایشان لباس كرامت خود را ، و سلب نمود از ایشان لذّت نعمت خود را ، و باقى ماند قصّه‏هاى خبرهاى ایشان در شما عبرتها از براى عبرت كنندگان از شما .

الفصل السادس

فاعتبروا بحال ولد إسماعیل و بنی إسحاق و بنی إسرائیل علیهم السّلام فما أشدّ اعتدال الأحوال ، و أقرب أشتباه الأمثال ، تأمّلوا أمرهم فی حال تشتّتهم و تفرّقهم لیالی كانت الأكاسرة و القیاصرة أربابا لهم ،

یحتازونهم عن ریف الافاق ، و بحر العراق ، و خضرة الدّنیا إلى منابت الشّیح ، و مها فی الرّیح ، و نكد المعاش ، فتركوهم عالة مساكین إخوان دبر و وبر ، أذلّ الامم دارا ، و أجدبهم قرارا ، لا یأوون إلى جناح دعوة یعتصمون بها ، و لا إلى ظلّ ألفة یعتمدون على عزّها .

فالأحوال مضطربة ، و الأیدی مختلفة ، و الكثرة متفرّقة فی بلاء أزل ، و إطباق جهل ، من بنات موؤودة ، و أصنام معبودة ،

و أرحام مقطوعة ، و غارات مشنونة .

[ 389 ]

فانظروا إلى مواقع نعم اللّه علیهم حین بعث إلیهم رسولا ، فعقد بملّته طاعتهم ، و جمع على دعوته ألفتهم ، كیف نشرت النّعمة علیهم جناح كرامتها ، و أسالت لهم جداول نعیمها ، و التفّت الملّة بهم عوائد بركتها ،

فأصبحوا فی نعمتها غرقین ، و عن خضرة عیشها فكهین ، و قد تربّعت الامور بهم فی ظلّ سلطان قاهر ، و أوتهم الحال إلى كنف عزّ غالب ،

و تعطّفت الامور علیهم فی ذرى ملك ثابت ، فهم حكّام على العالمین و ملوك فی أطراف الأرضین ، یملكون الامور على من كان یملكها علیهم ، و یمضون الأحكام فی من كان یمضیها فیهم ، لا تغمز لهم قناة و لا تقرع لهم صفاة .

اللغة

( الأكاسرة ) جمع كسرى بالكسر و الفتح لقب من ملك الفرس معرّب خسرو أى واسع الملك و یجمع على كیاسرة و أكاسر أیضا و كلّها خلاف القیاس و القیاس كسرون و زان عیسون .

و ( القیاصرة ) جمع قیصر لقب من ملك الرّوم و ( الرّیف ) بالكسر أرض فیها زرع و خصب و ما قارب الماء من أرض العرب أو حیث یكون به الخضر و المیاه و الزّروع و ( الشیّح ) بالكسر نبت معروف یقال له بالفارسیّة درمنه و ( هفت الریح ) هفوا هبت و هفت به أى حركته و ( عالة ) جمع عائل مثل قادة و قائد و هو ذو العیلة أى الفقر قال تعالى و ان خفتم عیلة فسوف یغنیكم اللّه من فضله .

[ 390 ]

و ( الدّبر ) محرّكة الجرح فی ظهر البعیر من دبره القتب أى عقره و ( الوبر ) للبعیر بمنزلة الصّوف للغنم و ( وئد ) بنته دفنها فی التراب حیّة قال تعالى « و إذا الموؤدة سئلت بأىّ ذنب قتلت و ( شنّ الغارة ) علیهم صبّها من كلّ وجه و ( تفكّه به ) تمتّع بأكله و الفاكهة التّمر و العنب و الثّمر كلّه ، و فی بعض النسخ فاكهین بدل فكهین أى ناعمین ، و بها قرء قوله تعالى و نعمة كانوا فیها فاكهین و قال الاصمعى فاكهین مازحین و المفاكهة الممازحة .

( و تربّعت ) الامور بهم اعتدلت من قولهم : رجل ربعة و امرأة ربعة أى معتدل و حذف الهاء فی المذكر لغة و فتح الباء فیهما أیضا لغة و قال الشارح المعتزلی و غیره :

تربّعت بمعنى أقامت من قولك ربع بالمكان أى أقام به ( الذّرى ) جمع ذروة بالضمّ و الكسر و هى أعلى الشی‏ء و ( الغمز ) العصر و الكبس بالید قال الشاعر :

و كنت إذا غمزت قناة قوم
كسرت كعوبها أو تستقیما

و ( القناة ) الرّمح و ( الصّفاة ) الصّخرة و الحجر الأملس .

الاعراب

جملة یحتازونهم فی محلّ النّصب على الحال من الأكاسرة و القیاصرة و تحتمل الاستیناف البیانی ، و قوله : عالة مساكین ، حال مترادفة ، و قوله : اخوان دبر و وبر ، بدل ، و جملة : لا یأوون ، حالیة ، و الفاء فی قوله : فالأحوال مضطربة ،

فصیحة :

و قوله : فی بلاء أزل ، متعلّق بمقدّر أى كائنون فی بلاء أزل ، فیكون خبرا لمبتداء محذوف و یحتمل الحال لقوله متفرّقة و اضافة بلاء إلى الأزل معنویّة بمعنى من و كذا اضافة اطباق إلى الجهل هكذا قال الشّارح البحرانى و لا بأس به ، و من فی قوله : من بنات بیانیّة .

و قوله : فی عوائد بركتها ، قال الشّارح المعتزلی و البحرانی : متعلّق بمحذوف

[ 391 ]

و موضعه نصب على الحال أى جمعتهم الملّة كائنة فی عوائد بركتها أقول : و یجوز تعلّقه بقوله و التفّت فیكون مفعولا بالواسطة .

و قوله : و عن خضرة عیشها قال الشّارح المعتزلی : عن متعلّقة بمحذوف تقدیره ، فأصبحوا فاكهین فكاهة صادرة عن خضرة عیشها أى خضرة عیش النّعمة سبب لصدور الفكاهة و المزاح عنه أقول : لا حاجة إلى تقدیر المحذوف لجواز تعلّقها بقوله فاكهین و كونها بمعنى من النشویة أو بمعنى اللاّم كما فی قوله تعالى و ما كان استغفار إبراهیم لأبیه إلاّ عن موعدة .

المعنى

اعلم أنّه لمّا ذكر فی الفصل السّابق محاسن الالفة و الاتّفاق و مفاسد الفرقة و الافتراق ، و أمر بالتدبّر فی أحوال الماضین و أنّ الفتهم فی بدایة حالهم أوجبتهم العزّة و الكرامة ، و فرقتهم فی آخر أمرهم سلبتهم غضارة النعمة فبقى قصص أخبارهم عبرا للمعتبرین من المخاطبین ، اتبعه بهذا الفصل تفصیلا لما أجمله من قصص أخبارهم و تنبیها على جهة العبرة فی تلك القصص فقال :

( فاعتبروا بحال ولد إسماعیل ) الذّبیح ( و بنی إسحاق ) بن إبراهیم الخلیل ( و بنی إسرائیل ) یعقوب بن إسحاق سلام اللّه علیهم ، و علّل وجوب الاعتبار بقوله :

( فما أشدّ اعتدال الأحوال و أقرب اشتباه الأمثال ) یعنی أنّ أحوالكم أشدّ اعتدالا و تناسبا لأحوالهم و أنّ أمثالكم أی صفاتكم أكثر قربا و مشابهة لصفاتهم فاذا كانت الأحوال معتدلة متناسبة ، و الصّفات متشابهة متماثلة وجب لكم الاعتبار بحالهم ، و أشار إلى جهة العبرة فیهم بقوله :

( تأمّلوا أمرهم فی حال تشتّتهم و تفرّقهم لیالی كانت الأكاسرة ) أى ملوك الفرس ( و القیاصرة ) أى ملوك الروم ( أربابا لهم ) أى مالكین لرقابهم ، و كانت العرب تسمّى الملوك أربابا كما فی قوله تعالى و قال للّذى ظنّ أنّه ناج منهما اذكرنی عند ربّك فأنساه الشّیطان ذكر ربّه .

و المراد من المربوبین كما ذكره الشارح المعتزلی : بنو إسماعیل ، فالضمیر

[ 392 ]

فی أمرهم و تشتتهم و تفرّقهم راجع إلیهم ، و المراد من الأرباب بنو إسحاق و بنو إسرائیل لأنّ الأكاسرة من بنی اسحاق ، ذكره كثیر من أهل العلم ، و القیاصرة من ولد اسحاق أیضا ، لأنّ الرّوم بنو العیص بن اسحاق ثمّ قال الشارح :

فان قلت : فبنو اسرائیل أىّ مدخل لهم ههنا .

قلت : لأنّ بنی اسرائیل كانوا ملوكا بالشام حاربوا العرب من بنی اسماعیل غیر مرّة و طردوهم عن الشام و ألجأوهم إلى المقام ببادیة الحجاز ، و یصیر تقدیر الكلام فاعتبروا بحال ولد اسماعیل مع بنی اسحاق و بنی اسرائیل ، و تخصیص ملوك بنی اسحاق أى الأكاسرة و القیاصرة بالذكر دون ملوك بنی اسرائیل لأنّ العرب لم تكن تعرف ملوك ولد یعقوب حتّى یذكر أسمائهم فی الخطبة ، بخلاف ولد اسحاق فانهم كانوا یعرفون ملوكهم من بنى ساسان و بنی الأصفر ، هذا ملخّص ما قاله الشّارح هنا .

أقول : و هو مع أنّه غیر خال عن التكلّف مخالف لظاهر كلامه علیه السّلام فانه كما ترى ظاهر فى كون الضمائر فی أمرهم و تشتّتهم و تفرّقهم و لهم جمیعا راجعة إلى بنی اسماعیل و بنی إسحاق و بنی إسرائیل جمیعهم ، و نصّ فى كون الأكاسرة و القیاصرة أربابا لهم مسلّطین علیهم ، و لا حاجة إلى تجشّم الاستدلال فى انتهاء نسبهم إلى ولد إسحاق ، فانّ تسلّطهم على العرب و الیهود و غیرهم و بعبارة اخرى على بنى إسماعیل و بنی إسحاق و بنی إسرائیل ملاء منه كتب التواریخ و السیر ، فلا وجه لتخصیص المقهورین بالعرب و القاهرین من الأكاسرة و القیاصرة ببنی إسحاق و بنى إسرائیل من ملوك الشام كما زعمه الشّارح .

فان قلت : الوجه فی مصیر الشّارح إلى هذه التكلّفات كلّها ما ذكره فى كلامه قبل ما حكینا عنه ملخّصا ، من أنّه لا نعرف أحدا من بنى اسرائیل احتازتهم الأكاسرة و القیاصرة عن ریف الآفاق إلى البادیة إلاّ أن یقال یهود خیبر و النضیر و بنى قریظة و بنى قیقاع ، و هؤلاء نفر قلیل لا یعتدّ بهم ، مع أنّ فحوى الخطبة مانع من إرادتهم أیضا ، لأنّهم لم یكونوا أهل دبر و وبر ، و إنّما كانوا ذوى حصون و قلاع

[ 393 ]

فهذا الوجه ألجأ الشّارح إلى تخصیصه المقهورین بالعرب خاصّة .

قلت : غرض أمیر المؤمنین علیه السّلام من سوق كلامه حسبما عرفت سابقا و تعرفه أیضا أحكام لحوق الذّل على فرق الأنام بسبب التفرّق و اختلاف الكلام من أیّ فرقة كانت ، و ذكر بنی إسماعیل و إسحاق و إسرائیل من باب التمثیل و الاستطراد و مزید التوضیح لهذا المرام ، و من المعلوم أنّ الذلّ اللاّحق ببنى إسرائیل من أجل اختلاف الآراء أظهر و أجلى من الذلّ اللاّحق ببنى إسماعیل ، فكون كلامه ذلك إشارة إلى مقهوریّة الفرقتین جمیعا أثبت لهذا الغرض و أدخل فى التوضیح .

و ما قاله الشارح فى وجه تخصیص الأذلاّء المقهورین بالفرقة الثانیة فقط من عدم المعرفة بمن یحتازه الأكاسرة و القیاصرة إلى البادیة من بنى إسرائیل .

ففیه أوّلا أنّه بعد ثبوت قوّة سلطنة الأكاسرة و القیاصرة و استیلائهم على البلدان و كون هممهم مقصورة على فتح الأمصار و على القتل و النّهب فی الأصقاع و الأقطار تارة بالعراق و توابعها ، و أخرى بالشام و مضافاتها ، فالعادة قاضیة بانجلاء أهلها منها حتما ، و هربهم منها إلى البوادى و المفاوز البعیدة حفظا للدّماء ، و حذرا من النّهب و الاستیصال ، فعدم المعرفة بأعیان المحتازین المشرّدین و عدم وجدانهم لا یدلّ على عدم الوجود بعد شهادة الاستقراء و قضاء العادة و إفادة ظاهر كلامه علیه السّلام له .

و ثانیا أنّ مفاد كلامه علیه السّلام كما ترى أنّ بنی إسماعیل و إسحاق و إسرائیل كانوا مشرّدین عن عقر دارهم إلى البوادی بفعل الأكاسرة و القیاصرة ، یكفى فی صدق هذا الكلام و صحّته كون المشرّدین من مجموع الفرق الثلاث و إن كان من بعضها قلیلا كبنى إسرائیل على زعم الشّارح ، و من البعض الآخر كثیرا كبنى إسماعیل ،

فلا حاجة على ذلك إلى تمحّل التكلّف أصلا .

و بعد هذا كلّه فلا بأس بأن نذكر طرفا ممّا وقع على بنى إسماعیل و بنى إسرائیل من القتل و الغارة فى دولة الأكاسرة و القیاصرة بملاحظة اقتضاء المقام و مسیس الحاجة .

[ 394 ]

فأقول : أمّا بنو اسرائیل أعنی العرب فقد قال فی روضة الصّفا : إنّ شابور ذالأكتاف بن هرمز بن نرسی بن بهرام من الأكاسرة لمّا بلغ سنّه ستّ عشر سنة انتخب من أصحابه من العجم أربعة آلاف من أنجادهم ، فسار معهم إلى حدود فارس ،

و كان هناك جماعة من الأعراب أكثروا فی تلك الحدود من القتل و النّهب و الفساد ،

فقتل منهم من وجد ، و هرب الباقون ، و لم یبق منهم فی أطراف دجلة و الفرات عین و لا أثر ، ثمّ سار إلى البحرین و قطیف و الحجر ، فقتل من قبایل تمیم و بكر بن وائل و عبد قیس و غیرها جمّا غفیرا .

فلمّا ملّ من القتل أمر بأن یثقب أكتاف من بقی من الأعراب و یدخل فی ثقبها الحبال ، فلقّب من ذلك بذی الأكتاف .

و لمّا قضى وطره من استیصال العرب توجّه إلى بلاد الرّوم و دخل قسطنطنیة و جرى له مع قیصر قصّة مشهورة فی الكتب مأثورة ، و فوّض إلیه قیصر بلدة نصیبین بین الشام و العراق فأوفد إلیها اثنی عشر ألفا من أهل اصبهان و فارس و سایر البلاد فتوطّنوا فیها ، و لم یبق من العرب باقیة فی ملكه و ملك سایر الأكاسرة .

و أمّا بنو اسرائیل فقد ظهر مقهوریّتهم ممّا ذكرنا فی شرح الفصل المتقدّم و نزید توضیحا بذكر ما أورده الطبرسی فی تفسیر الآیة المتقدّمة هناك أعنی قوله تعالى و قضینا الى بنی اسرائیل إلى قوله و لیتبّروا ما علوا تتبیرا .

قال الطبرسی : اختلف المفسّرون فی القصّة عن هاتین الكرّتین اختلافا شدیدا ، قالوا : لمّا عتى بنو اسرائیل فی المرّة الاولى سلّط اللّه علیهم ملك فارس و قیل : بخت نصر ، و قیل : ملكا من ملوك بابل ، فخرج إلیهم و حاصرهم و فتح بیت المقدس و خرب المسجد و أحرق التوراة و ألقی الجیف فی المسجد ، و قتل على دم یحیى سبعین ألفا و سبی ذراریهم و أغار علیهم و أخرج أموالهم و سبی سبعین ألفا و ذهب بهم إلى بابل فبقوا فی یده مأة سنة یستعبدهم المجوس و أولادهم .

ثمّ تفضّل اللّه علیهم بالرّحمة فأمر ملكا من ملوك فارس عارفا باللّه سبحانه تعالى ، فردّهم إلى بیت المقدس فأقاموا به مأة سنة على الطریق المستقیم و الطاعة

[ 395 ]

و العبادة .

ثمّ عادوا الى الفساد و المعاصی ، فجائهم ملك من ملوك الرّوم اسمه انطیاحوس فخرّب بیت المقدس و سبا أهله ، و قیل : غزاهم ملك الرّومیّة و سباهم عن حذیفة .

و قال محمّد بن إسحاق : كانت بنو اسرائیل یعصون اللّه تعالى و فیهم الأحداث و اللّه یتجاوز عنهم ، و كان أوّل ما نزل بهم بسبب ذنوبهم أنّ اللّه تعالى بعث إلیهم شعیا قبل مبعث زكریّا علیه السّلام ، و شعیا هو الذى بشّر بعیسى و بمحمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

و كان لبنى إسرائیل ملك كان شعیا یرشده و یسدّده ، فمرض الملك ، و جاء سنجاریب إلى بیت المقدس بستمأة ألف رایة ، فدعى اللّه سبحانه شعیا فبرء الملك و مات جمع سنجاریب و لم ینج منهم إلاّ خمس نفر منهم سنجاریب فهرب و ارسلوا خلفه من یأخذه ، ثمّ أمر سبحانه باطلاقه لیخبر قومه بما نزل بهم ، فأطلقوه و هلك سنجاریب بعد ذلك بسبع سنین .

و استخلف بخت نصر ابن ابنه فلبث سبع عشر سنة و هلك ملك بنی اسرائیل و مرج أمرهم و تنافسوا فی الملك ، فقتل بعضهم بعضها ، فقام شعیا فیهم خطیبا و وعظهم بعظات بلیغة و أمرهم و نهاهم فهمّوا بقتله ، فهرب و دخل شجرة فقطعوا الشجرة بالمنشار فبعث اللّه الیهم ارمیا من سبط هارون ثمّ خرج من بینهم لما رأى من أمرهم ،

و دخل بخت نصر و جنوده بیت المقدس و فعل ما فعل ، ثمّ رجع إلى بابل بسبایا بنی إسرائیل فكانت هذه الدّفعة الأولى .

و قیل أیضا : إنّ سبب ذلك كان قتل یحیى بن زكریّا ، و ذلك إنّ ملك بنی اسرائیل أراد أن یتزوّج بنت ابنته « امرأته خ » فنهاه یحیى علیه السّلام و بلغ أمّها فحقدت علیه و بعثته على قتله فقتله ، و قیل إنّه لم یزل دم یحیى یغلى حتّى قتل بخت نصر منهم سبعین ألفا أو اثنین و سبعین ألفا حتّى سكن الدّم .

و ذكر الجمیع أنّ یحیى بن زكریّا هو المقتول فی الفساد الثانی ، قال مقاتل :

و كان بین الفساد الأوّل و الثانی مأتا سنة و عشر سنین .

و قیل إنما غزى بنى اسرائیل فى المرّة الاولى بخت نصر و فی المرّة الثانیة





نظرات() 


foot issues
یکشنبه 26 شهریور 1396 07:36 ب.ظ
Attractive component of content. I just stumbled upon your weblog and in accession capital to claim that I acquire actually
enjoyed account your blog posts. Anyway I'll be subscribing on your augment or even I achievement you get admission to constantly fast.
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox