تبلیغات
پیام هادی - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-01:47 ب.ظ

[ 317 ]

و بلاء لا رحمة و عطاء كما فی حقّ فرعون و ملائه الكافرین المستكبرین المسبوق ذكرهم فی الآیة الشریفة ، و یكون الضیق و الاقتار تفضّلا و إحسانا لا سخطا و حرمانا كما فی حقّ الأولیاء المستضعفین من عباد اللّه المكرمین .

( فانّ اللّه سبحانه یختبر عباده المستكبرین فی أنفسهم بأولیائه المستضعفین فی أعینهم ) لا یخفی حسن ارتباط هذه الجملة بسابقتها و لیس كلاما منقطعا عما قبله یستدعى ابتداء یكون معلّلا به كما زعمه الشارح البحرانی ، لأنه علیه السّلام لما نبّه أنّ المال و الولد لیس مناطا للرّضا و السّخط ، و لا الامداد بهما لأجل تعجیل الخیر ،

بل لأجل الاختبار و الافتتان للغاوین المستكبرین المكذّبین للرّسل عقّبه بهذا الكلام توضیحا و تبیینا ، و المراد به أنه تعالى یمتحن المستكبرین بما أعطاهم من الأموال و الأولاد و القناطیر المقنطرة من الذّهب و الفضّة و الأنعام و الحرث و نحوهما من متاع الحیاة الدّنیا ببعث أولیائه المستضعفین فی نظرهم إلیهم ، و عقّبه بذكر قصّة موسى و فرعون لزیادة الایضاح فقال :

( و ) ل ( قد دخل ) كلیم اللّه ( موسى بن عمران و معه أخوه هارون علیهما السّلام على فرعون ) اللعین بالرّسالة من ربّ العالمین ( و علیهما مدارع الصّوف و بأیدیهما العصى ف ) دعیاه إلى الایمان باللّه و التصدیق به و ( شرطا له إن أسلم بقاء ملكه و دوام عزّه ) و إنما شرطا له ذلك لأنّ قبول الدّعوة مع هذا الشرط أسهل فهو أقطع لوزره ( فقال ) نحوة و استكبارا للملاء حوله ( ألا تعجبون من هذین ) الاتیان باسم الاشارة للتحقیر كما فی قوله أ هذا الذى یذكر آلهتكم أى هذا الحقیر المسترذل یعنى به إبراهیم علیه السّلام .

( یشرطان لى دوام العزّ و بقاء الملك و هما ) متلبّسان ( بما ترون من حال الفقر و الذّل فهلا القى علیهما أساورة من ذهب ) .

قال صاحب التلخیص : هلاّ فی الماضى للتندیم ، و قال شارح التلخیص و مع هذا فلا یخلو من ضرب من التوبیخ و اللوم على ما كان یجب أن یفعله المخاطب قبل أن یطلب منه ، انتهى .

[ 318 ]

و على هذا فالمراد استحقارهما و توبیخهما على الخلوّ من الزینة و التجمل ،

فانهم كانوا إذا سوّروا رجلا سوّروه بسوار من ذهب و طوّقوه بطوق من ذهب .

و قد ورد فی الكتاب الكریم حكایة هذا المعنى عن فرعون نحو ما أورده أمیر المؤمنین علیه السّلام هنا قال تعالى فی سورة الزّخرف و نادى فرعون فی قومه یا قوم ألیس لى ملك مصر و هذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تبصرون . أم أنا خیر من . هذا الذى هو مهین و لا یكاد یبین . فلو لا القى علیه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنین .

أى أفلا تبصرون هذا الملك العظیم و قوّتى و ضعف موسى ، بل أنا خیر من هذا الذی هو ضعیف حقیر و لا یكاد یفصح بكلامه و حججه للعقدة الّتی فی لسانه ،

فلو لا القى علیه أسورة من ذهب و مقالید الملك إن كان صادقا و إنما قال ذلك ( اعظاما للذّهب و جمعه و احتقارا للصّوف و لبسه ) .

تذییل

ینبنى أن نورد هنا شطرا من قصّة بعث موسى علیه السّلام إلى فرعون اللّعین .

قال المحدّث العلاّمة المجلسى قدّس اللّه روحه فی المجلّد الخامس من البحار :

قال الثعلبی : قال العلماء بأخبار الماضین :

لما كلّم اللّه موسى و بعثه إلى مصر خرج و لا علم له بالطریق ، و كان اللّه تعالى یهدیه و یدلّه و لیس معه زاد و لا سلاح و لا حمولة و لا شی‏ء غیر عصاه و مدرعة صوف و قلنسوة من صوف و نعلین ، یظلّ صائما و یبیت قائما و یستعین بالصید و یعول الأرض حتى ورد مصر ، و لما قرب من مصر أوحى اللّه إلى أخیه هارون یبشّروه بقدوم موسى علیه السّلام و یخبره أنّه قد جعله لموسى وزیرا و رسولا معه إلى فرعون ، و أمره أن یمرّ یوم السّبت لغرّة ذى الحجة متنكرا إلى شاطى النیل لیلقى فی تلك الساعة بموسى قال : فخرج هارون و أقبل موسى علیه السّلام فالتقیا علی شط النیل قبل طلوع الشمس فاتفق أنه كان یوم ورود الأسد الماء ، و كان لفرعون أسد تحرسه فی غیضة محیطة

[ 319 ]

بالمدینة من حولها ، و كانت ترد الماء غبّا ، و كان فرعون إذ ذاك فی مدینة حصینة علیها سبعون سورا فی كلّ سور رساتیق و أنهار و مزارع و أرض واسعة ، فی ربض 1 كلّ سور سبعون ألف مقاتل .

و من وراء تلك المدینة غیضة تولى فرعون غرسها بنفسه و عمل فیها و سقاها بالنیل ثمّ أسكنها الأسد ، فنسلت و توالدت حتى كثرت ، ثمّ اتخذها جندا من جنوده تحرسه ، و جعل خلال تلك الغیضة طرقا تقضى من یسلكها إلى باب من أبواب المدینة معلومة لیس لتلك الأبواب طریق غیرها فمن أخطأ وقع فی الغیضة فأكلته الأسد ، و كانت الاسود إذا وردت النیل ظلّ علیها یومها كلّها ، ثمّ تصدر مع اللّیل .

فالتقى موسى و هارون علیهما السّلام یوم ورودها فلما أبصرتهما الأسد مدّت أعناقها و رؤوسها إلیهما و شخصت أبصارها نحوهما و قذف اللّه فی قلوبها الرّعب فانطلقت نحو الغیضة منهزمة هاربة على وجوهها تطأ بعضها بعضا حتى اندست فی الغیضة ، و كان له ساسة یسوسونها و ذادة یذودونها و یشلونها 2 بالناس ، فلما أصابها ما أصابها خاف ساستها فرعون و لم یشعروا من أین أتوا .

فانطلق موسى و هارون علیهما السّلام فی تلك المسبعة حتى وصلا إلى باب المدینة الأعظم الذى هو أقرب أبوابها إلى منزل فرعون ، و كان منه یدخل و منه یخرج ،

و ذلك لیلة الاثنین بعد هلال ذى الحجة بیوم ، فأقاما علیه سبعة أیام فكلّمهما واحد من الحراس و زبرهما و قال لهما : هل تدریان لمن هذا الباب ؟ فقال : إنّ هذا الباب و الأرض كلّها و ما فیها لربّ العالمین و أهلها عبید له ، فسمع ذلك الرّجل قولا لم یسمع مثله قط و لم یظنّ أنّ أحدا من الناس یفصح بمثله ، فلما سمع ما سمع أسرع إلى كبرائه الذین فوقه فقال لهم : سمعت الیوم قولا و عاینت عجبا من رجلین هو أعظم عندى و أفظع و أشنع مما أصابنا فی الأسد ، و ما كانا لیقدما على ما أقدما علیه الاّ بسحر عظیم ، و أخبرهم القصّة ، فلا یزال ذلك یتداول بینهم حتّى انتهى إلى فرعون .

-----------
( 1 ) ربض المدینة بالتحریك ما حولها ، م .

-----------
( 2 ) اشلیت الكلب على الصید أغریته ، م .

[ 320 ]

و قال السّدى : سار موسى علیه السّلام بأهله نحو مصر حتى أتاها لیلا فتضیف امّه و هى لا تعرفه و إنما أتاهم فی لیلة كانوا یأكلون فیها الطفیشل 1 و نزل فی جانب الدار ،

فجاء هارون فلما أبصر ضیفه سأل عنه امّه فأخبرته أنّه ضیف ، فدعاه فأكل معه فلما أن قعد تحدّثا فسأله هارون فقال : من أنت ؟ قال : أنا موسى ، فقام كلّ واحد منهما إلى صاحبه فاعتنقه فلما أن تعارفا قال له موسى : یا هارون انطلق معى الى فرعون فانّ اللّه عزّ و جلّ قد أرسلنا إلیه ، فقال هارون : سمعا و طاعة ، فقامت امّهما فصاحت و قالت : انشد كما اللّه أن تذهبا إلى فرعون فیقتلكما ، فأبیا و مضیا لأمر اللّه سبحانه فانطلقا إلیه لیلا ، فأتیا الباب و التمسا الدّخول علیه لیلا ، فقرعا الباب ففزع فرعون و فزع البواب ، و قال فرعون : من هذا الذى یضرب بابى الساعة فأشرف . علیهما البّواب فكلّمهما موسى : أنا رسول ربّ العالمین فأتى فرعون فأخبره و قال : إنّ هنا إنسانا مجنونا یزعم أنه رسول ربّ العالمین .

و قال محمد بن إسحاق بن یسار : خرج موسى علیه السّلام لما بعثه اللّه سبحانه حین قدم مصر على فرعون هو و أخوه هارون حتّى وقفا على باب فرعون یلتمسان الاذن علیه و هما یقولان : إنا رسول « لا » ربّ العالمین فأذنوا بنا هذا الرّجل ، فمكثا سنتین یغدوان إلى بابه و یروحان لا یعلم بهما و لا یجترى أحد أن یخبره بشأنهما حتّى دخل علیه بطال له یلعب عنده و یضحكه فقال له : أیّها الملك إنّ على بابك رجلا یقول قولا عظیما عجیبا یزعم أنّ له إلها غیرك ، فقال : ببابى ؟ ادخلوه ، فدخل موسى و معه هارون على فرعون ، فلما وقفا عنده قال فرعون لموسى : من أنت ؟ قال : أنا رسول ربّ العالمین ، فتأمّله فرعون فعرفه .

فقال له : « أ لم نربّك فینا ولیدا و لبثت فینا من عمرك سنین . و فعلت فعلتك الّتی فعلت و أنت من الكافرین » معناه على دیننا هذا الّذى تعیبه قال : فعلتها إذا و انا من الضّالین المخطئین و لم أرد بذلك القتل ففررت منكم لمّا خفتكم فوهب

-----------
( 1 ) كسمیدع نوع من المرق .

[ 321 ]

لی ربّی حكما أى نبوّة و جعلنی من المرسلین ثمّ أقبل موسى ینكر علیه ما ذكر فقال و تلك نعمة تمنّها علىّ أن عبّدت بنی اسرائیل أى اتّخذتهم عبیدا تنزع أبناءهم من أیدیهم تسترق من شئت أى إنّما صیّرنی إلیك ذلك قال فرعون و ما ربّ العالمین . قال ربّ السّموات و الأرض و ما بینهما ان كنتم موقنین . قال فرعون لمن حوله ألا تستمعون » إنكارا لما قال « قال » موسى ربّكم و ربّ آبائكم الأوّلین . قال فرعون إنّ رسولكم الّذی ارسل إلیكم لمجنون یعنی ما هذا الكلام صحیح إذ یزعم أنّ لكم إلها غیرى « قال موسى ربّ المشرق و المغرب و ما بینهما ان كنتم تعقلون . قال » فرعون لموسى « لئن اتّخذت إلها غیرى لأجعلنّك من . المسجونین . قال أ و لو جئتك بشی‏ء مبین » تعرف به صدقی و كذبك و حقّی و باطلك . « قال فرعون فات به ان كنت من الصادقین . فألقی عصاه فإذا هی ثعبان مبین » فاتحة فاها قد ملأت ما بین سماطی فرعون واضعة لحییها الأسفل فی الأرض و الأعلى فی سور القصر حتّى رأى بعض من كان خارجا من مدینة مصر رأسها ، ثمّ توجهت نحو فرعون لتأخذه فارفض عنها النّاس و زعر عنها فرعون و وثب عن سریره و أحدث حتّى قام به بطنه فی یومه ذلك أربعین مرّة و كان فیما یزعمون أنه لا یسعل و لا یصدع و لا یصیبه آفة مما یصیب الناس و كان یقوم فی أربعین یوما مرّة و كان اكثر ما یأكل الموز لكیلا یكون له ثقل فیحتاج إلى القیام به و كان هذه الأشیاء ممّا زیّن له أن قال ما قال لأنّه لیس له من الناس شبیه .

قالوا : فلما قصدته الحیّة صاح یا موسى انشدك باللّه و حرمة الرضاع إلاّ أخذتها و كففتها عنّى و إنى او من بك و ارسل معك بنی اسرائیل ، فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت ثمّ نزع یده من حبیبه فأخرجها بیضاء من الثلج لها شعاع كشعاع الشمس ، فقال له فرعون : هذه یدك فلما قالها فرعون أدخلها موسى جیبه ثمّ أخرجها الثانیة لها نور ساطع فی السماء تكلّ منها الأبصار و قد أضآءت ما حولها یدخل نورها فی البیوت و یرى من الكوا من وراء الحجب ، فلم یستطع فرعون النظر الیها ، ثمّ ردّها موسى إلى جیبه ثمّ أخرجها فإذا هی على لونها الأوّل .

[ 322 ]

قالوا : فهمّ فرعون بتصدیقه فقام الیه هامان و جلس بین یدیه فقال له : بینا أنت اله تعبد إذا أنت تابع لعبد ، فقال فرعون لموسى : أمهلنی الیوم الى غدو أوحى اللّه تعالى إلى موسى أن قل لفرعون إنك إن آمنت باللّه وحده عمرتك فی ملكك و رددت شابا طریا ، فاستنظره فرعون ، فلما كان من الغد دخل علیه هامان فأخبره فرعون بما وعده موسى من ربّه فقال هامان : و اللّه ما یعدل هذا عبادة هؤلاء لك یوما واحدا و نفخ فی منخره ثمّ قال له هامان أنا أردك شابا ، فأتا بالوسمة فخضبه بها فلما دخل علیه موسى فرآه على تلك الحالة هاله ذلك ، فأوحى اللّه إلیه لا یهولنك ما رأیت فانه لا یلبث الاّ قلیلا حتّى یعود إلى الحالة الاولى .

و فی بعض الروایات أنّ موسى و هارون علیهما السّلام لما انصرفا من عند فرعون أصابهما المطر فی الطریق فأتیا على عجوز من أقرباء امّهما و وجّه فرعون الطلب فی أثرهما ، فلما دخل علیهما اللّیل ناما فی دارها و جائت الطلب إلى الباب و العجوز منتبهة ، فلمّا أحسّت بهم خافت علیهما فخرجت العصا من صبر 1 الباب و العجوز تنظر ، فقاتلهم حتّى قتلت منهم سبعة أنفس ثمّ عادت و دخلت الدار ، فلما انتبه موسى و هارون علیهما السلام أخبرتهما بقصّة الطلب و نكایة العصا منهم فآمنت بهما و صدقتهما .

ثمّ قال الثعلبی : قالت العلماء بأخبار الأنبیاء : إنّ موسى و هارون وضع فرعون أمرهما و ما أتیا به من سلطان اللّه سبحانه على السحر و قال للملاء من قومه إن هذان لساحران یریدان أن یخرجاكم من أرضكم بسحرهما فما ذا تأمرون أ أقتلهما ؟ فقال العبد الصالح خربیل مؤمن آل فرعون : « أ تقتلون رجلا أن یقول ربّی اللّه و قد جاءكم بالبینات من ربّكم إلى قوله فمن ینصرنا من بأس اللّه إن جاء قال فرعون ما اریكم إلاّ ما ارى و ما أهدیكم إلاّ سبیل الرّشاد . و قال الملاء من قوم فرعون أرجه و أخاه . و ابعث فی المدائن حاشرین . یأتوك بكلّ سحّار علیم » و كانت لفرعون مدائن فیها

-----------
( 1 ) الصبر بالكسر شق الباب ، لغة

[ 323 ]

السحرة عدّة للامر إذا حزیه . 1 و قال ابن عبّاس : قال فرعون لما رأى من سلطان اللّه فى الید و العصا : إنا لا نغالب موسى إلاّ بمن هو مثله ، فأخذ غلمانا من بنی اسرائیل فبعث بهم إلى قریة یقال له الغرماء یعلّمونهم السحر كما یعلّمون الصبیان الكتاب فی الكتاب فعلّموهم سحرا كثیرا و واعد فرعون موسى موعدا ، فبعث فرعون إلى السحرة فجاء بهم و معهم معلّمهم ،

فقالوا له : ماذا صنعت ؟ فقال : قد علّمتهم سحرا لا یطیقه سحر أهل الأرض إلاّ أن یكون أمر من السماء فانّه لا طاقة لهم به ، ثمّ بعث فرعون الشرطی فی مملكته فلم یترك ساحرا فی سلطانه إلاّ أتى به .

و اختلفوا فى عدد السحرة الذین جمعهم فرعون .

فقال مقاتل : كانوا اثنین و سبعین ساحرا اثنان منهم من القبط و هما رأسا القوم و سبعون من بنى اسرائیل .

و قال الكلبى كانوا سبعین ساحرا غیر رئیسهم و كان الّذى یعلّمهم ذلك رجلین مجوسیّین من أهل نینوى .

و قال السّدى كانوا بضعا و ثلاثین ألفا .

و قال عكرمة سبعین ألفا .

و قال محمّد بن المنكدر ثمانین ألفا .

فاختار منهم سبعة آلاف لیس منهم إلاّ ساحر ماهر ، ثمّ اختار منهم سبعمأة ،

ثمّ اختار من اولئك السبعمأة سبعین من كبرائهم و علمائهم .

قال مقاتل و كان رئیس السحرة اخوین بأقصى مداین مصر ، فلما جائهما رسول فرعون قالا لامّهما دلّینا على قبر أبینا ، فدلّتهما علیه فأتیاه فصاحا باسمه فأجابهما فقالا : إنّ الملك وجّه الینا أن نقدم علیه لأنه أتاه رجلان لیس معهما رجال و لا سلاح و لهما عزّ و منعة و قد ضاق الملك ذرعا من عزّهما و معهما عصا إذا ألقیاها لا یقوم لها شی‏ء تبلع الحدید و الخشب و الحجر ، فأجابهما أبوهما انظر إذا هما ناما

-----------
( 1 ) حزیه الامر اى اصابه ، لغة

[ 324 ]

فان قدرتما أن تسلا العصا فسلاها ، فانّ الساحر لا یعمل سحره و هو نائم ، و إن عملت العصا و هما نائمان فذلك أمر ربّ العالمین و لا طاقة لكما به و لا للملك و لا لجمیع أهل الدّنیا ، فأتیاهما فی خفیة و هما نائمان لیأخذا العصا فقصدتهما العصا .

قالوا : ثمّ واعدوه یوم الزینة و كانوا یوم سوق عن سعید بن جبیر ، و قال ابن عباس كان یوم عاشورا و وافق ذلك یوم السّبت فی أوّل یوم من السنة و هو یوم النیروز و كان یوم عید لهم یجتمع الیه الناس من الآفاق ، قال عبد الرّحمن بن زید بن اسلم و كان اجتماعهم للمیقات بالاسكندریة و یقال بلع ذنب الحیّة من وراء البحیرة یومئذ .

قالوا : ثمّ قال السحرة لفرعون « أئنّ لنا لأجرا إن كنّا نحن الغالبین .

قال فرعون نعم و انكم إذا لمن المقرّبین » عندى فی المنزلة ، فلما اجتمع النّاس جاء موسى علیه السّلام و هو متّكی على عصاه و معه أخوه هارون حتّى اتا الجمع و فرعون فی مجلسه مع أشراف قومه فقال موسى للسحرة حین جاءهم « ویلكم لا تفتروا على اللّه كذبا فیستحكم بعذاب و قد خاب من افترى » فتناجی السحرة بینهم و قال بعضهم لبعض ما هذا قول ساحر فذلك قوله تعالى فتنازعوا أمرهم بینهم و أسرّوا النجوى فقالت السحرة لنأتینّك الیوم بسحر لم تر مثله ، و قالوا بعزّة فرعون إنّا لنجن الغالبون و كانوا قد جاؤا بالعصىّ و الحبال تحملها ستّون بعیرا .

فلما أبوا إلاّ الاصرار على السّحر قالوا لموسى : إما أن تلقى و إما أن نكون أوّل من ألقى ، قال بل ألقوا أنتم فألقوا حبالهم و عصیّهم فاذا هی حیّات كأمثال الجبال قد ملأت الوادى یركب بعضها بعضها تسعى ، فذلك قوله تعالى یخیّل الیه من سحرهم انها تسعى . فأوجس فی نفسه خیفة موسى و قال و اللّه ان كانت لعصیّا فی أیدیهم و لقد عادت حیّات و ما یعدّون عصاى هذه أو كما حدث نفسه فأوحى اللّه تعالى الیه « لا تخف انك انت الأعلى . و ألق ما فی یمینك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كید ساحر و لا یفلح الساحر حیث أتى » .

ففرّج عن موسى و ألقى عصاه من یده فاذا هى ثعبان مبین كأعظم ما یكون أسود مدلهم على أربع قوائم غلاظ شداد و هو أعظم و أطول من البختى و له ذنب یقوم

[ 325 ]

علیه فیشرف فوق حیطان المدینة رأسه و عنقه و كاهله لا یضرب ذنبه على شی‏ء إلاّ حطمه و قصمه و یكسر بقوائمه الصخور الصمّ الصّلاب و یطحن كلّ شى‏ء و یضرم حیطان البیوت بنفسه نارا ، و له عینان تلتهبان نارا و منخران تنفخان سموما ، و على مفرقه كأمثال الرّماح ، و صارت الشعبتان له فیما سعته اثنا عشر ذراعا ، و فیه أنیاب و اضراس و له محیح و كشیش و صریر و صریف فاستعرضت ما القى السحرة من حبالهم و عصیّهم و هی حیّات فی عین فرعون و أعین الناس تسعى تلقفها و تبتلعها واحدا واحدا حتّى ما یرى فی الوادى قلیل و لا كثیر مما ألقوا ، و انهزم الناس فزعین هاربین منقلبین ، فتزاحموا و تساقطوا و وطی‏ء بعضهم بعضا حتّى مات منهم یومئذ فی ذلك الزحام و مواطى‏ء الأقدام خمسة و عشرون ألفا ، و انهزم فرعون فیمن انهزم منخوبا 1 مرعوبا عازبا عقله و قد استطلق بطنه فی یومه ذلك أربعمأة مرّة ثمّ بعد ذلك إلى أربعین مرّة فی الیوم و اللیلة على الدوام إلى أن هلك .

فلما انهزم الناس و عاین السحرة ما عاینوا و قالوا لو كان سحرا لما غلبنا و لما خفى علینا أمره ، و لئن كان سحرا فأین حبالنا و عصیّنا ، فالقوا سجّدا و قالوا آمنا بربّ العالمین ربّ موسى و هرون ، و كان فیهم اثنان و سبعون شیخا قد انحنت ظهورهم من الكبر و كانوا علماء السحرة و كان رئیس جماعتهم أربعة نفر سابور و عادور و حطحط و مصّفادهم الذین آمنوا و رأوا ما رأوا من سلطان اللّه ثمّ آمنت السحرة كلّهم .

فلما رأى فرعون ذلك اسف و قال لهم متجلّدا « ء أمنتم له قبل أن آذن لكم انّه لكبیركم الّذى علّمكم السحر فلا قطعنّ ایدیكم و ارجلكم من خلاف و لاصلبنّكم فی جذوع النخل و لتعلمنّ ایّنا اشدّ عذابا و ابقى . فقالوا لن نؤثرك على ما جائنا . من البیّنات و الّذى فطرنا فاقض ما انت قاض انّما تقضی هذه الحیاة الدّنیا . انّا آمنّا بربّنا لیغفر لنا خطایانا و ما اكرهتنا علیه من السحر و اللّه خیر و ابقى » فقطع ایدیهم و أرجلهم من خلاف و صلبهم على جذوع النّخل و هو أوّل من فعل ذلك فأصبحوا سحرة كفرة و امسوا شهداء بررة و رجع فرعون مغلوبا معلولا ،

-----------
( 1 ) المنخوب الجبان الذى لا فؤاد له ، م .

[ 326 ]

ثمّ أبى إلاّ إقامة على الكفر و التمادى فیه فتابع اللّه تعالى بالآیات و أخذه و قومه بالسنین إلى أن أهلكهم .

و خرج موسى علیه السّلام راجعا إلى قومه و العصا على حالها حیّة تتبعه و تبصبص حوله و تلوذ به كما یلوذ الكلب الألوف بصاحبه و الناس ینظرون إلیها ینخزلون و یتضاغطون حتّى وصل موسى علیه السّلام عسكر بنى اسرائیل و أخذ برأسها فاذا هى عصاه كما كانت أوّل مرّة ، و شتّت اللّه على فرعون أمره و لم یجد على موسى سبیلا ،

فاعتزل موسى فی مدینته و لحق بقومه و عسكروا مجتمعین الى أن صاروا ظاهرین كافرین و الحمد للّه ربّ العالمین .

الترجمة

فصل سیّم از این خطبه در توبیخ مخاطبین است ببغى و فساد میفرماید :

آگاه باشید كه بغایت مبالغه مشغول شدید و ستم و فساد كردید در زمین از جهت آشكارا مقابل شدن خدا بعداوت و مبارزت نمودن مؤمنان بمحاربه ، پس بترسید از خدا در گردن كشى از حمیّت و نازش جاهلیّت ، پس بدرستیكه كبر تولید كننده عداوت و دشمنیست ، و مواضع نفس زدن شیطان ملعون است كه فریب داد بآن امّتهاى گذشته و قرنهاى سابقه را تا اینكه سرعت كردند آن امّتها در تاریكیهاى جهالت او ، و مواضع افتادن ضلالت او ، در حالتیكه رام بودند از راندن آن ملعون ، و روان بودند در كشیدن آن بسوى امرى كه متشابه شد قلبها در آن ،

و متابع شد قرنها بر آن و بسوى كبریكه تنگ شد سینها بسبب آن .

آگاه باشید پس البته حذر نمائید از اطاعت آقایان خود و بزرگان خود كه تكبّر نمودند از جهت حسب خودشان ، و اظهار رفعت نمودند بالاى نسب خود ،

و انداختند كار زشت و قبیح را بر پروردگار خود ، و انكار خدا نمودند بر احسانى كه بایشان كرده بود بجهت انكار كردن بر قضاى او ، و غلبگى جستن مر نعمتهاى او را .

پس بدرستیكه آن رؤساء قاعدهاى بناى عصبیّت است و ستونهاى ركنهاى

[ 327 ]

فتنه و شمشیرهاى نسبت دادن جاهلیّت .

پس پرهیز نمائید از خدا و مباشید مر نعمتهاى او را ضدّها و نه احسان او را كه در نزد شما است حسد كنندها ، و اطاعت ننمائید به كسانیكه ادّعاى اسلام میكنند و عارى از شرایط اسلام میباشند همچنان أشخاصیكه آشامیدید بآب صافى خودتان آب گل آلود ایشان را ، و آمیختید بتندرستى خود كه خلوص ایمان است ناخوشى ایشان را كه عبارتست از نفاق و عصیان ، و داخل كردید در حق خود باطل ایشان را ، و ایشان بنیان فسقند و ملازمین عقوق رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و امام علیه السّلام اخذ كرد شیطان لعین ایشان را شتران باركش گمراهى ، و لشگرانى كه بایشان حمله میكند بر مردمان و ترجمانهائى كه حرف میزند بر زبانهاى ایشان بجهت دزدیدن او عقلهاى شما را ، و بجهت داخل شدن در دیدهاى شما و دمیدن در گوشهاى شما ،

پس گردانید شیطان شما را نشان گاه تیر خود ، و محلّ رفتار قدمهاى خود و موضع گرفتن دست خود .

پس عبرت بگیرید بآنچه رسید بامتهائى كه استكبار كردند پیش از شما از سطوت خدا و حملهاى او و عذابهاى او و عقوبات او ، و متّعظ بشوید بمقامهاى رخسارهاى ایشان در قبرها ، و مواضع افتادن پهلوهاى ایشان ، و پناه برید بخدا از اسبابى كه تولید كبر مینمایند چنانكه پناه میبرید باو از حوادث روزگار .

پس اگر رخصت میداد خداوند متعال در كبر نمودن از براى احدى از بندگان خود را هر آینه رخصت میداد در آن از براى خواص انبیاى خود لیكن خدا مكروه گردانید بسوى ایشان تكبّر را ، و خوش داشت از براى ایشان تواضع و فروتنى را ، پس چسبانیدند آن پیغمبران در زمین رخسارهاى خودشان را از غایت تواضع و خشوع ، و مالیدند رویهاى خود را در خاك از فرط تذلّل و خضوع ، و خفض جناح كردند از براى مؤمنان ، و بودند آن پیغمبران قومهاى ضعیف شمرده شده كه امتحان فرمود ایشان را خداى تعالى بگرسنگى ، و مبتلا گردانید ایشان را بأنواع مشقّت و زحمت ، و امتحان فرمود ایشان را باسباب خوف ، و اختبار كرد ایشان را باقسام مكروهات .

[ 328 ]

پس اعتبار مكنید خوشنودى و غضب خدا را بكثرت مال و فرزند و فقدآن از جهت نادانى شما بمواقع امتحان در جاهاى توانگرى و درویشى ، پس بتحقیق فرموده است خداى عزّ و جلّ در قرآن مجید « آیا گمان میكنند ایشان كه آن چیزیكه مدد میدهیم و زیاده میگردانیم ایشان را بآن از مال و اولاد تعجیل میكنیم از براى ایشان در خیرات آن جهان بلكه نمیدانند كه این از بابت استدراج و مهلت است نه از جهت سود و منفعت » .

پس بدرستى كه حقتعالى امتحان میفرماید بندگان خود را كه متكبّرانند در نزد خودشان بدوستان مقرّبان خود كه ضعیف شمرده میشود در دیدهاى آن متكبّران ، و بتحقیق كه داخل شد موسى بن عمران علیه السّلام در حالتیكه با او بود برادر او هارون علیه السّلام بر فرعون ملعون و بر ایشان بود خرقهاى پشمین ، و بر دست ایشان بود عصاى چوبین ، پس شرط كردند از براى فرعون اگر مسلمان شود باقى بودن پادشاهى او را ، و همیشگى عزّت و سلطنت او را ، پس گفت فرعون بقوم خود از روى حقارت : آیا تعجّب نمى‏كنید از این دو شخص كه شرط میكنند از براى من دوام رفعت و بقاء ملك و مملكت را و حال آنكه ایشان بآن حالى است كه مى‏بینید از حالت فقر و ذلت ، پس چرا انداخته نشد بر ایشان دست برنجها از طلا ، این گفتار فرعون از جهت بزرگ شمردن طلا و جمع كردن آن بود ، و بجهت حقیر شمردن پشم و پوشیدن آن كه موسى و هارون پوشیده بودند .

الفصل الرابع

و هو مرویّ فی الكافی باختلاف تطلع علیه انشاء اللّه تعالى .

و لو أراد اللّه سبحانه بأنبیائه حیث بعثهم أن یفتح لهم كنوز الذّهبان ، و معادن العقیان ، و مغارس الجنان ، و أن یحشر معهم طیر

[ 329 ]

السّماء ، و وحوش الارض لفعل ، و لو فعل لسقط البلاء ، و بطل الجزاء و اضمحلّت الأنباء ، و لما وجب للقابلین أجور المبتلین ، و لا استحقّ المؤمنون ثواب المحسنین ، و لا لزمت الأسماء معانیها ، و لكنّ اللّه سبحانه جعل رسله أولی قوّة فی عزائمهم ، و ضعفة فیما ترى الأعین من حالاتهم ، مع قناعة تملا العیون و القلوب غنى ، و خصاصة تملا الأبصار و الأسماع أذى .

و لو كانت الأنبیاء أهل قوّة لا ترام ، و عزّة لا تضام ، و ملك تمتدّ نحوه أعناق الرّجال ، و تشدّ إلیه عقد الرّجال ، لكان ذلك أهون على الخلق فی الإعتبار ، و أبعد لهم فی الإستكبار ، و لامنوا عن رهبة قاهرة لهم ، أو رغبة مائلة بهم ، فكانت النّیات مشتركة ،

و الحسنات مقتسمة .

و لكنّ اللّه سبحانه أراد أن یكون الإتّباع لرسله ، و التّصدیق بكتبه ، و الخشوع لوجهه ، و الإستكانة لأمره ، و الإستسلام لطاعته ، أمورا له خاصّة لا یشوبها من غیرها شائبة ، و كلّما كانت البلوى و الإختبار أعظم ، كانت المثوبة و الجزآء أجزل .

ألا ترون أنّ اللّه سبحانه اختبر الأوّلین من لدن آدم صلوات اللّه

[ 330 ]

علیه إلى الآخرین من هذا العالم بأحجار لا تضرّ و لا تنفع ، و لا تسمع و لا تبصر ، فجعلها بیته الحرام الّذی جعله للنّاس قیاما ، ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض حجرا ، و أقلّ نتائق الدّنیا مدرا ، و أضیق بطون الأودیة قطرا ، بین جبال خشنة ، و رمال دمثة ، و عیون وشلة ،

و قرى منقطعة ، لا یزكو بها خفّ ، و لا حافر ، و لا ظلف ، ثمّ أمر آدم و ولده أن یثنوا أعطافهم نحوه ، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم ،

و غایة لملقى رحالهم ، تهوى إلیه ثمار الأفئدة ، من مفاوز قفار سحیقة ، و مهاوی فجاج عمیقة ، و جزائر بحار منقطعة ، حتّى یهزّوا مناكبهم ذللا یهلّلون للّه حوله ، و یرملون على أقدامهم شعثا غبرا له قد نبذوا السّرابیل وراء ظهورهم ، و شوّهوا بإعفاء الشّعور محاسن خلقهم ، ابتلاء عظیما ، و امتحانا شدیدا ، و اختبارا مبینا ، و تمحیصا بلیغا ، جعله اللّه سببا لرحمته ، و وصلة إلى جنّته .

و لو أراد سبحانه أن یضع بیته الحرام ، و مشاعره العظام ، بین جنّات و أنهار ، و سهل و قرار جمّ الأشجار ، دانی الثّمار ، ملتفّ النبى متّصل القرى ، بین برّة سمراء ، و روضة خضراء ، و أریاف محدقة ،

[ 331 ]

و عراص مغدقة ، و ریاض ناضرة ، و طرق عامرة ، لكان قد صفّر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء ، و لو كانت الأساس المحمول علیها ،

و الأحجار المرفوع بها ، بین زمرّدة خضراء ، و یاقوتة حمراء ، و نور و ضیاء ، لخفّف ذلك مسارعة الشّكّ فی الصّدور ، و لوضع مجاهدة إبلیس عن القلوب ، و لنفى معتلج الرّیب من النّاس .

و لكنّ اللّه یختبر عباده بأنواع الشّدائد ، و یتعبّدهم بألوان المجاهد ، و یبتلیهم بضروب المكاره ، إخراجا للتّكبّر عن قلوبهم ،

و إسكانا للتّذلّل فی نفوسهم ، و لیجعل ذلك أبوابا فتحا إلى فضله ،

و أسبابا ذللا لعفوه .

اللغة

( الذهبان ) بالضمّ و الكسر جمع الذهب كاذهاب و ذهوب و ( العقیان ) بالكسر ذهب ینبت كما فی القاموس ، و قیل : الذهب الخالص و هو الانسب هنا بملاحظة المعادن و ( رام ) الشی‏ء روما كقال طلب و ( ضامه ) ضیما كضاره لفظا و معنى ، و فی القاموس ضامه حمقه و استضامه انتقصه فهو مضیم و مستضام و الضیم .

و ( شابه ) شوبا من باب قال خلطه مثل شوب اللبن بالماء فهو مشوب و قولهم لیس فیه شائبة ، قال الفیومی ذلك یجوزان یكون مأخوذا من هذا و معناه لیس فیه شی‏ء مختلط به و ان قلّ كما قیل لیس فیه علقة و لا شبهة و أن تكون فاعلة بمعنى مفعولة مثل عیشة راضیة هكذا استعمله الفقهاء و لم أجد فیه نصّا ، نعم قال الجوهرى الشائبة واحدة الشوائب و هى الأدناس و الأقذار .

[ 332 ]

و ( قیاما ) مصدر و زان صیام و ( الوعر ) من الأرض ضدّ السّهل ( و البقاع ) كجبال جمع بقعة بالضمّ و الفتح و هى القطعة من الأرض على غیر هیئة الّتی إلى جنبها .

و ( النتایق ) جمع نتیقه فعلیة بمعنى مفعولة من النتق و هو الرفع و الجذب .

قال الشارح البحرانی : و سمّیت المدن و الأماكن المشهورة و المرتفعة نتائق لارتفاع بنائها و شهرتها و علوّها عن غیرها من الأرض كأنها جذبت و رفعت ، و قال بعض الشارحین : النتایق البقاع المرتفعة و أراد مكة و كنى بنتقها عن شهرتها و علوها بالنسبة إلى ما استفل عنها من البلاد .

و قال الشارح المعتزلی أصل هذه اللفظة من قولهم امرأة نتاق أى كثیرة الحمل و الولادة و یقال : ضیعة منتاق أى كثیرة الریع فجعل علیه السّلام الضیاع ذات المدر التی یثار للحرث نتایق . و قال علیه السّلام : إنّ مكة أقلّها إصلاحا للزرع لأنّ أرضها حجریة .

أقول : و الأظهر عندى أن یكون النتایق مأخوذة من قولهم أنتق فلان إذا حمل مظلّة من الشمس ، و المظلّة بالفتح و الكسر الكبیر من الأخبیة و تسمیة البلاد بها لاشتمالها على الدّور و الأبنیة التی تستظلّ بها .

و ( المنتجع ) بفتح الجیم اسم مفعول من انتجع القوم إذا ذهبوا لطلب الماء و الكلاء فی موضعهما و ( المفازة ) الموضع المهلك من فوّز بالتشدید إذا مات ، لأنّها مظنّة الموت و ( القفر ) من الأرض الّتی لا نبات بها و لا ماء ( یهلّلون للّه ) من التهلیل و فی بعض النسخ یهلّون من أهلّ المحرم رفع صوته بالتلبیة عند الاحرام و كلّ من رفع صوته فقد أهلّ إهلالا و استهلّ استهلالا بالبناء فیهما للفاعل .

و ( رمل ) فلان رملا من باب طلب و رملانا بالتحریك فیهما هرول و ( الشعث ) محرّكة انتشار الأمر و مصدر الأشعث للمغبر الرأس و شعث الشعر شعثا فهو شعث من باب تعب تغیّر و تلبّد لقلّة تعهّده بالدّهن ، و الشعث أیضا الوسخ ، و رجل شعث وسخ الجسد ، و شعث الرأس أیضا و هو أشعث أغبر أى من غیر استحداد و لا تنظف ، و الشعث أیضا الانتشار و التفرّق كما یتشعّث رأس السّواك .

[ 333 ]

و ( السرابیل ) جمع السّربال و هو القمیص و ( البرّة ) بالضمّ واحدة البرّ و هى الحنطة و ( أریاف ) جمع ریف بالكسر أرض فیها زرع و خصب و ما قارب الماء من أرض العرب أو حیث یكون به الخضرة و المیاه و الزّروع .

و ( أحدقت ) الروضة صارت حدیقة ، و الحدیقة الرّوضة ذات الشجرة و البستان من النخل و الشجر او كلّ ما أحاط به البناء ، أو القطعة من النخل هكذا فی القاموس و قال الفیومى : و الحدیقة البستان یكون علیه حایط فعیلة بمعنى مفعولة ، لأنّ الحایط أحدق بها أى أحاط ، ثمّ توسعوا حتى أطلقوا الحدیقة على البستان و إن كان بغیر حایط و الجمع حدائق .

و ( عراص ) جمع عرصة ككلاب و كلبة و هى البقعة الواسعة الّتى لیس بها بناء و ( مغدقة ) فیما رأیناه من النسخ بالغین المعجة و الدال المهملة من الغدق بالتحریك و هو الماء الكثیر ، و أغدق المطر كثر قطره ، و یجوز أن یكون من العذق بالذال المعجمة مثل فلس و هو النخلة بحملها و بالكسر القنو منها و العنقود من العنب إو إذا اكل ما علیه و ( المعتلج ) مصدر بمعنى الاعتلاج من اعتلج الأمواج اضطربت و تلاطمت ، و اعتلج الأرض طال نباتها ، و یجوز كونه مفعولا من الاعتلاج و فی بعض النسخ بصیغة الفاعل و الكلّ صحیح و ( الفتح ) بضمتین الباب الواسع المفتوح و ( الذلل ) بضمتین أیضا جمع ذلول بالفتح من الذلّ بالضّم و الكسر ضدّ الصّعوبة .

الاعراب

قوله : لفعل ، جواب لو ، و قوله : و لما وجب ، عطف على قوله لسقط ، و الأسماء بالنصب كما فی أكثر النسخ مفعول لزمت ، و فی شرح البحرانی عن نسخة الرضیّ « قده » بالرفع على الفاعل و المعنى واحد حسبما تعرفه إنشاء اللّه ، و الفاء فی قوله : فكانت النیات ، فصیحة ، و قوله : امورا خبر یكون ، و خاصة ، صفة له ، و له ، متعلق بها قدم علیها لتوكید الاختصاص ، و جملة لا یشوبها فی محلّ الرّفع صفة ثانیة جى‏ء بها لمزید التوكید

[ 334 ]

و قوله : بأحجار ، متعلق بقوله : اختبر ، و حجرا و مدرا و قطرا منصوبات على التمیز ، و جملة لا یزكو بها فی محلّ الجرّ صفة لقرى ، و ذللا ، حال من فاعل یهزّوا و له ، متعلّق بقوله : یرملون ، و ابتلاء و امتحانا و اختبارا و تمحیصا منصوبات على المصدر و حذف العوامل من ألفاظها اى ابتلاهم اللّه بهذه المشاق ابتلاء و امتحنهم بها امتحانا و هكذا و یحتمل الانتصاب على المفعول له أى یفعلون ما ذكر من التكالیف الشاقة للابتلاء العظیم الذى ابتلوا به ، و جملة لكان جواب لو أراد .

المعنى

اعلم أنه علیه السّلام لما ذكر فی الفصل السابق اختبار اللّه لعباده المستكبرین بأولیائه المستضعفین ، و مثّل بقصّة بعث موسى و هارون علیهما السّلام إلى فرعون ، اتبعه بهذا الفصل و نبّه علیه السّلام فیه على وجه الحكمة فی بعث سایر الأنبیاء و الرّسل بالضعف و المسكنة و الفقر و الفاقة و الضرّ و سوء الحال ، و فی وضع بیته الحرام الذى جعله قبلة للأنام بواد غیر ذى زرع و بلد قفر و أرض وعر ، و أشار أنّ الحكمة فی ذلك كلّه هو الابتلاء و الاختبار و هو قوله علیه السّلام .

( و لو أراد اللّه سبحانه بأنبیائه حیث بعثهم ) أى حین بعثهم ( أن یفتح لهم كنوز الذّهبان و معادن العقیان و مغارس الجنان ) لینفقوا منها و یكونوا ذى سعة و منعة و عزّ و رفعة تدفع بها اعتراض الجاحدین ، و تنقطع ألسن المعاندین ، و لم یقولوا فیهم مثل ما قالوه لنبیّنا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم « ما لهذا الرسول یأكل الطعام و یمشى فی الأسواق لو لا انزل الیه ملك فیكون معه نذیرا . او یلقى الیه كنز او تكون له جنّة یأكل منها و قال الظالمون ان تتّبعون الاّ رجلا مسحورا » .

( و أن یحشر معهم طیر السّماء و وحوش الأرض ) احتشاما و إعظاما لقدرهم و إجلالا لشأنهم فی أعین المبعوثین إلیهم ( لفعل ) ذلك كلّه لأنه عزّ و جلّ على كلّ شی‏ء قدیر ، و إنما أمره إذا أراد شیئا أن یقول له كن فیكون .

و محصّله أنّ فتح الكنوز و المعادن و حشر الطیور و الوحوش امور ممكنة فی نفسها ، و هو سبحانه قادر على جمیع الممكنات و عالم بها ، و لو تعلّقت إرادته بها

[ 335 ]

مع عموم قدرته علیها لزم وقوعها .

( و ) لكنه لم یتعلّق إرادته بها فلم یفعلها و لم تقع إذ ( لو فعل ) لترتّب علیه مفاسد كثیرة و امور كلّها خلاف مقتضى الحكمة الالهیّة و النظم الأصلح و هى ستّة امور :

أحدها ما أشار إلیه بقوله ( لسقط البلاء ) أى لو وقع هذه الأمور لسقط ابتلاء المتكبّرین بالمستضعفین من الأنبیاء و المرسلین و ارتفع اختبارهم بهم ، إذ مع وقوعها ارتفع الضعف عنهم و انتفى علّة الاستضعاف ( و ) ثانیها أنه ( بطل الجزاء ) لأنّ الجزاء مترتّب على التسلیم للأنبیاء و على امتثال التكالیف الالهیّة على وجه الخلوص ، و مع كون الأنبیاء حین بعثهم بزینة الملوك و السلاطین یكون الانقیاد لهم و امتثال أو امرهم و نواهیهم عن رغبة مائلة أو رهبة قاهرة ، فلا تكون طاعتهم عن إخلاص حتى یستحقّ المطیعون للجزاء كما هو واضح لا یخفى .

( و ) ثالثها أنه ( اضمحلّت الأنباء ) اى أخبار الأنبیاء ، و المراد باضمحلالها انمحاؤها و ذهاب أثرها .

و ذلك لأنّ الغرض الأصلى من بعثهم و رسالتهم أن یجذبوا الخلق إلى الحقّ الأوّل عزّ و جلّ و یزهّدوهم عن الدّنیا و یرغّبوهم فی الآخرة ، فاذا فتحت لهم أبواب الكنوز و المعادن ، و اشتغلوا بزخارف الدّنیا و كانوا بزّى أهلها لم یؤثّر موعظتهم فی القلوب و لم یبق وقع للرسالة عند الناس ، و لا وجدوا للمبعوثین إلیهم مقالا و تعریضا علیهم بأن یقولوا یا أیّها الرّسل لم تقولون ما لا تفعلون ، أنتم تزهّدونا عن الدّنیا و ترغبون فیها ، و ترغّبونا فی الآخرة و اشتغالكم بغیرها ، فیبطل بذلك المقصود الأصلى من البعث و اضمحلّت الرسالة إذا هذا .

و قال الشارح البحرانی فی وجه اضمحلال الأنباء ما محصّله : إنّ الأنبیاء و إن كانوا أكمل الخلق نفوسا و أقواهم استعدادا لقبول الكمالات النفسانیة ، إلاّ أنهم محتاجون إلى الریّاضة التّامة بالاعراض عن الدّنیا و طیباتها و هو الزهد الحقیقى ،

[ 336 ]

فیكون تركهم للدّنیا شرطا فی بلوغ درجات الوحى و الرّسالة و تلقّى أخبار السّماء ، فلو خلقوا منغمسین فی الدّنیا و فتحت علیهم أبوابها لا نقطعوا من حضرة جلال اللّه ، و اضمحلّ بسبب ذلك عنهم الأنباء ، و انقطع عنهم الوحى ، و انحطّوا عن مراتب الرسالة .

قال : و قال بعض الشارحین : أراد باضمحلال الأنباء سقوط الوعد و الوعید و الاخبار عن أحوال الجنة و النار و أحوال القیامة انتهى .

و الأظهر بل الأولى ما قلناه ، لأنّ استلزام انفتاح أبواب الكنوز و المعادن لانقطاع الوحى و الرسالة و الانحطاط عن درجة النبوّة ممنوع و على فرض التسلیم فابداء الملازمة بین المقدّم و التالى غیر خال عن التكلّف ، و مثله الكلام فیما حكاه عن بعض الشارحین ، فتدبّر .

( و ) رابعها أنه ( لما وجب للقابلین ) لدعوة الرسل أى المتصدّقین لهم المؤمنین بهم ( أجور المبتلین ) الممتحنین ، لأنه إذا سقط البلاء و الامتحان حسبما عرفته آنفا لا یبقى مبتلى و لا مبتلى به ، فلا یكون قبول القابلین و تصدیقهم للرسل عن وجه الابتلاء حتى یحسب لهم الأجر و الجزاء بذلك .

( و ) خامسها أنه ( لا استحقّ المؤمنون ) باللّه و بأنبیائه و رسله ( ثواب المحسنین ) لعدم كون ایمانهم عن وجه الاخلاص حسبما عرفته ، فلا یكونون محسنین حتّى یستحقّوا الثواب الجزیل و الجزاء الجمیل ، و إنما المؤمنون المحسنون الذین اذا سمعوا ما انزل إلى الرّسول ترى أعینهم تفیض من الدّمع مما عرفوا من الحقّ یقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشاهدین و ما لنا لا نؤمن باللّه و ما جاءنا من الحقّ و نطمع أن یدخلنا ربّنا مع القوم الصالحین فأثابهم اللّه بما قالوا جنّات تجرى من تحتها الأنهار خالدین فیها و ذلك جزآء المحسنین .

( و ) سادسها أنّه ( لالزمت الأسماء معانیها ) برفع الأسماء و نصبها على اختلاف النسخ ، و المراد واحد و هو ارتفاع الملازمة بینها و بین المعانى و انفكاك

[ 337 ]

احداهما عن الاخرى ، لأنّ اطلاق اسم المسلم على المسلم حینئذ و تسمیته به لمحض ماله من صورة الاسلام لا لوجود معنى الاسلام و حقیقته فیه ، إذ المفروض أنّ إسلامه عن رغبة أو رهبة لا عن وجه الحقیقة و التمحیص و الاخلاص ، فیصدق الاسم بدون المعنی ، و كذلك التسمیة بالمؤمن و المصدق و العابد و الزاهد و الراكع و الساجد و غیرها ، هذا .

و لما نبّه علیه السّلام أنّ اللّه سبحانه لو أراد بالأنبیاء إذ بعثهم انفتاح الكنوز و المعادن و المغارس و حشر الوحوش و الطیور لترتّب علیه هذه الأمور السّتة الّتی كلّها خلاف الحكمة و المصلحة أراد التنبیه بما هو مقتضی النظم الأصلح فقال على وجه الاستدراك :

( و لكنّ اللّه سبحانه جعل رسله ) حیث بعثهم ( اولى قوّة فی عزائمهم ) و جدّ فی تبلیغ ما امروا به من تكالیف ربّهم بالقتال و الجهاد و الصّبر على تحمّل المكاره و الأذى .

و قد قال بعض المفسّرین فی قوله تعالى فاصبر كما صبر أولو العزم من الرّسل إنّ من للتبیین لا للتبعیض و انّ كلّ الرسل اولو عزم لم یبعث اللّه رسولا إلاّ كان ذا عزم و حزم و رأى و كمال و عقل ، و وصفهم بالعزم لصبرهم و ثباتهم فی تبلیغ الرّسالات و انفاذ ما امروا به .

( و ) جعلهم مع ذلك ( ضعفة فیما ترى الأعین من حالاتهم ) لاتّصافهم بالضّر و المسكنة و الفقر و الفاقة ( مع قناعة تملا القلوب و العیون غنی و خصاصة ) أى جوع ( تملا الابصار و الأسماع اذى ) .

قال الشارح البحرانی : استعار وصف الملاء للقناعة باعتبار استلزامها لقوّة غنائهم و قلّة حاجتهم إلى شی‏ء من متاع الدّنیا بحیث لا تمیل نفوسهم و لا عیونهم إلى شی‏ء من زینتها و قیناتها ، فكأنّها قد امتلأت فلا تتسع لشی‏ء من ذلك فتطلبه و كذلك للخصاصة باعتبار استلزامها لقوّة الأذى فی أسماعهم و أبصارهم ، إذ الجوع المفرط مستلزم لأذى هاتین القوّتین لتحلّل الأرواح الحاملة لهما و ضعفهما فكانّ الأذى حشو أبصارهم و أسماعهم بحیث لا تتّسع لغیره ، كلّ ذلك طلبا لكمال الاستعداد لأنّ البطنة تورث

[ 338 ]

القسوة و تذهب الفطنة و تزیل الرقة و تستلزم رذایل كثیرة لا دواء لها إلاّ الخصاصة ، هذا .

و قوله ( و لو كانت الأنبیاء أهل قوّة لا ترام و عزّة لا تضام ) قیاس اقترانی آخر من الشكل الأوّل أیضا تأكید للقیاس المتقدّم ذكره ، أى لو أراد اللّه بالأنبیاء إذ بعثهم أن یكونوا أهل قوّة و قدرة لا یمكن أن تطلب و تقصد لبلوغها الغایة و أهل عزّة و قهر و غلبة لا یمكن أن تنتقص أو تظلم أى یظلم صاحبها لانتهائها النهایة .

( و ) أهل ( ملك ) و سلطنة ( تمتدّ نحوه أعناق الرجال و تشدّ إلیه عقد الرّحال ) أى یأمله الآملون ، و یرجوه الراجون فانّ كلّ من أمل شیئا لا سیّما إذا كان ملكا عظیما یطمح إلیه بصره و یسافر برغبته إلیه و یحیط مطایا الآمال عنده ، فكنّى عن ذلك بمدّ العنق و شدّ عقد الرّحال .

و الحاصل أنّ الأنبیاء لو بعثوا بالقدرة و القوّة و الملك و السلطنة ( لكان ذلك أهون على الخلق فی الاعتبار ) أى أسهل فی اعتبارهم بحالهم و أسرع فی إجابتهم لدعوتهم كما هو المشاهد بالتجربة ، فانّ الملوك لا تصعب اجابتهم كما تصعب اجابة الفقراء لا سیّما على المتكبّرین المتجبّرین ( و أبعد لهم فی الاستكبار ) لأنّ الملوك أبعد من أن یتكبّر علیهم و یستنكف من طاعتهم بخلاف البائس الفقیر .

( و لآمنوا عن رهبة قاهرة لهم ) على الایمان ( أو رغبة مائلة بهم ) إلیه ( فكانت النیّات ) إذا ( مشتركة ) بین اللّه و بین ما یأملونه من الشهوات ، غیر خالصة له تعالى من هوى الأنفس كما قال « أرأیت من اتّخذ إلهه هویه » .

( و الحسنات مقتسمة ) بینه تعالى و بین تلك الشهوات ( و لكنّ اللّه سبحانه أراد أن یكون الاتّباع لرسله ) و أنبیائه ( و التصدیق بكنبه ) و صحفه السماویة ( و الخشوع لوجهه ) و الخنوع لذاته ( و الاستكانة ) و التمكین ( لأمره و الاستسلام ) و الانقیاد ( لطاعته امورا له خاصة ) أى مختصّة به ممحّضة له كما قال « و ما امروا إلاّ لیعبدوا اللّه مخلصین له الدّین » ( لا یشوبها ) أى تلك الامور ( من غیرها شائبة ) رغبة أو رهبة .

و انما أراد عزّ و جل اختصاص هذه الامور له و خلوصها من شوب الرغبة و الرهبة لعظم البلوى و الامتحان حینئذ ( و كلّما كانت البلوى و الاختبار أعظم كانت المثوبة

[ 339 ]

و الجزاء أجزل ) هذا .

و لما نبّه علیه السّلام على وجه الحكمة و المصلحة فی بعث الأنبیاء بالخصاصة و المسكنة ، و أنّ الوجه فی ذلك هو الامتحان و الابتلاء لیترتّب على اتّباعهم عظیم الأجر و جزیل الجزاء ، أردفه بالتّنبیه على حكمة وضع البیت الحرام بأوعر البقاع و أقفر البلدان فقال :

( ألا ترون أنّ اللّه سبحانه اختبر الأوّلین من لدن آدم علیه السّلام إلى الآخرین من هذا العالم بأحجار ) بنى بها البیت ( لا تضرّ و لا تنفع و لا تبصر و لا تسمع ) هذا باعتبار مجموع الأحجار أو بملاحظته فی نظر الخلق فلا ینافی ما مرّ فی شرح الفصل الثامن عشر من الخطبة الاولى من أنّ حجر الأسود أوّل ملك آمن و أقرّ بالتوحید و النّبوة و الولایة و أنّه یجی‏ء یوم القیامة و له لسان ناطق و عین ناظرة یشهد لكلّ من وافاه إلى ذلك و حفظ المیثاق .

( فجعلها بیته الحرام ) و وصفه به لأنّه حرام على المشركین دخوله و حرام إخراج من تحصّن به منه حسبما عرفت فی شرح الخطبة الاولى .

قال الرّمانی : و إنّما سمّی به لأنّ اللّه حرّم أن یصاد عنده و أن یعضد شجره ،

و لأنّه أعظم حرمة .

قال فی مجمع البیان : و فی الحدیث مكتوب فی أسفل المقام إنّی أنا اللّه ذو بكّة حرّمتها یوم خلقت السماوات و الأرض و یوم وضعت هذین الجبلین ، و حففتها بسبعة أملاك حفا ، من جاءنی زائرا لهذا البیت عارفا بحقّه مذعنا بالربوبیّة حرّمت جسده على النار .

( الّذى جعله للنّاس قیاما ) أى مقیما لأحوالهم فی الدّنیا و الآخرة و یستقیم به امورهم الدنیویّة و الاخرویّة یقال : فلان قیام أهله أى یستقیم به شئونهم قال سبحانه جعل اللّه الكعبة البیت الحرام قیاما للناس أى لمعایشهم و مكاسبهم یستقیم به امور دینهم و دنیاهم یلوذ به الخائف و یأمن فیه الضعیف و یربح عنده التّجار باجتماعهم عنده من سایر الأطراف ، و یغفر بقصده للمذنب و یفوز حاجّه بالمثوبات .

[ 340 ]

روى فی مجمع البیان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : من أتى هذا البیت یرید شیئا للدّنیا و الآخرة أصابه .

و قال ابن عبّاس : معناه جعل اللّه الكعبة امنا للنّاس بها یقومون أى یؤمنون ،

و لولاها لفنوا و هلكوا و ما قاموا ، و كان أهل الجاهلیّة یامنون به فلو لقی الرّجل قاتل أبیه أو ابنه فی الحرم ما قتله ، و قیل : معنی قوله : قیاما للناس ، انهم لو تركوا عاما واحدا لا یحجّونه ما نوظروا ان یهلكوا .

و رواه علىّ بن إبراهیم عنهم علیهم السّلام قال ما دامت الكعبة یحجّ الناس إلیها لم یهلكوا فاذا هدمت و تركوا الحجّ هلكوا .

( ثمّ وضعه ) أى البیت ( بأوعر بقاع الأرض حجرا ) أى أصعب قطعها و أغلظها من حیث الحجر ( و أقلّ نتائق الدّنیا مدرا ) أى أقلّ بلدانها و مدنها من حیث التراب و المدر ، و بذلك لم یكن صلاحیة الزرع و الحرث كما قال إبراهیم « ربّ إنّی أسكنت من ذرّیّتی بواد غیر ذی زرع » :

( و أضیق بطون الأودیة قطرا ) من حیث الناحیة و الجانب ( بین جبال خشنة ) غلیظة ( و رمال دمثة ) لینة ، و الوصف بها إشارة إلى بعدها من الانبات لأنّ الرّمل كلّما كان ألین و أسهل كان أبعد من أن ینبت و لا یزكو به الدّواب أیضا لأنّها تتعب فی المشی به .

( و عیون وشلة ) قلیلة الماء ( و قرى منقطعة ) بعضها عن بعض ( لا یزكو بها خفّ و لا حافر و لا ظلف ) أى لا یزید و لا ینمو بتلك الأرض ذوات الخفّ كالابل و الحافر كالخیل و البغال و الظلف كالبقر و الغنم ، و عدم نمائها بها لما عرفت من قلّة مائها و نباتها و خشونة جبالها و سهولة رمالها و خلوّها من المرتع و المرعى .

( ثمّ أمر آدم علیه السّلام و ولده أن یثنوا أعطافهم نحوه ) أى یعطفوا و یمیلوا جوانبهم معرضین عن كلّ شی‏ء متوجّهین إلیه قاصدین العكوف لدیه ، و قد مضى فی شرح الفصل الثامن عشر من الخطبة الاولى عن أبی جعفر علیه السّلام انّ آدم علیه السّلام أتى هذا البیت ألف آتیة على قدمیه منها سبعمأة حجّة و ثلاثمأة عمرة ، و مضى هناك حجّ سایر الأنبیاء

[ 341 ]

و الرّسل علیهم السّلام فلینظر ثمة ( فصار ) البیت ( مثابة ) و مرجعا ( لمنتجع أسفارهم ) كنایة عما یرومونه فی سفرهم الیه من المآرب و المقاصد و المنافع و التجارات كما قال عزّ من قائل « و إذ جعلنا البیت مثابة للناس و امنا » و قال « و لیشهدوا منافع لهم و یذكروا اسم اللّه » .

( و غایة لملقى رحالهم ) أى مقصد القصد ( تهوى الیه ثمار الأفئدة ) ثمرة الفؤاد كما قیل سویداء القلب أى تمیل و تسقط باطن القلوب إلیه ، و هویها كنایة عن سرعة سیرها یعنی أنّه سبحانه جعل القلوب مایلة إلیه محبّة له إجابة لدعاء إبراهیم علیه السّلام حیث قال و اجعل افئدة من الناس تهوى الیهم .

قال الشارح البحرانی هوى الأفئدة میولها و محبّتها إلاّ أنّه لما كان الّذى یمیل الى الشی‏ء و یحبّه كأنّه یسقط إلیه و لا یملك نفسه استعیر لفظ الهوى للحركة إلى المحبوب و السعى الیه ، و الحاصل أنّ القلوب تسعى و تتوجّه إلیه .

( من مفاوز قفار سحیقة ) أى الأفلاء 1 البعیدة ( و مهاوى فجاج عمیقة ) أى من الوهاد و الطرق العمیقة الّتی بین الجبال و وصفها بالعمق على حدّ قوله تعالى و على كلّ ضامر یأتین من كلّ فجّ عمیق ( و جزائر بحار منقطعة ) وصف الجزائر بالانقطاع إما باعتبار انقطاع الماء عنها ، أو باعتبار انقطاعها عن سایر بقاع الأرض بسبب إحاطة البحر بها .

و قوله ( حتّى یهزّوا مناكبهم ذللا ) غایة لقوله تهوى ، أى تسرع إلیه قلوب الحاج من المفاوز و المهاوى إلى أن یحرّكوا المناكب مطیعین منقادین .

قال الشارح البحرانی : و كنّی بهزّ مناكبهم عن حركاتهم فی الطواف بالبیت إذ كان ذلك من شأن المتحرّك بسرعة .

و قال المحدّث العلامة المجلسیّ قده : هو كنایة عن السفر إلیه مشتاقین .

( یهلّلون للّه حوله ) أى حول البیت ، و على روایة یهلّون فالمراد أنّهم یرفعون

-----------
( 1 ) جمع فلاوهى جمع فلاة و هى الأرض التى لا ماء فیها ، منه

[ 342 ]

أصواتهم بالتلبیة ، و على هذه الروایة فلا بدّ من التخصیص بغیر المتمتّع و المعتمر بالعمرة المفردة فانّ وظیفتهما قطع التلبیة إذا شاهدا بیوت مكة أو حین یدخلان الحرم .

روى معاویة بن عمّار عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : إذا دخلت مكة و أنت متمتّع فنظرت إلى بیوت مكة فاقطع التلبیة ، و حدّ بیوت مكّة الّتی كانت قبل الیوم عقبة المدینین ، فانّ الناس قد أحدثوا بمكة ما لم یكن ، فاقطع التلبیة و علیك بالتكبیر و التحمید و التهلیل و الثناء على اللّه عزّ و جلّ بما استطعت .

و روى مرازم عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : یقطع صاحب العمرة المفردة التلبیة إذا وضعت الابل أخفافها فی الحرم و بمعناهما أخبار كثیرة .

و أما فضل الاهلال فقد روى فی الوسائل عن الصّدوق « ره » قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام ما من مهلّ یهلّ بالتلبیة إلاّ أهلّ من عن یمینه من شی‏ء إلى مقطع التراب ، و من عن یساره إلى مقطع التراب ، و قال له الملكان : ابشر یا عبد اللّه و ما یبشّر اللّه عبدا إلاّ بالجنّة .

( و یرملون على أقدامهم شعثا غبرا له ) أى یهرولون على أقدامهم للّه سبحانه حالكونهم أشعث الرّؤوس متلبّد الشعور متغیّر الألوان مغبّر الوجوه و الأبدان وسخ الأجساد .

( قد نبذوا السرابیل وراء ظهورهم ) یحتمل أن یكون المراد بالسرابیل الثیاب المعهودة بالاحرام على وجه الاستعارة تشبیها لها بالسرابیل فی إحاطتها بالبدن فیكون المقصود بنبذها وراء ظهورهم طرحها على عواتقهم و مناكبهم كما هو المعهود فی لبس ثوب الاحرام ، و أن یكون المراد بها مطلق المخیط من الثیاب من باب المجاز المرسل فیكون النبذ وراء الظهور كنایة عن خلعها عن الأبدان ، و الثانی أظهر .

( و شوّهوا ) أى قبّحوا ( باعفاء الشعور ) أى اكثارها و إطالتها ( محاسن خلقهم ) ابتلاهم اللّه سبحانه بهذه المشاق و البلیات ( ابتلاءا عظیما و امتحانا شدیدا و اختبارا مبینا و تمحیصا بلیغا ) أى امتحانا كاملا ( جعله اللّه سببا لرحمته و وصلة إلى جنّته ) أى جعل حجّ البیت و البلاء بهذه الابتلاآت العظیمة و التكالیف الشدیدة سببا

[ 343 ]

لشمول رحمته و طریقا للوصول إلى جنّته كما یشهد به الأخبار الواردة فی فضل الحجّ ، و قد مضى جملة منها فی شرح الفصل الثامن عشر من المختار الأوّل ، هذا و لما نبّه علیه السّلام على وجه المصلحة فی بناء البیت بالأحجار و وضعه بأوعر البقاع و تكلیف ولد آدم علیه السّلام بالحجّ إلیه على الكیفیّات الخاصّة المتضمنة للتواضع و التذلل و أشار إلى أنّ المصلحة فی ذلك هو التمحیص و الامتحان و الاستعداد بذلك لافاضة رحمة اللّه و الوصول إلى جنّته و الاستحقاق لجزیل الجزاء و مز ید الثواب أراد بالتنبیه على أنّ وضعه بغیر هذا المكان من الأمكنة البهیجة المستحسنة كان موجبا لتصغیر الجزاء و تقلیل الثواب و هو خلاف المصلحة فقال :

( و لو أراد اللّه سبحانه أن یضع بیته الحرام و مشاعره العظام ) أى مواضع المناسك ( بین جنّات و أنهار و سهل و قرار ) من الأرض ( جمّ الأشجار دانى الثمار ) دنوّها كنایة عن كثرتها و سهولة تناولها كما قال سبحانه فی وصف الجنّة قطوفها دانیة ( ملتفّ البنى ) أى مشتبك العمارات ( متّصل القرى ) بكثرتها ( بین برّة سمراء ) أى حنطة حسن اللّون ( و روضة خضراء ) ذات الخضرة و النضارة ( و أریاف محدقة ) مشتملة على الحدائق و البساتین ( و عراص مغدقة ) ذات الماء الكثیر و المطر ( و ریاض ناضرة و طرق عامرة ) بكثرة المارة .

( لكان ) جواب لو أى لو أراد اللّه سبحانه أن یضع بیته بین هذه الأمكنة الحسنة ذات البهجة و النضارة لكان قادرا علیه لكنه خلاف الوجه الأصلح لأنّه یلزم حینئذ أن یكون سبحانه ( قد صغّر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء ) لما قد مرّ من أنّ الاختبار و البلوى كلّما كانت أعظم كانت المثوبة و الجزاء أجزل .

و لما نبّه علیه السّلام فی الشرطیة المتقدّمة على أنّ وضع البیت الحرام فی غیر هذا المكان الذى هو فیه الآن خلاف الحكمة و المصلحة اتبعها شرطیّة اخرى و نبّه علیه السّلام فیها على أنّ بناءه بغیر هذه الأحجار المتعارفة التی بنى بها أیضا خلاف مقتضى الحكمة و هو قوله :

( و لو كان الأساس المحمول علیها ) البیت ( و الأحجار المرفوع بها بین

[ 344 ]

زمرّدة خضراء و یاقوتة حمراء و نور و ضیاء ) أى لو كان بنائه بالأحجار المعدنیة كالزمرّد و الیاقوت و الجواهر النفیسة المتلألاة النیّرة و المضیئة ( لخفّف ذلك مسارعة الشكّ فی الصدور ) أى سرعته ، و فی بعض النسخ بالضاد المعجمة بمعنى المقاربة و فی بعضها بالصاد المهملة بمعنى المغالبة .

قال الشارح البحرانی : و تلخیصه أنّه تعالى لو جعل الأساس المحمول علیها بیته الحرام من هذه الأحجار المنیرة المضیئة لخفّف ذلك مسارعة الشّك فی الصدور إذ یراد شكّ الخلق فی صدق الأنبیاء و عدم صدقهم و شكّهم فی أنّ البیت بیت اللّه أو لیس ، فانه على تقدیر كون الأنبیاء بالحال المشهور من الفقر و الذلّ و كون البیت الحرام من هذه الأحجار المعتادة یقوّى الشك فی كونهم رسلا من عند اللّه و فی كون البیت بیتا له ، و على تقدیر كونهم فی الملك و العزّ و كون البیت من الأحجار النفیسة المذكورة ینتفى ذلك الشكّ ، إذ یكون ملكهم و نفاسة تلك الأحجار من الامور الجاذبة إلیهم و الداعیة إلى محبّتهم و المسارعة إلى تصدیقهم و الحكم بكون البیت بیت اللّه لمناسبة فی كماله ما ینسبه الأنبیاء إلى اللّه سبحانه من الوصف بأكمل طرفى النقیض و لكون الخلق أمیل إلى المحسوس و استعار لفظ المسارعة للمغالبة بین الشك فی صدق الأنبیاء و الشك فی كذبهم فانّ كلاّ منهما یترجّح على الآخر .

و بذلك أیضا ظهر معنى قوله علیه السّلام ( و لوضع مجاهدة إبلیس عن القلوب ) فانّ حجّ البیت المبنى بالطوب و المدر و القیام بوظایفه و إقامة مناسكه مع ما فیه من المشاق العظیمة و الرّیاضات التى لا یكاد أن تتحمل عادة لا یتأتی إلاّ مع جهاد النفس و مجاهدة إبلیس ، بخلاف ما لو كان مبنیّا بالجواهر النفیسة الشریفة من الیاقوت و الزمرّد و الزبرجد و نحوها بین جنات و أنهار و أشجار فی أرض سهل و قرار فانّ النفوس حینئذ كانت تمیل إلیه و ترغب إلى رؤیته فلا تبقى إذا حاجة إلى مجاهدة نفسانیة أو شیطانیة .

و یوضح ذلك الحدیث الّذی قدّمنا روایته عن الفقیه فی شرح الفصل الثامن عشر من المختار الأول ، و نعید روایته هنا من الكافی باقتضاء المقام ، و مزید ایضاحه

[ 345 ]

للغرض المسوق له هذا الفصل من كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام فأقول :

روى ثقة الاسلام الكلینىّ عطر اللّه مضجعه عن محمّد بن أبیعبد اللّه عن محمّد بن أبی یسر « نصر خ » عن داود بن عبد اللّه عن عمرو بن محمّد عن عیسى بن یونس قال :

كان ابن أبی العوجاء من تلامذة الحسن البصرى فانحرف عن التوحید ، فقیل له :

تركت مذهب أصحابك و دخلت فیما لا أصل له و لا حقیقة ، فقال : إنّ أصحابی كان مخلطا كان یقول طورا بالقدر و طورا بالجبر ، و ما أعلمه اعتقد مذهبا دام علیه و قدم مكّة متمرّدا و انكارا على من یحجّ و كان یكره العلماء مجالسته و مسائلته لخبث لسانه و فساد ضمیره ، فأتى أبا عبد اللّه علیه السّلام : فجلس إلیه فی جماعة من نظرائه فقال : یا أبا عبد اللّه إنّ المجالس أمانات و لا بدّ لكلّ من به سعال أن یسعل أ فتأذن لی فی الكلام ؟ فقال علیه السّلام : تكلّم ، فقال : إلى كم تدوسون هذا البیدر ، و تلوذون بهذا الحجر ، و تعبدون هذا البیت المعمور بالطوب و المدر ، و تهرولون حوله هرولة البعیر إذا نفر ، إنّ من فكر هذا و قدر علم أنّ هذا فعل أسّسه غیر حكیم و لا ذى نظر ، فقل فانك رأس هذا الأمر و سنامه ، و أبوك اسّه و تمامه .

فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام : إنّ من أضلّه اللّه و أعمى قلبه استوخم الحقّ و لم یستعذ به فصار الشیطان ولیّه و قرینه ، و ربّه یورده مناهل الهلكة ثمّ لا یصدره ، و هذا بیت استعبد اللّه به خلقه لیختبر طاعتهم فی اتیانه ، فحثّهم على تعظیمه و زیارته ، و جعله محلّ أنبیائه و قبلة للمصلّین إلیه فهو شعبة من رضوانه . و طریق یؤدّى إلى غفرانه ، منصوب على استواء الكمال ، و مجمع العظمة و الجلال خلقه اللّه قبل دحو الأرض بألفی عام فأحقّ من اطیع فیما امر و انتهى عما نهى عنه و ذكر اللّه منشى الأرواح و الصور ، هذا .

و أما قوله ( و لنفی معتلج الریب من الناس ) فانه ربما یعترى الشك على ذوى العقاید الضعیفة أنّه لو كان هذا البیت بیته سبحانه لبناه بما یلیق عزّه و جلاله من الحسن و البهاء و العزّ و الشرف و مع بنائه على هذا الوصف كان ینتفی اعتلاج الریب منهم قطعا .

[ 346 ]

( و لكن اللّه ) عزّ و جلّ لم یبنه بهذا الوصف ، و إنما بناه بالأحجار الغیر النفیسة اختبارا و امتحانا و تمحیصا و ابتلاء فانّه ( یختبر عباده بأنواع الشدائد ) و المشاق كتروك الاحرام و المناسك العظام ( و یتعبّدهم بألوان المجاهد ) من مجاهدة النفس و مجاهدة إبلیس التی عرفت ( و یبتلیهم بضروب المكاره ) التی تكرهها الطباع و ترغب عنها النفوس ( اخراجا للتكبّر ) المبعد من اللّه سبحانه ( عن قلوبهم و اسكانا للتذلّل ) و التواضع المقرّب إلیه تعالى ( فی نفوسهم و لیجعل ذلك ) الاستعداد الحاصل لهم من الاختبار و الابتلاء ( أبوابا فتحا ) مفتوحة ( الى فضله ) و احسانه ( و أسبابا ذللا ) سهلة ( لعفوه ) و غفرانه .

تكملة

هذا الفصل من الخطبة رواه ثقة الاسلام الكلینی « قده » باختلاف لما أورده السیّد « ره » هنا فأحببت ایراده بروایته مع بیان غریب موارد الاختلاف فأقول :

قال فی الكافی و روى انّ أمیر المؤمنین علیه السّلام قال فی خطبة له :

و لو أراد اللّه جلّ ثناؤه بأنبیائه حیث بعثهم أن یفتح لهم كنوز الذهبان و معادن البلدان و مغارس الجنان و أن یحشر طیر السّماء و وحش الأرض معهم لفعل ، و لو فعل لسقط البلاء و بطل الجزاء و اضمحلّ الابتلاء ، و لما وجب للقایلین أجور المبتلین و لا لحق المؤمنین ثواب المحسنین ، و لا لزمت الأسماء أهالیها على معنى مبین و لذلك لو أنزل اللّه من السماء آیة فظلّت « لظلّت خ ل » أعناقهم لها خاضعین ، و لو فعل لسقط البلوى عن الناس أجمعین .

و لكن اللّه جلّ ثناؤه جعل رسله أولی قوّة فی عزائم نیّاتهم ، و ضعفة فیما ترى الأعین من حالاتهم من قناعة تملا القلوب و العیون غناه ، و خصاصة یملا الأسماع و الأبصار اذاه .

و لو كانت الأنبیاء أهل قوّة لا ترام ، و عزّة لا تضام ، و ملك یمدّ نحوه أعناق الرّجال و یشدّ إلیه عقد الرّحال لكان أهون على الخلق فی الاختبار ، و أبعد لهم فی « من خ »

[ 347 ]

الاستكبار ، و لآمنوا عن رهبة قاهرة لهم أو رغبة مائلة بهم ، فكانت النیّات مشتركة و الحسنة مقتسمة .

و لكن اللّه أراد أن یكون الاتّباع لرسله ، و التصدیق بكتبه و الخشوع لوجهه و الاستكانة لأمره و الاستسلام الیه امور له خاصّة لا یشوبها من غیرها شائبة ، و كلّ ما كانت البلوى و الاختبار أعظم كانت المثوبة و الجزاء أجزل .

ألا ترون أنّ اللّه جلّ ثناؤه اختبر الأوّلین من لدن آدم علیه السّلام الى آخرین من هذا العالم بأحجار ما تضرّ و لا تنفع و لا تبصر و لا تسمع ، فجعلها بیته الحرام الذى جعله للنّاس قیاما ،

ثمّ جعله بأوعر بقاع الأرض حجرا ، و أقلّ نتایق الدّنیا مدرا ، و أضیق بطون الأودیة معاشا ، و أغلظ محالّ المسلمین میاها بین جبال خشنة ، و رمال دمثة ، و عیون وشلة ،

و قرى منقطعة ، واتر من مواضع قطر السماء ، واتر [ داثر كذا فی كا ] لیس یزكو به خف و لا ظلف و لا حافر .

ثم أمر آدم علیه السّلام و ولده أن یثنوا أعطافهم نحوه ، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم ،

و غایة لملقى رحالهم ، تهوى إلیه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار متّصلة و جزائر بحار منقطعة ، و مهاوى فجاج عمیقة ، حتى یهزّوا مناكبهم ذللا للّه حوله ، و یرملوا على اقدامهم شعثا غبرا ، قد نبذوا القنع و السرابیل ورآء ظهورهم ، و حسروا بالشعور حلقا عن رؤوسهم ، ابتلاءاً عظیما ، و اختبارا كبیرا ، و امتحانا شدیدا ، و تمحیصا بلیغا ،

و فتونا مبینا ، جعله اللّه سببا لرحمته ، و وصلة و وسیلة إلى جنّته . و علّة لمغفرته ،

و ابتلاءاً للخلق برحمته .

و لو كان اللّه تبارك و تعالى وضع بیته الحرام ، و مشاعره العظام ، بین جنّات و أنهار ، و سهل قرار ، جم الأشجار ، دانى الثمار ، ملتفّ النبات ، متّصل القرى ، من برّة سمرآء ، و روضة خضراء ، و أریاف محدقة ، و عراص معذقة ، و زروع ناضرة ، و طرق عامرة ، و حدائق كثیرة ، لكان قد صغر الجزاء على حسب ضعف البلاء .

ثمّ لو كانت الأساس المحمول علیها ، أو الأحجار المرفوع بها بین زمرّدة خضرآء و یاقوتة حمرآء ، و نور و ضیآء لخفّف ذلك مصارعة الشك فی الصّدور ، و لوضع

[ 348 ]

مجاهدة ابلیس عن القلوب ، و لنفی معتلج الریب من الناس .

و لكن اللّه عزّ و جلّ یختبر عبیده بأنواع الشدائد ، و یتعبّدهم بألوان المجاهدة ،

و یبتلیهم بضروب المكاره إخراجا للتكبّر من قلوبهم ، و إسكانا للتذلل فی أنفسهم ،

و لیجعل ذلك أبوابا إلى فضله ، و أسبابا ذللا لعفوه ، و فتنة كما قال الم احسب النّاس أن یتركوا أن یقولون آمنّا و هم لا یفتنون . و لقد فتنّا الذین من قبلهم فلیعلمنّ اللّه الذین صدقوا و لیعلمنّ الكاذبین .

بیان

قوله علیه السّلام « و اتر من مواضع قطر السماء » و اتر أى منفرد منقطع من الوتر و هو الفرد ، و واتر الثانی یحتمل أن یكون تأكیدا لفظیّا للأوّل ، و أن یراد به أنّه ناقص من حیث النبات من وتره ماله نقصه ، أو أنه مأخوذ من الوتیرة و هی قطعة تستدقّ و تغلظ من الأرض .

و قوله « و حسروا بالشعور » من حسره حسرا كشفه ، أى كشفوا شعورهم لأجل حلقها عن رؤوسهم ، و فتنه فتنا « و فتونا » اختبره « و عراص معذقة » ضبطه فی النسخة الّتی عندنا بفتح المیم و العین المهملة و الذال المعجمة ، أى محال العذق « و الاس » مثلثة أصل البناء كالأساس و الاسس محرّكة و أصل كلّ شی‏ء جمعه أسیاس و زان أسباب و قوله « كما قال الم احسب اه » شاهد لقوله : فتنة یعنى أنّ اللّه یختبر العبید و یتعبّدهم بالشداید و المجاهد لأجل الامتحان و تمیّز الجیّد من الرّدى و المؤمن من المنافق كما نصّ به سبحانه فی كتابه المجید ، لیثیب المؤمنین بحسن ایمانهم و یعاقب المنافقین .

الترجمة

میفرماید و اگر اراده میفرمود خداوند متعال به پیغمبران خود وقتى كه مبعوث نمود ایشان را اینكه بگشاید براى ایشان خزانهاى طلا و معدنهاى زر

[ 349 ]

خالص و محلهاى كاشتن باغها را ، و اینكه جمع نماید با ایشان مرغ آسمان و وحشیهاى زمینها را هر آینه مینمود ، و اگر مینمود اینها را هر آینه ساقط میشد امتحان و ابتلاء ،

و باطل میشد جزا و ثواب ، و بهم میخورد خبرهاى پیغمبران ، و هر آینه واجب نمى‏گردید از براى قبول كنندگان احكام دین اجرهاى ممتحنین ، و مستحق نمى‏شد مؤمنان ثواب نیكوكاران را ، و لازم نمى‏گردید اسمها به معنى‏هاى حقیقى خود و لیكن حق سبحانه و تعالى گردانیده است پیغمبرهاى خود را صاحبان قوّت در عزمهاى خود ، و صاحبان ضعف در آنچه مى‏بیند آن را چشمها از حالت‏هاى فقر و پریشانى ایشان با قناعتى كه پر میكند قلبها و چشم‏ها را از حیثیّت بى نیازى ، و با گرسنگى كه پر گرداند دیدها و گوشها را از حیثیّت اذیّت .

و اگر بودندى پیغمبرها أهل قوّتى كه قصد كرده نشود ، و أهل عزّتى كه مغلوب و مظلوم نگردد ، و صاحب سلطنت و ملكى كه كشیده‏شود بجانب آن گردنهاى مردمان ، و بسته شود بسوى او گرههاى پالانهاى مركبان ، هر آینه میشد آسان‏تر بر خلق در عبرت بر داشتن از ایشان ، و دورتر از براى ایشان از تكبّر نمودن بر ایشان ، و هر آینه ایمان مى‏آوردند آن خلق از ترس و خوفى كه قهر كننده باشد ایشان را ، یا از رغبت و طمعى كه میل آورنده باشد ایشان را و مى‏بود نیتهاى خلق غیر خالص و مشوب برهبت و رغبت ، و أعمال حسنه ایشان قسمت یافته و مخلوط بریا و سمعت .

و لیكن حق تعالى اراده فرمود این را كه باشد متابعت پیغمبران او و تصدیق كتابهاى او و فروتنى براى ذات او ، و تمكین كردن براى حكم او ، و گردن نهادن براى طاعت او كارهائى كه مختص بأو باشد كه مشوب نباشد بآنها چیزى از ریاء و سمعت ، و هر قدر امتحان و ابتلاء بزرگ‏تر باشد ثواب و جزاء زیاد تر گردد .

آیا نمى‏بینید كه خداوند تعالى امتحان فرموده اولین را از نزد جناب آدم





نظرات() 


How do you get rid of Achilles tendonitis?
دوشنبه 27 شهریور 1396 07:40 ب.ظ
I believe this is one of the such a lot vital info for me.
And i am glad reading your article. However want to observation on few common issues, The web site taste is perfect,
the articles is truly great : D. Just right activity, cheers
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox