تبلیغات
پیام هادی - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-02:51 ب.ظ

[ 281 ]

از ایشان ، و از جهت دور گردانیدن تكبّر و تجبّر را از ایشان .

پس عبرت بگیرید با آنچه كه شد از كار خدا در حق ابلیس زمانى كه باطل نمود عمل دراز او را وجد و جهد بى اندازه او را و حال آنكه عبادت كرده بود خدا را در ظرف شش هزار سال معلوم نبود كه آیا آن سالها از سالهاى دنیا بود یا از سالهاى آخرت از جهت كبر یك ساعت .

پس كیست بعد از ابلیس كه سلامت بماند از عذاب پروردگار كه اقدام نموده باشد بمثل معصیت ابلیس ، همچنین نیست ، نیست خدا كه داخل نماید در بهشت آدمى را بأمریكه خارج نمود بسبب آن أمر از بهشت ملكى را ، بدرستى كه حكم خداوند در حق أهل آسمان و زمین یكى است ، و نیست میان خدا و میان هیچ أحدى از خلق أو رخصت و محبّت در مباح ساختن قوروقی را كه حرام گردانیده آن را بر جمیع عالمیان .

الفصل الثانی

فاحذروا عباد اللّه عدوّ اللّه أن یعدیكم بدائه ، و أن یستفزّكم بخیله و رجله ، فلعمری لقد فوّق لكم سهم الوعید ، و أغرق لكم بالنّزع الشّدید ، و رماكم من مكان قریب و قال ربّ بما أغویتنی لازیّننّ لهم فی الأرض و لاغوینّهم أجمعین قذفا بغیب بعید ، و رجما بظنّ مصیب ، صدّقه به أبناء الحمیّة ، و إخوان العصبیّة ، و فرسان الكبر و الجاهلیّة ، حتّى إذا نقادت له الجامحة منكم ، و استحكمت الطّماعیة منه فیكم ، فنجمت الحال من السّرّ الخفیّ إلى الأمر الجلیّ ، استفحل

[ 282 ]

سلطانه علیكم ، و دلف بجنوده نحوكم ، فأقحموكم و لجات الذّلّ ،

و أحلّوكم و رطات القتل ، و أوطاوكم أثخان الجراحة ، طعنا فی عیونكم و حزّا فی حلوقكم ، و دقّا لمناخركم ، و قصدا لمقاتلكم ، و سوقا بخزائم القهر إلى النّار المعدّة لكم ، فأصبح أعظم فی دینكم جرحا ، و أورى فی دنیاكم قدحا ، من الّذین أصبحتم لهم مناصبین ، و علیهم متألّبین .

فاجعلوا علیه حدّكم ، و له جدّكم ، فلعمر اللّه لقد فخر على أصلكم ، و وقع فی حسبكم ، و دفع فی نسبكم ، و أجلب بخیله علیكم و قصد برجله سبیلكم ، یقتنصونكم بكلّ مكان ، و یضربون منكم كلّ بنان ، لا تمتنعون بحیلة ، و لا تدفعون بعزیمة ، فی حومة ذلّ ،

و حلقة ضیق ، و عرصة صوت ، و جولة بلاء .

فاطفئوا ما كمن فی قلوبكم من نیران العصبیّة ، و أحقاد الجاهلیّة فإنّما تلك الحمیّة تكون فی المسلم من خطرات الشّیطان و نخواته و نزغاته و نفثاته ، و اعتمدوا وضع التّذلّل على رؤسكم ، و إلقاء التّعزّز تحت أقدامكم ، و خلع التّكبّر من أعناقكم ، و اتّخذوا التّواضع مسلحة بینكم و بین عدوّكم إبلیس و جنوده ، فإنّ له من كلّ أمّة جنودا و أعوانا ، و رجلا و فرسانا .

[ 283 ]

و لا تكونوا كالمتكبّر على ابن أمّه من غیر ما فضل جعله اللّه فیه سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد ، و قدحت الحمیّة فی قلبه من نار الغضب ، و نفخ الشّیطان فی أنفه من ریح الكبر الّذی أعقبه اللّه به النّدامة ، و ألزمه آثام القاتلین إلى یوم القیمة .

اللغة

( أعداه ) الداء أصابه مثل ما بصاحب الداء و فی كلام العرب إنّ الجرب لیعدی أى یجاوز من صاحبه إلى من قاربه ، و العدوى و زان جدوى ما یعدى من جرب و غیره و ( الرجل ) بفتح الراء و سكون الجیم اسم جمع لراجل مثل ركب راكب و ( فوق ) السهم و زان قفل موضع الوتر و الجمع أفواق و فوّقت السّهم تفویقا جعلت له فوقا و إذا وضعت السّهم فی الوتر لترمى به قلت أفقته إفاقة و رجمته رجما من باب نصر ضربته بالرجم و هو الحجارة و ( جمح ) الفرس اعتزّ راكبه و غلبه و ( طمع ) فیه طمعا و طماعا و طماعیّة حرص علیه و ( نجم ) الشی‏ء نجوما طلع و ظهر و ( دلف ) دلفا و دلفانا مشى مشى المقیّد و فوق الدّبیب ، و دلفت الناقة بحملها نهضت به .

و ( الولجة ) محرّكة كهف یستتر فیه المارّة من مطر و غیره و ( أوطأه ) فرسه إذا حمله علیه فوطئه و أوطأوهم جعلوهم یوطئون قهرا و ( أثخن ) فی القتل اثخانا أى أكثر منه و بالغ و أثخنته أوهنته بالجراحة و أضعفته قال سبحانه حتّى إذا أثخنتموهم » أى غلبتموهم و كثر فیهم الجراح و ( الخزائم ) جمع خزامة و هى حلقة من شعر تجعل فی وترة أنف البعیر فیشدّ فیها الزّمام و ( ورى ) الزند یرى و ریا من باب وعد خرجت ناره ، و فی لغة ورى یرى بالكسر فیهما ، و أورى بالألف أخرج ناره و ( القدح ) بالفتح إخراج النار من الزّند یقال قدح بالزند رام الایراد به و قدح فیه طعن و ( الحومة ) معظم الماء و الحرب و غیرهما و ( النزغ ) الافساد و ( المسلحة ) بفتح المیم قال فی

[ 284 ]

النهایة القوم الذین یحفظون الثغر من العدوّ یكونون ذوى سلاح ، أو لأنّهم یسكنون المسلحة و هی كالثغر و المرقب یرقبون العدوّ لئلاّ یطرقهم على غفلة انتهى ، و فى القاموس : المسلحة بالفتح الثغر و القوم ذو و سلاح .

الاعراب

قوله : أن یعدیكم فی محلّ النصب بدل من عدوّ اللّه ، و الباء فی قوله : بدائة للتعدیة و فی قوله : بما أغویتنى ، للقسم ، و ما مصدریّة ، و جوابه لازیننّ ، و قیل :

إنها سببیّة و على التقدیرین فمفعول ازیننّ محذوف أى ازیننّ لهم المعاصى ، و قذفا و رجما منتصبان على الحال ، و هما مصدران بمعنى الفاعل ، و الباء فی قوله : صدقه به ،

بمعنى فی ، و جملة صدقه فی محلّ الجرّ صفة ظنّ ، و روى صدقه أبناء الحمیّة بدون لفظ به ، و استفحل جواب حتّى إذا .

و اثخان الجراحة بالنصب مفعول أوّل لأوطؤكم كما فی قولك : أعطیت درهما زیدا ، أى جعلوا اثخان الجراحة واطئا لهم ، لا أنه جعلهم واطئین له على أنّه مفعول ثان كما توهّمه الشارح المعتزلی ، أو أنه منصوب بنزع الخافض أى جعلوهم موطوئین باثخان 1 الجراحة قهرا و غلبة ، و على التقدیرین فقوله : طعنا و حزا و دقا كلّها منصوب على الابدال من اثخان ، و قصدا و سوقا منصوبان على المصدر ،

و العامل محذوف ، و یجوز انتصاب المنصوبات الخمسة جمیعا على المصدر .

و فی بعض النسخ أوطأوكم لاثخان الجراحة ، باللاّم على المفعول له ، و على هذا فالمنصوبات الثلاثة الاول یحتمل كونها مفاعیل أوطأوا ، أى أوطأوكم الطعن أى جعلوا الطعن واطئا لكم لأجل اثخان جراحتكم ، و یحتمل انتصابها على المصدر كما مرّ ، و الباء فی قوله : بخزائم ، للآلة و الاستعانة لا للمصاحبة كما توهّم ، و أورى بصیغة التفضیل عطف على أعظم ، و جرحا و قدحا منتصبان على التمیز ، و جملة یقتنصون حال من رجله أو خیله

-----------
( 1 ) و الباء للصلة متعلّق بموطوئین لا بجعلوا فافهم ( منه )

[ 285 ]

و قوله : فى حومة بلاء ، قال الشارح المعتزلی : حال من مفعول یقتنصون .

أقول : و یجوز كونه ظرف لغو متعلّق بیضربون أو بیقتنصون بدلا من قوله :

بكلّ مكان ، و أن یكون حالا من فاعل تمتنعون ، و هو أنسب و أولى ، و ما فی قوله علیه السّلام من غیر ما فضل ، زائدة للتأكید .

المعنى

اعلم أنّه علیه السّلام لما أمر فى الفصل السابق بالاعتبار بحال إبلیس و بما فعل اللّه به من الطرد و الابعاد و الاحباط لعمله ، اتبعه بهذا الفصل و أمر فیه بالتحذّر عن متابعته ، و بیّن فیه شدّة عداوته و حثّ على ملازمة التواضع و التذلّل فقال ( فاحذروا عباد اللّه ) من ( عدوّ اللّه ) إبلیس ( أن یعدیكم بدائه ) أى أن یجعل داءه مسریا إلیكم فتكونوا متكبّرین مثله ( و أن یستفزّكم ) أى یستخفّكم ( بخیله و رجله ) قال تعالى « و استفزز من استطعت منهم بصوتك و اجلب علیهم بخیلك و رجلك » .

قال الطبرسی : الاستفزاز الازعاج و الاستنهاض على خفّة و اسراع ، و أصله القطع فمعنى استفزّه استزلّه بقطعه عن الصّواب أى استزلّ من استطعت منهم و أضلّهم بدعائك و وسوستك ، من قولهم صوت فلان إذا دعاه ، و هذا تهدید فی صورة الأمر و قیل : بصوتك ، أى بالغنا و المزامیر و الملاهی ، و قیل كلّ صوت یدعى به إلى الفساد فهو من صوت الشیطان .

و أجلب علیهم بخیلك 1 و رجلك الاجلاب السوق بجلبة و هى شدّة الصوت أى أجمع علیهم ما قدرت علیه من مكایدك و أتباعك و ذرّیتك و أعوانك ، فالباء مزیدة و كلّ راكب أو ماش فی معصیة اللّه من الانس و الجنّ فهو من خیل إبلیس و رجله و قیل : هو من أجلب القوم و جلبوا ، أى صاحوا أى صح بخیلك و رجلك فاحشرهم علیهم بالاغواء ، انتهى .

-----------
( 1 ) أى صح علیهم بفرسانك و راجلیك فانّ الخیل قد یطلق على الفرسان ، و منه قوله :

یا خیل اللّه اركبى ( منه )

[ 286 ]

( فلعمری لقد فوق لكم سهم الوعید ) قال المحدّث العلاّمة المجلسی « ره » أى وضع فوق سهمه على الوتر ، و الظاهر أنّه جعل فوق بمعنى أفوق ، و إلاّ فقد عرفت فی بیان اللّغة أنّ معنى فوقت السّهم جعلت له فوقا ، و على إبقاء التفویق على معناه الأصلی یكون كنایة عن التهیّؤ و الاستعداد .

( و أغرق إلیكم بالنزع الشدید ) أى استوفی مدّ القوس و بالغ فی نزعها لیكون مرماه أبعد و وقع سهامه أشدّ .

( و رماكم من مكان قریب ) لأنّه یجرى من ابن آدم مجرى الدّم فی العروق كما ورد فی الحدیث النبویّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و كنّى علیه السّلام به عن أنّ سهامه لا تخطى ( و قال ) ما حكاه عنه عزّ و جلّ فی سورة الحجر ( ربّ بما اغویتنی لازیّننّ لهم فی الأرض و لاغوینّهم أجمعین ) إلاّ عبادك منهم المخلصین ، أى أقسم باغوائك إیّاى لازیّننّ لهم المعاصی فی الدّنیا التی هی دار الغرور ، فالمراد بالأرض هی الدّنیا كما فی قوله تعالى « و لكنّه أخلد إلى الأرض » و على كون الباء للسببیّة فالمعنى بسبب إغوائك إیّاى أفعل بهم ذلك .

فان قلت : ظاهر الاغواء هو الاضلال فكیف جاز نسبته إلى اللّه ؟

قلت : على إبقائه على ظاهره فلا بدّ من حمله على أنّ ابلیس كان جبرىّ المذهب .

و أدلّة العدلیّة بوجوه : أحدها أنّ المراد به التخیّب أى بما خیّبتنی من رحمتك لاخیبنّهم بالدّعاء إلى معصیتك .

و ثانیها أنّ معناه بما أضللتنی من طریق جنّتك لاضلنّهم بالدّعاء إلى معصیتك و ثالثها أنّ معناه بتكلیفك إیّاى بالسجود لآدم الذى وقعت به فی الغىّ لاضلنّهم أجمعین إلاّ عبادك الذین أخلصوا العبادة للّه و انتهوا عمّا نهوا عنه .

و قوله ( قذفا بغیب بعید ) أى قال إبلیس ذلك رمیا بأمر غایب متوهّم على بعد خفیت اماراته و شواهده أى رمیا بأمر بعید المرمى غایب عن النظر .

قال الشارح المعتزلى : و العرب تقول للشی‏ء المتوهّم على بعد : هذا قذف

[ 287 ]

بغیب بعید ، و القذف فی الأصل رمى الحجر و أشباهه و بالغیب الأمر الغایب و هذه اللفظة من الألفاظ القرآنیّة قال تعالى فی كفّار قریش « و یقذفون بالغیب من مكان بعید » أى یقولون هذا سحر أو هذا من تعلیم أهل الكتاب أو هذه كهانة و غیر ذلك مما كانوا یرمونه .

قال الطبرسیّ فی تفسیر هذه الآیة : أى یرجمون بالظنّ فیقولون لا جنّة و لا نار و لا بعث ، و هذا أبعد ما یكون من الظنّ و قیل معناه : یرمون محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالظنون من غیر یقین ، و ذلك قولهم هو ساحر و هو شاعر و هو مجنون ، و جعله قذفا لخروجه فی غیر حقّ ، و قیل : معناه و یبعدون أمر الاخرة فیقولون لأتباعهم : هیهات هیهات لما توعدون ، و ذلك كالشی‏ء یرمى فی موضع بعید المرمی .

( و رجما بظنّ مصیب ) یعنی أنّ قوله : لاغوینّهم أجمعین كان رجما بظنّ قد أصاب فیه و طابق الواقع كما یشهد به قوله سبحانه و لقد صدّق علیهم إبلیس ظنّه فاتّبعوه إلاّ فریقا من المؤمنین و ما كان له علیهم من سلطان قال أمین الاسلام الطبرسیّ : المعنى أنّ إبلیس كان قال : لاغوینّهم و لاضلنّهم و ما كان ذلك عن علم و تحقیق و إنما قاله ظنا فلما تابعه أهل الزیغ و الشرك صدّق ظنّه و حقّقه .

و فی بعض النّسخ و رجما بظنّ غیر مصیب قال الشارح المعتزلی : و هذه الرّوایة أشهر .

أقول : و وجّه بوجوه أحسنها و أصوبها وجهان أحدهما أنّ قوله : لاغوینّهم بمعنى الشرك أو الكفر و الذین استثناهم بقوله إلاّ عبادك اه المعصومون من المعاصی ، و معلوم أنّ هذا الظنّ غیر مصیب لأنّه ما أغوى كلّ البشر غیر المخلصین الغوایة التی هی الشرك و الكفر و إنما أغوى بعضهم به و بعضهم بالفسق فقط ، فیكون ظنّه أنه قادر على إضلال البشر كلّهم بالكفر ظنّا غیر مصیب .

و ثانیهما أنّ إبلیس لما ظنّ أنه متمكّن من إجبارهم على الغىّ و الضّلال ، فقال :

[ 288 ]

لاغوینّهم ، مریدا به الاغواء بالجبر و سلب الاختیار حكم علیه السّلام بخطائه .

و یوضح ذلك ما ذكره الطبرسی فی قوله « و ما كان له علیهم من سلطان » أى و لم یكن لابلیس علیهم من سلطنة و لا ولایة یتمكن بها من اجبارهم على الغىّ و الضلال ،

و انما كان یمكنه الوسوسة فقط كما قال « و ما كان لى علیكم من سلطان إلاّ أن دعوتكم فاستجبتم لى » .

فان قلت : قوله « و ما كان لی علیكم من سلطان » یدلّ على أنّه لم یكن مراده بقوله : لاغوینّهم ، الاجبار و أنّه لم یكن ظانا بالقدرة على إجبارهم .

قلت : قوله لاغوینّهم ، إنما قاله فی بدء خلقته بتوهّم التمكّن من إجبارهم ،

و قوله : و ما كان لی علیكم من سلطان إنما یقوله یوم القیامة كما یشهد به سابق الآیة ،

قال سبحانه و قال الشیطان لما قضى الأمر إنّ اللّه وعدكم وعد الحقّ و وعدتكم فاخلفتكم و ما كان لی علیكم من سلطان إلاّ أن دعوتكم فاستجبتم لی فلا تلومونی و لوموا أنفسكم .

فمحصّل الجواب أنّه لا منافاة بین كونه فی أوّل الأمر ظانا بالتمكن من الاجبار ،

و بین معرفته فی آخر الأمر بعدم تمكنّه منه و بكونه خاطئا فی ظنّه .

و قوله ( صدّقه به أبناء الحمیة و اخوان العصبیّة و فرسان الكبر و الجاهلیة ) تأكید لقوله رجما بظنّ مصیب یعنی أنّ إبلیس ظنّ أنه یغویهم و كان هؤلاء قدغووا و ضلّوا بالحمیّة و الجاهلیة و التعصّب و التكبّر ، فكان ضلالهم ذلك تصدیقا فعلیّا منهم لابلیس فی ظنّه و فى قوله : لاغوینّهم ، و موجبا لاصابة ظنّه .

و على الروایة المشهورة أعنی رجما بظنّ غیر مصیب ، فیكون هذه الجملة فی معرض الاستدراك ، یعنی أنّه قال ما قال لا على وجه العلم بل على سبیل الظنّ و الحسبان و المصیب للحقّ هو العلم دون التوهّم أو الظنّ ، لكن اتّفق وقوعهما لتصدیق أبناء الحمیّة فیه و وقوع الغوایة منهم .

و على هذا فالأولى أن یجعل جملة صدّقه اه استینافا بیانیا لا صفة لظنّ

[ 289 ]

فافهم جیّدا .

( حتّى إذا انقادت له ) الطایفة ( الجامحة ) منكم و هم الذین تقدّم ذكرهم أى أبناء الحمیّة و العصبیّة و الكبر و وصفهم بالجموح لخروجهم و تمرّدهم عن انقیاد ربّهم المالك لهم و لكلّ شی‏ء ( و استحكمت الطماعیة ) أى الطمع ( منه فیكم ) بسبب مزید انقیادكم له و اسراعكم إلى إجابة دعوته ( فنجمت ) أى ظهرت ( الحال من السّر الخفى إلى الأمر الجلى ) أى خرج ما بالقوّة إلى الفعل و إذ شاع آثار إغوائه ( استفحل سلطانه علیكم ) أى قوى و اشتدّ و صار فحلا ( و دلف بجنوده نحوكم ) أى نهض بهم إلیكم ( فأقحموكم و لجات الذلّ ) أى ادخلوكم من غیر رویّة غیر ان الذّلة ( و أحلّوكم ورطات القتل ) أى أنزلوكم فی مهالك القتل و الهلاكة ( و أوطأوكم اثخان الجراحة ) أى جعلوا اثخان الجراحة واطئا لكم ، و قد مرّ تفصیل معناه فی بیان الاعراب و المراد به كثرة وقع جراحات جنود ابلیس فیهم و كونهم مقهورین مغلوبین منكوبین بوقوع الجراحات .

و فصّل كثرتها بقوله ( طعنا فی عیونكم و حزّا ) أى قطعا ( فی حلوقكم و دقا لمناخركم ) و هو كنایة عن صدماتهم و احاطتها بالأعضاء جمیعها ، فیكون ذكر العیون و الحلوق و المناخر من باب التمثیل و المراد بها ما یصیبهم من الصدمات و الجراحات من أبناء نوعهم بسبب القتل و القتال ، و لما كان منشاها جمیعا هو إغواء إبلیس و جنوده نسبها إلیهم ، و لا یخفى ما فی نسبة الطعن إلى العیون و الحزّ إلى الحلوق و الدقّ إلى المناخر من حسن الخطابة و صناعة البلاغة .

( و قصدا لمقاتلكم ) أى قصدوا قصدا لمحالّ قتلكم تحریصا على القتل ( و سوقا بخزائم القهر إلى النار المعدّة لكم ) أى ساقوكم سوقا إلى النّار المهیّاة لكم بالخزائم القاهرة لكم على السیاق ، أو أنهم ساقوكم إلیها بها بالقهر و الغلبة .

و التعبیر بالخزائم دون الازمة تشبیها لهم بالناقة الّتی تقاد بالخزامة لا الخیل المقاد بالزمام ، لأنّ الناقة إذا ما تقاد بالخزامة تكون أشدّ انقیادا و أطوع لقائدها من الخیل الّذى یقاد بالزّمام .

[ 290 ]

و للاشارة إلى هذه النكتة أتى بلفظ القهر و استعار لفظ الخزائم للمعاصی و السیّئات و شهوات النفس الأمّارة المؤدّیة إلى النّار ، و المراد أنّ إبلیس و جنوده زیّنوا الشهوات و السیّئات فی نظرهم فرغبوا فیها و ركبوها فكان ذلك سببا لتقحمهم فی النار و سخط الجبار .

( فأصبح أعظم فی دینكم جرحا و أورى فی دنیاكم قدحا ) أى صار أكثر إخراجا للنار من حیث إخراجه لها أو من حیث الطعن فی دنیاكم و الثانی أظهر .

أما جرحه فی الدّنیا « فی الدین ظ فمعلوم لأنّ جمیع الصّدمات و المضارّ الدینیة من الجرائم و الآثام من إغواء هذا الملعون .

و أمّا الایراء و قدحه فی الدّنیا فلا لها به نار الفتنة و الفساد و نایرة الحسد و البغضاء و العناد بین الناس الموجب للقتل و القتال و تلف الأنفس و الأموال و نحوها فجمیع المضارّ الدینیة و أغلب المضار الدنیویّة عند أهل النظر و الاعتبار من ثمرات هذه الشجرة الملعونة .

فلذلك كان جرحه و قدحه أعظم و أشدّ ( من الذین أصبحتم لهم مناصبین و علیهم متألّبین ) أى من أعدائكم الذین نصبتم لهم العداوة و بالغتم فى عداوتهم ، و تجمّعتم أى اجتمعتم من ههنا و ههنا على قتلهم و قتالهم و استیصالهم دفعا لشرّهم عنكم .

و لما نبّه علیه السّلام على أنّه عدّو مبین و أعظم المعاندین و أنّ ضرره عاید إلى الدّنیا و الدّین أمرهم بصرف عزیمتهم و همّتهم إلى عداوته فقال :

( فاجعلوا علیه حدّكم ) أى حدّتكم و سورتكم و بأسكم و سطوتكم ( و له جدّكم ) أى سبلكم و جهدكم ، ثمّ أقسم بالقسم البار تهییجا و إلهابا و تثبیتا لهم على العداوة له فقال :

( فلعمر اللّه لقد فخر على أصلكم ) أى على أبیكم آدم خیث امتنع من السجود له و قال « خلقتنى من نار و خلقته من طین » ( و وقع فى حسبكم و دفع فی نسبكم ) أى عاب حسبكم و حقّر نسبكم و هو الطین حیث قال ءأسجد لمن خلقت طینا . قال أرأیتك هذا الذى كرّمت علىّ لان أخّرتن إلى یوم القیامة لأحتنكنّ ذرّیّته إلا

[ 291 ]

قلیلا ( و أجلب بخیله علیكم و قصد برجله سبیلكم ) أى صاح بفرسانه فاحشرهم علیكم بالاغواء و قصد مع راجلیه سبیلكم لیزیغوكم عن الجادّة الوسطى .

( یقتنصونكم بكلّ مكان ) أى یتصیّدونكم و یجعلون ربق الذّلّ فی أعناقكم ( و یضربون منكم كلّ بنان ) أى یضربون أطراف أصابعكم و یستقصون فى أذاكم و استیصالكم ( لا تمتنعون ) من ضربهم ( بحیلة و لا تدفعون ) ضرّهم ( بعزیمة ) و الحال انكم ( فى حومة ذلّ و حلقة ضیق و عرصة موت و جولة بلاء ) شرح لحالهم فى الدّنیا ، أى أنتم فى معظم ذلّ و دایرة ضیق ، لأنّ دار الدّنیا لا اتّساع فیها و معرض موت و مجال بلاء لا منجى منه .

فاذا كان شأن أبلیس فی عداوتكم هذا الشأن من الفخر على الأصل و الوقع فى الحسب و الدفع فی النسب و الاجلاب بالخیل و القصد بالرجل و غیر ذلك من الامور المتقدّمة الدالة على كونه مجدّا فی العداوة .

( ف ) خدوا منه حذركم و تحرّزوا من مصائده و ( اطفئوا ما كمن ) و استتر ( فی قلوبكم من نیران العصبیة ) و الحمیّة ( و أحقاد الجاهلیّة فانما تلك الحمیّة ) و النخوة ( تكون فی المسلم من خطرات الشیطان و نخواته و نزغاته و نفثاته ) أى وساوسه المحرّكة للفساد یعنی ما استتر فی قلوبكم من التعصّب و التكبّر و الحقد و الحسد نار محرقة لكم فی الدّنیا و الآخرة فاطفئوها و اجتهدوا فی إطفائها بماء التذلّل و التواضع و الاصلاح ، لأنّ منشأها جمیعا هو الشیطان اللعین الّذی هو عدوّكم المبین ، فانّه یوسوس فی صدوركم و یوقع فی اخاطركم النّخوة و الحمیّة و العصبیّة و ینزغ أى یفسد بینكم و بین اخوتكم المؤمنین و ینفث أى ینفخ فی قلوبكم و فی دماغكم ریح النخوة و الغرور و الاستكبار .

فان قلت : لم قال تلك الحمیّة تكون فی المسلم من خطرات الشیطان مع أنّ الحمیّة فی الكافر أیضا من خطراته فأىّ نكتة فی الاتیان بهذا القید ؟

قلت : لما أمر المخاطبین باطفاء نیران العصبیّة و الاستكبار معلّلا بأنها من وساوس ابلیس و خطراته أتى بهذا القید من باب الالهاب لأنّ المسلم بما له من داعیة

[ 292 ]

الاسلام أسرع قبولا للموعظة و أحقّ بالانتصاح و الارتداع و التجنّب من سلوك مسالك الشیطان ، فكأنه قال : إن كنتم مسلمین فاتّقوا من متابعته و توقوا من اقتفاء آثاره كما تقول : إن كنت مؤمنا فلا تظلمنی ، قال تعالى حكایة عن مریم ( ع ) « قالت انّی أعوذ بالرّحمن منك ان كنت تقیّا » ( و اعتمدوا ) اى اقصدوا ( وضع ) تیجان ( التذلّل ) الّذى جعلتموها تحت أقدامكم ( على رؤوسكم و ) تعمّدوا ( القاء ) قلانس ( التعزّز ) الّتی جعلتموها على رؤوسكم ( تحت أقدامكم ) و لا یخفى على أهل الصّناعة لطافة هذه العبارة و شرافتها و عظم خطرها للّه درّ قائلها .

( و ) اعتمدوا ( خلع ) أطواق ( التكبّر من أعناقكم و اتّخذوا ) التذلّل و ( التّواضع مسلحة و ثغرا بینكم و بین عدوّكم إبلیس و جنوده ) .

و لما أمرهم باتخاذ المسلحة علّله بقوله ( فانّ له من كلّ امّة ) من الجنّ و الانس ( جنودا و أعوانا و رجلا و فرسانا ) تنبیها على كثرة جنوده و أعوانه المقتضیة للجدّ فی اتّخاذها توقّیا من طروقهم و اغتیالهم على غفلة هذا ، و قد مضى بیان فضل التواضع و الأخبار الواردة فیه فی شرح المختار المأة و السابع و الأربعین .

ثمّ ذكّرهم بقصة ابن آدم علیه السّلام لكونها فی مقام التذكرة و الاعتبار أقوى تحذیرا و تنفیرا من التعزّز و الاستكبار فقال :

( و لا تكونوا كالمتكبّر على ابن امّه ) أى لا تكونوا مثل قابیل الّذى تكبّر على أخیه هابیل .

و إنما قال ابن امّه مع كونهما من أب و أمّ لأنّ الأخوین من أمّ أشدّ حنوا و محبة و تعاطفا من الأخوین من الأب لأنّ الأمّ هی ذات الحضانة و التربیة ، و لذلك قال هارون لأخیه موسى علیهما السّلام مع كونه أخاه لأبیه و أمّه : ابن امّ إنّ القوم استضعفونی ،

فذكر الامّ لكونه أبلغ فی الاستعطاف ، فمقصوده علیه السّلام أنّ قابیل مع كون هابیل ابن امّه المقتضی للعطوفة و المحبة تسلّط علیه الشیطان فأنساه محبّة الاخوة فتكبّر علیه و قتله بوسوسته إلیه ، فكونوا من ابلیس و عداوته فی حذر و لا تكونوا مثل قابیل

[ 293 ]

الّذى لم یتوقّ منه بل اتّبعه و تكبّر .

( من غیر ما فضل جعله اللّه فیه سوى ) بمنزلة استثناء منقطع أى غیر ( ما الحقت العظمة ) و الكبریاء ( بنفسه من عداوة ) نشأت من ( الحسد و قدحت ) أى اخرجت ( الحمیّة ) و التعصّب ( فی قلبه من نار ) انقدت من ( الغضب و نفخ الشیطان فی أنفه من ریح الكبر ) المؤدّى إلى قتل أخیه ( الّذى أعقبه اللّه به الندامة ) لا ندم التوبة بل ندم الحیرة أو شفقة على موت أخیه لا على ارتكاب الذنب ( و ألزمه آثام القاتلین إلى یوم القیامة ) لأنّ من سنّ سنّة سیّئة كان له مثل و زمن عمل بها كما أنّ من سنّ سنّة حسنة كان له مثل أجر من عمل بها ، فهو لما كان أوّل من سنّ القتل فلا یقتل مقتول إلى یوم القیامة إلاّ كان له فیه شركة ، هذا .

و قد تقدّم فی شرح الفصل الرابع عشر من المختار الأوّل كیفیّة قتل قابیل هابیل اجمالا ، و لنورد هنا باقتضاء المقام بعض ما لم یتقدّم ذكره هناك من الآیات و الأخبار الواردة فی هذا الباب .

فأقول : قال اللّه عزّ و جلّ فی سورة المائدة :

و اتل علیهم نبأ ابنى آدم بالحقّ إذ قرّبا قربانا فتقبّل من أحدهما و لم یتقبّل من الآخر قال لأقتلنّك 1 قال إنما یتقبّل اللّه من المتّقین . لئن بسطت إلىّ . یدك لتقلّنى ما أنا بباسط یدى إلیك لأقتلك إنّى أخاف اللّه ربّ العالمین . إنّى أرید أن . تبوء بإثمى و إثمك فتكون من أصحاب النار و ذلك جزآء الظالمین . فطوّعت له . نفسه قتل أخیه فقتله فأصبح من الخاسرین . فبعث اللّه غرابا یبحث فی الأرض لیریه كیف یوارى سوأة أخیه قال یا ویلتی أعجزت أن اكون مثل هذا الغراب فاوارى سوأة أخى فأصبح من النادمین روى علیّ بن ابراهیم عن أبیه عن الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عن أبی حمزة الثمالی عن ثویر بن أبى فاخته قال : سمعت علیّ بن الحسین علیهما السّلام یحدّث رجلا من قریش : لما قرّب ابنا آدم قرّب أحدهما أسمن كبش كان فی ضانه

-----------
( 1 ) توعده بالقتل لفرط حسده له على تقبّل قربانه ، منه .

[ 294 ]

و قرّب الآخر ضغثا من سنبل فتقبّل من صاحب الكبش و هو هابیل و لم یتقبّل من الآخر و هو قابیل فغضب قابیل فقال لهابیل : و اللّه لأقتلنّك ، فقال هابیل إنّما یتقبّل اللّه من المتّقین . لئن بسطت إلىّ یدك لتقتلنی ما أنا بباسط یدى إلیك لاقتلك . انّی أخاف اللّه ربّ العالمین . انّی أرید أن تبوء باثمى و اثمك فتكون من اصحاب النّار . و ذلك جزآء الظالمین . فطوّعت له نفسه قتل أخیه فلم یدر كیف یقتله حتّى جاء إبلیس لعنه اللّه فعلّمه فقال ضع رأسه بین حجرین ثمّ اشدخه فلما قتله لم یدر ما یصنع به ، فجاء غرابان فأقبلا متضاربان حتى اقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر الذى بقی الأرض بمخالبه و دفن فیه صاحبه ، قال قابیل یا ویلتی أعجزت أن اكون مثل هذا الغراب فاوارى سوءة أخى فأصبح من النادمین فحفر له حفیرة و دفن فیها فصارت سنّة یدفنون الموتى .

فرجع إلى أبیه فلم یرمعه هابیل فقال له آدم : أین تركت ابنی ؟ قال له قابیل :

ارسلتنى علیه راعیا ؟ فقال آدم علیه السّلام ، انطلق معى إلى مكان القربان ، و أحسّ قلب آدم علیه السّلام بالذى فعل قابیل :

فلما بلغ مكان القربان استبان قتله فلعن آدم علیه السّلام الأرض التی قبلت دم هابیل ،

و أمر آدم أن یلعن قابیل و نودى قابیل من السّماء لعنت كما قتلت أخاك ، و لذلك لا تشرب الأرض الدّم فانصرف آدم علیه السّلام فبكى على هابیل أربعین یوما و لیلة .

فلما جزع علیه شكى ذلك إلى اللّه فأوحى اللّه إلیه انّى واهب لك ذكرا یكون خلفا من هابیل فولدت حوّا غلاما زكیّا مباركا ، فلما كان الیوم السابع أوحى اللّه إلیه یا آدم إنّ هذا الغلام هبة منّى لك فسمّه هبة اللّه ، فسمّاه آدم هبة اللّه .

و روى القمیّ عن أبیه ، عن عثمان بن عیسى ، عن أبی أیّوب ، عن محمّد بن مسلم عن أبی جعفر علیه السّلام قال : كنت جالسا معه فی المسجد الحرام فاذا طاووس « أى طاووس الیمانی » فی جانب الحرم یحدّث حتى قال : أ تدرى أىّ یوم قتل نصف الناس ؟ فأجابه أبو جعفر علیه السّلام فقال أو ربع الناس یا طاووس ، فقال : أو ربع النّاس ، فقال : أ تدرى ما صنع بالقاتل ؟ فقلت : إنّ هذه المسألة .

فلما كان من الغد غدوت على أبى جعفر علیه السّلام فوجدته قد لبس ثیابه و هو قاعد

[ 295 ]

على الباب ینتظر الغلام أن یسرج له ، فاستقبلنى « فاستعجلنی خ » بالحدیث قبل أن أسأله فقال :

إنّ بالهند أو من وراء الهند رجل معقول برجل واحدة یلبس المسح موكل به عشرة نفر كلما مات رجل منهم أخرج أهل القریة بدلا فالناس یموتون و العشرة لا ینقصون یستقبلون بوجهه الشمس حین تطلع یدیرونه معها حتى تغیب ثمّ یصبّون علیه فی البرد الماء البارد و فی الحرّ الماء الحارّ .

قال : فمرّ علیه رجل من الناس فقال له : من أنت یا عبد اللّه ؟ فرفع رأسه و نظر إلیه ثم قال : إما أن تكون أحمق الناس و اما أن تكون أعقل الناس ، إنى لقائم ههنا منذ قامت الدنیا ما سألنی أحد من أنت غیرك ، ثمّ قال علیه السّلام : یزعمون أنه ابن آدم .

و فی الصافى من الاحتجاج قال طاووس الیمانی لأبی جعفر علیه السّلام : هل تعلم أىّ یوم مات ثلث الناس ؟ فقال علیه السّلام : یا عبد اللّه لم یمت ثلث الناس قط إنما أردت ربع الناس قال : و كیف ذلك ؟ قال : كان آدم و حوّا و قابیل و هابیل فقتل قابیل هابیل فذلك ربع الناس ، قال : صدقت .

قال أبو جعفر علیه السّلام هل تدرى ما صنع بقابیل ؟ قال : لا ، قال : علّق بالشمس ینضح بالماء الحارّ إلى أن تقوم الساعة و روى القمّی باسناده عن جابر ، عن أبی جعفر علیه السّلام قال : جاء رجل النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال : یا رسول اللّه رأیت أمرا عظیما ، فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : و ما رأیت ؟ قال :

كان لی مریض و نعت له ماء من بئر بالأحقاف یستشفى به فی برهوت ، قال :

فانتهیت و معى قربة و قدح لآخذ من مائها و أصب فی القربة ، و إذا بشی‏ء قد هبط من جوّ السّماء كهیئة السّلسلة و هو یقول : یا هذا الساعة أموت ، فرفعت رأسى و رفعت إلیه القدح لاسقیه فاذا رجل فی عنقه سلسلة ، فلما ذهبت انا و له القدح اجتذب حتّى علق بالشمس ، ثمّ أقبلت على الماء أغرف إذ أقبل الثانیة و هو یقول العطش العطش اسقنى یا هذا السّاعة أموت ، فرفعت القدح لاسقیه فاجتذب منّى حتّى علق بالشمس حتّى فعل ذلك ثالثة و شددت قربتى و لم أسقه .

[ 296 ]

فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ذاك قابیل بن آدم علیه السّلام قتل أخاه و هو قول اللّه عزّ و جلّ و الذین یدعون من دونه لا یستجیبون لهم بشی‏ء إلاّ كباسط كفّیه إلى الماء لیبلغ فاه و ما هو ببالغه و ما دعاء الكافرین إلاّ فی ضلال .

و فی البحار من تفسیر العیاشى عن جابر ، عن أبی جعفر علیه السّلام قال : إنّ قابیل ابن آدم علیه السّلام معلّق بقرونه فی عین الشمس تدور به حیث دارت فی زمهریرها و حمیمها إلى یوم القیامة ، فاذا كان یوم القیامة صیّره اللّه إلى النّار .

و فیه من الخصال عن رجل من أصحاب أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : سمعته یقول :

إنّ أشدّ الناس عذابا یوم القیامة لسبعة نفر : أوّلهم ابن آدم الذى قتل أخاه ، و نمرود الذى حاجّ إبراهیم فی ربّه ، و اثنان فی بنی اسرائیل هوّدا قومهم و نصّراهم ،

و فرعون الذى قال : أنا ربّكم الأعلى ، و اثنان من هذه الامّة .

قال العلاّمة المجلسىّ « ره » الاثنان من هذه الامّة أبو بكر و عمر .

و فیه من علل الشرائع عن حماد بن عثمان ، عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : كانت الوحوش و الطیر و السّباع و كلّ شی‏ء خلق اللّه عزّ و جلّ مختلطا بعضه ببعض ، فلما قتل ابن آدم أخاه نفرت و فزعت فذهب كلّ شی‏ء إلى شكله .

الترجمة

فصل دویم از این خطبه در تحذیر مردمان است از متابعت شیطان و بیان شدّت عداوت آن ملعون است با انسان و تحریص خلق است بتواضع و فروتنى میفرماید پس حذر كنید اى بندگان خدا از دشمن خدا از اینكه سرایت گرداند بشما درد بى‏درمان خود را ، و از اینكه بلغزاند شما را از راه راست با سواران و پیادگان خود ، پس قسم بزندگانى خودم هر آینه مهیا نمود از براى شما تیر وعید را ، و بر كشید براى شما كمان را با كشیدن سخت ، و انداخت بسوى شما از مكان نزدیك و گفت آن ملعون أى پروردگار من بسبب مأیوس نمودن تو مرا از رحمت خود هر آینه البته زینت مى‏دهم از براى ایشان معاصى را در دنیا و هر آینه البته بضلالت

[ 297 ]

مى‏اندازم همه ایشان را مگر بندگان خالص تو را در حالتى كه اندازنده بود بامر غایب از حواس كه دور بود ، و در حالتى كه رجم كننده بود بگمان و ظن ناصواب .

تصدیق نمود او را بآن ظنّ پسران حمیّت ، و برادران عصبیّت ، و سواران تكبّر و جاهلیّت تا آنكه زمانى كه گردن نهاد براى او سركشان شما ، و مستحكم شد طمع او در شما ، پس ظاهر شد حال و حالت از سرّ نهان بسوى امر روشن نمایان قوت یافت سلطنت او بر شما ، و سرعت نمود با لشگر خود بسوى شما .

پس انداختند شما را در غارهاى ذلت و نازل نمودند شما را در گودالهاى كشتن ، و پامال كردند شما را با شدّت جراحت با نیزه زدن در چشمهاى شما ،

و با بریدن در گلوهاى شما ، و با كوفتن سوراخهاى دماغ شما ، و قصد كردند قصد كردنى محلهاى كشتن شما را ، و راندند راندنى شما را بحلقه‏هاى بینى مهار با قهر و غلبه بسوى آتشیكه مهیا شده بود از براى شما .

پس گردید آن ملعون بزرگتر در دین شما از حیثیّت جراحت زدن در دنیاى شما بیرون آرنده‏تر آتش از حیثیّت خارج كردن آتش از آن كسان كه گردیدید شما از براى ایشان آشكارا عداوت كننده ، و بر ایشان جمعیّت فراهم آورنده ، پس بگردانید بر ضرر او حدّت و تیزى خود را ، و از براى دفع او جدّ و جهد خود را .

پس قسم ببقاى پروردگار فخر كرد شیطان بر أصل شما كه خاك است ،

و طعن كرد در حسب شما ، و ایراد نمود در نسب شما ، و كشید سواران خود را بر شما ، و قصد كرد با مصاحبت پیادگان خود راه شما را در حالتى كه شكار كنند شما را در هر مكان ، و میزنند از شما همه اطراف انگشتان را ، امتناع نمى‏توانید بكنید با هیچ حیله ، دفع نمى‏توانید شرّ ایشان را با هیچ عزیمتى در حالتى كه شما در معظم مذلت و خوارى هستید ، و در حلقه تنگى و تنگنائى و در عرصه موت و فنا و در گردش بلا مى‏باشید پس خاموش كنید آنچه كه پنهان است در قلبهاى شما از آتش سوزان تعصّب و كینهاى زمان جاهلیّت ، و جز این نیست كه این حمیّت جاهلیّت میباشد در مرد

[ 298 ]

مسلمان از وسوسهاى شیطان و نخوتهاى او ، و از فسادهاى او ، و از دمیدنهاى او و قصد نمائید نهادن تواضع را بر سرهاى خودتان ، و انداختن تكبّر را بزیر قدمهاى خودتان ، و كندن گردن كشى را از گردنهاى خود ، و اخذ نمائید فروتنى را سنگر در میان خود و میان دشمن خود كه ابلیس و لشگر او است ، پس بدرستى كه مر او راست از هر گروهى لشگریان و اعوان و پیادگان و سواران .

و مباشید مثل قابیل تكبّر كننده بر پسر مادر خود كه هابیل بود بدون فضل و مزیّتى كه گردانیده باشد خدا او را و غیر از اینكه لاحق نمود عظمت و تكبّر بنفس او از عداوتى كه ناشى بود از حسد ، و آتش زد حمیّت و عصبیّت در قلب او از آتش غضب ، و دمید شیطان در دماغ او از باد كبر و نخوت چنان كبریكه در پى در آورد او را خداى تعالى بسبب آن كبر ندامت و پشیمانى را ، و لازم گردانید بر او مثل گناهان جمیع قاتلین و كشندگان را تا روز قیامت .

الفصل الثالث

ألا و قد أمعنتم فی البغی ، و أفسدتم فی الأرض ، مصارحة للّه بالمناصبة ، و مبارزة للمؤمنین بالمحاربة ، فاللّه اللّه فی كبر الحمیّة ،

و فخر الجاهلیّة ، فإنّه ملاقح الشّنآن ، و منافخ الشّیطان الّلاتی خدع بها الامم الماضیة ، و القرون الخالیة ، حتّى أعنقوا فی حنادس جهالته ،

و مهاوی ضلالته ، ذللا عن سیاقه ، سلسا فی قیاده ، أمرا تشابهت القلوب فیه ، و تتابعت القرون علیه ، و كبرا تضایقت الصّدور به .

ألا فالحذر الحذر عن طاعة ساداتكم و كبرائكم الّذین تكبّروا


[ 299 ]

عن حسبهم ، و ترفّعوا فوق نسبهم ، و ألقوا الهجینة على ربّهم ، و جاحدوا اللّه ما صنع بهم ، مكابرة لقضائه ، و مغالبة لالائه ، فإنّهم قواعد أساس العصبیّة ، و دعائم أركان الفتنة ، و سیوف اعتزاء الجاهلیّة .

فاتّقوا اللّه و لا تكونوا لنعمه علیكم أضدادا ، و لا لفضله عندكم حسّادا ، و لا تطیعوا الأدعیاء الّذین شربتم بصفوكم كدرهم ، و خلطتم بصحّتكم مرضهم ، و أدخلتم فی حقّكم باطلهم ، فهم أساس الفسوق ،

و أحلاس العقوق ، اتّخذهم إبلیس مطایا ضلال ، و جندا بهم یصول على النّاس ، و تراجمة ینطق على ألسنتهم استراقا لعقولكم ، و دخولا فی عیونكم ، و نفثا فی أسماعكم ، فجعلكم مرمى نبله ، و موطى‏ء قدمه و مأخذ یده .

فاعتبروا بما أصاب الامم المستكبرین من قبلكم من بأس اللّه وصولاته و وقایعه و مثلاته ، و اتّعظوا بمثاوی خدودهم ، و مصارع جنوبهم ،

و استعیذوا باللّه من لواقح الكبر ، كما تستعیذون به من طوارق الدّهر .

فلو رخّص اللّه فی الكبر لأحد من عباده لرخّص فیه لخاصّة أنبیائه و أولیائه ، و لكنّه ( لكنّ اللّه خ ) سبحانه كره إلیهم التّكابر ،

و رضی لهم التّواضع ، فألصقوا بالأرض خدودهم ، و غفّروا فی التّراب

[ 300 ]

وجوههم ، و خفضوا أجنحتهم للمؤمنین ، و كانوا قوما مستضعفین ،

و قد اختبر هم اللّه بالمخمصة ، و ابتلاهم بالمجهدة ، و امتحنهم بالمخاوف و مخضهم بالمكاره ، فلا تعتبروا الرّضا و السّخط ، بالمال و الولد ، جهلا بمواقع الفتنة و الإختبار فی مواضع الغنى و الإقتار ، فقد قال تعالى :

أ یحسبون أنّما نمدّهم به من مال و بنین نسارع لهم فی الخیرات بل لا یشعرون .

فإنّ اللّه سبحانه یختبر عباده المستكبرین فی أنفسهم بأولیائه المستضعفین فی أعینهم ، و قد دخل موسى بن عمران و معه أخوه هارون علیهما السّلام على فرعون و علیهما مدارع الصّوف ، و بأیدیهما العصیّ ،

فشرطا له إن أسلم بقاء ملكه و دوام عزّه ، فقال : ألا تعجبون من هذین یشرطان لی دوام العزّ و بقاء الملك و هما بما ترون من حال الفقر و الذّلّ ، فهلاّ ألقی علیهما أساورة من ذهب ، اعظاما للذّهب و جمعه ،

و احتقارا للصّوف و لبسه .

اللغة

( امعن ) فی الأرض ذهب فیها بعیدا ، و أمعن فی الطلب أى جدّ و أبعد و ( صارح ) بما فی نفسه أى أبداه و ( الحمیّة ) الحرب و العداوة أى عادیته و أظهرت له العداوة و ( لقحت ) المرأة و النخلة لقحا إذا حملت و القحت ، و النخلة وضعت طلع الذكور

[ 301 ]

فى طلع الأناث و القح الفحل الناقة أحبلها و الملاقح بفتح المیم الفحول جمع ملقح و زان محسن یقال ألقحت الریاح الشجر إذا حملتها فهى لواقح و ملاقح كذا قال الفیروز آبادى .

( و الشنآن ) بفتح الأوّل و الثانى و سكونه البغض و الشنان و زان رماد لغة فیه و ( المنافخ ) جمع منفخ بالفتح مصدر نفخ و نفخ الشیطان نفثه و وسوسته و یقال للمتطاول إلى ما لیس له : نفخ الشیطان فی أنفه و یقال : رجل ذو نفخ أى فخر و كبر و ( القرون الخالیة ) جمع قرن و هو من القوم سیّدهم و رئیسهم و كلّ امّة هلكت فلم یبق منها احد و الوقت من الزمان و ( أعنق ) اعناقا أسرع و العنق ضرب من السیر فسیح سریع .

و لیلة ظلماء ( حندس ) أى شدیدة الظلمة و ( المهاوى ) جمع مهواة و هى الوهدة المنخفضة من الأرض یتردّى الصید فیها ، و قیل : الوهدة العمیقة و تهاوى الصید فی المهواة سقط بعضه أثر بعض و ( الذّلل ) جمع ذلول و هو المنقاد من الابل و غیره قال تعالى : فاسلكى سبل ربّك ذللا و ( الهجینة ) الخصلة القبیحة ، و فی بعض النسخ الهجنة و زان مضغة ، قال فی القاموس : الهجنة بالضمّ من الكلام ما تعیبه و الهجین اللّئیم و عربىّ ولد من أمة أو من أبوه خیر من أمّه و برذونة هجین غیر عتیق .

و ( أساس ) قال الشارح المعتزلى بالمدّ جمع أساس و الموجود فیما رأیته من النسخ بصیغة المفرد و ( الاعتزاء ) الادّعاء و الشعار فی الحرب و ( الأدعیاء ) جمع الدّعى و هو من انتسب الى أبیه و عشیرته أو یدّعیه غیر أبیه فهو فاعل من الأوّل و مفعول من الثانى قال تعالى : لكیلا یكون على المؤمنین حرج فى أزواج أدعیائهم .

( و شربتم لصفوكم ) قال الشارح المعتزلى و یروى ضربتم أى مزجتم ، و یروى شریتم اى ابتعتم و استبدلتم و ( الاحلاس ) جمع حلس بالكسر و هو كساء رقیق یكون على ظهر البعیر ملازما له فقیل لكلّ ملازم أمر هو حلس له ، هكذا قال الشارح المعتزلی و الجزرى و ( سرق ) السمع مجاز و استرق السمع استمعه مختفیا و استرق الشی‏ء و تسرّقه سرقه شیئا فشیئا .

[ 302 ]

( و نفثا فی أسماعكم ) و یروى نثا فی أسماعكم من نثّ الحدیث أفشاه و ( وقعت ) بالقوم وقیعة و اوقعت بهم قتلت و اثخنت و ( المثاوى ) جمع المثوى من ثوى بالمكان نزل فیه و ( غفر ) وجهه ألصقه بالعفر و هو وجه الأرض أو التراب و عفّرت بالتثقیل مبالغة و ( مخض ) السقاء مخضا حرّكه شدیدا لیخرج زبد اللّبن الذى فیه ، و یروى و محصّهم بالحاء و الصاد المهملتین من التمحیص و هو التطهیر و ( أقتر ) لعیاله اقتارا و قتر تقتیرا أى ضیق فی النفقة و ( المدارع ) جمع مدرعة بالكسر و هى كالكساء و تدرّع الرّجل لبس المدرعة و ( العصیّ ) كقسیّ جمع عصا .

الاعراب

مصارحة و مبارزة منصوبان على المفعول له أو على التمیز ، و قوله : فاللّه اللّه بنصبهما على التحذیر ، و ذللا حال من فاعل اعنقوا ، و عن فى قوله : عن سیاقه بمعنى اللاّم ، و فى بعض النسخ على سیاقه فعلى للاستعلاء المجازى .

و قوله : أمرا تشابهت القلوب فیه قال القطب الراوندى : أمرا منصوب لأنّه مفعول و ناصبه المصدر الّذى هو سیاقه و قیاده تقول سقت سیاقا وقدت قیادا ، و اعترض علیه الشارح المعتزلی بأنّه غیر صحیح ، لأنّ مفعول هذین المصدرین ، محذوف تقدیره عن سیاقه إیّاهم و قیاده إیّاهم ، و قال الشارح : إنه منصوب بتقدیر فعل اى اعتمدوا أمرا ، و كبرا معطوف علیه أو ینصب كبرا على المصدر بأن یكون اسما واقعا موقعه كالعطاء موضع الاعطاء .

أقول : و الأظهر عندى أن یجعل أمرا منصوبا بنزع خافض متعلّق بقوله اعنقوا ،

أى اسرعوا إلى أمر و كبر ، و على هذا التأم معنى الكلام بدون حاجة إلى التكلّف و حذف الفعل .

و عن فى قوله تكبّروا عن حسبهم إمّا بمعنى من كما فى قوله تعالى هو الذى یقبل التوبة عن عباده أو بمعنى اللاّم كما فی قوله تعالى و ما كان استغفار ابراهیم لأبیه إلاّ عن موعدة فعلى الأوّل فهى بمعنى من النشویة ، و على الثانی فبمعنى

[ 303 ]

اللاّم التعلیلیة .

و مكابرة و مغالبة منصوبان على المفعول له و العامل جاحدوا ، و الباء فی قوله : شربتم بصفوكم بمعنی مع على روایة شربتم بالباء الموحّدة ، و على روایة شریتم بالیاء المثناة التحتانیّة فللمقابلة ، و استراقا مفعول لأجله لقوله : ینطق أو لقوله :

اتّخذهم ابلیس ، و الثانی أولى .

و قوله تعالى إنما نمدّهم به الآیة لفظة ما موصولة اسم إنّ و جملة نمدّهم به صلة ما لا محلّ لها من الاعراب ، و جملة نسارع مرفوعة المحلّ خبر إنّ ، و الرابط محذوف أى نسارع لهم به .

و الباء فی قوله بما ترون بمعنی فی ، و جملة ألا تعجبون إلى قوله من ذهب مقول قال ، و إعظاما مفعول لأجله لقال ، و یحتمل الانتصاب على الحال فیكون المصدر بمعنی الفاعل أى قال ذلك معظما للذّهب و محتقرا للصّوف .

المعنى

اعلم أنه لما حذّر فی الفصل السابق من التكبّر و رغّب فی التواضع عقّبه بهذا الفصل تأكیدا لما سبق ، و صدّره بتوبیخ المخاطبین على البغى و الفساد فقال :

( ألا و قد أمعنتم فى البغى ) أى بالغتم فى السعى بالفساد و العدول عن القصد و الخروج عن الاعتدال ( و أفسدتم فی الأرض ) أى صرتم مفسدین فیها ، و علّل امعانهم فى البغى بقوله : ( مصارحة للّه بالمناصبة ) أى لأجل مواجهتكم له سبحانه بالمعاداة و كشفكم عن عداوته تعالى صراحة بالترفّع و التكبّر .

روى فی الكافى عن أبى جعفر علیه السّلام قال : الكبر رداء اللّه و المتكبّر ینازع اللّه فى ردائه .

و فیه عن حكیم قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن أدنى الالحاد ، فقال : إنّ الكبر أدناه .

و علّل الافساد فی الأرض بقوله : ( و مبارزة للمؤمنین بالمحاربة ) لأنّ الكبر

[ 304 ]

و العظمة و الرفعة على الخلق مثیر للفساد ، مؤدّ إلى الحرب و الجدال ، لأنّ المتكبّر لا یقدر أن یحبّ للمؤمن ما یحبّ لنفسه و لا یتمكّن من ترك الرذائل كالحقد و الحسد و التقدّم فى الطرق و المجالس و طرد الفقراء عن المجالسة و الموانسة و الغلظة فی القول و عدم الرفق بذوى الحاجات و التطاول على الناس و الانف عن سماع الحقّ و قبوله ، كلّ ذلك خوفا من أن یفوته عزّه ، و معلوم أنّ هذه الخصال القبیحة لا محالة تكون سببا للمحاربة للمؤمنین ، بل لمحاربة اللّه سبحانه كما قال فی الحدیث القدسى : من أهان لى ولیّا فقد بارزنى بالمحاربة .

( فاللّه اللّه فی كبر الحمیّة و فخر الجاهلیّة ) أى اتّقوه عزّ و جلّ فیهما ، لأنّهما من صفة الكافر لا المسلم و المؤمن قال تعالى إذ جعل الّذین كفروا فى قلوبهم الحمیّة حمیّة الجاهلیّة .

و قال أبو عبد اللّه علیه السّلام فی روایة الكافی : إذا خلق اللّه العبد فی أصل الخلقة كافرا لم یمت حتى یحبّب اللّه إلیه الشّر فیقرب منه ، فابتلاه بالكبر و الجبریّة ، فقسا قلبه ، و ساء خلقه ، و غلظ وجهه ، و ظهر وخشه 1 ، و قلّ حیاؤه ، و كشف اللّه ستره و ركب المحارم فلم ینزع عنها ، ثمّ ركب معاصى اللّه ، و أبغض طاعته ، و وثب على النّاس لا یشبع من الخصومات ، فاسألوا اللّه العافیة و اطلبوها منه .

و من ذلك ظهر حسن ما علّل التوقّى من الكبر و الفخر به و هو قوله ( فانّه ) أى كلّ من الكبر و الفخر ( ملاقح الشنآن ) أى سبب تولید البغض و العداوة كما أنّ الفحول سبب تولید النتاج ، و التعبیر بصیغة الجمع بملاحظة تكثّر أقسام الكبر و تعدّد أنواعه باعتبار ما به التكبّر من العلم و الثروة و المال و كثرة العشیرة و حسن الصوت و الجمال و غیرها مما هو منشا الكبر و التفاخر ( و منافخ الشیطان ) أى نفخاته و نفثاته كما قال فی الفصل السّابق : و انما تلك الحمیّة تكون فی المسلم من خطرات الشیطان و نفثاته ، و قال أیضا : و نفخ الشیطان فی أنفه من ریح الكبر .

-----------
( 1 ) الوخش الرّدى من كلّ شی‏ء و رذال الناس ، ق

[ 305 ]

و وصف المنافخ بأنّها ( اللاّتی خدع بها الامم الماضیة ) كقوم نوح و هود و عاد و ثمود و فرعون و نمرود و غیرهم ممّن تكبّر و كذّب الرّسل لما زیّن لهم الشیطان نخوتهم فخدعهم و أضلّهم عن السّبیل ( و القرون الخالیة ) عطف تفسیر أی الامم الهالكة و الرؤساء الخالیة منهم الدّنیا ، و على جعل القرن بمعنى الوقت فیحتاج إلى تقدیر مضاف أى خدع بها أهل الأزمنة التی خلت منهم ، و على الأوّل فالصّفة بحال متعلّق الموصوف ، و على الثانی فهى بحال الموصوف نفسه .

و قوله ( حتّى اعنقوا فی حنادس جهالته و مهاوى ضلالته ) غایة لخداع الشیطان أى انتهى خداعه للامم السابقة إلى أن أسرعوا فی ظلمات جهالته التى لا یهتدون فیها ، و مهاوى ضلالته الّتى یردوا فیها و لم یقدروا على الخروج منها ( ذللا عن سیاقه سلسا فى قیاده ) أى حالكونهم ذلیلین لسوقه سهل الانقیاد لقوده ( أمرا ) أى إلى أمر 1 أى جبریّة و تكبّر ( تشابهت القلوب فیه ) أى صار قلوبهم كلّ منها شبیها بالآخر فى قبوله ( و تتابعت القرون علیه ) أى تتابعت على التسلیم و الانقیاد له ( و كبرا ) أى إلى كبر ( تضایقت الصّدور به ) و لم تسع لا خفائه و كتمانه من جهة كثرته و شدّته .

و لمّا شاهد علیه السّلام أنّ عمدة منشأ تكبّرهم و تعصّبهم هو اتّباع الرّؤساء حذّرهم عن متابعتهم بقوله ( ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم و كبرائكم ) و التكریر لتأكید التحذیر و أن لا یكونوا مثل الكافرین الذین یوم تقلب وجوههم فى النّار یقولون یا لیتنا أطعنا اللّه و أطعنا الرّسولا ، و قالوا ربّنا إنا أطعنا سادتنا و كبرائنا فأضلّونا ، السبیلا ، ربّنا آتهم ضعفین من العذاب و العنهم لعنا كبیرا ، أى أطعنا قادة الكفر و أئمة الضّلال .

قال الطبرسیّ : و السیّد المالك المعظم الذى یملك تدبیر السواد الأعظم و هو جمع الأكثر أى أطعنا هؤلاء فأضلّونا عن سبیل الحقّ و طریق الرشاد بنا ، ربّنا آتهم ضعفین من العذاب لضلالتهم فی نفوسهم و إضلالهم إیّانا ، و العنهم لعنا كبیرا مرّة بعد

-----------
( 1 ) متعلق بقوله : اعنقوا . م

[ 306 ]

اخرى و زدهم غضبا إلى غضبك و سخطا إلى سخطك .

و قال فی سورة الشعراء حكایة لحال التابعین و المتبوعین و لمقالتهم فكبكبوا فیها هم و الغاوون . و جنود إبلیس اجمعون . قالوا و هم فیها یختصمون . تاللّه ان . كنّا لفی ضلال مبین . اذ نسوّیكم بربّ العالمین . و ما اضلّنا إلاّ المجرمون .

فما لنا من شافعین . و لا صدیق حمیم .

و وصف الكبراء و السادات بأنهم ( الذین تكبّروا عن حسبهم و ترفّعوا فوق نسبهم ) قال الشارح المعتزلی : أى جهلوا أنفسهم و لم یفكروا فی أصلهم من النطف المستقذرة و من الطین المنتن و نحوه .

قال الشارح البحرانی : و الأظهر عندی أن یراد بتكبّرهم عن حسبهم و تجبّرهم بما یعدون فی أنفسهم من الجود و السخاء و الشجاعة و نحوها من المآثر أو ما یعدون فی آبائهم من المفاخر .

قال فی القاموس : الحسب ما تعدّه من مفاخر آبائك أو المال أو الدّین أو الكرم أو الشرف فی الفعل أو الفعال الصالح أو الشرف الثابت فی الآباء و الحسب و الكرم قد یكونان لمن لا آباء له شرفاء و الشرف و المجد لا یكونان إلاّ بهم .

روى فی الكافی عن السكونی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم آفة الحسب الافتخار و العجب .

و فیه عن عقبة الأسدی قال : قلت لأبى جعفر علیه السّلام : أنا عقبة بن بشیر الأسدی و أنا فی الحسب الضخم من قومی « عزیز فى قومى خ » ، قال : فقال : ما تمنّ علینا بحسبك إنّ اللّه رفع بالایمان من كان الناس یسمّونه وضیعا إذا كان مؤمنا ، و وضع بالكفر من كان یسمّونه شریفا إذا كان كافرا ، فلیس لأحد فضل على أحد إلاّ بالتقوى .

و المراد بترفّعهم فوق نسبهم وضعهم أنفسهم فی مقام لا یلیق بهم لا یقتضى نسبهم وضعها فیه ، و المراد بنسبهم إما طرف الآباء خاصّة أو مع الأقرباء أیضا فیكون هذا الكلام منه علیه السّلام مبتنیا على ما كان یعرفه فی هؤلاء الكبراء و السّادات من عدم الشرف و المجد فی آبائهم ، أو كنّى بنسبهم عن أصلهم الذی انتسابهم إلیه و هو الطین و الحمأ

[ 307 ]

المسنون كما قال فی الدّیوان المنسوب إلیه :

فان یكن لهم فی أصلهم شرف
یفاخرون به فالطین و الماء

و یحتمل أن یرید به النطفة التی اختلاقهم منها و انتسابهم إلیها ، و على أىّ تقدیر ففی هاتین الجملتین طعن على الرؤساء ، و إزراء على افتخارهم و تكبّرهم بالحسب و النسب روى فی الكافی عن أبی حمزة الثمالی قال قال لی علیّ بن الحسین علیهما السّلام :

عجبا للمتكبّر الفخور الذی كان بالأمس نطفة ثمّ غدا هو جیفة .

و فیه عن السّكونی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : أتا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم رجل فقال یا رسول اللّه أنا فلان بن فلان حتّى عدّ تسعة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أما أنك عاشرهم فی النار .

و فى كتاب الروضة من الكافی عن علیّ بن إبراهیم عن عبد اللّه بن محمّد بن عیسى عن صفوان بن یحیى عن حنان قال سمعت أبی یروى عن أبی جعفر علیه السّلام قال :

كان سلمان جالسا مع نفر من قریش فی المسجد فأقبلوا ینتسبون و یرقون فی أنسابهم حتّى بلغوا سلمان ، فقال له عمر بن الخطاب : أخبرنی من أنت و من أبوك و ما أصلك ؟

فقال : أنا سلمان بن عبد اللّه كنت ضالاّ فهدانی اللّه جلّ و عزّ بمحمد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و كنت عائلا فأغنانى اللّه بمحمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و كنت مملوكا فأعتقنی اللّه بمحمد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، هذا حسبی و نسبی .

قال : فخرج النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و سلمان یكلّمه فقال له سلمان : یا رسول اللّه ما لقیت من هؤلاء جلست معهم فأخذوا ینتسبون و یرفعون فی أنسابهم حتّى إذا بلغوا إلىّ قال عمر بن الخطاب : من أنت و ما أصلك و ما حسبك ، فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فما قلت له یا سلمان ؟ قال قلت له : أنا سلمان بن عبد اللّه كنت ضالاّ فهدانى اللّه عزّ ذكره بمحمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و كنت عائلا فأغنانی اللّه بمحمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و كنت مملوكا فأعتقنى اللّه عزّ ذكره بمحمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم هذا نسبی و هذا حسبی فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یا معشر قریش إنّ حسب الرّجل دینه ، و مروّته خلقه ، و أصله عقله ، قال اللّه عزّ و جلّ « إنّا خلقناكم من ذكر و انثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند اللّه اتقیكم » .

ثمّ قال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لسلمان : لیس لأحد من هؤلاء علیك فضل إلاّ بتقوى اللّه

[ 308 ]

عزّ و جلّ ، و إن كان التقوى لك علیهم فأنت أفضل .

و قد مضت مطالب و روایات مناسبة للمقام فی شرح الخطبة المأة و السابعة و الأربعین عند التعرّض لمعالجات الكبر فتذكّر ، هذا .

و قوله ( و ألقوا الهجینة على ربّهم ) أى نسبوا الخصلة القبیحة إلى اللّه سبحانه قال الشارح المعتزلی : أى نسبوا ما فی الأنساب من القبح بزعمهم إلى ربهم مثل أن یقولوا للرجل : أنت عجمیّ و نحن عرب ، فانّ هذا لیس إلى الانسان بل هو إلى اللّه فأىّ ذنب له فیه .

( و جاحدوا اللّه على ما صنع بهم ) أى أنكروه عزّ و جلّ على الذی أحسن به إلیهم و أنعم به علیهم ، و ذلك لأنّ ما منحهم اللّه عزّ ذكره به من الثروة و العزّة و المجد و الشرف و علوّ النسب و نحوها من صنایعه و عطایاه تعالى كلّها نعم عظیمة موجبة لشكر المنعم و ثنائه ، و لما جعلوا ذلك سبب التنافس و التكبّر و الاعتلاء على من لیس فیه هذا السودد و الشرف و على الفقراء و الضعفاء كان ذلك منهم كفرانا للنعم و جحودا للمنعم و إنكارا له فیما أوجبه علیهم من الشكر و الثناء و الانقیاد لأمره و نهیه .

و هذا معنى قوله ( مكابرة لقضائه ) یعنی أنّ جحودهم لأجل مقابلتهم لما أمر اللّه به و فرضه علیهم من الشكر و مخالفتهم له ما للقرآن ( و مغالبة لآلائه ) أى أنبیائه و أوصیائه الذینهم أعظم الآلاء و النعماء .

و لما حذّر من طاعة السادات و الكبراء و وصفهم بأوصاف منفرة علّله بقوله ( فانهم قواعد أساس العصبیة ) یعنى بهم قوام الكبر و العصبیة و ثباته كما أنّ قوام الأساس بقواعده و استحكامه بها .

روى فی الكافی باسناده عن الزهرى قال : سئل علىّ بن الحسین علیهما السّلام عن العصبیة فقال : العصبیة التى یأثم علیها صاحبها أن یرى الرّجل شرار قومه خیرا من خیار قوم آخرین ، و لیس من العصبیة أن یحبّ الرّجل قومه و لكن من العصبیة أن یعین قومه على الظلم .

[ 309 ]

و فیه عن علىّ بن إبراهیم عن أبیه عن النوفلى عن السكونی عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : من كان فى قلبه حبّة من خردل من عصبیة بعثه اللّه یوم القیامة مع أعراب الجاهلیة .

و بسنده عن محمّد بن مسلم عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : من تعصّب عصبه اللّه بعصابة من نار .

و عن منصور بن حازم عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : من تعصّب أو تعصّب له فقد خلع ربق الایمان من عنقه .

( و دعائم أركان الفتنة ) شبّه الفتنة ببیت ذی أركان و دعامة على سبیل الاستعارة بالكنایة ، و ذكر الأركان تخییل و الدعائم ترشیح ، و جعلهم بمنزلة الدعائم له لأنّ قیام البیت و أركانه كما یكون بالدعامة و العماد فكذلك هؤلاء بهم ثبات الفتن و قوامها .

( و سیوف اعتزاء الجاهلیة ) و المراد باعتزاء الجاهلیة هو نداؤهم یا لفلان یا لفلان فیسمّون قبیلتهم فیدعونهم إلى المقاتلة و إثارة الفتنة كما أشرنا إلیه فی شرح الفصل الأول فى سبب خطابته علیه السّلام بهذه الخطبة :

و انما أضاف هذه الاعتزاء إلى الجاهلیة لأنّ ذلك كان شعارا للعرب فیها كما روى فی وقعة بدر أنّ أبا سفیان لما أرسل ضمضم بن عمرو الخزاعی إلى مكّة لیخبر قریش بخروج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم للتعرّض بعیرهم أوصاه أن یخرم ناقته و یقطع اذنها حتى یسیل الدّم و یشقّ ثوبه من قبل و دبر فاذا دخل مكّة یولّى وجهه إلى ذنب البعیر و یصیح بأعلى صوته یا آل غالب یا آل غالب اللطیمة اللطیمة العیر العیر ادركوا و ما ادریكم تدركون فانّ محمّدا و الصباة من أهل یثرب قد خرجوا یتعرّضون لعیركم ، و لما وافى مكّة و اعتزى هذا العزاء تصایح الناس و تهیّأوا للخروج و انما جعلهم بمنزلة السیوف لاعتزاء الجاهلیة لكونهم سبب قوّة للمغترّین و یستمدّ منهم فى مقام الاعتزاء و المهیج للحرب و القتال ، و بهم یضرم ناره فشبّههم بالسیّف الذى هو آلة ممدّة للحرب ، و به یستعان فیها .

[ 310 ]

و یجوز أن یكون من حذف المضاف أى أصحاب سیوف اعتزاء الجاهلیة ، قاله بعض الشارحین و ما ذكرته ألطف و أحسن .

ثمّ عاد إلى الأمر بالتقوى فقال :

( فاتّقوا اللّه و لا تكونوا لنعمه أضدادا ) أى لا تكونوا مضادّین لنعمه سبحانه بالبغى و الكبر الموجبین للكفران الموجب لزوال النعم و تبدّلها بالنقم كما قال تعالى فبدّلناهم بجنّتیهم جنّتین ذواتى اكل خمط و أثل و شی‏ء من سدر قلیل . ذلك جزیناهم بما كفروا و هل نجازى إلاّ الكفور .

( و لا لفضله عندكم حسادا ) یجوز أن تكون اللاّم زایدة للتقویة فالمسجود نفس الفضل أى لا تكونوا حاسدین بفضله و إحسانه الذى عندكم ، و أن تكون للتعلیل فالمحسود محذوف فی الكلام أى لا تكونوا حاسدین لأنفسكم لأجل فضله كما تحسدون الناس على ما آتیهم اللّه من فضله .

فوجه تشبیههم بالحساد على الاحتمال الأوّل أنّ الحاسد إذا بلغ الغایة فی حسده یتمنّى و یطلب موت المحسود و عدمه فكان هؤلاء بما فیهم من الكبر و الكفران بمنزلة الطالب لزوال الفضل و المتمنّى لانقطاعه فاشبهوا بالحاسد له .

و على الاحتمال الثانی أنّ الحاسد إنما یطلب زوال النعمة من المحسود ،

فهؤلاء لمّا تكبّروا و بغوا صاروا كأنّهم یحسدون أنفسهم و یطلبون زوال ما آتیهم اللّه من فضله منها ، و على أىّ تقدیر ففی الكلام من الدلالة على المبالغة ما لا یخفى .

( و لا تطیعوا الأدعیاء ) المنتحلین للاسلام العارین من مراسمه ( الذین شربتم بصفوكم كدرهم ) أى مزجتم بأصفى من امور دینكم و دنیاكم بكدرهم فشربتموهما معا ، و المراد بكدرهم ما یوجب تكدّر عیش المطیعین لهم فی الدّنیا من الحسد و البغض و القتل و القتال و غیر ذلك ممّا ینشأ من طاعة الأدعیاء و إثارتهم للشّر و الفساد ، و ما یوجب تكدّر الامور الدّینیّة و زوال خلوصها من البخل و الحقد و الحسد و البغضاء و نحوها من المنهیات و المعاصی الّتی یرتكبها التابعون بسبب اطاعة المتبوعین ، و على روایة شریتم بالیآء المثناة فالمعنى أنكم استبدلتم كدرهم بالصافی و اشتریتم الأوّل بالثانی .

[ 311 ]

( و خلطتم بصحّتكم مرضهم ) أى خلطتم بصحة قلوبكم مرض قلوبهم فحذف المضاف و اقیم المضاف إلیه مقامه ، و المراد بصحّة القلوب سلامتها لقبول الحقّ ،

و بمرضها فتورها عن قبوله كما أنّ المرض فی البدن هو فتور الأعضاء .

قال تعالى فی قلوبهم مرض فزادهم اللّه مرضا قال الزمخشرى فی الكشاف :

استعمال المرض فی القلب یجوز أن یكون حقیقة و مجازا فالحقیقة أن یراد الألم كما تقول فی جوفه مرض ، و المجاز أن یستعار لبعض أعراض القلب كسوء الاعتقاد و الغلّ و الحسد و المیل إلى المعاصى و العزم علیها و استشعار الهوى و الجبن و الضعف و غیر ذلك مما هو فساد و آفة شبیهة بالمرض ، كما استعیرت الصحّة و السّلامة فی نقایض ذلك و المراد به ما فی قلوبهم من سوء الاعتقار و الكفر أو من الغلّ و الحسد و البغضاء ، لأنّ صدورهم كانت تغلى على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و المؤمنین غلاّ و حنقا و یبغضونهم البغضاء الّتی وصفها اللّه فی قوله قد بدت البغضاء من افواههم و ما تخفى صدورهم اكبر و یتحرّقون علیهم حسدا إن تمسسكم حسنة تسؤهم .

( و أدخلتم فی حقكم باطلهم ) المراد بالحقّ هو الایمان و التعبّد بالعبادات الموظفة و المواظبة على صالح الأعمال ، و بالباطل ما یقابل ذلك مما یؤدّى إلى الهلكات و یحلّ فی الورطات من الكذب و النفاق و البخل و الحسد و الكبر و غیرها من الرذایل .

( و هم اساس الفسوق ) أى هؤلاء الأدعیاء الذین نهیتكم عن طاعتهم أصل الفسوق و علیهم ابتناؤه ، و المراد بالفسوق إمّا خصوص الكذب كما فی قوله تعالى لا رفث و لا فسوق و لا جدال فی الحجّ على ما فسّر به فی غیر واحد من الأخبار ، و كونهم أصلا له بما فیهم من وصف النّفاق الملازم للكذب إذ المنافقون یقولون بأفواههم ما لیس فی قلوبهم ، أو مطلق الخروج عن طاعة اللّه و هو الأظهر .

( و أحلاس العقوق ) أى ملازمو العقوق لزوم الحلس للبعیر ، و المراد بالعقوق مخالفة الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الإمام من بعده و ترك متابعتهم و الخروج عن طاعتهم الواجبة بقوله عزّ و جلّ أطیعوا اللّه و أطیعوا الرّسول و أولى الأمر منكم و إنما عبّر عن مخالفتهما علیهما السّلام بالعقوق لأنهما أبوا هذه الامّة .

( اتّخذهم إبلیس مطایا ضلال ) أى أخذهم مطایا أى مراكب تمطو أى تسرع

[ 312 ]

فی السیر إلى الضلال ، و إنما شبّههم بالمطایا لأنّ المطیة حین تركب صارت منقادة لراكبها یسوقها حیث أراد ، فهؤلاء لما اعطوا قیادهم لابلیس یقصد بهم نحو الضّلال ذللا و یسوقهم إلیه جعلهم مطایا له .

( و جندا بهم یصول على الناس ) أى أعوانا له كما قال تعالى استحوذ علیهم الشیطان فأنسیهم ذكر اللّه أولئك حزب الشیطان ألا إنّ حزب الشیطان هم الخاسرون بهم یستطیل على الناس لیصرفهم عن طاعة الرّب إلى طاعته .

( و تراجمة ینطق على ألسنتهم ) و إنما جعلهم ترجمانا له لأنّ أقوالهم كأفعالهم لما كانت صادرة عن إغواء إبلیس و وسوسته تابعة لرضاه كان أحكامهم أحكامه ، و كلامهم كلامه ، و نطقهم نطقه ، فصار ما یصدر عن ألسنتهم ترجمة لقوله و صاروا بمنزلة الترجمان له .

و هذا الكلام نظیر ما تقدّم منه علیه السّلام فی الخطبة السابعة من قوله : اتّخذوا الشیطان لأمرهم ملاكا و اتّخذهم له أشراكا ، فباض و فرخ فی صدورهم و دبّ و درج فی حجورهم ، فنظر بأعینهم و نطق بألسنتهم اه .

و علّل نطقه على ألسنتهم بقوله ( استراقا لعقولكم ) أى لأجل سرقة عقولكم شیئا فشیئا و هو كنایة عن إغفاله لهم بأقواله الكاذبة عن ذكر الحقّ و الآخرة و ترغیبهم إلى الباطل كما قال تعالى و من یتّخذ الشیطان ولیّا من دون اللّه فقد خسر خسرانا مبینا . یعدهم و یمنّیهم و ما یعدهم الشیطان الاّ غرورا فانّ وعده قد یكون بالخواطر الفاسدة ، و قد یكون بلسان أولیائه كما اشیر إلیه فی قوله من شرّ الوسواس الخنّاس . الذى یوسوس فی صدور النّاس . من الجنّة و النّاس .

روى عن علیّ بن إبراهیم القمىّ عن الصّادق علیه السّلام فی هذه الآیة قال : ما من قلب إلاّ و له اذنان : على إحداهما ملك مرشد و على الاخرى شیطان مغتر ، هذا یأمره و هذا یزجره كذلك من النّاس شیطان یحمل النّاس على المعاصى كما یحمل الشیطان من الجنّ .

و أصرح من الآیتین ایضاحا للمرام قوله سبحانه و كذلك جعلنا لكلّ نبیّ عدوّا شیاطین الانس و الجنّ یوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا و لو شاء

[ 313 ]

ربّك ما فعلوه فذرهم و ما یفترون . و لتصغى إلیه أفئدة الذین لا یؤمنون بالآخرة و لیرضوه و لیقترفوا ما هم مقترفون .

قال الطبرسی فی تفسیر الكلبی عن ابن عبّاس إنّ إبلیس جعل جنده فریقین فبعث فریقا منهم إلى الانس و فریقا إلى الجنّ فشیاطین الجنّ و الانس أعداء الرسل و المؤمنین ، فیلتقی شیاطین الانس و شیاطین الجنّ فی كلّ حین فیقول بعضهم لبعض :

أضللت صاحبی بكذا فأضلّ صاحبك بمثلها ، فذلك وحى بعضهم إلى بعض .

و روى عن أبی جعفر علیه السّلام أیضا أنّه قال : إنّ الشیاطین یلقی بعضهم بعضا فیلقی إلیه بالغوى « ما یغوى ظ » به الخلق حتّى یتعلّم بعضهم من بعض .

قال الطبرسی : یوحى بعضهم إلى بعض أى یوسوس و یلقى خفیة زخرف القول أى المموّه المزین الذى یستحسن ظاهره و لا حقیقة له و لا أصل و قوله و لتصغى إلیه أفئدة الذین لا یؤمنون ، أى لتمیل إلى هذا الوحى بزخرف القول أو إلى هذا القول المزخرف قلوب الذین لا یؤمنون .

فقد ظهر بذلك أنّ الأدعیاء الذین اتّخذهم إبلیس مطایا ضلال و جنودا و تراجمة له هم عبارة عن شیاطین الانس ، فینطق إبلیس بلسانهم بزخرف القول و تمیل إلیه أفئدة الناس فتسترق بذلك عقولهم و یقترفون أى یكتسبون ما هم مكتسبون من الجرائم و الآثام .

و بذلك أیضا یظهر معنى قوله ( و دخولا فی عیونكم ) لأنّه یزیّن بتوسّط أتباعه و شیاطینه من الانس المعاصى فی نظر الناس ، و یموّه بزخرف قوله زینة الحیاة الدّنیا فی أعینهم فیصرفهم عن النظر إلى آیات اللّه ، و هذا معنى الدّخول فی العیون .

و به ظهر أیضا معنى قوله ( و نفثا فی أسماعكم ) لأنّه یلقى إلیهم بوساطة أولیائه زخرف القول فیستمعون إلى لغو حدیثه و لا یستمعون إلى آیات اللّه التی إذا تلیت علیهم زادتهم ایمانا .

و قوله ( فجعلكم مرمى نبله و موطا قدمه و مأخذ یده ) تفریع على ما سبق

[ 314 ]

و بمنزلة النتیجة له ، یعنى أنه إذا استرق عقولكم و دخل عیونكم و نفث أسماعكم فجعلكم بذلك هدفا لسهامه أی وساوسه الموقعة فی هلاك الأبد كما أنّ السّهم یهلك من یصیبه ، و جعلكم محلاّ لوطى أقدامه أى داخرا ذلیلا مهینا إذ من شأن الموطوء بالقدم الذّلة و المهانة ، و مأخذا لیده أى أسیرا فی ید اقتداره نافذا حكمه فیكم متصرّفا فیكم كیف یشآء كما هو شأن الأسیر المقیّد المغلول .

ثمّ أمر بالاعتبار بما أصاب المتكبّرین من العذاب الألیم و السّخط العظیم فقال :

( فاعتبروا بما أصاب الامم المستكبرین من قبلكم ) لأجل استكبارهم ( من بأس اللّه و صولاته و وقایعه و مثلاته ) أى عذابه و عقوباته كما نطق به الكتاب الكریم قال و فی موسى إذ أرسلناه الى فرعون بسلطان مبین . فتولّى بركنه و قال ساحر . أو مجنون . فأخذناه و جنوده فنبذناهم فی الیمّ و هو ملیم . و فی عاد إذ ارسلنا علیهم الرّیح . العقیم . ما تذر من شی‏ء أتت علیه الاّ جعلته كالرّمیم . و فی ثمود إذ قیل لهم تمتّعوا . حتّى حین . فعتوا عن أمر ربّهم فاخذتهم الصّاعقة و هم ینظرون . فما استطاعوا . من قیام و ما كانوا منتصرین . و قوم نوح من قبل انهم كانوا قوما فاسقین إلى غیر هؤلاء من المتكبّرین المتجبّرین المتمرّدین عن عبودیّة ربّ العالمین فانظروا إلى عاقبة امورهم .

( و اتّعظوا بمثاوى خدودهم و مصارع جنوبهم ) أى منازل خدودهم و مساقط جنوبهم و ما هم علیه من غمّ الضّریح و ردم الصّفیح و ضیق الأرماس و شدّة الابلاس و اختلاف الأضلاع و استكاك الأسماع و ظلمة اللّحد و خیفة الوعد .

( و استعیذوا باللّه من لواقح الكبر ) أى أسبابه المولدة له و المحصّلة ایاه ( كما تستعیذونه من طوارق الدّهر ) و هى نوازله و آفاته بل لیكن استعاذتكم من الاولى أشدّ و أقوى من استعاذتكم من الثانیة ، لأنّ لواقح الكبر ألم اخروىّ و طوارق الدّهر ألم دنیوىّ و الألم الاخروىّ أشدّ تأثیرا و أخزى ، فیكون بالاستعاذة و التوقّى أجدر و أحرى .





نظرات() 


boom beach cheats
چهارشنبه 9 اسفند 1396 07:17 ق.ظ
سلام! من می دانم این نوع از موضوع نیست، اما من نیاز به درخواست.
آیا یک وب سایت معتبر ایجاد شده را اجرا می کند
مثلا شما مقدار زیادی از کار را انجام می دهید؟
من برای نوشتن یک وبلاگ کاملا جدید هستم، اما در مجله ی من روزانه نوشتم.
من می خواهم یک وبلاگ بسازم تا بتوانم تجربه و احساسات خود را به صورت آنلاین به اشتراک بگذارم.
لطفا اجازه دهید من بدانم اگر شما هر گونه توصیه یا راهنمایی برای صاحبان وبلاگ نویس مشتاق نام تجاری جدید داشته باشید.
قدردانی آن
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox