تبلیغات
پیام هادی - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-01:52 ب.ظ

[ 234 ]

انشاء اللّه تعالى .

و اما علم الهدى فقد بالغ فی إنكار تسبیح الحیوان ، و شدّد النكیر على من ادّعاه و أطال الكلام فی تأویل الآیات و الأخبار بما یشمئزّ منه الطباع و یأبی عنه الذّوق السلیم و الطبع المستقیم ، و صرفها عن ظواهرها بغیر دلیل .

و عمدة جهة مصیره إلى الخلاف هو عدم عمله بأخبار الآحاد ، و قد أقام علماؤنا الاصولیّون أدلّة معتبرة من الكتاب و السنّة و الاجماع و العقل على حجیّتها ، و بعد ثبوت الحجیّة فالأخبار الّتی یثبت المدعى و تبطل قول المرتضى فوق حدّ الاحصاء هذا تمام الكلام فی التسبیح القالی للحیوان .

و اما فی الجماد و النّبات و السّماء و الأرض و غیرها مما لیس لها حركات إرادیة فالظاهر من أخبار الأئمة الأطهار علیهم السّلام ثبوته أیضا .

فقد روى فی الصّافی من الكافی عن الصادق علیه السّلام تنقض الجدر تسبیحها .

و عن الباقر علیه السّلام أنّه سئل أ تسبّح الشجر الیابسة ؟ فقال : نعم أما سمعت خشب البیت كیف ینقض فذلك تسبیحه فسبحان اللّه على كلّ حال .

و فی البحار من العیون عن الرضا عن آبائه عن الحسین بن علىّ و محمّد بن الحنفیّة عن أمیر المؤمنین صلوات اللّه علیهم أجمعین قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : تختّموا بالعقیق فانّه أوّل جبل أقرّ للّه بالوحدانیّة ولی بالنّبوة و لك یا على بالوصیّة .

و الأخبار فی هذا المعنی كثیرة لا حاجة إلى الاطالة بروایتها .

و قد خالفنا فیه الرازى أیضا فانّه قال من لا یكون حیّا مثل الجمادات فهی إنّما تسبّح اللّه بالطریق الثانى ، لأنّ التسبیح بالطریق الأوّل لا یحصل الاّ مع الفهم و العلم و الادراك و كلّ ذلك فی حقّ الجماد محال فلم یبق حصول التسبیح فی حقّه إلاّ بالطریق الثانی ثمّ قال :

و اعلم أنا لو جوّزنا فی الجماد أن یكون عالما متكلّما لعجزنا عن الاستدلال بكونه تعالى عالما قادرا على كونه حیّا و حینئذ ینسدّ علینا باب العلم بكونه حیّا و ذلك كفر ، فانّه یقال إذا جاز فی الجمادات أن تكون عالمة بذات اللّه تعالى و صفاته

[ 235 ]

و تسبیحه مع أنّها لیست باحیاء فحینئذ لا یلزم من كون الشی‏ء عالما قادرا متكلما كونه حیّا و ذلك جهل و كفر لأنّ من المعلوم بالضرورة أنّ من لیس بحىّ لم یكن عالما قادرا ، انتهى و محصل دلیله أمران احدهما أنّ التسبیح القالى مستلزم للعلم و الفهم و الادراك و هو فی حقّ الجماد محال و ثانیهما أنه لو كان متكلّما لانسدّ باب الاستدلال على حیاة اللّه سبحانه بالتقریب الّذى ذكره .

و یتوجه على دلیله الاول أنه إن أراد الاستحالة العقلیة فممنوعة و إن أراد الاستحالة العادیة فلا تثبت المدّعى و لا تفید الامتناع ، و الشاهد على ذلك قوله سبحانه فی سورة سبا و لقد آتینا داود منّا فضلا یا جبال أوّبی معه أى رجعی معه التسبیح قال علیّ بن إبراهیم القمیّ أی سبّحی للّه و قال : كان داود إذا مرّ بالبراری یقرء الزبور و تسبّح الطیر معه و الوحوش ، و قال الرازی قوله « یا جبال أوّ بى معه » قال الزمخشرى یا جبال بدل من قوله فضلا معناه و آتیناه فضلا قولنا یا جبال أو من آتینا و معناه قلنا یا جبال أوّبى ، انتهى .

فنقول إذا جاز تعلّق خطابه سبحانه على الجبال بالتأویب تفضّلا منه على داود فیجوز تعلّق خطابه علیها فی غیر هذا المقام أیضا ، و بعبارة اخرى إذا كان الجبال قابلة للخطاب هناك كانت قابلة له مطلقا غایة الأمر أنّ تأویبها مع داود علیه السّلام كان ظاهرا یسمعه كلّ من حضر لإعجاز داود علیه السّلام نظیر تسبیح الحصى فی ید رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله ، و فى سایر المقامات كان خفیّا لا یسمعه الناس كما قال تعالى و لكن لا تفقهون تسبیحهم .

و أوضح من ذلك دلالة قوله تعالى فی سورة ص و اذكر عبدنا داود ذا الأید إنّه اوّاب . إنّا سخّرنا الجبال معه یسبّحن بالعشیّ و الاشراق . و الطیر محشورة كلّ له أوّاب فانّ الآیة السّابقة أفادت تعلّق خطابه سبحانه على الجبال بالتسبیح ، و هذه الآیة دلّت على قبولها لذلك الخطاب و نصّت بأنّها یسبّحن بالرواح و الصباح و أنّ الطیر شاركتها فی التسبیح و أنّ كلاّ منها أوّاب له أى رجّاع إلى ما یرید

[ 236 ]

مطیع له بالتسبیح .

و العجب أنّ الجبائی مع إنكاره لعرفان الهدهد باللّه حسبما حكینا عنه فى تفسیر آیة النّمل قال فی تفسیر هذه الآیة : و لا یمتنع أن یكون اللّه خلق فى الطیور من المعارف ما یفهم به أمر داود و نهیه فتطیعه فیما یریده منها و إن لم تكن كاملة العقل مكلّفة .

و قال الفخر الرازى : قوله و « سخّرنا الجبال معه » الآیة إنّ اللّه سبحانه خلق فى جسم الجبال حیاة و عقلا و قدرة و منطقا و حینئذ صار الجبل مسبّحا للّه و قوله « یسبّحن » یدلّ على حدوث التسبیح من الجبال شیئا فشیئا و حالا بعد حال ، و كان السامع محاضر تلك الجبال یسمعها تسبّح و قوله « و الطیر محشورة » معطوفة على الجبال ، و التقدیر و سخّرنا الطیر محشورة قال ابن عبّاس : كان داود إذا سبّح جاوبته الجبال و اجتمعت إلیه الطیر فسبّحت معه ، و اجتماعها إلیه هو حشرها فیكون حاشرها هو اللّه سبحانه .

ثم قال الرازی : فان قیل كیف یصدر تسبیح اللّه عن الطیر مع أنّه لا عقل لها قلنا لا یبعد أن یقال : إنّ اللّه كان یخلق لها عقلا حتّى یعرف اللّه فیسبّحه حینئذ و كلّ ذلك كان معجزة لداود علیه السّلام و قوله « كلّ له أوّاب » معناه كلّ واحد من الجبال و الطیر أوّاب أى رجّاع ، أى كلّما رجع داود إلى التسبیح فهذه الأشیاء أیضا كانت ترجع إلى تسبیحاتها ، و الفرق بین هذه الصّفة و بین ما قبلها أن فیما سبق علمنا أن الجبال و الطیر سبّحت مع تسبیح داود ، و بهذا اللّفظ فهمنا دوام تلك الموافقة ،

انتهى كلامه هبط مقامه .

فقد ظهر بذلك أنّه معترف بتسبیح الجبال و الطیور مقرّ بأنه لا یبعد إفاضة اللّه إلیها عقلا فتعرف اللّه و تسبّح غایة الأمر أنّه یقول إنّ ذلك كلّه كان معجزة لداود علیه السّلام .

و یتوجّه علیه أنّه إذا لم یستبعد أن یفیض اللّه إلیها عقلا فیأمرها بالتسبیح لغرض الاعجاز فأىّ بعد فی إفاضة العقل إلیها و أمرها بالتسبیح لا لذلك الغرض بل لمصالح اخر اقتضت ذلك ، و هذا یهدم مادّة الاستحالة الّتی ادّعاها ، فافهم جیّدا و اغتنم

[ 237 ]

و تدبّر ، هذا .

و یتوجه على دلیله الثانى أنّ إثبات الحیاة للّه سبحانه لا ینحصر دلیله فی العقل بل الاجماع و الأدلّة النقلیّة على اتّصافه بالحیاة قائمة ، و قد دللنا على جملة من صفاته بالسمع ككونه متكلّما سمیعا بصیرا فلیكن صفة الحیاة مثلها .

قال صدر المتألهین فی المبدء و المعاد : الحیاة فی حقنا یتمّ بادراك هو الاحساس و فعل هو التحریك منبعثین عن قوّتین مختلفتین ، و لما ورد الشریعة باطلاقها علیه تعالى فالحىّ فى حقه تعالى هو الدراك الفعال ، فاذا كان علمه مبدء للوجود كله فهو حىّ اذ لم یزد علمه على ذاته و لا افتقار له فی الفعل إلى قوّة محرّكة دالّة كمالنا بل ذاته یعلم و یفعل فذاته حیاته ، انتهى .

فقد انقدح مما ذكرنا أن انتقاض دلیل العقل للحیاة بتسبیح الجماد لا یستلزم انتفاء الدلیل مطلقا حتّى من السمع ، فلا یكون انتقاضه موجبا لانسداد باب الاستدلال رأسا و لا للكفر أصلا ، فلا إله إلاّ اللّه الحىّ القیّوم تعالى شأنه و عظم سلطانه .

هذا كلّه على أن نقول بأن تسبیح السّماء و الأرض و الجماد و النبات مثل تسبیح ذوى العقول و أنه بالذكر و البیان و النطق و اللسان .

و أما على القول بأنّ تسبیحها مغایر لتسبیحهم و أنّ تسبیح السماء بدورانها ،

و الماء بجریانها ، و تسبیح سایر الأشیاء على حسبما طلبه منها ربّها و بارؤها كما قال به أهل العرفان و المعقول ، و نطق به أخبار آل الرسول فیرتفع الاشكال رأسا .

قال القمیّ فی تفسیر قوله تعالى « یتفیّؤ ظلاله عن الیمین و الشمائل سجدا للّه » الآیة تحویل كلّ ظلّ خلقه اللّه هو سجود للّه ، و قال بعض أهل المعرفة فی تفسیر هذه الآیة إنّ أمثال هذه الآیات تدلّ على أنّ العالم كلّه فی مقام الشهود و العبادة إلاّ مخلوق له قوّة التفكر و لیس إلاّ النفوس الناطقة الانسانیّة و الحیوانیة خاصة من حیث أعیان أنفسهم لا من حیث هیاكلهم ، فانّ هیاكلهم كسایر العالم فی التسبیح له و السجود ، فأعضاء البدن كلّها مسبّحة ناطقة ألا تراها تشهد على النفوس المسخرة لها یوم القیامة من الجلود و الأیدى و الأرجل و الألسنة و السمع و البصر و جمیع

[ 238 ]

القوى ، فالحكم للّه العلى الكبیر .

و قال صدر المتألّهین فی كتاب المبدء و المعاد : و مما یجب علیك أن تعتقد أنّ الواجب تعالى كما أنّه غایة الأشیاء بالمعنى المذكور ، فهو غایة بمعنی أنّ جمیع الأشیاء طالبة لكمالاتها و متشبّهة به تعالى فى تحصیل ذلك بحسب ما یتصوّر فی حقّها ، و لكلّ منها شوق و عشق إلیه إرادیّا كان أو طبیعیّا ، و الحكماء الالهیّون حكموا بسریان العشق و الشوق فی جمیع الموجودات على تفاوت طبقاتهم ، فلكلّ وجهة هو مولّیها یحسن الیها و یقتبس بنار الشوق نور الوصول لدیها ، و إلیه اشیر فی قوله « و ان من شی‏ء إلاّ یسبّح بحمده » .

و قد صرّح الشیخ الرّئیس فی عدّة مواضع من التعلیقات بأنّ القوى الأرضیة كالعقول الفلكیة فی أنّ الغایة فی أفاعیلها ما فوقها إذ هى لا تحرّك المادّة لتحصیل ما تحتها من المزاج و غیره ، و ان كانت هذه من التوابع اللاّزمة ، بل الغایة فی تحریكاتها كونها على أفضل ما یمكن لها لیحصل لها التشبه بما فوقها كما فی تحریكات نفوس الأفلاك أجرامها بلا تفاوت ، فقد ثبت أنّ غایة جمیع المحرّكات من القوى العالیة و السّافلة فی تحریكها لما دونها استكمالها بما فوقها و تشبهها به إلى أن ینتهى سلسلة التشبهات و الاستكمالات إلى الغایة الأخیرة و الخیر الأقصى الّذی یسكن عنده السلك و تطمئنّ به القلوب ، و هو الواجب جلّ مجده ، فیكون غایة بهذا المعنى أیضا ، و بهذا نعلم حقیقة كلامهم : لو لا عشق العالی لا نطمس السّافل ، ثم لا یخفى علیك إنّ فاعل التسكین كفاعل التحریك فی أنّ مطلوبه لیس ما تحته كالأین مثلا ، بل كونه على أفضل ما یمكن له كما قال المعلم الثّانی : صلت السّماء بدورانها و الأرض برجحانها و قیل فی الشعر :

و ذلك من عمیم اللّطف شكر
و هذا من رحیق الشوق شكر

هذا و قد ظهر بما ذكرنا كلّه أنّ حمده سبحانه و ثنائه و تسبیحه و تقدیسه فاش فی مخلوقاته حالا أو مقالا و علم أنّه لا حاجة إلى تكلّف حذف المضاف فی قوله الفاشی حمده بأن یقال : المراد الفاشی سبب حمده و هو النعم التی لا یقدر قدرها كما

[ 239 ]

تكلّفه الشارح المعتزلی .

( و الغالب جنده ) كما قال سبحانه و إنّ جندنا لهم الغالبون و قوله فانّ حزب اللّه هم الغالبون أى جنده ، و المراد بجنده فی السماء هو الملائكة قال تعالى و أنزل جنودا لم تروها و عذّب الذین كفروا و ذلك جزاء الكافرین و قال أیضا فأنزل اللّه سكینته علیه و أیّده بجنود لم تروها و جعل كلمة الّذین كفروا السفلی و كلمة اللّه هى العلیا و اللّه عزیز حكیم .

و المراد بجنده فی الأرض الناصرون لدینه .

روى فی الصافی من التوحید عن الصادق علیه السّلام یجی‏ء رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یوم القیامة آخذا بحجزة 1 ربه و نحن آخذون بحجزة نبیّنا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و شیعتنا آخذون بحجزتنا فنحن و شیعتنا حزب اللّه و حزب اللّه هم الغالبون ، و اللّه ما یزعم أنها حجزة الازار ،

و لكنها أعظم من ذلك یجی‏ء رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم آخذا بدین اللّه و نحن نجى‏ء آخذین بدین نبیّنا و یجی‏ء شیعتنا آخذین بدیننا .

فان قیل : غلبة جنده السماوى فى كلّ وقت لا غبار علیه و لا اشكال فیه ، و أما جند الأرض فربما یكون مغلوبا و كفى به شاهدا وقعة الطف و شهادة سید الشهداء علیه السّلام مع أولاده و اخوانه و أتباعه و أنصاره مع كونهم حزب اللّه و أنصار دین اللّه فما معنی قوله علیه السّلام : الغالب جنده ؟ و قوله تعالى : فانّ حزب اللّه هم الغالبون ؟ .

قلت : یحتمل أن یكون غلبة جنده و حزبه محمولا على الغلبة بالحجّة أو على الأغلب لأنّه سبحانه أعزّ جنده و نصر أنصار دینه فی أغلب الأوقات و أیّدهم بالجنود السماویة كما قال عزّ من قائل لقد نصر كم اللّه فی مواطن كثیرة و یوم حنین إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شیئا و ضاقت علیكم الأرض بما رحبت ثمّ ولیّتم مدبرین . ثمّ أنزل اللّه سكینته على رسوله و على المؤمنین و أنزل جنودا لم تروها و عذّب الّذین كفروا و ذلك جزاء الكافرین .

و یجوز أن یقال : إنّ جنده و إن كان مغلوبا احیانا فی أوّل الأمر و لكن الغلبة لهم فی آخره كما قال تعالى یریدون ان یطفؤا نور اللّه بأفواههم و یأبی اللّه إلاّ ان یتمّ

-----------
( 1 ) الحجزة مقعد الازار ، منه .

[ 240 ]

نوره و لو كره الكافرون . هو الذى أرسل رسوله بالهدى و دین الحقّ لیظهره على الدّین كله و لو كره المشركون .

روى فی الصافی من الاكمال عن الصادق علیه السّلام و قد ذكر شق فرعون بطون الحوامل فی طلب موسى كذلك بنی امیّة و بنو العبّاس لما أن وقفوا على أنّ زوال ملك الأمراء و الجبابرة منهم على ید القائم علیه السّلام ناصبونا العداوة و وضعوا سیوفهم فی قتل أهل بیت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و إبادة نسله طمعا فی الوصول إلى قتل القائم علیه السّلام فأبی اللّه أن یكشف أمره لواحد من الظلمة إلاّ أن یتمّ نوره و لو كره المشركون .

و فیه من الاكمال عن الصادق علیه السّلام فی قوله « لیظهره على الدّین كلّه » و اللّه ما نزل تأویلها بعد و لا نزل تأویلها حتى یخرج القائم فاذا خرج القائم علیه السّلام لم یبق كافر باللّه العظیم و لا مشرك بالامام إلا كره خروجه حتّى لو كان كافر أو مشرك فی بطن صخرة لقالت یا مؤمن فی بطنی كافر فاكسرنی و اقتله .

و عن الباقر علیه السّلام القائم منّا منصور بالرّعب مؤیّد بالنّصر ، تطوى له الأرض و تظهر له الكنوز یبلغ سلطانه المشرق و المغرب و یظهر اللّه دینه على الدّین كلّه فلا یبقى فی الأرض خراب إلاّ عمر .

( و المتعالى جدّه ) قال الطبرسیّ فی قوله سبحانه تعالى جدّ ربّنا ما اتّخذ صاحبة و لا ولدا معناه تعالى جلال ربّنا و عظمته عن اتّخاذ الصّاحبة و الولد عن الحسن و مجاهد ، و قیل : معناه تعالت صفات اللّه الّتی هی له خصوصا و هی الصفات العالیة الّتی لیست للمخلوقین ، و قیل : معناه تعالى جدّ ربّنا فی صفاته فلا تجوز علیه صفات الأجسام و الأعراض ، و قیل : تعالى قدرة ربّنا عن ابن عبّاس و قیل :

تعالى ذكره ، و قیل : فعله و أمره ، و قیل : علا ملك ربّنا ، و قیل : تعالى آلاؤه و نعمه على الخلق ، قال الطبرسی : و الجمیع یرجع إلى معنى واحد و هو العظمة و الجلال ، انتهى .

[ 241 ]

و فى تفسیر علیّ بن إبراهیم عن الصادق علیه السّلام فی تفسیر هذه الآیة قال : هی شی‏ء قالته الجنّ بجهالته فلم یرضه اللّه منهم ، و معنى جدّ ربّنا بخت ربّنا .

و فی المجمع و عن التهذیب و الخصال عن الباقر علیه السّلام إنما هو شی‏ء قالته الجنّ جهالة فحكی اللّه عنهم ، یعنی لیس للّه جدّ و إنما قالته الجنّ جهالة .

فان قلت : لفظ الجدّ قد استعمله أمیر المؤمنین علیه السّلام أیضا فی كلامه و وصف اللّه سبحانه به فكیف التوفیق بینه و بین روایتی الباقر و الصادق علیهما السّلام .

قلت : الجدّ حسبما عرفت قد یطلق بمعنی العظمة و الجلال ، و قد یطلق بمعنی البخت و الطالع ، و لا بأس باستعماله فیه تعالى بالمعنی الأوّل كما فی كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام و أما استعماله فیه سبحانه بالمعنی الثانی فغیر جایز ، و لما عرف الأئمة علیهم السّلام انّ الجنّ یصفونه سبحانه به مریدین به المعنی الثانی لا جرم نسبوهم إلى الجهالة .

و لما حمد اللّه سبحانه باعتبارات لا یلیق إلاّ له عقّبه بالاشارة إلى سبب الحمد فقال :

( أحمده على نعمه التوام و آلائه العظام ) أى على نعمه المترادفة المتواترة الّتی لا فترة بینها كالتوامین من الأولاد یجی‏ء أحدهما على الآخر ، و على آلائه العظیمة الّتی یعجز عن معرفتها العقول و یحصر عن إحصائها اللسان و یقصر عن وصفها المنطق و البیان ، و ان شئت أن تعرف انموزجا من نعم اللّه سبحانه علیك ، فلنقتصر على نعمة الأكل الّتی بها قوام بدن الانسان و نشر إلى جملة من الأسباب الّتی بها تتم نعمة الأكل .

فنقول : إنّ الأكل فعل من الأفعال و كلّ فعل فهو حركة و الحركة لا بدّ لها من جسم متحرّك هو آلتها ، و لا بدّ لها من قدرة على الحركة ، و إرادة محرّكة له فلنذكر الأعضاء الّتی لها مدخلیة فی الأكل لیقاس علیها غیرها .

فنقول : إذا رأیت الطعام من بعد و اشتهیت أكله فلا بدّ لك من الحركة الیه ، و حركتك لا تنفع ما لم تتمكن من أخذه فافتقرت إلى آلة باطشة فأنعم اللّه علیك بخلق الیدین و هما طویلتان مشتملتان على مفاصل كثیرة لتتحرّك فی الجهات فتمتدّ و تثنی الیك ، فلا تكون كخشبة منصوبة ثمّ جعل رأس الید عریضا یخلق الكفّ ثمّ قسّم رأس الكفّ بخمسة أقسام هی الأصابع ، و جعلها فی صفّین لیكون الابهام .

[ 242 ]

فی جانب و یدور على الأربعة الباقیة ، و لو كانت جمیعها فی صفّ واحد لم یحصل بها تمام الغرض ، فوضعها بحیث إن بسطتها كانت لك مجرفة ، و إن ضممتها كانت مغرفة ،

و إن جمعتها كانت آلة للضرب ، و إن نشرتها ثمّ قبضتها كانت لك آلة فی القبض .

ثمّ خلق لها أظفارا لتصون رؤوس الأصابع من التفتّت ، و لتلتقط بها الأشیاء الدقیقة الّتی لا تحویها الأصابع فتأخذها برؤوس أظفارك .

فاذا أخذت بها الطعام فلا ینفعك الأخذ إلاّ إذا أمكنك ایصاله إلى المعدة ،

و هی فی الباطن فلا بدّ و أن یكون فی الظاهر دهلیز إلیها حتّى یدخل الطعام منه ،

فلا ینفعك منه .

فجعل الفم منفذا إلى المعدة مع ما فیه من الحكم الكثیرة وراء كونه منفذا للطعام إلى المعدة .

ثمّ إذا وضعت الطعام فی الفم و هو قطعة فلا یتیسّر لك ابتلاعه حتّى تطحن فخلق لك اللّحیین من عظمین و ركّب فیهما الأسنان و طبق الأضراس من العلیا على السفلی لتطحن بهما الطعام طحنا .

ثمّ الطعام تارة یحتاج إلى الكسر و تارة إلى القطع ، ثمّ إلى الطحن بعد ذلك ،

فقسّم الأسنان إلى عریضة طواحن كالأضراس ، و إلى حادّة قواطع كالرباعیات ، و إلى ما یصلح للكسر كالأنیاب .

ثمّ جعل مفصل اللّحیین متخلخلا بحیث یتقدّم و یتأخر حتىّ یدور على الفكّ الأعلى دوران الرّحى ، و لو لا ذلك لما تیسّر إلاّ ضرب أحدهما على الآخر مثل تصفیق الیدین و لا یتحصّل به الطحن ، فجعل اللّحی الأسفل متحرّكا حركة دوریّة و اللّحى الأعلى ثابتا لا یتحرّك عكس الرّحى الذى یصنعه المخلوق ، فانّ الحجر الأسفل منه یسكن و الأعلى یتحرّك .

ثمّ إنّك إذا وضعت الطعام فی فضاء الفم فهو یحتاج إلى التصریف و التقلیب و الحركة من جانب إلى جانب ، و لا یمكن أن یكون حركته بالید و هو فی داخل الفم ، فأنعم اللّه سبحانه بخلق اللسان ، فانّه یطوف فی جوانب الفم و یردّ الطعام

[ 243 ]

من الوسط إلى الاسنان بحسب الحاجة كالمجرفة التى تردّ الطعام إلى الرحى ، هذا .

مضافا الى ما فیه من فائدة الذّوق و قوّة النطق و الحكم الّتی لا نطیل بذكرها .

ثمّ لما كان الطعام ربما یكون یابسا فلا یمكن ابتلاعه إلاّ بأن ینزلق إلى الحلق بنوع رطوبة ، خلق اللّه سبحانه تحت اللسان عینا یفیض منها اللعاب ، و ینصبّ بقدر الحاجة حتّى یتعجن به الطعام .

و لما لم یمكن ایصاله إلى المعدة بدفعه بالید و لم تكن المعدة ممتدّة حتّى تجذبه من الفم إلى نفسها ، هیّأ اللّه سبحانه المرى و الحنجرة و جعل على رأسها طبقات تنفتح لأخذ الطعام ثمّ تنطبق و تنضغط حتّى ینقلب الطعام بضغطه فیهوى إلى المعدة فی دهلیز المرى .

فاذا ورد الطعام على المعدة و هو خبز و فاكهة مقطعة فلا یصلح أن یصیر لحما و عظما و دما على هذه الهیئة بل لا بدّ و أن یطبخ طبخا تامّا حتّى تتشابه أجزاؤه ،

فخلق اللّه تعالى المعدة على هیئة قدر فیقع فیها الطعام و تحتوى علیه و تغلق علیه الأبواب ، فلا یزال یلبث فیها إلى أن یتمّ الهضم و ینضج بالحرارة الّتی تحیط بالمعدة من الأعضاء الباطنة ، إذ من جانبها الأیمن الكبد ، و من الأیسر الطحال ، و من قدّام الترائب ، و من خلف لحم الصّلب ، فتتعدّى الحرارة إلیها من تسخین هذه الأعضاء الّتی بها ینطبخ الطعام و یصیر مائعا متشابها یصلح للنفوذ فی تجاویف العروق ، و عند ذلك یشبه ماء الشعیر فی تشابه أجزائه و رقّته ، و هو بعد لا یصلح للتغذیة ، فخلق اللّه تعالى بینها و بین الكبد مجارى من العروق و جعل لها فوهات كثیرة حتّى ینصب الطعام فیها فینتهى إلى الكبد .

و الكبد معجون من طینة الدّم حتّى كأنّه دم ، و فیه عروق كثیرة شعریة منتشرة فی أجزاء الكبد ، فیصبّ الطعام الرقیق النافذ فیها و ینتشر فی أجزائها حتّى تستولی علیه قوّة الكبد ، فتصبغه بلون الدّم فیستقرّ فیها ریثما یحصل له نضج آخر و یحصل له هیئة الدّم الصافی الصّالح لغذاء الأعضاء إلاّ أنّ حرارة الكبد هی التی تنضج هذا الدّم .

[ 244 ]

فیتولّد من هذا الدّم فضلتان كما یتولد فی جمیع ما یطبخ أحدهما شبیهة بالدّردى و العكر و هو الخلط السّوداوى ، و الآخرى شبیهة بالرغوة و هی الصّفراء ، و لو لم تفصل عنه فضلتان فسد مزاج الأعضاء .

فخلق اللّه المرارة و الطحال و جعل لكلّ منهما عنقا ممدودا إلى الكبد داخلا فی تجویفه فتجذب المرارة الفضلة الصّفراویة ، و یجذب الطحال العكر السّوداوی فیبقی الدّم صافیا لیس فیه إلاّ زیادة رطوبة ورقة .

فخلق اللّه سبحانه الكلیتین و أخرج من كلّ منهما عنقا طویلا إلى الكبد و من عجائب حكمة اللّه تعالى أنّ عنقها لیس داخلا فی تجویف الكبد بل متصل بالعروق الطالعة من حدبة الكبد حتّى یجذب ما یلیها بعد الطلوع من العروق الدّقیقة التی فی الكبد ، إذ لو اجتذب قبل ذلك لغلظ و لم یخرج من العروق ، فاذا انفصلت منه المائیة فقد صار الدّم صافیا من الفضلات الثلاث نقیّا من كلّ ما یفسد الغذاء .

ثمّ إنّ اللّه اطلع من الكبد عروقا ، ثمّ قسّمها بعد الطلوع أقساما ، و شعّب كلّ قسم بشعب ، و انتشر ذلك فی البدن كلّه من الفرق إلى القدم ظاهرا و باطنا فیجری الدّم الصافی فیها و یصل إلى أجزاء البدن تماما .

و لو حلّت بالمرارة آفة فلم تجذب الفضلة الصّفراویّة فسد الدّم و حصل منه الأمراض الصفراویّة كالیرقان و البثور و الحمرة .

و إن حلّت بالطحال آفة فلم یجذب الخلط السّوداوی حدثت الأمراض السّوداویة كالبهق و الجذام و المالیخولیا و غیرها .

و ان لم تندفع المائیة نحو الكلى حدث منه الاستسقاء و غیره .

ثمّ انظر إلى بدیع حكمته سبحانه كیف رتّب المنافع على هذه الفضلات الثلاث الخسیسة .

أمّا المرارة فانّها تجذب بأحد عنقیها و تقذف بالعنق الآخر إلى الأمعاء لیحصل له فی ثفل الطعام رطوبة زلقة و یحصل فی الأمعاء لذع یحرّكها للدّفع فتنضغط حتّى یندفع الثفل و ینزلق و یكون صفرته لذلك .

[ 245 ]

و أمّا الطحال فانّه یحیل تلك الفضلة إحالة یحصل بها فیه حموضة و قبض ثمّ یرسل منها فی كلّ یوم شیئا إلى فم المعدة فیحرّك الشهوة بحموضته و ینبّهها و یثیرها و یخرج الباقی مع الثفل .

و أمّا الكلیة فانّها تغتذی ممّا فی تلك المائیة من دم و ترسل الباقی إلى المثانة .

و لنقتصر على هذا القدر من بیان نعم اللّه تعالى فی الأسباب التی اعدّت للأكل ، و قد مرّ فی شرح الفصل الخامس من فصول الخطبة الثانیة و الثمانین بعض الكلام فی تشریح جملة من أعضاء الانسان و قد علم مما أوردناه هناك و ههنا أنّ اللّه سبحانه أسبغ علینا نعمه ظاهرة و باطنة ، و هذا الّذی أوردناه قطرة من بحار نعم اللّه بل جملة ما عرفناه و عرفه الخلق من نعمه سبحانه بالاضافة إلى ما لم نعرفه و لم یعرفوه أقلّ من قطرة من بحر إلاّ أنّ من علم شیئا من ذلك عرف شمة من معانی قوله تعالى « و ان تعدّوا نعمة اللّه لا تحصوها » و نسأل اللّه سبحانه التوفیق لشكر نعمه ، و الثّناء علیها .

و لما حمده سبحانه على نعمه المترادفة و آلائه العظیمة أردفه بالاشارة إلى أعظم نعمه سبحانه و هو نعمة العفو فقال :

( الذی عظم حلمه فعفى ) و الحلم فی الانسان فضیلة یعسر معها انفعال النفس عن المكروهات المنافیة للطبع ، و أما فی اللّه سبحانه فیعود إلى عدم تعجیله بالعقوبة و الحلیم من أسمائه الحسنى .

قال أحمد بن فهد : الحلیم هو ذو الصّفح و الاناة الذی لا یغیّره جهل جاهل و لا غضب مغضب و لا عصیان عاص .

و لما وصف حلمه تعالى بالعظمة فرّع علیه وصفه بالعفو ، لأنّ عظم الحلم مستلزم للعفو و العفو من الأسماء الحسنى أیضا .

قال ابن فهد : هو المحّاء للذّنوب الموبقات و مبدلها بأضعافها من الحسنات ، و العفو فعول من العفو و هو الصّفح عن الذّنب و ترك مجازاة المسى‏ء

[ 246 ]

و قیل : مأخوذ من عفت الریح إذا درسته و محته .

و قوله ( و عدل فی كلّ ما قضى ) یعنی أنّ جمیع مقتضیاته و مقدّراته على حدّ الاعتدال و وجه الكمال مصون من التفریط و الافراط ، لجریانها جمیعا على مقتضى الحكمة و النظام الأصلح ، و یحتمل أن یكون المراد بما قضاه ما حكم به ، فالمعنى أنه سبحانه عادل فی تكالیفه و أحكامه الشرعیّة و ما یترتّب علیها من المثوبات و العقوبات ،

لأنّ الظلم قبیح محال فی حقه سبحانه و ما ربّك بظلاّم للعبید .

( و علم ما یمضى و ما مضى ) لا یخفى ما فی هذه القرینة من حسن الاشتقاق و تقدیم یمضی على مضى لاقتضاء السجع و القافیة مضافا إلى ما فیه من نكتة لطیفة ، و هو الاشارة إلى أنّ علمه بالمستقبل كعلمه بالماضی .

و بعبارة اخرى علمه بالمستقبل و الماضی واحد بخلاف غیره فانّ علمهم بالماضى أسبق و أكمل من علمهم بالمضارع ، فاذا ارید وصف غیره بالعلم یقال : فلان علم ما كان و ما یكون أو یقال : علم ما مضى و ما یأتی ، فقدّم فی وصفه سبحانه ما یأتی على ما سبق تنبیها على أنّ علمه لیس كعلم المخلوقین ، و المقصود به الاشارة إلى إحاطته سبحانه بجمیع الامور مستقبلها و ماضیها كلّیها و جزئیها ، و قد مضى تحقیق ذلك فی شرح الفصل السابع من المختار الأوّل و غیره أیضا فلیتذكر .

( مبتدع الخلایق بعلمه ) أى مبدعهم و مخترعهم بارادته التی هی العلم بالاصلح و النظام الخیر فیكون علمه سببا و علة لما ابتدع من مخلوقاته مقدّما علیه ، و على هذا فالباء فی بعلمه سببیّة .

و المستفاد من الشارح المعتزلی أنها باء المصاحبة حیث قال : قوله : مبتدع الخلایق بعلمه ، لیس یرید أنّ العلم علّة فی الابداع كما یقال : هوى الحجر بثقله ، بل المراد أبدع الخلق و هو عالم كما تقول خرج زید بسلاحه أى خرج متسلّحا .

و الظّاهر أنّه وافق فی ذلك المتكلمین حیث قالوا : إنّ العلم تابع للمعلوم و التابع یمتنع أن یكون سببا ، فالباء على رأیهم أیضا للاستصحاب ، و الحقّ ما ذكرناه لما مرّ من أمیر المؤمنین علیه السّلام فی المختار الأوّل من قوله : عالما بها قبل ابتدائها ، فانه

[ 247 ]

صریح فی أنّ علمه سبحانه بالأشیاء مقدّم على الأشیاء و لیس تابعا لها ، و شرحناه هنا بما لا مزید علیه و قد تقدّم الكلام مستوفی فى أنّ إبداع الأشیاء إنما هو بالارادة و العلم فى شرح الفصل الثالث من المختار التسعین ، و لا حاجة هنا إلى الاطالة .

( و منشئهم بحكمه ) أى موجدهم بحكمه الالزامى التكوینى الذی لا یمتنع منه شی‏ء هو و حكم قدرته النافذ فی الأشیاء كلّها بالوجود و إنّما أمره إذا أراد شیئا أن یقول له كن فیكون .

و یحتمل أن یكون المراد بالحكم الحكمة یعنى أنّه أوجد المخلوقات على وفق الحكمة و المصلحة و وضع كلاّ منها موقعه اللاّیق به ، و لا أحكام و لا نظام فوق أن یكون الموجودات على كثرتها و تفصیلها متفاوته متعاضدة منتفعة بعضها ببعض مؤدّیة بعضها إلى بعض ، و یكون كثرتها ككثرة أعضاء شخص واحد و حركاتها المختلفة المتضادة كحركات صاحب الرقص المنتظم حیث یكون مع اختلاف هیاتها سرعة و بطؤا و تعویجا و تقویما كهیئة واحدة ، فأجزاؤها جمیعا مشدودة فی رباط واحد مع أنّ كلاّ منها متوجّه نحو غایة مخصوصة تترتّب علیه ، و الكلّ من حیث هو كلّ له غایة واحدة و هو التوجّه إلى مبدعه و منشئه .

و لما ذكر ایجاده سبحانه للأشیاء على نحو الابداع و الانشاء و الاختراع لا بعنوان الاستفادة من الغیر أكدّ ذلك أیضاحا بقوله .

( بلا اقتداء و لا تعلیم و لا احتذاء لمثال صانع حكیم ) یعنى صنعه و ابداعه لیس باقتداء صانع صنع قبله فاتبعه و لا بتعلیم ذلك الصانع له فیتعلمه لأنه سبحانه قبل القبل لیس شی‏ء قبله حتّى یستفید منه و یتبعه و یحتذى حذوه ، و قد مضى نظیر هذه الفقرة فى الفصل الثانى من فصول المختار التسعین و ذكرنا هنا ما ینفعك فى هذا المقام .

( و لا اصابة خطاء ) قال الشارح البحرانى أى لم یكن إنشاؤه للخلق أوّلا اتفاقا على سبیل الاضرار و الخطاء من غیر علم منه ثمّ علمه بعد ذلك فاستدرك فعله و أحكمه فأصاب وجه المصلحة فیه ، و الاضافة بمعنى اللاّم لأنّ الاصابة من لواحق ذلك الخطاء ، انتهى .

[ 248 ]

أقول : محصله أنّه سبحانه لم یخطى‏ء فی شى‏ء من خلقه فیصیبه و یصلحه أى یجبر خطائه بالصواب و فساده بالصّلاح ، و یحتمل أن یكون الاصابة بمعنى المصادفة و الوصول إلى الشی‏ء .

( و لا حضرة ملاء ) أى لم یكن خلقه للأشیاء بحضور جماعة من العقلاء و أصحاب الرأى بحیث یشیر كلّ منهم علیه برأیه و یعینه بقوله فی كیفیة خلقه كما هو المعروف فی الصّناع البشریّة إذا أرادوا صنعة شی‏ء معظم یجتمعون مع أبناء نوعهم و یشاورونهم و یستمدّون منهم فیشیرون علیهم و یعینونهم ، لأنّ ذلك مستلزم للنقص و الافتقار و الحاجة و هو سبحانه منزّه عنه .

و أیضا فانّ الملاء من جملة مخلوقاته فكیف یتصوّر حضورهم فی خلق أنفسهم قال سبحانه « ما أشهدتم خلق السّموات و الأرض و لا خلق أنفسهم و ما كنت متّخذ المضلّین عضدا » أى أعوانا و هذا كلّه تنزیه لفعله من أن یكون مثل أفعال العباد محتاجا إلى معاونة الغیر .

و لما حمد اللّه سبحانه و أثنا علیه بما هو أهله اتبعه بالشهادة على رسالة رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال :

( و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ابتعثه ) أى بعثه ( و ) الحال أنّ ( النّاس ) یوم بعثه ( یضربون فی غمرة ) أى یسیرون فی الانهماك فی الضّلال و الباطل لأنّهم یومئذ كما قال علیه السّلام فی الفصل السادس عشر من المختار الأوّل : ملل متفرّقة و أهواء منتشرة و طرائق متشتّتة بین مشبه للّه بخلقه أو ملحد فی اسمه أو مشیر به إلى غیره .

أو أنهم یسیرون فی الشدّة و الزّحمة كما قال علیه السّلام فی الفصل الأوّل من المختار السّادس و العشرین : إنّ اللّه بعث محمدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أنتم معشر العرب على شرّ دین و فی شرّ دار منیخون بین حجارة خشن و حیات صمّ تشربون الكدر و تأكلون الجشب و تسفكون دماءكم و تقطعون أرحامكم .

( و یموجون فی حیرة ) أى یضطربون و یختلفون فی حیرة و جهالة لكثرة الفتن فی أیام الفترة و زمان البعثة كما قال علیه السّلام فی الفصل الثالث من المختار : و الناس

[ 249 ]

فی فتن تنجذم فیها حبل الدّین و تزعزعت سوارى الیقین و اختلف النجر و تشتّت الأمر و ضاق المصدر و عمى المخرج « إلى قوله » فهم فیها تائهون حایرون جاهلون مفتونون .

( و قد قادتهم أزمّة الحین ) أى أزمّة الهلاك كانت تجرّهم و تقودهم إلى الهلاك الدّائم و الخزى العظیم ، فالمراد بالحین الهلاك الاخروى لا الهلاك الدّنیوی و الموت كما زعمه البحرانی ، و استعار لفظ الأزمة للمعاصی و الآثام و شبههم بالحیوان الذی یتبع قائده و یسیر خلفه ، یعنی أنّهم یتبعون الشّهوات و یسیرون خلف السّیئات فتقودهم إلى هلاك الأبد .

( و استغلقت على أفئدتهم أقفال الرّین ) شبّه رین الذنوب و هو وسخها و دنسها بالأقفال المغلقة و هو من تشبیه المعقول بالمحسوس و وجه الشبه أنّ الأقفال إذا اغلقت على الأبواب تمنع من الدّخول فی البیت فكذلك رین الذّنوب إذا طبع على القلوب یمنع من دخول أنوار الحقّ فیها كما قال سبحانه « بل ران على قلوبهم ما كانوا یكسبون » و ذكر الاستغلاق ترشیح للتشبیه أى استحكمت فی قلوبهم أو ساخ الذّنوب بحیث صارت مانعة من إفاضة أنوار الحقّ إلیها كالبیوت المغلقة بالأقفال المانعة من الدخول علیها .

ثمّ شرع فیما هو الغرض الأصلی من الخطبة و هو النّصح و الموعظة فقال :

( اوصیكم عباد اللّه بتقوى اللّه فانّها حقّ اللّه علیكم ) لما كان التقوى عبارة عن إتیان الواجبات و اجتناب المنهیات جعلها حقّا للّه سبحانه ، إذ حقّه على عباده أن یعبدوه و یوحّدوه كما قال عزّ من قائل « و ما خلقت الجنّ و الانس الاّ لیعبدون » .

( و الموجبة على اللّه حقّكم ) أى جزاءكم ، و أتى بلفظ الحق للمشاكلة و مثله ما صدر عن صدر النّبوة فی روایة معاذ المتقدّمة فی شرح الفصل الرابع من المختار الأوّل قال : كنت رفقت النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال یا معاذ هل تدرى ما حقّ اللّه على العباد ؟

یقولها ثلاثا قلت : اللّه و رسوله أعلم فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : حقّ اللّه عزّ و جلّ على العباد أن لا یشركوا به شیئا ، ثمّ قال : هل تدری ما حقّ العباد على اللّه إذا فعلوا ذلك ؟

[ 250 ]

قلت : اللّه و رسوله أعلم ، قال : ألاّ یعذّبهم أو قال ألاّ یدخلهم النار .

( و أن تستعینوا علیها باللّه و تستعینوا بها على اللّه ) لا یخفی ما فی هذه القرینة من حسن المقابلة ، و المراد بالاستعانة علیها باللّه أن یطلب منه سبحانه التوفیق و الاعانة على تحمل مشاقّ التكالیف الشرعیّة ، و بالاستعانة بها على اللّه الاستعداد بها على الوصول الى قرب الحق و جواره و ساحل عزّته و جلاله .

( فانّ التقوى فی الیوم الحرز و الجنّة ) لم یقل فانها بل وضع المظهر موضع المضمر لزیادة التمكین فی ذهن السامع كما فی قوله : « قل هو اللّه احد اللّه الصمد » أو ایهام الاستلذاذ بذكره كما فی قوله :

لیلاى منكنّ أم لیلا من البشر

یعنی أنها فی دار الدّنیا حرز حریز و حصن حصین یمنع المتحرّز بها و المتحصّن فیها من شرّ الأعداء كما قال تعالى « ان تصبروا و تتّقوا لا یضرّكم كیدهم شیئا » و هی جنّة و ترس یبقی المستتر بها من شدائد الدّنیا كما قال سبحانه « و من یتّق اللّه یجعل له مخرجا » .

( و فی غد الطریق إلى الجنّة ) أى فی یوم القیامة طریق إلى الجنّة و الخلود فیها كما قال عزّ و جلّ « و جنّة عرضها السموات و الارض اعدّت للمتّقین » .

( مسلكها واضح ) جلی و هی جادّة الشریعة و أیّ مسلك أوضح منها ( و سالكها رابح ) ملّى لأنّه یسلك بها الجنّة و أىّ سفر أربح منها ( و مستودعها حافظ ) لما كان التقوى زادا للآخرة شبّهها بالودیعة المودعة عند اللّه سبحانه و جعله تعالى بمنزلة المستودع ، أى قابل الودیعة ، و المراد أنّ مستودع التقوى و هو اللّه سبحانه حافظ لهذه الودیعة الّتی هو زاد الآخرة من التلف و الضّیاع كما قال تعالى « إنا لا نضیع أجر من أحسن عملا » .

و یجوز أن یراد بالمستودع الملائكة الحفظة الّتی هی وسایط بین الخلق و بین اللّه ، فانهم لما كانوا مأمورین بكتابة أعمال العباد و حفظها و ضبطها كما قال تعالى و انّ علیكم لحافظین . كراما كاتبین . یعلمون ما تفعلون شبّههم بالمستودع أى المستحفظ الّذی یطلب منه حفظ الودیعة .

[ 251 ]

ثمّ أشار إلى عموم منفعتها و عدم اختصاص مطلوبیّتها بالمخاطبین فقال :

( لم تبرح عارضة نفسها على الامم الماضین منكم و الغابرین ) أى لم تزل تعرض نفسها على اللّف و الخلف كالمرأة الصالحة الحسناء العارضة نفسها على الرجال للتزویج و الاستمتاع و الانتفاع منها فی محن الدّهر و نوائب الزّمان و كذلك هذه عرضت نفسها على الامم لینتفعون بها فی الدّنیا .

( و لحاجتهم إلیها غدا ) أى فی العقبى ( إذا أعاد اللّه ما أبدا و أخذ ما أعطى و سأل عمّا أسدى ) یعنی أنهم محتاجون إلیها إذا أنشر اللّه الموتى و إذا أخذ من الناس ما خوّلهم من متاع الدّنیا ، و إذا سأل العباد عما أسدى و أحسن إلیهم من النعم و الآلاء ، أو إذا سأل عما أسداه و أهمله من الجوارح و الأعضاء .

و إنما كانوا محتاجین إلیها فی تلك الأحوال لوقایتها لهم من أهوال ذلك الیوم و داهی هذه الأحوال ، فالمتقون بما لهم من التقوى من فزع النشر و المعاد آمنون ،

و إلى زادهم حین أخذ ما أعطى مطمئنّون ، و بصرف ما أسدى إلیهم من الأموال فی مصارفه و ما أسداه من الأعضاء فی مواقعها من مناقشة السؤال سالمون كما قال عزّ من قائل « فمن اتقى و أصلح فلا خوف علیهم و لا هم یحزنون » و قال « و من یتّق اللّه یجعل له مخرجا » « و من یتّق اللّه یجعل له من أمره یسرا » « و من یتّق اللّه یكفّر عنه سیّآته و یعظم له أجرا » .

و أما غیر المتّقین فعند نشرهم یمسّهم العذاب بما كانوا یفسقون ، و حین اخذ ما اعطى فانهم إذا لخاسرون ، و إذا سئل عما أسدى فیخاطبون بخطاب قفوهم انهم مسئولون ، فالیوم نختم على أفواههم و تكلّم أیدیهم و تشهد أرجلهم بما كانوا یكسبون .

ثمّ تعجب من قلّة الآخذین بالتقوى مع كونها محتاجا فقال :

( فما أقلّ من قبلها و حملها حقّ حملها ) أى شرایطها و وظایفها المقرّرة الموظفة ( اولئك الأقلّون و هم أهل صفة اللّه سبحانه ) أى القابلون الحاملون لها الّذین وصفهم اللّه تعالى فی كتابه ( إذ یقول ) فی حقّهم ( و قلیل من عبادى الشكور ) ربما فسّر الشكور

[ 252 ]

بمن تكرّر منه الشكر و قیل : الشكور المتوفر على أداء الشكر بقلبه و لسانه و جوارحه أكثر أوقاته و قیل : الشكور من یرى عجزه عن الشكر و قال ابن عباس أراد به المؤمن الموحّد و فی هذا دلالة على أنّ المؤمن الشاكر یقلّ فی كلّ عصر و زمان .

أقول : و یحتمل أن یراد بالشكور كثیر الطاعة للّه و یشهد به ما رواه فی الكافی عن الباقر علیه السّلام قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عند عایشة لیلتها فقالت یا رسول اللّه لم تتعب نفسك قد غفر لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخّر ، فقال : یا عایشة أما أكون عبدا شكورا .

و لما ذكر ثمرات التقوى و نبّه على الاحتیاج إلیها غدا أمر المخاطبین بالمواظبة علیها فقال :

( فاهطعوا باسماعكم إلیها ) أى أسرعوا بأسماعكم إلى سماع وصفها و نعتها لتعرفوها حقّ المعرفة و تعملوا على بصیرة ( و أكظوا بجدّكم علیها ) أى اجهدوا و داوموا بالجدّ و المبالغة ( و اعتاضوها من كلّ سلف خلفا ) أى اجعلوها عوضا من جمیع ما سلف بكم و خذوها خلفا منه لأنّه خیر خلف محصّل للسعادة الأبدیّة و العنایة السرمدیة ( و من كلّ مخالف موافقا ) الظاهر أنّ المراد بالمخالف و الموافق المخالف لطریق الحقّ و الموافق له ، فیكون المعنی اجعلوا التقوى حالكونها موافقا لطریق الحقّ عوضا و بدلا من كلّ ما یخالف طریقه و ( ایقظوا بها نومكم و اقطعوا بها یومكم ) الظاهر أنّه أراد بهما قیام اللّیل و صیام النهار و اللذین هما من مراسم التقوى ، و یحتمل أن یكون المراد بالأوّل الأمر بالانتباه بها من نوم الغفلة ، و بالثانی الأمر بختم النهار بالعبادة .

( و أشعروا بها قلوبكم ) قال الشارح المعتزلی یجوز أن یرید اجعلوها شعارا لقلوبكم ، و هو ما دون الدثار و ألصق بالجسد منه ، و یجوز أن یرید اجعلوها علامة یعرف بها القلب التقی من القلب المذنب كالشعار فی الحرب یعرف به قوم من قوم ، و یجوز أن یرید الاشعار بمعنی الاعلام من أشعرت زیدا بكذا أى عرفته ایاه أى اجعلوها عالمة بجلالة موقعها و شرف محلها .

( و ارحضوا بها ذنوبكم ) أى اغسلوها بها لأنّها كفّارة لها كما قال تعالى « و من

[ 253 ]

یتّق اللّه یكفّر عنه سیّئاته و یعظم له أجرا » ( و داووا بها الأسقام ) أى أسقام الذّنوب و أمراض القلوب ( و بادروا بها الحمام ) أى الموت .

( و اعتبروا بمن أضاعها و لا یعتبرن بكم من أطاعها ) أمرهم بالاعتبار بالامم الماضیة قبلهم ممّن أضاع التقوى و اتّبع الهوى فأخذه اللّه نكال الآخرة و الاولى إنّ فی ذلك لعبرة لمن یخشى قال تعالى « و أخذنا الذین ظلموا بعذاب بئیس بما كانوا یفسقون . فلمّا عتوا عمانهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئین » و نهیهم عن كونهم عبرة للمطیعین و هو فی الحقیقة نهی عن دخولهم فی زمرة المضیّعین ، أى ادخلوا فی حزب المطیعین لتعتبروا بغیركم و لا تدخلوا فی حزب المضیّعین حتّى یعتبر بكم غیركم .

( ألا و صونوها و تصوّنوا بها ) أى صونوها حق الصّیانة و احفظوها من شوب العجب و الریاء و السمعة و تحفظوا أنفسكم بها لأنها الحرز و الجنّة .

ثمّ أمر بالزّهد فی الدّنیا و الوله إلى الآخرة لاستلزامهما للتقوى و هو قوله :

( و كونوا عن الدّنیا نزاها ) متباعدین ( و إلى الآخرة ولاّها ) أى و الهین مشتاقین ،

فانّ الوله إلى الآخرة یوجب تحصیل ما یوصل إلیها و هو التباعد عن الدّنیا و الملازمة للتقوى ( و لا تضعوا من رفعته التقوى ) و هو نهی عن إهانة المتقین لكونه خلاف التقوى ( و لا ترفعوا من رفعته الدّنیا ) و هو نهی عن تعظیم الأغنیاء الذین ارتفاع شأنهم عند الناس و وجاهتهم من جهة ثروتهم ، فانّ تعظیمهم من هذه الجهة مناف للتقوى .

( و لا تشیموا بارقها ) أى لا تنظروا إلى سحابها صاحب البرق انتظارا للمطر قال الشارح البحرانی : استعار لفظ البارق لما یلوح للناس فی الدّنیا من مطامعها و مطالبها ، و وصف الشیم لتوقع تلك المطالب و انتظارها و التطلع إلیها على سبیل الكنایة عن كونها كالسحابة الّتی یلوح بارقها فیتوقّع منها المطر .

( و لا تسمعوا ناطقها و لا تجیبوا ناعقها ) و هو نهی عن مخالطة أهل الدّنیا و معاشرتهم أى لا تسمعوا إلى مادحها و من یزیّنها و یصفها بلسانه و بیانه و لا تصدّقوا قوله ، و لا تجیبوا صائحها أى لا تتّبعوا و لا توافقوا المنادى إلیها لأنّ سماع الناطق و إجابة

[ 254 ]

الناعق یوجب المیل الیها ، و یحتمل أن یكون الناطق و الناعق استعارة لمتاع الدّنیا و مالها ، فانّه لما كان یرغب فیها بلسان حاله و یدعو إلیها شبه بالنّاطق و الناعق .

( و لا تستضیئوا باشراقها و لا تفتنوا باعلاقها ) استعار لفظ الاشراق لزینة الدّنیا و زخارفها و زبرجها و أموالها و لفظ الاستضاءة للالتذاذ و الابتهاج بتلك الزخارف أى لا تبتهجوا بزخارف الدّنیا و لا تفتنوا بنفایسها .

و لما نهی عن شیم البارق و سماع الناطق و اجابة الناعق و عن الاستضاءة بالاشراق و الافتتان بالاعلاق ، أردفه بالاشارة إلى علل تلك المناهی فعلل النهی عن شیم البارق بقوله :

( فانّ برقها خالب ) أى خال من المطر فیكون الشیم و النظر خالیا من الثمر قال الشارح البحرانی : استعار لفظ الخالب لما لاح من مطامعها ، و وجه المشابهة كون مطامعها و آمالها غیر مدركة و إن ادرك بعضها ففی معرض الزوال كان لم یحصل فاشبهت البرق الذی لا ماء فیه و ان حصل معه ضعیف غیر منتفع به فلذلك لا ینبغی أن یشام بارقها .

و علل النهى عن سماع الناطق و اجابة الناعق بقوله ( و نطقها كاذب ) أى ناطقها كاذب لأنّ قوله مخالف لنفس الأمر و ما یزیّنه و یرغب فیه و یدعو إلیه كسراب بقیعة یحسبه الظمآن ماء حتّى إذا جائه لم یجده شیئا .

و علّل النّهى عن الاستضاءة بالاشراق بقوله ( و أموالها محروبة ) أى مأخوذة بتمامها ، و ما شأنها ذلك فلا یجوز الابتهاج و الشعف بها .

و علّل النهى عن الفتون بالاعلاق بقوله ( و اعلاقها مسلوبة ) أى منهوبة مختلسة و ما حالها ذلك فكیف یفتن بها و یمال إلیها ، ثمّ وصف الدّنیا بأوصاف اخرى منفرة عنها فقال :

( ألا و هی المتصدّیة العنون ) أى مثل المرأة الفاجرة المتصدّیة المتعرّضة للرجال المولعة فی التعرّض لهم ، و هو من التشبیه البلیغ و من قبیل تشبیه المعقول بالمحسوس ، و وجه الشبه أنّ المرأة الموصوفة كما تزین نفسها و تعرضها على الرجال لتخدعهم عن أنفسهم فكذلك الدّنیا تتعرّض بقیناتها لأهلها فتخدعهم .

[ 255 ]

( و الجامحة الحرون ) أى مثل الدّابة السیّئة الخلق التی لا تنقاد لراكبها البالغة فی عدم الانقیاد غایته ، و التشبیه هنا مثل التشبیه فی الفقرة السابقة ، و وجه الشبه أنّ الدابة الموصوفة كما لا تنقاد لصاحبها و لا یتمكّن من حملها و ركوبها مهما ارید ، فكذلك الدّنیا لا یتمكّن أهلها من تصریفها و تقلیبها و الانتفاع بها فی مقام الضرورة و الحاجة .

( و المائنة الخئون ) أى الكاذبة كثیرة الخیانة حیث إنها تخدع الناس بزینتها و تغرّهم بحلیّها و توقع فی وهمهم و خیالهم لقیائها لهم ، فعما قلیل ینكشف كذبها و تتبیّن خیانتها إذا زالت عنهم .

( و الجحود الكنود ) أى كثیرة الانكار و الكفران كالمرأة التی تكفر نعمة زوجها و تنكر معروفه و احسانه ، و یكون من شأنها الغدر و المكر ، و كذلك الدّنیا تنفر عمن رغب فیها و سمى إلیها و اجتهد فی عمارتها و تكون سبب هلاكه ثمّ تنتقل عنه إلى غیره .

( و العنود الصدود ) لما كان من شأن الدّنیا الانحراف و المیل عن القصد و العدول عن سنن قصود الطالبین الراغبین منها ، شبّهها بالعنود الصدود ، و هى الناقة العادلة عن مرعى الابل و الراعیة فی جانب منه و وصفها بالصدود لكثرة اعراضها .

( و الحیود المیود ) أى كثیرة المیل و التغیّر و الاضطراب ( حالها انتقال ) أى شأنها و شیمتها انتقال من حال إلى حال و انقلاب من شخص إلى شخص ( و وطأتها زلزال ) أى موضع قدمها متحرّك غیر ثابت ( و عزّها ذلّ ) أى العزّ الحاصل لأهل الدّنیا بسبب الثروة و الغنى فهو ذلّ فی الحقیقة ، لأنّ ما تعزّز به من المال إن كان من حلال ففیه حساب و إن كان من حرام ففیه عقاب ، فعزّتها موجب لانحطاط الدرجة عند اللّه سبحانه ، و لذلك قال سیّد الساجدین علیه السّلام فی بعض أدعیة الصحیفة : فانّ الشریف من شرّفته طاعتك ، و العزیز من أعزّته عبادتك .

( و جدّها هزل ) قال الشارح البحرانی : استعار لفظ الجدّ و هو القیام فی الأمر

[ 256 ]

بعنایة و اجتهاد لاقبالها على بعض أهلها بخیراتها كالصدیق المعتنى بحال صدیقه و لادبارها عن بعضهم و اصابتها له بمكروهها كالعدوّ القاصد لهلاك عدوّه ، و استعار لجدّها لفظ الهزل الذی هو ضدّه ، و وجه الاستعارة كونها عند اقبالها على الانسان كالمعتنیة بحاله ، و عند إعراضها عنه و رمیه بالمصائب كالقاصدة لذلك ، ثمّ تسرع انتقالها عن تلك الحال إلى ضدّها فهی فی ذلك كالهازل اللاّعب .

( و علوها سفل ) و هو فى معنى قوله : و عزّها ذلّ ، أى العلوّ الحاصل بسببها موجب لانحطاط الرتبة فی الآخرة .

( دار حرب و سلب و نهب و عطب ) أى دار محاربة أو دار سلب و اختلاس و غارة و هلاكة لأنّ أهلها و مالها غرض للآفات و هدف للقتل و الغارات ، أو أنّ مالها یسلب عن أهلها و یحرب و ینهب بموت صاحب المال و هلاكه ( أهلها على ساق و سیاق ) إن فسر الساق بساق القدم فالمراد بالجملة الاشارة إلى زوالها و انقضائها ، یعنی أنّ أهلها قائمون على سوقهم و أقدامهم مستعدون للسیاق و المسیر إلى الآخرة ، و إن فسّر بالشّدة فالمراد أنّ أهلها فی شدّة و محنة و عرضة للموت ، و معلوم أنها إذا كانت دار حرب و نهب و سلب و عطب یكون أهلها فی شدّة لا محالة .

( و لحاق و فراق ) أى أهلها یلحق بعضهم بعضا أى یلحق احیاءهم بالأموات و یفارقون من الأموال و الأولاد .

( قد تحیّرت مذاهبها ) من المجاز العقلی أى تحیّر أهلها فی مذاهبها و مسالكها لا یهتدون إلى طریق جلب خیرها و دفع شرّها ، و ذلك لاشتباه امورها و عدم وضوح سبلها الموصلة إلى المقصود .

( و أعجزت مهاربها و خابت مطالبها ) إسناد الاعجاز إلى المهارب و الخیبة إلى المطالب أیضا من باب المجاز ، و المراد أنّ من أراد الهرب و الفرار من شرورها فهو عاجز فی مواضع الهرب ، و من أراد النیل إلى عیشها و مآربها فهو خائب فی محال

[ 257 ]

الطلب ، و أشار إلى بعض ملازمات الخیبة بقوله :

( فأسلمتهم المعاقل ) أى لم تحفظهم من الرزایا و لم تحصنهم « تحرزهم خ ل » من المنایا ( و لفظتهم المنازل ) أى ألقتهم و رمت بهم نحو سهام المنیّة ( و أعیتهم المحاول ) أى تصاریف الدّنیا و تغیّرات الزمان أو الحیل لاصلاح امورها .

ثمّ قسّم أهلها باعتبار ما یصیبهم من حوادثها و مزورها إلى أصناف بعضها أحیاء و بعضها أموات و هو قوله :

( فمن ناج معقور ) أى مجروح كالهارب من الحرب بعد مقاساة الأحزان و الشداید ، و قد جرح بدنه ، و هذا صفة الباقین فی الدّنیا قد نجوا من الموت و لكن صاروا غرضا للآفات .

( و لحم مجزور ) أى قتیل صار لحما مقطوعا ( و شلو مذبوح ) قال الشّارح البحرانی : أراد ذى شلو أى عضو مذبوح أی قد صار بعد الذبح أشلاء 1 متفرّقة ،

و یحتمل أن یكون مذبوح صفة للشلو ، و أراد بالذبح مطلق الشق كما هو فی أصل اللغة ( و دم مسفوح ) أى ذى دم مسفوك ( و عاض على یدیه ) بعد الموت ندما على التفریط فی أمر اللّه و هو وصف للظالمین قال تعالى و یوم یعضّ الظالم على یدیه یقول یا لیتنی اتّخذت مع الرسول سبیلا . یا ویلتنی لیتنی لم اتّخذ فلانا خلیلا ( و صافق بكفیه ) أى ضارب إحداهما على الاخرى تأسّفا و تحسّرا ( و مرتفق بخدّیه ) أى جاعل راحة كفّیه تحت خدّیه متكا على مرفقیه همّا و حزنا ( و زار على رأیه ) أى عائب على اعتقاده فانه لما كان عقیدته طول المكث و البقاء فی الدّنیا و امتداد زمان الحیاة و كان ذلك موجبا للالتفات بكلیته إلیها و انقطاعه عن الآخرة و انهما كه فی الشهوات ، ثمّ انكشف بالموت فساد تلك العقیدة و بطلان ذلك الاعتقاد لا جرم أزرى على رأیه و عابه ( و راجع عن عزمه ) أى عن قصده ، و ذلك لأنّ قصده لما كان السّعى فی تحصیل الدّنیا و عمارتها و الاكثار من قیناتها و كان منشأ ذلك أیضا زعم تمادى مدّة الحیاة و اللّبث فیها فانكشف خلافه ، كان ذلك موجبا لرجوعه عن عزمه و ندمه

-----------
( 1 ) اى أعضاء ، م

[ 258 ]

علیه ، هذا .

و لما كانت الجملات 1 المتعاطفات الأخیرة كلّها مشتركة المعنى فی إفادة ندم الأموات 2 على ما فرّطوا فی جنب اللّه عقّبها بالجملة الحالیة أعنى قوله :

( و قد أدبرت الحیلة و أقبلت الغیلة ) تنبیها بها على أنه لا ثمر للندم و لا منفعة فی العضّ على الیدین و الصفق بالكفین و الارتفاق بالخدّین و لا فائدة فی الازراء على الرأى و الرّجوع عن العزم ، و الحال أنّه قد ولی الاحتیال و أقبل الهلاك و الاغتیال لأنّ الحیلة للخلاص من العقاب و التدبر و للفوز بالثواب إنّما هو قبل أن یغتال مخالب المنیة كما قال سبحانه إنّما التوبة على اللّه للذین یعملون السوء بجهالة ثمّ یتوبون من قریب .

و أما بعد ما أنشبت أظفارها فلا كما قال سبحانه و لیست التوبة للذین یعملون السّیئات حتّى إذا حضر أحدهم الموت قال انّى تبت الان و لو قال بعد الموت ربّ ارجعون لعلّى اعمل صالحا فیما تركت یقال له كلا انّها كلمة هو قائلها فانقطع العلاج و امتنع الخلاص .

( و لات حین مناص هیهات هیهات ) أى بعد المناص و الخلاص جدّا و الحال أنه ( قد فات ما فات و ذهب ما ذهب ) الاتیان بالموصول فى المقامین تفخیما بشأن الفایت الذاهب أى فات زمان تدارك السیئآت ، و ذهبت أیام جبران الخطیئآت ، و انقضى وقت تحصیل النجاة من العقوبات ، و الخلاص من ورطات الهلكات .

( و مضت الدّنیا لحال بالها ) أى بما فیها خیرا كان و شرّا ، و قیل : أى مضت الدّنیا لما یهواه قلبها و للسّبیل الّذی أرادت و لم تكترث لحال القوم و لم تهتم لأمرهم بل نسیتهم ، و هذا مثل قولهم : مضى فلان لسبیله ، و مضى لشأنه .

( فما بكت علیهم السّماء و الأرض و ما كانوا منظرین ) اقتباس من الآیة الشریفة

-----------
( 1 ) من قوله وعاض على یدیه الى قوله و راجع عن عزمه ( منه ) .

-----------
( 2 ) فیه ما لا یخفى ، لان الظاهر أن الجملات كلها مشتركة المعنى فی افادة ندم الاحیاء على ما فرطوا لا الاموات ، إذ لا یعقل لهم العضّ على الیدین و الصفق بالكفین و الارتفاق بالخدّین كما هو واضح ، و عضّ الظالم على یدیه انما هو فی القیامة فلیتأمل . « المصحح » .

[ 259 ]

فی سورة الدّخان .

و اختلف فی معناها على وجوه :

أحدها أنّه لم تبك علیهم أهل السّماء و أهل الأرض ، لأنهم لا یستحقون أن یتأسّف علیهم أحد و یحزن لفقدهم ، و كأنهم توقعوا ذلك لعزّتهم و رفعة درجتهم فی نظرهم .

الثّانی أنّه ما بكى علیهم المؤمنون من أهل الأرض و لم یبك علیهم أهل السّمآء كما یبكون على فقد الصالحین ، لأنّ هؤلاء مسخوط علیهم ، و هو قریب من الوجه الأوّل .

الثّالث أنّه سبحانه أراد المبالغة فی وصف القوم بصغر القدر ، فانّ العرب إذا أخبرت عن عظم المصاب بالهالك قالت : بكاه السّماء و الأرض ، و أظلم لفقده الشمس و القمر ، قال جریر یرثى عمر بن عبد العزیز :

فالشّمس طالعة لیست بكاسفة
تبكى علیك نجوم اللّیل و القمر

أى لیست مع طلوعها كاسفة نجوم اللّیل و القمر لأنّ عظم المصیبة قد سلبها ضوءها ،

و قال النابغة :

تبدو كواكبه و الشّمس طالعة
لا النور نور و لا الاظلام اظلام

الرابع أن یكون ذلك كنایة عن أنّه لم یكن لهم فی الأرض عمل صالح یرفع منها إلى السّماء ، و قد روى عن ابن عبّاس أنّه سئل عن هذه الآیة فقیل :

و هل یبكیان على أحد ؟ قال : نعم مصلاّه فی الأرض ، و مصعد عمله فی السّماء ، و روى عن أنس عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ما من مؤمن إلاّ و له باب یصعد منه عمله و باب ینزل منه رزقه ، فاذا مات بكیا علیه .

قال الطبرسی : على هذا یكون معنى البكاء الاخبار عن الاختلال بعده ، قال مزاحم العقیلی :

بكت دارهم من أجلهم فتهلّلت
دموعى فأىّ الجازعین ألوم

أ مستعبرا یبكى من الهون و البلى
أم آخر یبكى شجوه و یهیم

و قوله : و ما كانوا منظرین ، أى عوجلوا بالعقوبة و لم یمهلوا ، نسأل اللّه سبحانه أن یوفقنا التوبة قبل حلول الفوت ، و للانابة قبل نزول الموت ، و أن لا یجعلنا فی زمرة

[ 260 ]

من غضب علیه اللّه ، و من نادى واحسرتا على ما فرّطت فی جنب اللّه ، بمحمّد و آله الكرام علیهم الصّلاة و السّلام .

الترجمة

از جمله خطب بلیغه آن بزرگوار است در تحریض مردمان بتقوى و پرهیزكارى میفرماید :

حق و سپاس معبود بحقى را سزا است كه آشكار است حمد او ، و غالب است شكر او ، و بلند است عظمت و جلال او ، حمد میكنم بر نعمتهاى متواتر او ، و بر عطاهاى بزرگ و متكاثر او ، چنان خداوندیكه بزرگ شد حلم او پس عفو فرمود ، و عدالت بجا آورد در هر چه كه حكم نمود ، و عالم شد بآنچه میگذرد و بآنچه گذشت ، آفریننده مخلوقاتست با علم شامل خود ، ایجاد كننده ایشان است با أمر كامل خود بدون اقتدا نمودن بكسى در ایجاد آنها ، و بدون تعلیم دادن دیگرى او را ، و بی اندازه گرفتن مر نمونه صنعت كار حكیم را ، و بى رسیدن خطا و بدون حضور جماعتى از عقلا كه مشاورت كند با ایشان در امر ایجاد .

و شهادت مى‏دهم باینكه محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بنده و رسول او است ، مبعوث فرمود او را در حالتیكه مردمان سیر میكردند در شدّت و ضلالت ، و موج میزدند در حیرت و جهالت ، در حالتیكه كشیده بود ایشان را مهارهاى هلاكت ، و بسته بود بر دلهاى ایشان قفلهاى وسخ ذنوب .

وصیّت میكنم شما را أى بندگان خدا بپرهیزكارى پروردگار ، پس بدرستیكه تقوى حق خدا است بر ذمه شما ، و واجب كننده است حق شما را بر خدا ،

و وصیت میكنم باینكه استعانت نمائید بر تقوى از خدا ، و استعانت نمائید از تقوى بر خدا ، پس بتحقیق كه تقوى در این روز دنیا پناه است و سپر ، و در فرداى آخرت راه است ببهشت ، راه آن تقوى واضح است و آشكار ، و راه رونده آن صاحب ربح است و با منفعت ، و أمانت گیرنده آن حافظ است آنرا از تلف .

[ 261 ]

همیشه تقوى اظهار كننده است نفس خود را بر امّتهاى كه گذشته‏اند و باقى مانده بجهت حاجت ایشان بآن در فردا زمانى كه باز گرداند خدا آنچه را كه ایجاد فرموده بود ، و بگیرد آنچه را كه عطا نموده بود ، و سؤال نماید از چیزى كه احسان كرده بود ، پس چه قدر كم است اشخاصى كه قبول تقوا كردند و برداشتند آنرا حق برداشتن آنجماعت متقیان كم‏اند از حیثیّت عدد ، و ایشان كسانى هستند كه وصف فرموده خدا ایشان را در كتاب مجید خود وقتیكه میفرماید و قلیل من عبادى الشكور یعنى اندك است از بندگان من شكر كننده .

پس بشتابید بسمعهاى خود بسوى شنیدن منافع تقوى ، و مداومت نمائید با جد و جهد خودتان بر تقوى ، و عوض نمائید آن را از هر گذشته از جهت خلف صالح بودن ، و عوض نمائید آنرا از هر چیزى كه مخالف طریق حق است در حالتیكه آن موافق حق است ، و بیدار نمائید با آن تقوى خواب خود را ، و ببرید با آن روز خود را ،

و شعار قلبهاى خود نمائید آن را ، و بشوئید با آن گناهان خود را ، و دوا نمائید با آن ناخوشیهاى خود را ، و مبادرت كنید با آن بسوى مرگ ، و عبرت بگیرید با كسیكه ضایع ساخت تقوى را . و البته نباید عبرت گیرد با شما كسیكه اطاعت نماید بآن ، آگاه باشید پس نگاه دارید تقوى را و نگاه دارى كنید با آن نفس خود را .

و باشید از دنیا دور شوندگان و بسوى آخرت شیفته‏گان ، و پست مسازید كسى را كه بلند نموده است او را تقوى ، و بلند مسازید كسیراكه بلند نموده است او را دنیا ، و چشم ندوزید بزخارف برق زننده دنیا ، و گوش ندهید بمدح كننده آن ،

و قبول نكنید خواننده بدنیا را ، و روشنى مخواهید با روشنى آن ، و مفتون نشوید بنفایس آن از جهت اینكه برق آن خالى است از باران ، و گفتار آن دروغ است ،

و مالهاى او گرفته شده است بتمامى ، و نفایس آن ربوده شده بناكامى .

آگاه باشید كه دنیا مثل زن فاجره است كه متعرّض شونده مردها است ،

كثیر التعرض است بایشان مثل حیوان سركشى است نافرمان ، و كاذبست بغایت خاین ، و منكرات زیاده ناسپاس ، و منحرفست بسیار عدول كننده و برگردانده است

[ 262 ]

زیاده متغیّر و مضطرب ، شأن آن زوال و فنا است و موضع قدم آن اضطرابست و حركت ، و عزّت آن خواریست و همت آن سخریّه است و استهزا ، و بلندى آن پستى است ، خانه ستاندن و ربودن و غارت و هلاكت است ، أهل آن بر شدّت‏اند و رحلت و بر لا حق شدن روندگان‏اند و مفارقت از باقى ماندگان .

بتحقیق متحیّر بوده است راههاى آن ، و عاجز نموده محلهاى گریز از آن ،

و خایب و نا امید شده مكانهاى طلب او ، پس فرو گذاشت و ترك نمود ایشان را پناكاهها ،

و انداخت ایشان را منزلها ، و عاجز ساخت آنها را انقلابات روزگار .

پس بعضى از ایشان نجات یابنده است صاحب جراحت ، و بعضى گوشتى است پاره پاره ، و عضوى است بریده شده ، و خونیست ریخته شده ، و گزنده است با دندان دستهاى خود را از روى ندامت ، و زننده است كف دستهایش را بهم از روى حسرت ، و نهنده است مرفقین خود را زیر خدّین خود از جهت پریشانى و اندوه ،

و عیب كننده است بر عقیده فاسد خود ، و رجوع كننده است از عزم و قصد خود .

و حال آنكه بتحقیق كه ادبار نموده حیله و تدبیر ، و اقبال كرده مرگ ناگهان ، و نیست این وقت وقت چاره چه دور است بغایت دور چاره و علاج ، و حال آنكه فوت شد آنچه كه فوت شد ، و رفت آنچه كه رفت ، و گذشت دنیا بحال دل خود نه بخواهش اهل روزگار ، پس نه گریست بأهل روزگار آسمان و زمین ، و مهلت داده نشدند و زود گرفتار عذاب گشتند .





نظرات() 


What do you do for a strained Achilles tendon?
سه شنبه 28 شهریور 1396 03:49 ق.ظ
Thanks for finally writing about >پیام هادی - ادامه تفاسیر نهج البلاغه <Loved it!
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox