تبلیغات
پیام هادی - تفاسیر نهج البلاغه
 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-01:54 ب.ظ

[ 191 ] و من خطبة له ع یحمد

اللّه و یثنی على نبیه و یوصی بالزهد و التقوى اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْفَاشِی فِی اَلْخَلْقِ حَمْدُهُ وَ اَلْغَالِبِ جُنْدُهُ وَ اَلْمُتَعَالِی جَدُّهُ أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ اَلتُّؤَامِ وَ آلاَئِهِ اَلْعِظَامِ اَلَّذِی عَظُمَ حِلْمُهُ فَعَفَا وَ عَدَلَ فِی كُلِّ مَا قَضَى وَ عَلِمَ مَا یَمْضِی وَ مَا مَضَى مُبْتَدِعِ اَلْخَلاَئِقِ بِعِلْمِهِ وَ مُنْشِئِهِمْ بِحُكْمِهِ بِلاَ اِقْتِدَاءٍ وَ لاَ تَعْلِیمٍ وَ لاَ اِحْتِذَاءٍ لِمِثَالِ صَانِعٍ حَكِیمٍ وَ لاَ إِصَابَةِ خَطَإٍ وَ لاَ حَضْرَةِ مَلَإٍ الرسول الأعظم وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ اِبْتَعَثَهُ وَ اَلنَّاسُ یَضْرِبُونَ فِی غَمْرَةٍ وَ یَمُوجُونَ فِی حَیْرَةٍ قَدْ قَادَتْهُمْ أَزِمَّةُ اَلْحَیْنِ وَ اِسْتَغْلَقَتْ عَلَى أَفْئِدَتِهِمْ أَقْفَالُ اَلرَّیْنِ الوصیة بالزهد و التقوى عِبَادَ اَللَّهِ أُوصِیكُمْ بِتَقْوَى اَللَّهِ فَإِنَّهَا حَقُّ اَللَّهِ عَلَیْكُمْ وَ اَلْمُوجِبَةُ عَلَى اَللَّهِ حَقَّكُمْ وَ أَنْ تَسْتَعِینُوا عَلَیْهَا بِاللَّهِ وَ تَسْتَعِینُوا بِهَا عَلَى اَللَّهِ فَإِنَّ اَلتَّقْوَى فِی اَلْیَوْمِ اَلْحِرْزُ وَ اَلْجُنَّةُ وَ فِی غَدٍ اَلطَّرِیقُ إِلَى اَلْجَنَّةِ مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ وَ سَالِكُهَا رَابِحٌ وَ مُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةً نَفْسَهَا عَلَى اَلْأُمَمِ اَلْمَاضِینَ مِنْكُمْ وَ اَلْغَابِرِینَ لِحَاجَتِهِمْ إِلَیْهَا غَداً إِذَا أَعَادَ اَللَّهُ مَا أَبْدَى وَ أَخَذَ مَا أَعْطَى وَ سَأَلَ عَمَّا أَسْدَى فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَا وَ حَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا أُولَئِكَ اَلْأَقَلُّونَ عَدَداً وَ هُمْ أَهْلُ صِفَةِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ إِذْ یَقُولُ وَ قَلِیلٌ مِنْ عِبادِیَ اَلشَّكُورُ فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَیْهَا وَ أَلِظُّوا بِجِدِّكُمْ عَلَیْهَا وَ اِعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَفٍ خَلَفاً وَ مِنْ كُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقاً أَیْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ وَ اِقْطَعُوا بِهَا یَوْمَكُمْ وَ أَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ وَ اِرْحَضُوا بِهَا ذُنُوبَكُمْ وَ دَاوُوا بِهَا اَلْأَسْقَامَ وَ بَادِرُوا بِهَا اَلْحِمَامَ وَ اِعْتَبِرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا وَ لاَ یَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أَطَاعَهَا أَلاَ فَصُونُوهَا وَ تَصَوَّنُوا بِهَا وَ كُونُوا عَنِ اَلدُّنْیَا نُزَّاهاً وَ إِلَى اَلْآخِرَةِ وُلاَّهاً وَ لاَ تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ اَلتَّقْوَى وَ لاَ تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ اَلدُّنْیَا وَ لاَ تَشِیمُوا بَارِقَهَا وَ لاَ تَسْمَعُوا نَاطِقَهَا وَ لاَ تُجِیبُوا نَاعِقَهَا وَ لاَ تَسْتَضِیئُوا بِإِشْرَاقِهَا وَ لاَ تُفْتَنُوا بِأَعْلاَقِهَا فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبٌ وَ نُطْقَهَا كَاذِبٌ وَ أَمْوَالَهَا مَحْرُوبَةٌ وَ أَعْلاَقَهَا مَسْلُوبَةٌ أَلاَ وَ هِیَ اَلْمُتَصَدِّیَةُ اَلْعَنُونُ وَ اَلْجَامِحَةُ اَلْحَرُونُ وَ اَلْمَائِنَةُ اَلْخَئُونُ وَ اَلْجَحُودُ اَلْكَنُودُ وَ اَلْعَنُودُ اَلصَّدُودُ وَ اَلْحَیُودُ اَلْمَیُودُ حَالُهَا اِنْتِقَالٌ وَ وَطْأَتُهَا زِلْزَالٌ وَ عِزُّهَا ذُلٌّ وَ جِدُّهَا هَزْلٌ وَ عُلْوُهَا سُفْلٌ دَارُ حَرَبٍ وَ سَلَبٍ وَ نَهْبٍ وَ عَطَبٍ أَهْلُهَا عَلَى سَاقٍ وَ سِیَاقٍ وَ لَحَاقٍ وَ فِرَاقٍ قَدْ تَحَیَّرَتْ مَذَاهِبُهَا وَ أَعْجَزَتْ مَهَارِبُهَا وَ خَابَتْ مَطَالِبُهَا فَأَسْلَمَتْهُمُ اَلْمَعَاقِلُ وَ لَفَظَتْهُمُ اَلْمَنَازِلُ وَ أَعْیَتْهُمُ اَلْمَحَاوِلُ فَمِنْ نَاجٍ مَعْقُورٍ وَ لَحْمٍ مَجْزُورٍ وَ شِلْوٍ مَذْبُوحٍ وَ دَمٍ مَسْفُوحٍ وَ عَاضٍّ عَلَى یَدَیْهِ وَ صَافِقٍ بِكَفَّیْهِ وَ مُرْتَفِقٍ بِخَدَّیْهِ وَ زَارٍ عَلَى رَأْیِهِ وَ رَاجِعٍ عَنْ عَزْمِهِ وَ قَدْ أَدْبَرَتِ اَلْحِیلَةُ وَ أَقْبَلَتِ اَلْغِیلَةُ وَ لاَتَ حِینَ مَنَاصٍ هَیْهَاتَ هَیْهَاتَ قَدْ فَاتَ مَا فَاتَ وَ ذَهَبَ مَا ذَهَبَ وَ مَضَتِ اَلدُّنْیَا لِحَالِ بَالِهَا فَما بَكَتْ عَلَیْهِمُ اَلسَّماءُ وَ اَلْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِینَ


[ 218 ]

و من خطبة له علیه السّلام و هى المأة و التسعون من المختار فى باب الخطب

الحمد للّه الفاشی « فی الخلق خ ل » حمده ، و الغالب جنده ،

و المتعالی جدّه ، أحمده على نعمه التّوام ، و آلائه العظام ، الّذی عظم حلمه فعفى ، و عدل فی كلّ ما قضى ، و علم ما « بما خ » یمضى و ما مضى ، مبتدع الخلایق بعلمه ، و منشئهم بحكمه ، بلا اقتداء و لا تعلیم ، و لا احتذاء لمثال صانع حكیم ، و لا إصابة خطاء ، و لا حضرة ملاء ، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ، ابتعثه و النّاس یضربون فی غمرة ، و یموجون فی حیرة ، قد قادتهم أزمّة الحین ، و استغلقت على أفئدتهم أقفال الرّین .

أوصیكم عباد اللّه بتقوى اللّه ، فإنّها حقّ اللّه علیكم ، و الموجبة على اللّه حقّكم ، و أنّ تستعینوا علیها باللّه ، و تستعینوا بها على اللّه ،

فإنّ التّقوى فی الیوم الحرز و الجنّة ، و فی غد الطّریق إلى الجنّة ، مسلكها واضح ، و سالكها رابح ، و مستودعها حافظ ، لم تبرح عارضة نفسها على الامم الماضین و الغابرین لحاجتهم إلیها غدا إذا أعاد اللّه ما أبدا ،

[ 219 ]

و أخذ ما أعطى ، و سئل ما أسدى ، فما أقلّ من قبلها ، و حملها حقّ حملها أولئك الأقلّون عددا ، و هم أهل صفة اللّه سبحانه إذ یقول و قلیل من عبادی الشّكور فأهطعوا بأسماعكم إلیها ، و أكظّوا بجدّكم علیها ، و اعتاضوها من كلّ سلف خلفا ، و من كلّ مخالف موافقا ،

أیقظوا بها نومكم ، و اقطعوا بها یومكم ، و أشعروا بها قلوبكم ،

و أرحضوا بها ذنوبكم ، و داووا بها الأسقام ، و بادروا بها الحمام ،

و اعتبروا بمن أضاعها ، و لا یعتبرنّ بكم من أطاعها ، ألا و صونوها و تصوّنوا بها .

و كونوا عن الدّنیا نزّاها ، و إلى الآخرة ولاّها ، و لا تضعوا من رفعته التّقوى ، و لا ترفعوا من رفعته الدّنیا ، و لا تشیموا بارقها ، و لا تسمعوا ناطقها ، و لا تجیبوا ناعقها ، و لا تستضیؤا بإشراقها ، و لا تفتنوا بأعلاقها ، فإنّ برقها خالب ، و نطقها كاذب ، و أموالها محروبة ،

و أعلاقها مسلوبة ، ألا و هی المتصدّیة العنون ، و الجامحة الحرون ،

و المائنة الخئون ، و الجحود الكنود ، و العنود الصّدود ، و الحیود المیود حالها انتقال ، و وطأتها زلزال ، و عزّها ذلّ ، و جدّها هزل ، و علوها سفل ، دار حرب و سلب و نهب و عطب ، أهلها على ساق و سیاق ،

[ 220 ]

و لحاق و فراق ، قد تحیّرت مذاهبها ، و أعجزت مهاربها ، و خابت مطالبها ، فأسلمتهم المعاقل ، و لفظتهم المنازل ، و أعیتهم المحاول ،

فمن ناج معقور ، و لحم مجزور ، و شلو مذبوح ، و دم مسفوح ، و عاضّ على یدیه ، و صافق بكفّیه « لكفّیه خ » ، و مرتفق بخدّیه ، و زار على رأیه ، و راجع عن عزمه ، و قد أدبرت الحیلة ، و أقبلت الغیلة ، ولات حین مناص ، و هیهات هیهات قد فات ما فات ، و ذهب ما ذهب ،

و مضت الدّنیا لحال بالها فما بكت علیهم السّماء و الأرض و ما كانوا منظرین .

اللغة

( فشا ) الخبر یفشو فشوا أى ظهر و شاع و انتشر ، و أفشیته و فشت امور النّاس افترقت و فشت الماشیة مرحت و ( الجدّ ) العظمة و هو مصدر یقال منه جدّ فی عیون النّاس من باب ضرب أى عظم و الجدّ أیضا الحظّ یقال وجدت بالشی‏ء من باب تعب أى حظظت به ، و قیل الجد أصله القطع ، و منه الجدّ العظمة لانقطاع كلّ عظمة عنها لعلوّها علیه و منه الجدّ أبوأب الأب لانقطاعه بعلوّ أبوّته و كلّ من فوقه لهذا الولد أجداد و الجدّ الحظ لانقطاعه بعلوّ شأنه ، و الجدّ خلاف الهزل لانقطاعه عن السخف و منه الجدید لأنه حدیث عهد بالقطع .

و ( التوام ) جمع توأم و زان فوعل و هو أبو المقارن أخاه فی بطن واحد و كلّ واحد من الولدین توأم و هذا توأم هذا و هذه توأمته ، و الجمع توائم مثل جندل و جنادل ، و یجمع أیضا على توام و زان فعال كما فی هذه الخطبة .

[ 221 ]

و ( استغلقنى ) بیعته و استغلق علىّ بیعته أى لم یجعل لى خیارا فی ردّه و ( الرّین ) الدنس یقال : ران على قلبه ذنبه أى دنسه و وسخه و ( اهطع ) فی عدوه أى أسرع و أهطع البعیر إذا مدّ عنقه و صوّب رأسه ، و فی بعض النسخ بدل فاهطعوا فانقطعوا بأسماعكم ، فلا بدّ من التضمین أى انقطعوا مستمعین بأسماعكم .

و ( اكظوا ) أمر من الكظّ و هو الجهد یقال كظّه الأمر جهده و الكظاظ طول الملازمة و شدّة الممارسة ، و فی بعض النسخ : و ألظوّا من ألظّ فی الأمر أى ألحّ فیه و ألظّ المطر أى دام و فی بعض النسخ : و واكظوا من المواكظة و هى المداومة على الأمر و ( الجدّ ) فی الشی‏ء بالكسر المبالغة و الاجتهاد فیه و ( رحضت ) الثوب رحضا من باب منع غسلته و ( شام ) البرق یشمه إذا نظر إلیه انتظارا للمطر و ( تصدّى ) له تعرّض و ( عنّ ) الشی‏ء یعنّ من باب ضرب عنا و عننا و عنونا إذا ظهر أمامك و اعترض و ( جمح ) الفرس براكبه یجمح من باب منع جماحا و جموحا استعصى حتّى غلبه فهو جموح و زان رسول و جامح ، و جمحت المرأة خرجت من بیتها غضبى بغیر إذن بعلها .

و ( حرن ) الدابة حرونا من باب قعد فهى حرون و هی التّی إذا استدرّ جریها وقفت و ( مان ) یمین مینا كذب فهو مائن و ( حادت ) الناقة عن كذا أى مالت عنه فهى حیود و ( مادت ) أى مالت فهى میود فان كانت عادتها ذلك سمّیت الحیود المیود و ( الجدّ ) فی الكلام بالكسر ضدّ الهزل و ( الحرب ) بسكون الراء معروف و جمعه حروب و بفتحها مصدر یقال حربه حربا مثل طلبه طلبا أى سلب ماله ( و سلبه ) سلبا و سلبا اختلسه و ( و النّهب ) بسكون الهاء الغنیمة .

و ( الساق ) ما بین الكعب و الركبة قال سبحانه و التفّت السّاق بالسّاق و السّاق أیضا الشدّة ، و منه قامت الحرب على ساق إذا اشتدّ أمرها و صعب الخلاص منها ، و ربما فسّرت الآیة بهذا المعنى أى التفّت آخر شدّة الدّنیا بأوّل شدّة الآخرة .

[ 222 ]

( و السّیاق ) مصدر من ساق الماشیة سوقا و سیاقة و ساق المریض سوقا و سیاقا شرع فی نزع الروح و ( جزرت ) الجزور نحرتها و ( الشلو ) بالكسر العضو و الجسد من كلّ شی‏ء و كلّ مسلوخ أكل منه شی‏ء و بقیت منه بقیّة و الجمع أشلاء كحبر و أحبارو ( ارتفق ) اتكاء على مرفق یده أو على المخدّة و ( الغیلة ) الشّر أو بمعنى الاغتیال و هو الخدیعة و ( المناص ) المهرب من ناص عن قرنه ینوص نوصا إذا هرب و المناص أیضا الملجأ .

و قوله ( لحال بالها ) قال الشارح المعتزلی كلمة یقال فیما انقضى و فرط أمره و قیل : البال القلب و رخاء النفس أى مضت الدّنیا لما یهواه قلبها .

الاعراب

جملة و قد أدبرت الحیلة فی محلّ النصب حال من فاعل راجع و قوله : و لات حین مناص ، لا مشبّهة بلیس و التاء زایدة و حین بالنصب خبر لا و اسمها محذوف ، قال نجم الأئمة : و قد یلحق لا التاء نحو لات فیختصّ بلفظ الحین مضافا إلى نكرة ، نحو لات حین مناص ، و قد یدخل على لفظة أوان و لفظة هنا أیضا و قال الفراء یكون مع الأوقات كلّها و أنشد : و لات ساعة مندم .

و التاء فی لات للتأنیث كما فی ربّة و ثمّة قالوا : إما لتأنیث الكلمة أى لا ،

أو لمبالغة النفى كما فی علاّمة فاذا ولیها حین فنصبه أكثر من رفعه و یكون اسمها محذوفا و حین خبرها أى لات الحین حین مناص و تعمل یعنى لات عمل لیس لمشابهتها له بكسع 1 التاء إذ یصیر على عدد حروفه ساكنة الوسط و لا یجوز أن یقال باضمار اسمها كما فی نحو عبد اللّه لیس منطلقا ، لأنّ الحرف لا یضمر فیه و إن شابه الفعل ،

و اذا رفعت حین على قلّته فهو اسم لا و الخبر محذوف أى لات حین مناص حاصلا ، و لا یستعمل إلاّ محذوفة أحد الجزئین .

هذا قول سیبویه و عند الأخفش أنّ لات غیر عاملة و المنصوب بعدها بتقدیر

-----------
( 1 ) الكسع ان تضرب دبر الانسان بیدك او بصدر قدمك .

[ 223 ]

فعل ، فمعنى لات حین مناص لا أرى حین مناص ، و المرفوع بعدها مبتدء محذوف الخبر ، و فیه ضعف لأنّ وجوب حذف الفعل الناصب و خبر المبتداء له مواضع متعینة قال نجم الأئمّة : و لا یمتنع دعوى كون لات هی لاء التبریة ، و یقوّیه لزوم تنكیر ما اضیف حین إلیه ، فاذا انتصب حین بعدها فالخبر محذوف كما فی لا حول و إذا ارتفع فالاسم محذوف أى لات حین حین مناص كما فی لا علیك ، و نقل عن أبى عبید أنّ التاء من تمام حین كما جاء :

العاطفون تحین ما من عاطف
و المطعمون زمان ما من مطعم

و قد ضعف لعدم شهرة تحین فی اللّغات و اشتهار لات حین ، و أیضا فانّهم یقولون لات أوان و لات هنا و لا یقال تاوان و تهنا .

و كیف كان فجملة و لات حین مناص فی موضع النصب حال من فاعل اقبلت ،

و قوله : هیهات هیهات اسم فعل فیه معنى البعد ، و فیه ضمیر مرتفع عاید إلى مناص و المعنى بعد المناص جدّا حتى امتنع .

قال نجم الأئمة و كلّ ما هو من اسماء الأفعال بمعنى الخبر 1 ففیه معنى التعجّب فمعنى هیهات أى ما أبعده ، و شتّان أى ما أشدّ الافتراق ، و سرعان و وشكان أى ما أسرعه ، و بطان أى ما أبطاه .

و قال الزمخشرى فی الكشاف فی قوله تعالى ا یعدكم انكم إذا كنتم ترابا و عظاما انكم مخرجون . هیهات هیهات لما توعدون قرأ هیهات بالفتح و الكسر و الضمّ كلّها بتنوین و بلا تنوین و بالسّكون على لفظ الوقف .

و قال أبو علیّ و انّما كرّر هیهات فی الآیة و فی قول جریر :

فهیهات هیهات العقیق و من به
و هیهات وصل بالعقیق فواصله

للتأكید أمّا اللتان فی الایة ففی كلّ واحد ضمیر مرتفع یعود إلى الاخراج إذ لا یجوز خلوّه من الفاعل و التقدیر : هیهات إخراجكم ، لأنّ قوله : انّكم مخرجون

-----------
( 1 ) احتراز عما هو بمعنى الانشاء مثل هلم بمعنى اقبل و روید بمعنى امهل و بله بمعنى اترك و نحوها .

[ 224 ]

بمعنى الاخراج أى بعد اخراجكم للوعد إذ كان الوعد إخراجكم بعد موتكم استبعد أعداء اللّه إخراجهم لما كانت العدة به بعد الموت ، ففاعل هیهات هو الضّمیر العاید إلى انكم مخرجون الّذی هو بمعنى الاخراج .

و امّا فی البیت ففى هیهات الأوّل ضمیر العقیق و فسّر ذلك ظهوره مع الثّانی ، هذا .

و ذكر فی القاموس فی هیهات إحدى و خمسین لغة لا مهمّ بنا إلى ذكرها .

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشریفة المشتملة على كثیر من محاسن البلاغة و البدیع من الانسجام و حسن السّبك و أنواع من الجناس و حسن الاسجاع و القوا فی و الاشتقاق و نسبة الاشتقاق و غیرها مما یعرفها الناقد البصیر مسوقة للترغیب إلى التقوى و الترهیب من الدّنیا ، و قبل الشروع فی المقصود ابتدأ بحمد اللّه سبحانه و ذكر جملة من نعوت جماله و صفات جلاله كما هو دأبه و دیدنه فی مقام الخطابة فقال :

( الحمد للّه الفاشى حمده ) أى الشایع المنتشر ثناؤه فی جمیع مخلوقاته بعضها كالكفار بلسان الحال فقط و بعضها به و بلسان المقال أیضا .

قال تعالى فی سورة الرّعد و یسبّح الرّعد بحمده و الملائكة من خیفته و فی سورة النمل أ و لم یروا إلى ما خلق اللّه من شی‏ء یتفیّؤ ظلاله عن الیمین و الشمائل سجّدا للّه و هم داخرون . و للّه یسجد ما فى السّموات و ما فی الأرض من دابّة و الملائكة و هم لا یستكبرون و فی سورة بنی إسرائیل تسبّح له السّموات السبع و الأرض و من فیهنّ و ان من شی‏ء إلاّ یسبّح بحمده و لكن لا تفقهون تسبیحهم انه كان حلیما غفورا و فی سورة النور أ لم تر انّ اللّه یسبّح له من فی السموات و الارض و الطیر صافّات كلّ قد علم صلوته و تسبیحه و اللّه علیم بما یفعلون إلى غیر هذه من الایات الدالة على تسبیح كلّ شی‏ء و تقدیسه و حمده للّه سبحانه .

[ 225 ]

و المراد بالتسبیح حسبما اشرنا إلیه معنى منتظم لما ینطق به لسان الحال و لسان المقال بطریق عموم المجاز .

و ذهب بعض أهل العرفان إلى أنّ المراد به التسبیح بلسان المقال حیث قال : خلق اللّه الخلق لیسبّحوه فأنطقهم بالتسبیح له و الثناء علیه و السّجود له فقال ألم تر انّ اللّه یسبّح له من فی السّموات و الأرض و الطیر الایة و قال أیضا أ لم تر أنّ اللّه یسجد له من فی السّموات و من فی الأرض و الشمس و القمر الآیة و خاطب بهاتین الآیتین نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الذی أشهده ذلك و أراه فقال : ألم تر ، و لم یقل : ألم تروا فانا ما رأیناه فهو لنا ایمان و لمحمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عیان ، فأشهده سجود كلّ شی‏ء و تواضعه للّه ، و كلّ من أشهده اللّه ذلك و أراه دخل تحت هذا الخطاب ، و هذا تسبیح فطرى و سجود ذاتی نشأ عن تجل تجلّى لهم فأحبوه فانبعثوا إلى الثناء علیه من غیر تكلیف بل اقتضاء ذاتیّ ، و هذه هى العبادة الذاتیّة الّتی أقامهم اللّه فیها بحكم الاستحقاق الذی یستحقّه .

قال : و لیس هذا التسبیح بلسان الحال كما یقوله أهل النظر ممّن لا كشف له قال : و نحن زدنا مع الایمان بالاخبار الكشف ، فقد سمعنا الأحجار تذكر اللّه رؤیة عین بلسان تسمعه آذاننا منها ، و تخاطبنا مخاطبة العارفین بجلال اللّه ممّا لیس یدركه كلّ انسان ، انتهى .

و فیه ما ذكره من الدّلیل لا یفى باثبات مدّعاه إذ التسبیح الذاتی و السجود الفطرى الذی ذكره لیس أمرا وراء التسبیح بلسان الحال فما معنى قوله و لیس هذا التسبیح بلسان الحال كما یقوله أهل النظر .

و بعبارة اخرى التسبیح ، إما قالىّ و هو التسبیح بالنطق و اللّسان مثل قول سبحان اللّه و نحوه ، و إما حالیّ و هو دلالة المخلوق على ما لا یلیق بذاته تعالى من لواحق الامكان و لواحق الحدوث و النقصان ، إذ ما من موجود إلاّ و هو بامكانه و حدوثه یدلّ دلالة واضحة على أنّ له صانعا قادرا علیما حكیما واجب الوجود قطعا للتسلسل .

[ 226 ]

فأن أراد بالسجود الذاتی هذا المعنى فینا فیه قوله و لیس هذا التسبیح بلسان الحال .

و إن أراد المعنى الأوّل فدلیله لا ینهض به إذ محصّل ما ذكره من الدلیل أنّ الخطاب فی الآیتین متوجّه إلى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بخصوصه ، و لذلك قال : ألم تر و لم یقل : ألم تروا ، و لو كان المراد التسبیح بلسان الحال لقال ألم تروا ، لأنّ التسبیح الحالی یعرفه كلّ أحد بخلاف التسبیح القولی فانّه مختصّ رؤیته بالنبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

و یتوجّه علیه أنّا نمنع اختصاص الخطاب به صلّى اللّه علیه و آله بل متوجّه إلى كلّ من یتأتّی منه الرؤیة و النظر لو قلنا بالقول الآخر ، و یشهد بذلك قوله فی سورة النحل أ لم یروا إلى ما خلق اللّه من شی‏ء حیث أتى بصیغة الجمع فلا فرق بین هذه الایة و الآیتین المتقدّمتین ، غایة الأمر أنّ الاستفهام فی الاولیین للتقریر و إن كان الخطاب مختصّا بالنبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و فی هذه للتوبیخ و التقریع ، و من المعلوم أنّ التوبیخ إنّما توجّه علیهم بسبب تمكّنهم من الرؤیة ، و الرؤیة العیانیة كما ذكره هذا القائل غیر ممكنة ، فلا بدّ من حمل السجود على السجود بلسان الحال ، و الرؤیة بالرّؤیة بمعنى التفكر .

ثمّ ما ادّعاه أخیرا من الكشف و أنّه سمع باذنه ذكر الأحجار بعد الغضّ عن أنّه دعوى بلا برهان یناقض ما قرّره أولا من اختصاص الرؤیة العیانیة بالنّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لأنّه على زعمه یكون شریك النبوّة فی الرؤیة العیانیة مع سایر أرباب المكاشفة ، و هذا یقتضى أن یؤتى الخطاب فی الآیتین بصیغة الجمع و یقال : ألم تروا .

اللّهمّ إلاّ أن یقال : إنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم له قوّة الرؤیة لسجود جمیع الأشیاء ،

و هذا القائل ادّعى تسبیح البعض كالأحجار ، و لما ذكر سبحانه فی الآیتین سجود الجمیع و تسبیحهم لا جرم خصّ رؤیته بالنبیّ لكونه فقط متمكّنا من رؤیة الكلّ ، هذا و ربما استدلّ على ما قاله هذا القائل من أنّ الجماد و النبات و الحیوان كلّها ناطقة بالحمد و الثناء و التسبیح و التقدیس قولا لقوله « و لكن لا تفقهون تسبیحهم »

[ 227 ]

فانّ التسبیح الّذی لا نفقهه هو التسبیح المقالی ، و أمّا التسبیح الحالی فیفقهه كلّ من له عقل و نظر .

و فیه أوّلا النقض بقوله أ و لم یروا إلى ما خلق اللّه من شی‏ء یتفیّوء ظلاله عن الیمین و الشمائل سجّدا للّه و هم داخرون فانّه سبحانه وبّخهم على ترك رؤیة سجود ما خلق اللّه ، و لازم ذلك أن تكون الرّؤیة ممكنة و إلاّ لم یحسن التوبیخ ، و السجود المقالی غیر ممكنة الرؤیة إذ لا نفقهه فلا بدّ أن یكون سجودهم بالحال حتّى یمكن رؤیته و یحسن التوبیخ على تركها .

و ثانیا بالحلّ و أنّه لا یثبت المدّعى ، لأنّ قوله لا تفقهون تسبیحهم كما یجوز أن یراد به التسبیح القولی و یكون عدم فهم المخاطبین له من أجل اختلاف اللغات و عدم معرفتهم بأصوات الحیوانات و الجمادات و سایر المخلوقات ،

كذلك یجوز أن یراد به التسبیح الحالی و یكون عدم فهم المخاطبین له لأجل التشاغل و الأغراض ، أى لا تعلمون تسبیح هذه الأشیاء حیث لم تنظروا فیها و لم تعرفوا كیفیّة دلالتها على صانعها .

و لذلك قال المفسّرون إنّ الخطاب فیها للمشركین أى لا تفقهون أیّها المشركون لاخلالكم بالنظر الصحیح الّذی به یفقه ذلك ، و إلى هذا أشیر فی قوله سبحانه و كأیّن من آیة فی السموات و الأرض یمرّون علیها و هم عنها معرضون .

و على ما قلنا فیكون مفاد هذه الآیة موافقا لمفاد الآیة السابقة أعنی قوله أ و لم یروا الى ما خلق اللّه و لمفاد سایر الآیات المتقدّمة ، فیكون المراد بالتسبیح و السجود و الحمد فی جمیعها المعنی الأعمّ مما كان بلسان المقال ، و یكون المراد بالرؤیة فیها هو الرّؤیة بمعنی التأمّل و التدبّر فی ملكوت السماوات و الأرض و معرفته دلّهم للّه سبحانه قولا و حالا ، هذا .

و لما كان هذا المقام من مطارح الأنظار و مسارح الأفكار أحببت أن اشبع فیه الكلام بتوفیق الملك العلاّم و إعانة الأئمة الكرام علیهم السّلام .

[ 228 ]

فأقول : إنّ التسبیح و الثناء للّه سبحانه على قسمین .

أحدهما حالیّ ، و هو دلالة أحوال المخلوق على وجود خالقه و توحیده ،

و التسبیح ، و الثناء بهذا المعنی لا ریب فی اتّصاف جمیع المخلوقات به « و ان من شی‏ء الاّ یسبّح بحمده » إذ كلّ موجود سوى القدیم حادث یدعو إلى تعظیمه لافتقاره إلى صانع غیر مصنوع صنعه ، أو صنع من صنعه فهو یدعو الى تثبیت قدیم غنیّ بنفسه عن كلّ شی‏ء سواه ، و لا یجوز علیه ما یجوز على المحدثات .

و بعبارة اخرى نقصانات الخلایق دلائل كمالات الخالق ، و كثراتها و اختلافاتها شواهد وحدانیّته ، و انتفاء الشریك و الضّد و النّد عنه كما قال علیه السّلام فی المختار المأة و الخمس و الثمانین : بتشعیره المشاعر عرف أن لا مشعر له ، و بمضادّته بین الأمور عرف أن لا ضدّ له ، و بمقارنته بین الأشیاء عرف أن لا قرین له .

و الثانی قالیّ ، و هو فی الانسان و الملك و الجنّ قول سبحان اللّه و الحمد للّه و نحو ذلك من الألفاظ المتضمّنة للتنزیه و التقدیس الخارجة من اللّسان و المسموعة بالأسماع و الآذان .

و أما فی أصناف الحیوان فكلّ صنف بما اختصّ به من النطق و امتاز به عن سایر أبناء جنسه كالفرس فى صهیله ، و البعیر فی هدیره ، و الحمار فی نهیقه ، و الغراب فی نعیقه و هكذا .

و أمّا فی الجماد و النبات و الماء و الشجر و الأرض و الهواء فنحو آخر مثل الصریر فی الأبواب ، و الجرى فی المیاه ، و الانقضاض فی الجدران و الأخشاب ،

و نحو ذلك مما یعلمه اللّه سبحانه و تعالى .

إذا عرفت ذلك فأقول : أما ذوو العقول فلا كلام فی تسبیحهم للّه سبحانه حالا و قالا ، كما لا كلام فی اتّصاف غیر ذوى العقول حیوانا أو جمادا بالتسبیح الحالی ،

و إنما الكلام فی اتّصافها بالتسبیح القالی ، و الحقّ فیه أیضا الامكان بل الوقوع خلافا لعلم الهدى السیّد المرتضى فی كتاب الغرر و الدّرر ، و للفخر الرازی فی التفسیر الكبیر .

[ 229 ]

لنا على جوازه و وقوعه فی الحیوان أنّ الأدلة من الكتاب و السّنّة قد دلّت على أنّ الأنواع على اختلافها منطقا مفهوما و ألفاظا تفید أغراضها بمنزلة الأعجمی و العربی اللّذین لا یفهم أحدهما كلام صاحبه و إنما یفهمه المشارك له فی هذه اللهجة فاذا جاز لها النطق فی سایر أغراضها جاز لها النّطق فی تسبیح خالقها أیضا .

و الشاهد على أنها ذوات نطق و ادراك و شعور ، و أنها تنطق بتوحیده و تسبیحه تعالى قوله سبحانه حكایة عن نملة سلیمان قالت نملة یا ایّها النمل ادخلوا مساكنكم لا یحطمنّكم سلیمان و جنوده و هم لا یشعرون . فتبسّم ضاحكا من قولها و قوله تعالى حكایة عن سلیمان یا أیّها الناس علّمنا منطق الطیر و قوله عزّ و جلّ حكایة عن الهدهد و تكلّمه مع سلیمان فقال ما لى لا أرى الهدهد ام كان من الغائبین . لأعذّبنّه عذابا . شدیدا او لأذبحنّه او لیأتینّی بسلطان مبین . فمكث غیر بعید . فقال احطت بما لم . تحط به و جئتك من سباء بنباء یقین . انّى وجدت امرأة تملكهم و اوتیت من . كلّ شی‏ء و لها عرش عظیم . وجدتها و قومها یسجدون للشمس من دون اللّه و زیّن . لهم الشیطان اعمالهم فصدّهم عن السبیل فهم لا یهتدون . ألاّ یسجدوا اللّه الذّى یخرج . الخبأ فی السموات و الارض و یعلم ما تخفون و ما تعلنون . اللّه لا اله الاّ هو ربّ العرش . العظیم . قال سننظر أصدقت ام كنت من الكاذبین .

و فی هذه الآیة وجوه من الدّلالة على المدّعى .

احدها دلالة هذه الآیات بمجموعها على أنّ سلیمان كان مع الهدهد فی مقام الخطاب و السؤال و الجواب حتّى نزله فی آخر مقاله منزلة العاقلین و جعل خبره محتملا للصدق و الكذب و قال سننظر أ صدقت ام كنت من الكاذبین و ذلك كلّه یدلّ على أنّه كان عالما فهما شاعرا لما یقول و یجیب به .

الثانی قوله لاعذّبنّه عذابا فانّ التعذیب لا یجوز من النّبى المعصوم إلاّ مع التقصیر فی التكلیف ، و الهدهد لما كان مأمورا بطاعته كسایر الوحوش و الطیور استحقّ العقاب لغیبته بدون اذنه ، و اعترف الرازى أیضا بذلك حیث قال قوله « لاعذّبنّه عذابا » اه فهذا لا یجوز أن یقوله إلاّ فیمن هو مكلّف أو فیمن قارب العقل فیصلح لأن یؤدّب .

[ 230 ]

الثالث قوله « احطت بما لم تحط به » فقد قال الرازی : فیه تنبیه لسلیمان على أنّ فی أدنى خلق اللّه من أحاط علما بما لم یحط به ، فیكون ذلك لطفا له فی ترك الاعجاب و الاحاطة بالشی‏ء أن یعلم من جمیع جهاته .

الرابع ما دلّ علیه قوله « وجدتها و قومها یسجدون » إلى قوله « لا یهتدون » من أنّ الهدهد كان له معرفة باللّه و بوجوب السجود له و أنه أنكر سجودهم للشمس و أضافه إلى الشیطان و تزیینه .

و ما قاله الجبائى من أنّ الهدهد لم یكن عارفا باللّه و إنما أخبر بذلك كما یخبر مرهقو صبیاننا لأنه لا تكلیف إلاّ على الملائكة و الانس و الجنّ ، فیرانا الصّبى على عبادة اللّه فیتصوّر أن ما خالفها باطل ، فكذلك الهدهد تصوّر أنّ ما خالف فعل سلیمان باطل .

فهو خلاف ظاهر القرآن لأنه لا یجوز أن یفرق بین الحقّ الذى هو سجود للّه و بین الباطل الذى هو السجود للشمس ، و أنّ أحدهما حسن و الآخر قبیح إلاّ العارف باللّه و بما یجوز علیه و بما لا یجوز علیه خصوصا مع نسبة تزیین أعمالهم و صدّهم عن طریق الحقّ إلى الشیطان ، و هذا مقالة من یعرف العدل و أنّ القبیح غیر جایز على اللّه سبحانه .

الخامس استنكاره علیهم فی ترك السجود للّه بقوله « ألاّ یسجدوا للّه » على القول بأنّ هذا الكلام إلى قوله « العظیم » من تمام الحكایة لمقال هدهد كما علیه اكثر المفسرین لا جملة معترضة و من كلامه سبحانه كما ذهب إلیه بعضهم .

السادس قوله « الّذى یخرج الخبأ » إلى قوله « و ما یعلنون » نصّ فی معرفة الهدهد بقدرة اللّه و بعلمه .

السابع قوله « لا اله الاّ هو ربّ العرش العظیم » فانّه نصّ صریح فی معرفته باللّه و توحیده و تنطّقه بكلمة التوحید و تسبیحه له و تقدیسه من الشریك و وصفه بالربوبیّة ، هذا .

و من الأدلّة أیضا قوله سبحانه فى سورة النور الم تر انّ اللّه یسبّح له من فى

[ 231 ]

السموات و الارض و الطیر صافات كلّ قد علم صلوته و تسبیحه على أنّ الضمیر فی علم راجع إلى الطیر كما علیه جملة من المفسّرین .

و من السنة الأخبار الكثیرة العامیة و الخاصیّة الدالّة على أنّ لها تسبیحا و ذكرا ، و أنها تعرف خالقهم و مصالحهم و مفاسدهم ، و أنه لا یصاد صید فى برّ أو بحر من طیر أو وحش إلاّ بتضییعه التسبیح .

فمنها ما رواه فی البحار من قصص الأنبیاء عن ابن عبّاس عن أمیر المؤمنین علیه السّلام فی حدیث طویل أجاب فیه عن مسائل قوم من أحبار الیهود قال : قالوا : فأخبرنا ما تقول هذه الحیوانات ؟ قال علیه السّلام : درّاج یقول : الرّحمن على العرش استوى ،

و الدّیك یقول : اذكروا اللّه یا غافلین ، و الفرس یقول إذا مشى المؤمنون إلى الكافرین :

اللّهم انصر عبادك المؤمنین على عبادك الكافرین ، و الحمار یلعن العشّار و ینهق فى عین الشیطان ، و الضّفدع یقول : سبحان ربّى المعبود و المسبّح فی لجج البحار ،

و القنبر یقول : اللّهم العن مبغضى محمّد و آل محمّد .

و عن حیوة الحیوان : ذكر السرحان سبحان ربّى ، و ذكر الدّراج : الرّحمن على العرش استوى ، و العقاب : البعد عن الناس راحة ، و الخطاف : الفاتحة إلى آخرها و تمدّ صوته بقوله و لا الضّالین ، و البازى : سبحان ربّى و بحمده ، و القمرى : سبحان ربّى الأعلى ، و الغراب : یلعن العشار ، و الحدئة : كلّ شى‏ء هالك إلاّ اللّه ، و القطاة : من سكت سلم ، و العنقا : ویل لمن كانت الدّنیا همّه ، و الزرزور : اللّهم أسألك رزق یوم بیوم یا رزّاق ، و القبرة : اللّهم العن مبغضی محمّد و آل محمّد ، و الدّیك : اذكروا اللّه یا غافلین ،

و النسر : یا ابن آدم عش ما شئت فانّ آخره الموت ، و الفرس عند ملتقى الجمعین : سبّوح قدّوس ربّ الملائكة و الرّوح ، و الحمار یلعن المكارى و كسبه ، و الضّفدع : سبحان ربّى القدّوس .

و منها ما ورد فی أخبار كثیرة فی حدیث المعراج و غیره من أنّ للّه ملكا فی صورة الدّیك براثینه فی الأرضین السابعة و عرفه تحت العرش و له جناحان یصفق بهما فاذا كان وقت السحر یسبّح اللّه سبحانه و یقول فی تسبیحه : سبّوح قدّوس ربّ

[ 232 ]

الملائكة و الرّوح ، و فی روایة سبحان الملك القدوس سبحان اللّه الكبیر المتعال لا إله إلاّ الحىّ القیّوم ، فلا یبقى فى الأرض دیك إلاّ أجابه و رفع صوته بالتسبیح ، قال أمیر المؤمنین علیه السّلام و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ و الطّیر صافات كلّ قد علم صلاته و تسبیحه .

و مثلها الأخبار الواردة فی مدح أجناس الطیر و البهایم كالحمام و البلبل و القنبر و الحجل و الدّراج و ما شاكل ذلك من فصیحات الطّیر معلّلا بأنّها تنطق بالثناء على اللّه و على أولیائه و دعا لهم و دعا على أعدائهم ، و ذم أجناس اخر كالفواخت و الرخم و العنقا و البوم و الجرّى و المار ماهى و الوزغ و نحوها لتنطقهم بذمّ أولیاء اللّه و انكارهم للولایة .

و هذه الأخبار فوق حدّ الاحصاء فلا یبقى مجال لانكار تسبیحها القولى بمحض استبعاد الأوهام أو تقلیدا للفلاسفة الّذین استبدّوا بالعقول و لم یؤمنوا بما جائت به الأنبیاء الكرام علیهم السّلام ، و أىّ دلیل على عدم شعورها و إدراكها للكلّیات و عدم تكلّمها و نطقها ، فانا كثیرا ما نسمع بعض كلام النّاس مع غیرهم ممن لا نفهم لغاتهم بوجه ، فنظنّ أنّ كلامهم كأصوت الحیوانات لا نمیّز بین كلماتهم و نتعجب من فهم البعض كلام بعض و لا استبعاد فی كونها مكلّفة ببعض التكالیف و تعذّب فی الدّنیا بتركها بأن یصاد أو یذبح ، أو فی الآخرة أیضا كما روى فی تأویل قوله تعالى و إذا الوحوش حشرت و إن لم یكن تكلیفها عاما و عقابها أبدیّا لضعف إدراكها .

قال السیّد المحدّث الجزایرى فی كتاب زهر الرّبیع :

تحقیق المقام أنّ النفس الناطقة إن كانت عبارة عن قوّة النطق و ابراز الكلام فالحیوانات لها كلام یفهمه بعضها عن بعض كما هو المشاهد منها خصوصا مع أولادها ،

و فسّر كلام بعضها الأنبیاء و الأئمة علیهم السّلام .

و إن كان المراد منها إدراك الكلیات و العلوم كما هو الشایع فی إطلاق النفس الناطقة ، ففى الحیوانات من یدرك من جزئیات العلوم ما لا یدركه أعقل النّاس كادراك القرد من لطایف الحیل و دقایق الامور ما لا یخفى ، و كذلك النحل .

[ 233 ]

و إن كان المراد من النفس الناطقة فهم كتابى الشفاء و الاشارات و نحوهما ،

فانّ بعد كثیر من النّاس عن هذا أبعد من الثرى إلى الثریّا .

قال و إلى هذا ذهب الشیخ شهاب الدّین ، و قد صرّح ابن سینا فی جواب أسؤلة بهمنیار إنّ الفرق بین الانسان و الحیوانات فی هذا الحكم مشكل .

و قال القیصرى فی شرح فصوص الحكم ما قاله المتأخرّون من أنّ المراد بالنطق إدراك الكلیات لا التكلّم مع كونه مخالفا بوضع اللغة لا یفیدهم لأنه موقوف على أنّ النفس الناطقة المجرّدة خاصّة بالانسان ، و لا دلیل لهم على ذلك و لا شعور لهم بأنّ الحیوانات لیس لها إدراك الكلیّات ، و الجهل بالشی‏ء لا ینافی وجوده و إمعان النّظر فیما یصدر عنها من العجایب یوجب أن یكون لها إدراك الكلیّات انتهى .

و قال المحقق الدوانى فی شرح هیاكل النور : اعتقادنا أنّ جمیع الحیوانات لها نفوس مجرّدة كما فى الانسان ، و بعض القدماء على ذلك بل صرّح بعضهم بأنّ النبات لها نفوس ناطقة أیضا .

اذا عرفت ذلك فلنذكر ما ذكره الفخر الرازى فی هذا المقام .

قال فی تفسیر قوله تعالى یسبّح له السموات السبع و الأرض و من فیهنّ :

اعلم أنّ الحىّ المكلف یسبّح للّه بوجهین : الأوّل بالقول كقوله باللسان سبحان اللّه ،

و الثانى بدلالة أحواله على توحید اللّه و تقدیسه و عزّته ، فأمّا الّذى لا یكون مكلّفا مثل البهایم و من لا یكون حیّا كالجمادات فهى إنّما تسبّح اللّه بالطریق الثانى ، لأنّ التسبیح لا یحصل إلاّ مع الفهم و العلم و الادراك و النطق و كلّ ذلك فی الجماد محال فلم یبق حصول التسبیح فی حقه إلاّ بالطریق الثانی .

و انت بعد الخبرة بما ذكرنا تعرف فساد ما ادّعاه بما لا مزید علیه ،

و العجب أنّه عمّم دعواه للبهایم و الجماد و خصّ دلیله بالجماد فقط ، فان كان مقصوده أنّ البهایم مثل الجماد فی عدم العلم و الادراك و كان اكتفاؤه بالجماد من باب الاختصار فهو ممنوع لما ذكرناه من الآیات الصّریحة فی أنّ لها إدراكا و فهما و شعورا ، و إلاّ فدلیله أخصّ من مدّعاه و ستعرف بطلان دلیله فی الجماد أیضا





نظرات() 


kingggacqihzno.snack.ws
چهارشنبه 21 تیر 1396 08:44 ق.ظ
Hi! I just wanted to ask if you ever have any issues with hackers?

My last blog (wordpress) was hacked and I ended up losing a few months of hard work due to no back
up. Do you have any methods to stop hackers?
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox