تبلیغات
پیام هادی - تفاسیر نهج البلاغه
 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-02:26 ب.ظ

[ 197 ] و من كلام له ع ینبه فیه على فضیلته لقبول قوله و أمره و نهیه

وَ لَقَدْ عَلِمَ اَلْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ص أَنِّی لَمْ أَرُدَّ عَلَى اَللَّهِ وَ لاَ عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ وَ لَقَدْ وَاسَیْتُهُ بِنَفْسِی فِی اَلْمَوَاطِنِ اَلَّتِی تَنْكُصُ فِیهَا اَلْأَبْطَالُ وَ تَتَأَخَّرُ فِیهَا اَلْأَقْدَامُ نَجْدَةً أَكْرَمَنِی اَللَّهُ بِهَا وَ لَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اَللَّهِ ص وَ إِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِی وَ لَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِی كَفِّی فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِی وَ لَقَدْ وُلِّیتُ غُسْلَهُ ص وَ اَلْمَلاَئِكَةُ أَعْوَانِی فَضَجَّتِ اَلدَّارُ وَ اَلْأَفْنِیَةُ مَلَأٌ یَهْبِطُ وَ مَلَأٌ یَعْرُجُ وَ مَا فَارَقَتْ سَمْعِی هَیْنَمَةٌ مِنْهُمْ یُصَلُّونَ عَلَیْهِ حَتَّى وَارَیْنَاهُ فِی ضَرِیحِهِ فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّی حَیّاً وَ مَیِّتاً فَانْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِكُمْ وَ لْتَصْدُقْ نِیَّاتُكُمْ فِی جِهَادِ عَدُوِّكُمْ فَوَالَّذِی لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِنِّی لَعَلَى جَادَّةِ اَلْحَقِّ وَ إِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّةِ اَلْبَاطِلِ أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَ أَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ لِی وَ لَكُمْ

و من خطبة له علیه السّلام و هى المأة و السادسة و التسعون من المختار فى باب الخطب

و لقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله أنّی لم أردّ على اللّه و لا على رسوله ساعة قطّ ، و لقد واسیته بنفسی فی المواطن الّتی تنكص فیها الأبطال ، و تتأخّر فیها الأقدام ، نجدة أكرمنی اللّه بها ، و لقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و إنّ رأسه لعلى صدری ، و لقد سالت نفسه فی كفّی ، فأمررتها على وجهی ، و لقد ولّیت غسله صلّى اللّه علیه و آله و الملائكة أعوانی ، فضجّت الدّار و الأفنیة ، ملاء یهبط ، و ملاء یعرج ، و ما فارقت سمعی هینمة منهم ، یصلّون علیه حتّى و اریناه فی ضریحه ، فمن ذا أحقّ به منّی حیّا و میّتا ، فانفذوا

[ 214 ]

على بصآئركم ، و لتصدق نیّاتكم فی جهاد عدوّكم ، فو الّذی لا إله إلاّ هو إنّی لعلى جادّة الحقّ ، و إنّهم لعلى مزلّة الباطل ، أقول ما تسمعون ،

و أستغفر اللّه لی و لكم .

اللغة

( المستحفظون ) بصیغة المفعول من استحفظه الشی‏ء أى أودعه عنده و طلب منه أن یحفظه فهو مستحفظ و ذاك مستحفظ و ( واسیته ) من المواساة یقال واسیته و آسیته و بالهمزة أفصح و ( نكص ) عن الشی‏ء نكوصا من باب قعد أحجم عنه ،

و نكص على عقبیه رجع قال تعالى فلمّا ترائت الفئتان نكص على عقبیه » .

و ( النّجدة ) البأس و الشدّة و الشجاعة و ( النفس ) بسكون الفاء الدّم و بالتحریك واحد الأنفاس و ( فناء ) الدّار وزان كساء ما اتّسع أمامها أو ما امتدّ من جوانبها و الجمع أفنیة و فنى و ( الضجیج ) الصّیاح عند المكروه و الجزع و ( الهینمة ) بفتح الهاء الصّوت الخفىّ و قیل الكلام الخفىّ لا یفهم و ( الضّریح ) القبر أو الشقّ وسطه و الأول هو المراد هنا و ( المزلّة ) الموضع الذى تزلّ فیه قدم الانسان كالمزلفة

الاعراب

الواو فی قوله : و لقد فی المواضع الخمسة كلّها للقسم و المقسم به محذوف و اللاّم جواب القسم ، قوله : نجدة ، منصوب على المفعول له و العامل واسیته قال الشّارح المعتزلی : منصوب على المصدر و العامل محذوف و الأوّل أظهر .

و قوله : ملاء یهبط و ملاء یعرج ، مرفوعان بالابتداء و لا یضرّ كونهما : نكرتین لتضمّن الفایدة العظیمة ، و جملة و ما فارقت ، فی محلّ النصب على الحال من فاعل یهبط و یعرج ، و جملة یصلّون استینافیّة بیانیّة و تحتمل الانتصاب محلاّ على الحال

[ 215 ]

من هینمة أى ما فارقت سمعى هینمتهم حالكونهم یصلّون ، و الأوّل أولى لاحتیاج الثّانی إلى نوع تكلّف و قوله : حیّا و میّتا ، حالان من الضمیر المجرور فی به و الفاء فی قوله : فانفذوا ، فصیحة

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشریفة مسوقة لبیان جملة من مناقبة الجمیلة و خصایصه المختصّة به المفید لمزید اختصاصه برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قربه منه استدلالا بذلك على أنّه أحقّ و أولى بالخلافة و القیام مقامه صلّى اللّه علیه و آله و أنّه على الحقّ و غیره على الباطل ، و غرضه منه تنبیه المخاطبین على وجوب إطاعته فیما یأمرهم به من جهاد الأعداء المبطلین .

إذا عرفت ذلك فأقول : إنّه ذكر خمسا من فضایله و صدّر كلا بالقسم البارّ تأكیدا للغرض المسوق له الكلام و تنبیها على أنّ اتّصافه بها جمیعا حقّ لا یعتریه ریب و لا یدانیه شكّ .

اولها ما أشار إلیه بقوله ( و لقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله انّى لم أردّ على اللّه و لا على رسوله ساعة قطّ ) المراد بالمستحفظون خیار الصحابة المطلعون على أسرار رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و سیرته و معجزاته و كراماته و عهوده و مواثیقه و الملاحم الواقعة فی زمانه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و نحو ذلك ممّا یتعلّق به صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فی نفسه و فی أوصیائه و أتباعه من الأمور المعظمة الّتی یهتمّ بها فی الشریعة و لها مدخل فی قوام أركان الدّین و إعلاء لواء الشرع المبین الذین كلّفوا بحفظ ذلك كلّه و امروا بأن یبلغوها و یؤدّوها فی مقام الضرورة و الحاجة .

و إنّما خصّ علم ما ذكره بهؤلاء مع عدم اختصاصه بهم لأنّ هؤلاء بمقتضى تصلّبهم فی الدّین لا یكتمون الشهادة و لا یغیّرونها و لا یبدّلونها فی مقام الحاجة للأغراض الدّنیویّة الفاسدة كما كتمها جمع منهم مثل زید بن أرقم و أنس بن مالك و نظرائهم .

[ 216 ]

كما روى فی البحار من الخصال و الأمالى عن جابر الجعفی عن جابر بن عبد اللّه الأنصارى قال :

خطبنا علیّ بن أبیطالب علیه الصلاة و السلام فحمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال :

أیّها الناس إنّ قدام منبركم هذا أربعة رهط من أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم منهم انس بن مالك و البراء بن عازب الأنصارى و الأشعث بن قیس الكندى و خالد بن یزید البجلى ثمّ أقبل بوجهه على أنس بن مالك فقال :

یا أنس إن كنت سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول : من كنت مولاه فهذا علىّ مولاه ثمّ لم تشهد لی الیوم بالولایة فلا أماتك اللّه حتّى یبتلیك ببرص لا تغطیه العمامة و أمّا أنت یا أشعث فان كنت سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و هو یقول : من كنت مولاه فهذا علىّ مولاه اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه ثمّ لم تشهد لى الیوم بالولایة فلا أماتك اللّه حتّى یذهب بكر یمتیك .

و أمّا أنت یا خالد بن یزید إن كنت سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : من كنت مولاه فهذا علىّ مولاه اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه ثمّ لم تشهد لى الیوم بالولایة فلا أماتك اللّه إلاّ میتة جاهلیّة .

و أمّا أنت یا براء بن عازب إن كنت سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول : من كنت مولاه فهذا علىّ مولاه اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه ثمّ لم تشهد لى بالولایة فلا أماتك اللّه إلاّ حیث هاجرت منه .

قال جابر بن عبد اللّه الأنصارى :

و اللّه لقد رأیت أنس بن مالك قد ابتلى ببرص یغطیه بالعمامة فما یستتره .

و لقد رأیت الأشعث بن قیس و قد ذهبت كریمتاه و هو یقول : الحمد للّه الذى جعل دعاء أمیر المؤمنین علىّ بن أبیطالب علیه السّلام بالعمى فى الدّنیا و لم یدع علىّ بالعذاب فی الآخرة فأعذّب .

و أمّا خالد بن یزید فانّه مات فأراد أهله أن یدفنوه و حفر له فی منزله فسمعت بذلك كندة فجائت بالخیل و الابل فعقرتها على باب منزله فمات میتة جاهلیة .

[ 217 ]

و أمّا البراء بن عازب فانّه ولاّه معاویة الیمن فمات بها و منها كان هاجر .

فقد ظهر بذلك أنّ المستحفظین هم المكلّفون بحفظ الامور المهمّة المعتدّ بها فی أمر الدین ، و أنّ تخصیصهم بالعلم لعدم كتمانهم لما حملوه لو رجع الخاطئون الیهم .

و اما أنّه علیه السّلام ما ردّ على اللّه و رسوله أبدا فهو معلوم محقّق لا خفاء فیه بل من ضروریّات المذهب لملكة العصمة المانعة من مخالفته للّه و لرسوله صلّى اللّه علیه و آله .

و قال الشّارح المعتزلی : و الظاهر أنّه یرمز فی قوله علیه السّلام : لم أردّ على اللّه و لا على رسوله ساعة قط ، إلى أمور وقعت من غیره كما جرى یوم الحدیبیّة عند سطر كتاب الصّلح ، فانّ بعض الصحابة أنكر ذلك ، و قال : یا رسول اللّه أ لسنا المسلمین ؟

قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : بلى قال : أ و لیسوا الكافرین ؟ قال : بلى ، قال : فكیف نعطی الدّنیة من دنیانا و اللّه لو أجد أعوانا لم أعط الدّنیة أبدا ، فقال أبو بكر لهذا القائل : ویحك الزم غرزه 1 فو اللّه إنّه لرسول اللّه و إنّ اللّه لا یضیعه ، ثمّ قال له : أ قال لك أنّه سیدخلها هذا العام ؟ قال : لا ، قال : فسیدخلها ، فلمّا فتح النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مكّة و أخذ مفاتیح الكعبة دعاه فقال : هذا الّذى وعدتم به .

قال الشّارح : و اعلم أنّ هذا الخبر صحیح لا ریب فیه ، و النّاس كلّهم رووه و لیس عندى بقبیح و لا بمستهجر أن یكون سؤال هذا الشخص رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عما سأله عنه على سبیل الاسترشاد و التماسا لطمأنینة النّفس . فقد قال اللّه تعالى لخلیله إبراهیم أو لم تؤمن قال بلى و لكن لیطمئنّ قلبى .

و قد كانت الصحابة یراجع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی الامور و تسأله عمّا یثبتهم علیها و تقول له أ هذا منك أم من اللّه .

و أمّا قول أبی بكر له : الزم غرزه فو اللّه انّه لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، فانّما هو تاكید و تثبیت على عقیدته الّتی فی قلبه ، و لا یدلّ ذلك على الشّك فقد قال اللّه تعالى لنبیّه صلّى اللّه علیه و آله « و لو لا أن ثبّتناك لقد كدت تركن إلیهم شیئا قلیلا » و كلّ أحد لا یستغنى عن زیادة الیقین و الطمأنینة .

-----------
( 1 ) أى ركابه ، منه .

[ 218 ]

قال : و قد كانت وقعت من هذا القائل أمور دون هذا القصة ، كقوله : دعنى أضرب عنق أبی سفیان ، و قوله : دعنى أضرب عنق عبد اللّه ابن أبیّ ، و قوله : دعنى أضرب عنق حاطب بن أبی بلتعة ، و نهی النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عن التّسرع إلى ذلك و جذبه ثوب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حین قام على جنازة ابن سلول یصلّى و قوله : تستغفر لرأس المنافقین .

و لیس فی ذلك جمیعه ما یدلّ على وقوع القبیح منه و إنّما كان الرّجل مطبوعا على الشدّة و الشّراسة و الخشونة و كان یقول ما یقول على مقتضى السجیّة الّتی طبع علیها ، و على أیّ حال كان فلقد نال الاسلام بولایته و خلافته خیرا كثیرا ، انتهى .

أقول : مراد الشارح بهذا الرّجل الذى حكى عنه هذه الأباطیل هو عمر بن الخطاب ، و إنّما ترك التّصریح باسمه ملاحظة لجانبه ، و لقد عكس فی شرح قوله علیه السّلام :

فصیّرها فی حوزة خشناء ، من الخطبة الثالثة و قال هناك : قال عمر للنّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لم تقل لنا ستدخلونها فى ألفاظ نكره حكایتها حتّى شكاه النبى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى أبى بكر و حتى قال له أبو بكر : الزم بغرزه فو اللّه إنه لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، انتهى .

فصرّح باسمه و طوى عن تحصیل مقاله و فضول كلامه استكراها و استهجانا لما صدر منه من الرّدّ و المخالفة و إساءة الأدب على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و استحیاء منه علیه السّلام .

و لكن غیر خفىّ على المنصف البعید عن العصبیّة و الهوى أنّ شناعة ما صدر من هذا الرّجل لا یمكن أن یتدارك بالستر و الكتمان و الابهام عن اسمه تارة و الاجمال عن هذیانه اخرى ، و نعم ما قیل :

و لن یصلح العطار ما أفسد الدّهر

فلقد صدر منه من القول الشنیع القبیح ما هو أشدّ و أعظم من ذلك ، و هو ما قاله لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى مرضه الذى مات فیه لما قال صلّى اللّه علیه و آله : ائتونى بكتف و دواة اكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا ، فقال عمر : إنّ الرّجل لیهجر .

[ 219 ]

و فى البحار من المجلّد الثانى من صحیح مسلم فقال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یهجر .

و أما ما اعتذر به الشارح عن مثالبه بأنه لیس بقبیح أن یكون سؤال هذا الرّجل على سبیل الاسترشاد و التماسا لطمأنینة النفس .

ففیه أنه لو كان غرضه الاسترشاد دون الاعتراض لا كتفى بما سمعه من النبىّ صلّى اللّه علیه و آله له و أمسك عن فضول كلامه و لم یغضبه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حتى یشكو إلى أبى بكر ، فعلم بذلك أنه أراد التعریض و الاعتراض كما علم عدم جواز قیاس سؤاله بسؤال الخلیل علیه السّلام الذى كان غرضه منه الطمأنینة كما صرّح به بقوله : بلى و لكن لیطمئنّ قلبى ،

و ستعرف مزید توضیحه بما نحكیه من البحار فى التنبیه الآتى .

و أما سؤال سایر الصّحابة عنه صلّى اللّه علیه و آله فی الامور و قولهم له : أ هذا من اللّه أو منك .

ففیه أنّ سؤالهم ذلك أیضا كان ناشیا عن جهالتهم ، لأنّهم لو كانوا معتقدین بما أنزل اللّه فی حقّه من قوله : و ما ینطق عن الهوى إن هو إلاّ وحى یوحى ، و مذعنین بأنّ جمیع ما یقوله و یفعله بوحى من اللّه سبحانه و اذن منه عزّ و جلّ ، لم یكن لهم حاجة إلى السّؤال ، و لسلّموا فی جمیع أفعاله و أقواله تسلیما .

و أما التّمثیل على نفى الشّكّ عن عمر بقوله تعالى و لو لا أن ثبّتناك لقد كدت تركن الیهم شیئا قلیلا .

ففیه أنّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله قد قامت الأدلّة القاطعة من العقل و النقل على عصمته و على رسوخه فی الدّین ، و الآیة و إن كان الخطاب فیها ظاهرا متوجها إلى النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلاّ أنّ المراد بها امّته من قبیل ایّاك أعنى و اسمعى یا جاره .

و على إبقائه على ظاهره فالمراد بتثبیته صلّى اللّه علیه و آله ، هو تثبیته بالنّبوة و العصمة و الألطاف الخفیّة الالهیّة ، لما قد دللنا على أنه كان معصوما ، و أمّا عمر فأىّ دلیل على أنّه لم یكن شاكا فی الدّین حتّى یقال إنّ قول أبی بكر له : فو اللّه إنه لرسول اللّه ، لم یكن لأجل الشكّ بل لتثبیته على عقیدته ، فافهم جیّدا .

[ 220 ]

و اما دنس جذبه بثوب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حین إرادته الصّلاة على ابن سلول فلا یطهره النّیل و لا الرّسّ .

إذ فیه من القباحة و المخالفة و الاعتراض و سوء الأدب و التّعریض ما لا مزید علیه .

مضافا إلى قوله : كیف تستغفر لرأس المنافقین أ كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و العیاذ باللّه جاهلا بتكلیفه الشّرعى فعلّمه عمر ، و قد كان معالم الدّین منه ظهرت و أحكام الشّرع المبین منه اخذت ، و هو صلّى اللّه علیه و آله و سلّم شارعها و صادعها .

و قیامه على جنازة ابن سلول و صلاته علیه إمّا من جهة أداء حقّ ولده و هو عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبی سلول فلقد كان مؤمنا .

و إمّا من جهة أنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم صلّى علیه لا ترحّما له بل دعا علیه بالنار و العذاب و لم یكن به بأس .

و أمّا استغفاره صلّى اللّه علیه و آله فلكونه صلّى اللّه علیه و آله ، مخیّرا بین الاستغفار و عدم الاستغفار .

و یوضح ما ذكرته ما رواه فی الكافی عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن ابن أبی عمیر عن حماد بن عثمان عن الحلبی عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : لمّا مات عبد اللّه بن أبی سلول حضر النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم جنازته فقال عمر لرسول اللّه : یا رسول اللّه أ لم ینهك اللّه أن تقوم على قبره ؟ فسكت فقال : یا رسول اللّه أ لم ینهك اللّه أن تقوم على قبره ؟ فقال له :

ویلك و ما یدریك ما قلت إنّى قلت : اللهمّ احش جوفه نارا و املاء قبره نارا و اصله نارا ، قال أبو عبد اللّه صلوات اللّه علیه : فأبدى من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ما كان یكره .

و فى الصافى من تفسیر علیّ بن إبراهیم فی قوله تعالى استغفر لهم او لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعین مرّة فلن یغفر اللَّه لهم انّها نزلت لمّا رجع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلى المدینة و مرض عبد اللّه بن أبی و كان ابنه عبد اللّه مؤمنا فجاء إلى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و أبوه یجود بنفسه فقال : یا رسول اللّه بأبی أنت و امّی إن لم تأت أبی كان ذلك عارا علینا ، فدخل علیه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و المنافقون عنده ، فقال ابنه عبد اللّه بن عبد اللّه : یا رسول اللّه استغفر له ، فاستغفر له ، فقال عمر : أ لم ینهك یا رسول اللّه أن

[ 221 ]

تصلّی علیهم أو تستغفر لهم ؟ فأعرض عنه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، فأعاد علیه ، فقال له : ویلك إنّى خیّرت إنّ اللّه یقول استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ، الآیة .

فلمّا مات عبد اللّه جاء ابنه إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقال : بأبی أنت و امّی یا رسول اللّه أ رأیت تحضر جنازته فحضر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قام على قبره فقال له عمر : یا رسول اللّه أ و لم ینهك اللّه أن تصلّى على أحد منهم مات أبدا و أن تقوم على قبره ؟ فقال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : ویلك و هل تدرى ما قلت ، إنّما قلت : اللهمّ احش قبره نارا و جوفه نارا و اصله النار ، فبدا من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ما لم یكن یحبّ .

و فى الصافى عن العیاشی عن الباقر علیه السّلام أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال لابن عبد اللّه بن أبیّ اذا فرغت من أبیك فأعلمنى ، و كان قد توفّى فأتاه فأعلمه فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نعلیه للقیام فقال له عمر : أ لیس قد قال اللّه تعالى : و لا تصلّ على أحد منهم مات أبدا و لا تقم على قبره ، فقال صلّى اللّه علیه و آله له : ویلك أو ویحك إنّما أقول : اللهمّ املاء قبره نارا و املاء جوفه نارا ، و اصله یوم القیامة نارا و فى روایة اخرى أنّه أخذ بید ابنه فی الجنازة فمضى فتصدّى له عمر ثمّ قال : أما نهاك ربك عن هذا أن تصلّی على أحد منهم مات أبدا أو تقوم على قبره ؟ فلم یجبه ، فلما كان قبل أن ینتهوا به إلى القبر أعاد عمر ما قاله أوّلا ، فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله لعمر عند ذلك : ما رأیتنا صلّینا له على جنازة و لا قمنا له على قبر .

ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّ ابنه رجل من المؤمنین و كان یحقّ علینا أداء حقّه ، فقال عمر :

أعوذ باللّه من سخط اللّه و سخطك یا رسول اللّه .

قال فى الصّافی بعد ایراد هذه الرّوایات :

أقول : و كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حییا كریما كما قال اللّه عزّ و جلّ : فیستحیى منكم و اللّه لا یستحیى من الحقّ ، فكان یكره أن یفتضح رجل من أصحابه ممّن یظهر الایمان ،

و كان یدعو على المنافق و یورّى أنّه یدعو له ، و هذا معنى قوله صلّى اللّه علیه و آله لعمر : ما رأیتنا صلّینا له على جنازة و لا قمنا له على قبر ، و كذا معنى قوله فی حدیث القمّی : خیّرت فاخترت ، فورّى علیه السّلام باختیار الاستغفار

[ 222 ]

و أمّا قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیه : فاستغفر له فلعلّه استغفر لابنه لمّا سأل لأبیه الاستغفار و كان یعلم أنه من أصحاب الجحیم ، و یدلّ على ما قلنا قوله : فبدا من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ما لم یكن یحبّ ، انتهى .

فقد اتّضح بما ذكرنا كلّ الوضوح نكتة قیام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله على قبر ابن سلول و صلاته علیه ، و علّة ما صدر منه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من الاستغفار .

و مع الغضّ عن ذلك أیضا فهو صلّى اللّه علیه و آله أعلم بعلل ما یقول و یفعل ، و بوجوه المصالح الكامنة فیما یأتی و یأمر به ، فلا حقّ للجلف الجافى ابن حنتمة و أمثاله من الأوغاد الطعام أن یعترضوا على سیّد الأنام و رسول الملك العلاّم علیه و آله آلاف التحیّة و الاكرام .

و أما ما اعتذر به الشارح المعتزلی أخیرا من أنّ الرّجل كان مطبوعا على الشدّة و الشراسة و الخشونة و كان یقول ما یقول على مقتضى سجیّته التی طبع علیها .

فقد تقدّم جوابه فی شرح الفصل الثانی من الخطبة الشقشقیة .

و محصّل ما قلناه هناك إنّ خشونة سجیّته و جفاوة طبیعته إن كانت بالغة إلى مرتبة لم یبق له معها اختیار فی الامساك عن فضول كلامه و سقطات لسانه و الكفّ عن هجره و هذیانه ، فیتوجّه علیه أنّ من كان كذلك یعدّ فی زمرة المجانین فكیف یصلح لامامة الأمة و خلافة النبوّة .

و إن لم تكن بالغة إلى تلك المرتبة فذلك الاعتذار لا یدفع عنه العار و الشنار كما لم یدفع عن ابلیس استحقاق النار و سخط الجبّار ، و لم یرفع عنه لؤم الاستكبار حین استكبر بمقتضى الجبلة الناریة و اعتذر به فی قوله : خلقتنی من نار و خلقته من طین ، بل استحقّ اللّعنة و الابعاد إلى یوم الدّین و خلّد فی الجحیم أبد الآبدین .

و أما قول الشارح و على أىّ حال كان فلقد نال الاسلام بولایته و خلافته خیرا كثیرا .

فیه أنه هب أنّ إنهاض الجیوش و بعث العساكر و فتح بعض البلاد كان فی زمان

[ 223 ]

خلافته و بأمره ، و لكن إذا كان أصل الخلافة باطلة حسبما عرفته فی تضاعیف الشرح مرارا فأیّ ثمر اخرویّ له فی هذه الخیرات النائلة منه إلى الاسلام على فرض تسلیمها لأنّه عزّ و جلّ إنّما یتقبّل من المتّقین ، بل كلّ ما صدر منه فی أیّام ولایته و خلافته و مخالفته للّه و لرسوله كان علیه وزرا و وبالا دون أن یكون له ثوابا و نوالا

كمطعمة الرّمان ممّا زنت به
جرت مثلا للخائن المتصدّق

فقال لها أهل البصیرة و التّقى
لك الویل لا تزنى و لا تتصدّق

بل لو قیست سیئة من سیئآته و هی غصب الخلافة من آل بیت الرّسول و إحراقه لباب ابنته البتول و ما كان بأمره من كسر ضلعها و سقوط جنینها ، و ما نشأت من تلك الشجرة الملعونة الخبیثة و ثمرته من أعظم الظّلم فی وقعة الطّف الّذی لا یتصوّر ظلم فوقه ،

إلى سیّئآت جمیع الامّة لرجحت علیها فضلا عن سایر جرایمه و بدعاته و محدثاته التی بقیت على صفحات الأیام ، و استمرّت إلى یوم القیامة و القیام ، فلیحملنّ أوزارها كاملة و من أوزار الّذین بها یعملون ، و سیعلم الذین ظلمو آل محمّد حقّهم أىّ منقلب ینقلبون .

الثانیة ما أشار إلیه بقوله ( و لقد واسیته فی المواطن الّتی تنكص ) و ترجع ( فیها الأبطال ) و الأنجاد ( و تتأخّر فیها الأقدام ) من أجل ( نجدة ) و شجاعة ( أكرمنى اللّه بها ) و جعلها مخصوصة بی و آثرنی بها على غیری .

قال الشّارح المعتزلی : و هذا یعنی المواساة ممّا اختصّ علیه السّلام بفضیلته غیر مدافع ثبت معه یوم احد و فرّ النّاس و ثبت معه یوم حنین و فرّ النّاس ، و ثبت تحت رایته یوم خیبر حتّى فتحها و فرّ من كان بعث من قبله .

أقول : أوّل مواساته علیه و آله آلاف التحیّة و الثناء مبیته على فراش خاتم الأنبیاء حتى باهى اللّه به ملائكة السماء ، فوهب نفسه للّه تعالى و بذلها لنبیّه المصطفى و بات على فراشه لینجو به من كید الأعداء ، و یتمّ له بذلك السلامة و البقاء ، و ینتظم له به الغرض فی الدّعاء إلى الحنیفیّة البیضاء ، فكان ذلك سبب نجاة النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و بقائه و حقن دمه حتى صدع بأمر ربّه .

[ 224 ]

و لولاه علیه السّلام لما تمّ لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم التبلیغ و الأداء و لا استدام له العمر و البقاء و لظفر به الحسدة و الأعداء فلما أصبحوا و عرفوا تفرّقوا عنه و انصرفوا و قد ضلّت لهم الحیل و انقطع بهم الأمل و انتقض ما بنوه من التدبیر و خابت لهم الظنون .

و كان بذلك انتظام الایمان و إرغام الشیطان و خذلان أهل الكفر و العدوان ،

و هذه منقبة لم یشركه علیه السّلام فیها أحد من أهل الاسلام و قد انزل فیه محكم التبیان و هو قول اللّه و من الناس من یشرى نفسه ابتغاء مرضات اللّه و اللّه رؤف بالعباد و أما مواساته له صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی مواطن جهاده ، و مواطن جدّه و اجتهاده ، و مقامات جداله بالسنة الاسنة و جلاده ، فهو فوق حدّ الاحصاء ، متجاوز عن حدّ العدوّ الاستقصاء .

منها غزوة بدر التی هدّت قوى الشرك ، و قذفت طواغیته فی قلیب الهلك ،

و دوّخت مردة الكفار ، و سقتهم كاسات الدّمار و البوار ، و نقلتهم من القلیب إلى النار .

فیومها الیوم الذى لم یأت الدّهر بمثله ، و أفاض اللّه فیه من أحسن فضله ،

أنزل فیه الملائكة لتأیید رسوله تفضیلا له على جمیع رسله ، و حباه من علوّ القدر ما لم ینله أحد من قبله ، و أشرب صنادید قریش كاس أسره و قتله ، و جبرئیل ینادى أقدم حیزوم لاظهار دینه على الدّین كلّه ، و أمیر المؤمنین كان فارس تلك الملحمة فما تعدّ الأسد الغضاب بشسع نعله ، و مسعّر تلك الحرب العوان ینصب على الأعداء انصباب السحاب و وبله ، و نار سطوته و نجدته تتسعّر تسعر النار فی دقیق الغضا و جزله .

و قد عرفت فی شرح الفصل الثامن من الخطبة المأة و الحادیة و التسعین أنّ نصف القتلی فی تلك الوقعة و كانوا سبعین رجلا كان قتیله باشر بنفسه قتله من دون شركة غیره له .

و منها غزوة أحد قال فی كشف الغمّة فی حدیث عمران بن حصین قال :

لمّا تفرّق النّاس عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم جاء علیّ علیه السّلام متقلّدا بسیفه حتّى

[ 225 ]

قام بین یدیه فرفع رأسه إلیه و قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم له : ما لك لم تفرّ مع النّاس ؟ فقال :

یا رسول اللّه أرجع كافرا بعد إسلامی فأشار إلى قوم انحدروا من الجبل ، فحمل علیهم فهزمهم فجاء جبرئیل ، و قال : یا رسول اللّه قد عجبت الملائكة من حسن مواساة علیّ لك بنفسه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ما یمنعه من ذلك و هو منّی و أنا منه فقال جبرئیل : و أنا منكما .

و فیه عن زید بن وهب قال : قلت لابن مسعود : انهزم النّاس عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حتّى لم یبق معه إلاّ علیّ علیه السّلام و أبو دجانة و سهل ؟ قال : انهزم النّاس إلاّ علیّ وحده ، و ثاب إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله نفر كان أوّلهم عاصم بن ثابت و أبو دجانة و سهل بن حنیف ، و لحقهم طلحة بن عبید اللّه ، فقلت له : فأین كان أبو بكر و عمر ؟

قال : كانا فیمن تنحّى ، فقلت : فأین كان عثمان ؟ قال : جاء بعد ثالثة من الوقعة فقال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : لقد ذهبت فیها عریضة ، قلت : فأین كنت ؟ قال : فیمن تنحّى ، قلت : فمن حدّثك بهذا ؟ قال : عاصم بن ثابت و سهل بن حنیف ، قلت :

إنّ ثبوت علیّ فی ذلك المقام لعجب ، قال : إن تعجب منه فقد تعجّبت منه الملائكة أما علمت أنّ جبرئیل قال فی ذلك الیوم و هو یعرج إلى السّماء : لا سیف إلاّ ذو الفقار لا فتى إلاّ علیّ ، فقلنا : و من أین علم أنّ جبرئیل قال ذلك ؟ قال : سمع النّاس النّداء بذلك و أخبرهم به النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

قال كاشف الغمة : و روى عن عكرمة قال : سمعت علیّا یقول : لمّا انهزم النّاس عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یوم احد لحقنى من الجزع علیه ما لم أملك نفسی و كنت أضرب بسیفی بین یدیه فرجعت أطلبه فلم أره فقلت . ما كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لیفرّ و ما رأیته فی القتلی و أظنّه رفع من بیننا إلى السّماء ، فكسرت جفن سیفی و قلت :

لاقاتلنّ به حتّى اقتل ، و حملت على القوم فأفرجوا فاذا أنا برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قد وقع مغشیّا علیه ، فنظر إلىّ و قال : ما فعل النّاس یا علیّ ؟ قلت : كفروا یا رسول اللّه و ولّوا الدّبر و أسلموك ، فنظر إلى كتیبة قد أقبلت فقال : ردّهم عنّی ، فحملت

[ 226 ]

علیهم أضربهم یمینا و شمالا حتّى فرّوا فقال صلّى اللّه علیه و آله : أما تسمع مدیحك فی السّماء إنّ ملكا اسمه رضوان ینادى : لا سیف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علیّ ، فبكیت سرورا و حمدت اللّه على نعمته .

قال : و قد ذكر أهل السّیر قتلى احد من المشركین و كان جمهورهم قتلی أمیر المؤمنین علیه السّلام و انصرف المشركون إلى مكّة و انصرف النبیّ صلّى اللّه علیه و آله إلى المدینة فاستقبلته فاطمة و معها إناء فیه ماء فغسل به وجهه ، و لحقه أمیر المؤمنین علیه السّلام ،

و قد خضب الدّم یده إلى كتفه و معه ذو الفقار ، فناوله فاطمة و قال : خذى هذا السّیف فقد صدقنى الیوم و قال علیه السّلام :

أفاطم هاك السّیف غیر ذمیم
فلست برعدید و لا بملیم
1
أمیطى دماء الكفر عنه فانّه
سقا آل عبد الدّار كاس حمیم

لعمرى لقد أعذرت فی نصر أحمد
و طاعة ربّ بالعباد علیم

و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : خذیه یا فاطمة فقد أدّى بعلك ما علیه ، و قد قتل اللّه صنادید قریش بیده .

و منها غزوة الأحزاب المعروفة بغزاة خندق قال المفید فی الارشاد : و قد روى قیس بن الرّبیع قال : حدّثنا أبو هارون العبدى عن ربیعة السّعدى قال : أتیت حذیفة بن الیمان فقلت یا أبا عبد اللّه إنّا لنتحدّث عن علیّ علیه السّلام و مناقبه فیقول لنا أهل البصرة : إنّكم لتفرطون فی على علیه السّلام ، فهل أنت تحدّثنى بحدیث فیه قال حذیفة : یا ربیعة و ما تسألنى عن علىّ فو الذى نفسى بیده لو وضع جمیع أعمال أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی كفّة المیزان منذ بعث اللّه محمّدا إلى یوم الناس هذا ، و وضع عمل علىّ علیه السّلام فی الكفّة الأخرى لرجح عمل علىّ علیه السّلام على جمیع أعمالهم ، فقال ربیعة : هذا الذى لا یقام و لا یقعد ، فقال حذیفة : یا لكع و كیف لا یحمل و أین كان أبو بكر و عمر و حذیفة و جمیع أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یوم عمرو بن عبدود و قد دعا إلى المبارزة فأحجم الناس كلّهم ما خلا

-----------
( 1 ) الرعدید الجبان ، الملیم الذى یلائم على ما یصدر منه ، ك .

[ 227 ]

علیّا علیه السّلام ، فانّه برز إلیه و قتله اللّه على یده ، و الذى نفس حذیفة بیده لعمله ذلك الیوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى یوم القیامة قال فی كشف الغمّة : رأیت فی بعض الكتب أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله قال حین بارز علىّ عمرو بن عبدود : خرج الاسلام كلّه إلى الشرك كلّه .

قال : و روى أنّ عبد اللّه بن مسعود كان یقرء : و كفى اللّه المؤمنین القتال بعلىّ و كان اللّه قویّا عزیزا .

قال : و فی قتل عمرو یقول حسان بن ثابت :

أمسى الفتى عمرو بن عبد یبتغى
بجنوب یثرب غارة لم تنظر

فلقد وجدت سیوفنا مشهورة
و لقد وجدت جیادنا لم تقصر

و لقد رأیت غداة بدر عصبة
ضربوك ضربا غیر ضرب المحشر

أصبحت لا تدعى لیوم عظیمة
یا عمرو أو لجسیم أمر منكر

قال : و لمّا بلغ شعر حسان بنى عامر أجابه فتى منهم فقال یردّ علیه فخره :

كذبتم و بیت اللّه لا تقتلوننا
و لكن بسیف الهاشمیّین فافخروا

بسیف ابن عبد اللّه أحمد فی الوغا
بكفّ علىّ نلتم ذاك فاقصروا

فلم تقتلوا عمرو بن ودّ و لا ابنه
و لكنه الكفّ الجسور الغضنفر

علىّ الذى فی الفخر طال بناؤه
فلا تكثروا الدّعوى علینا فتحقروا

ببدر خرجتم للبراز فردّكم
شیوخ قریش جهرة و تأخّروا

فلما أتاهم حمزة و عبیدة
و جاء علىّ بالمهنّد یخطر

فقالوا نعم أكفاء صدق و أقبلوا
إلیهم سراعا إذ بغوا و تجبّروا

فجال علىّ جولة هاشمیّة
فدمّر هم لما عتوا و تكبّروا

فلیس لكم فخر علینا بغیرنا
و لیس لكم فخر یعدّ و یذكر

و منها غزوة وادى الرّمل و تسمى غزوة ذات السلسلة .

و قد كان الفتح فیها لأمیر المؤمنین علیه السّلام خاصة بعد أن كان فیها من غیره من الافساد ما كان ، و فیها نزل على النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم سورة و العادیات فتضمّنت ذكر ما

[ 228 ]

فعله أمیر المؤمنین فیها .

قال المفید : روى عن امّ سلمة قالت : كان نبیّ اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قائلا فی بیتى إذ انتبه فزعا من منامه فقلت له : اللّه جارك قال : صدقت و اللّه جارى لكن هذا جبرئیل یخبرنى أنّ علینا قادم ، ثمّ خرج إلى الناس فأمرهم أن یستقبلوا علیا علیه السّلام فقام المسلمون له صفّین مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فلما بصر النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ترجّل عن فرسه و أهوى إلى قدمیه یقبلهما ، فقال له علیه السّلام : اركب فانّ اللّه تعالى و رسوله عنك راضیان فبكى أمیر المؤمنین علیه السّلام فرحا و انصرف إلى منزله ، و تسلّم المسلمون الغنایم « إلى أن قال » ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله له : یا على لو لا أننى أشفق أن تقول فیك طوایف من امتى ما قالت النصارى فى عیسى بن مریم لقلت فیك الیوم مقالا لا تمرّ بملاء منهم إلاّ أخذوا التراب من تحت قدمیك .

و منها غزوة الحدیبیّة .

و فیها أقبل سهیل بن عمرو إلى النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال له یا محمّد إنّ أرقاءنا لحقوا بك فارددهم علینا ، فغضب رسول اللّه حتّى تبیّن الغضب فى وجهه ثمّ قال : لتنتهنّ یا معاشر قریش أو لیبعثنّ اللّه علیكم رجلا امتحن اللّه قلبه بالایمان یضرب رقابكم على الدین ، فقال بعض من حضر : یا رسول اللّه أبو بكر ذلك الرّجل ؟ قال : لا ، قال : فعمر ، قال :

لا ، و لكنه خاصف النعل فى الحجرة ، فتبادر الناس إلى الحجرة ینظرون من الرّجل فاذا هو أمیر المؤمنین علىّ بن أبى طالب علیه السّلام رواه المفید فى الارشاد ، و رواه فى كشف الغمة و صحیح الترمذى نحوه .

و منها غزوة خیبر قال المفید : ثمّ تلت الحدیبیّة خیبر و كان الفتح فیها لأمیر المؤمنین علیه السّلام بلا ارتیاب فظهر من فضله فى هذه الغزاة ما أجمع علیه نقلة الرّواة و تفرّد فیها مناقب لم یشركه فیها أحد من الناس .

و قال كاشف الغمة : قال ابن طلحة : و تلخیص المقصد فیها على ما ذكره أبو محمّد عبد الملك بن هشام فى كتاب السیرة النبویّة یرفعه بسنده عن ابن الأكوع قال :

[ 229 ]

بعث النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أبا بكر برایته و كانت بیضاء إلى بعض حصون خیبر فقاتل ثمّ رجع و لم یكن فتح و قد جهد ، ثمّ بعث عمر بن الخطاب فكان كذلك ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لاعطینّ الرایة غدا رجلا یحبّ اللّه و رسوله و یحبّه اللّه و رسوله یفتح اللّه على یدیه لیس بفرّار ، قال سلمة : فدعا علیّا و هو أرمد فتفل فی عینیه ثم قال : خذ هذه الرّایة فامض بها حتّى یفتح اللّه علیك ، فخرج یهرول و أنا خلفه نتبع أثره حتى ركز رایته فی رضم 1 من حجارة تحت الحصن ، فاطلع علیه یهودىّ من الحصن فقال :

من أنت ؟ قال : أنا علىّ بن أبیطالب فقال الیهودى : علوتم حصننا و ما انزل على موسى أو كما قال ، فما رجع حتّى فتح اللّه على یدیه .

و منها فتح مكّة .

قال المفید ره : و فیما ذكرناه من أعمال أمیر المؤمنین علیه السّلام ، فی قتل من قتل من أعداء اللّه بمكة و إخافة من أخاف و معونة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على تطهیر المسجد من الأصنام و شدّة بأسه فی اللّه و قطع الأرحام فی طاعة اللّه عزّ و جلّ أوّل دلیل على تخصیصه من الفضل بما لم یكن لأحد منهم سهم فیه حسبما قدمناه .

و منها غزوة حنین .

فاستظهر فیها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بكثرة الجمع ، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و معه عشرة آلاف من المسلمین فظنّ أكثرهم أنهم لن یغلبوا لما شاهدوا من كثرة جمعهم و عددهم و عدّتهم و أعجب أبا بكر الكثرة یومئذ فقال لن نغلب الیوم من قلّة فكان الأمر بخلاف ما ظنّوه و عانهم 2 أبو بكر .

فلمّا التقوا لم یلبثوا و انهزموا بأجمعهم فلم یبق مع النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلاّ تسعة من بنی هاشم و عاشرهم أیمن بن امّ ایمن ، و قتل رحمه اللّه و ثبت التّسعة الهاشمیّون رئیسهم أمیر المؤمنین علیه السّلام و رجعوا بعد ذلك و تلاحقوا و كانت الكرّة لهم على المشركین فأنزل اللّه فی إعجاب أبی بكر بالكثرة و یوم حنین إذ أعجبتكم كثرتكم

-----------
( 1 ) الرضم و الرضام صخور عظام یرضم بعضها فوق بعض فى الأبنیة ، منه .

-----------
( 2 ) اى اصابهم بعین یعنى چشم زخم زد ، منه .

[ 230 ]

فلم تغن عنكم شیئا و ضاقت علیكم الأرض بما رحبت ثمّ ولّیتم مدبرین . ثم أنزل اللَّه سكینته على رسوله و على المؤمنین یرید علیّا علیه السّلام و من ثبت معه من بنی هاشم .

قال كاشف الغمّة بعد شرح هذه الغزوة : فانظر إلى مفاخر أمیر المؤمنین علیه السّلام فی هذه الغزاة و مناقبه ، و جل بفكرك فی بدایع فضله و عجایبه ، و احكم فیها برأى صحیح الرّاى صایبه ، و أعجب من ثباته حین فرّ الشّجاع على أعقابه ، و لم ینظر فی الأمر و عواقبه ، و اعلم أنّه علیه السّلام أحقّ بالصّحبة حین لم یر مفارقة صاحبه ، و تیقّن أنّه إذا حمّ الحمام لم ینتفع المرء بغیر أهله و أقاربه ، فاذا صحّ ذلك عندك بدلایله و بیّناته ، و عرفته بشواهده و علاماته ، فاقطع أنّ ثبات من ثبت من نتایج ثباته ، و أنّهم كانوا أتباعا له فی حروبه و مقاماته ، و أنّ رجوع من رجع من هزیمته فانّما كان عند ما بان لهم من النّصر و أماراته .

قال الشارح الفقیر : هذا قلیل من كثیر و یسیر من جم غفیر من مناقبه و مفاخره و مجاهداته و مواساته لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أوردته باقتضاء المقام و شرحا لمعنى قوله علیه السّلام : و لقد واسیته فی المواطن الّتی تنكص فیها الأبطال و تتأخر فیها الأقدام و كم له علیه السّلام من الآثار و المناقب و الأخبار الّتی لا تستر ، و المفاخر و الفضائل و المجاهدات المثبتة فی كتب التواریخ و السّیر ، و كم له من المزایا و الخلال و البلاء المذكور فی النّزال ، و لا صدرت منه علیه السّلام ، هذه الأفعال إلاّ عن نجدة و شجاعة تذلّ لها الأبطال ، و تقلّ لدیها الأهوال ، و لا تقوم بوصفها الأقلام و الأقوال ، و لا یحتاج فی اثباتها إلى تجشّم الاستدلال ، و على الجملة و التفصیل فمقام بأسه و نجدته لا ینال و ما ذا بعد الحقّ إلاّ الضّلال .

الثالثة ما أشار إلیه بقوله ( و لقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و انّ رأسه لعلى صدرى ) قیل : لعلّه علیه السّلام أسنده صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى صدره عند اشتداد مرضه ، و قیل : انّه كان رأسه على ركبته فیكون رأسه صلّى اللّه علیه و آله ، فی صدره عند اكبابه علیه ، و الأول أظهر .

و یؤیده ما فی البحار عن أمالی الشّیخ عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال : كنت

[ 231 ]

عند رسول اللّه صلّى اللّه علیه و اله و سلّم فی مرضه الّذى قبض فیه و كان رأسه فی حجرى و العبّاس یذبّ عن وجه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، فاغمى علیه اغماء ثمّ فتح عینه فقال : یا عبّاس یا عمّ رسول اللّه اقبل وصیّتى و اضمن دینى و عداتى ، فقال العباس : یا رسول اللّه أنت أجود من الرّیح المرسلة و لیس فی مالى وفاء لدینك و عداتك ، فقال النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ذلك ثلاثا یعیده علیه و العبّاس فى كلّ ذلك یجیبه بما قال أوّل مرّة .

قال : فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لأقولنّها لمن یقبلها و لا یقول یا عبّاس مثل مقالتك ، فقال :

یا على اقبل وصیّتى و اضمن دینى و عداتى .

قال : فخنقتنى العبرة و ارتج جسدى و نظرت إلى رأس رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یذهب و یجى‏ء فی حجرى فقطرت دموعى على وجهه و لم اقدر أن اجیبه ، ثمّ ثنّى فقال :

اقبل وصیّتى و اضمن دینى و عداتى قال : قلت : نعم بأبی و امّى قال : اجلسنى ، فأجلسته فكان ظهره فی صدرى فقال : یا على أنت أخی فی الدّنیا و الآخرة ، و وصیّى و خلیفتى فی أهلی .

ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله : یا بلال هلمّ سیفى و درعى و بغلتى و سرجها و لجامها و منطقتی الّتی أشدّ بها على درعى ، فجاء بلال بهذه الأشیاء فوقف بالبغلة بین یدى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال : یا على قم فاقبض ، فقال : قمت و قام العبّاس فجلس مكانی فقمت فقبضت ذلك ، فقال : انطلق به إلى منزلك ، فانطلقت ثمّ جئت فقمت بین یدى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قائما فنظر إلىّ ثمّ عمد إلى خاتمه فنزعه ثمّ دفعه إلىّ فقال : هاك یا علیّ هذا لك فى الدّنیا و الآخرة و البیت غاصّ من بنی هاشم و المسلمین .

فقال : یا بنیّ هاشم یا معشر المسلمین لا تخالفوا علیّا فتضلّوا و لا تحسدوه فتكفروا ، یا عبّاس قم من مكان علیّ علیه السّلام ، فقال : تقیم الشیخ و تجلس الغلام ؟ فأعادها ثلاث مرّات فقام العبّاس فنهض مغضبا و جلست مكانى .

فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یا عبّاس یا عمّ رسول اللّه لا اخرج من الدّنیا و أنا ساخط علیك فیدخلك سخطى علیك النّار فرجع و جلس .

و من الامالی أیضا عنه علیه السّلام فی حدیث قال :

[ 232 ]

فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یا علی أجلسنی ، فأجلسته و أسندته إلى صدرى قال علیّ علیه السّلام : فلقد رأیت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لیثقل ضعفا و هو یقول یسمع أهل البیت أعلاهم و أدناهم : إنّ أخی و وصیّی و وزیری و خلیفتی فی أهلی علیّ بن أبیطالب علیه السّلام ،

یقضی دینی و ینجز وعدی ، یا بنی هاشم یا بنی عبد المطلب لا تبغضوا علیّا و لا تخالفوا عن أمره فتضلّوا ، و لا تحسدوه و ترغبوا عنه فتكفروا ، أضجعنى یا علی فأضجعته ، الحدیث .

و فى البحار من الأمالی أیضا باسناده عن ابن أبی رافع عن علیّ بن أبیطالب علیه السّلام قال :

دخلت على نبیّ اللّه و هو مریض فاذا رأسه فی حجر رجل أحسن ما رأیت من الخلق و النّبی نائم ، فلمّا دخلت علیه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، قال الرّجل : ادن إلى ابن عمّك فأنت أحقّ به منّى ، فدنوت منهما فقام الرّجل و جلست مكانه و وضعت رأس النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی حجرى كما كان فی حجر الرّجل ، فمكث ساعة ثمّ إنّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله استیقظ فقال : أین الرّجل الّذى كان رأسى فی حجره ؟

فقلت : لمّا دخلت علیك دعانى إلیك ثمّ قال : ادن إلى ابن عمّك فأنت أحقّ به منّى ثمّ قام فجلست مكانه ، فقال النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : فهل تدرى من الرّجل ؟ قلت : لا بأبی و امّى ، فقال النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ذاك جبرئیل كان یحدّثنى حتّى خفّ عنّى وجعى و نمت و رأسى فی حجره .

و أما كیفیة وفاته صلوات اللّه و سلامه علیه و آله

ففى البحار من امالی الصّدوق باسناده عن ابن عبّاس قال :

لمّا مرض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و عنده أصحابه ، قام إلیه عمّار بن یاسر فقال له :

فداك أبی و امّی یا رسول اللّه فمن یغسلك منّا إذا كان ذلك منك ؟ قال : ذلك علیّ ابن أبیطالب لأنّه لا یهم بعضو من أعضائی إلاّ أعانته الملائكة على ذلك .

فقال له : فداك أبی و امّی یا رسول اللّه فمن یصلّى علیك منّا إذا كان ذلك

[ 233 ]

منك ؟ قال : منه رحمك اللّه .

ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لعلیّ علیه السّلام : یا ابن أبیطالب إذا رأیت روحى قد فارقت جسدى فاغسلنى و انق غسلى و كفنى فی طمرىّ هذین أو فی بیاض مصر حبرة و بردیمان ،

و لا تغال فی كفنى و احملونى حتّى تضعونى على شفیر قبرى ، فأوّل من یصلّى علیّ الجبّار جلّ جلاله من فوق عرشه ، ثمّ جبرئیل و میكائیل و إسرافیل فی جنود من الملائكة لا یحصى عددهم إلاّ اللّه جلّ و عزّ ثمّ الحافّون بالعرش ثمّ سكّان أهل سماء فسماء ثمّ جلّ أهل بیتی و نسائی الأقربون فالأقربون یؤمون ایماء و یسلمون تسلیما لا یؤذونى بصوت نادبة « نائحة خ » و لا مرنّة ثمّ قال : یا بلال هلمّ علیّ بالناس ، فاجتمع الناس فخرج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله متعصّبا بعمامته متوكئا على قوسه حتّى صعد المنبر فحمد اللّه و أثنی علیه ثمّ قال :

معاشر أصحابی أىّ نبیّ كنت لكم ؟ أ لم اجاهد بین أظهركم ؟ أ لم تكسر رباعیّتی ؟ أ لم یعفر جبینی ؟ أ لم تسل الدّماء على حرّ وجهى حتّى كنفت 1 لحیتى ؟ أ لم اكابد الشدّة و الجهد مع جهّال قومى ؟ أ لم أربط حجر المجاعة على بطنى ؟ قالوا : بلى یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و لقد كنت للّه صابرا ، و عن منكر بلاء اللّه ناهیا ،

فجزاك اللّه عنّا أفضل الجزاء .

قال صلّى اللّه علیه و آله : و أنتم فجزاكم اللّه ثمّ قال : إنّ ربّی عزّ و جلّ حكم و اقسم أن لا یجوزه ظلم ظالم ، فناشدتكم باللّه أىّ رجل منكم كانت له قبل محمّد مظلمة إلاّ قام فلیقتصّ منه فالقصاص فی دار الدّنیا أحبّ إلىّ من القصاص فی دار الآخرة على رؤوس الملائكة و الأنبیاء .

فقام إلیه رجل من أقصى القوم یقال له : سوادة بن قیس فقال له : فداك أبی و امّى یا رسول اللّه إنّك لمّا أقبلت من الطایف استقبلتك و أنت على ناقتك الغضباء و بیدك القضیب الممشوق ، فرفعت القضیب و أنت ترید الرّاحلة فأصاب بطنى فلا أدرى عمدا أو خطاء .

-----------
( 1 ) أى أحاطت ، بحار .

[ 234 ]

فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : معاذ اللّه أن أكون تعمّدت ، ثمّ قال : یا بلال قم إلى منزل فاطمة فائتنى بالقضیب الممشوق .

فخرج بلال و هو ینادى فی سكك المدینة : معاشر الناس من ذا الذى یعطى القصاص من نفسه قبل یوم القیامة فهذا محمّد صلّى اللّه علیه و آله یعطى القصاص من نفسه قبل یوم القیامة .

و طرق بلال الباب على فاطمة علیها السّلام و هو یقول : یا فاطمة قومى فوالدك یرید القضیب الممشوق فأقبلت فاطمة علیها السّلام و هى تقول : یا بلال و ما یصنع والدى بالقضیب و لیس هذا یوم القضیب ، فقال بلال : یا فاطمة أما علمت أنّ والدك قد صعد المنبر و هو یودّع أهل الدّین و الدّنیا ، فصاحت فاطمة علیها السّلام و قالت : و اغماه لغمك یا أبتاه من للفقراء و المساكین و ابن السبیل یا حبیب اللّه و حبیب القلوب ، ثمّ ناولت بلالا القضیب ، فخرج حتّى ناوله رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أین الشیخ ؟ فقال الشیخ : ها أنا ذا یا رسول اللّه بأبی أنت و امّى فقال : فاقتصّ منّى حتى ترضى ، فقال الشیخ : فاكشف لى عن بطنك یا رسول اللّه ، فكشف عن بطنه فقال الشیخ : بأبی أنت و امّى یا رسول اللّه أ تأذن لى أن أضع فمى على بطنك ؟ فأذن له فقال : أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من النار .

فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، یا سوادة بن قیس أ تعفو أم تقتصّ ؟ فقال : بل أعفو یا رسول اللّه ، فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : اللهمّ اعف عن سوادة بن قیس كما عفى عن محمّد نبیك .

ثمّ قام رسول اللّه فدخل بیت امّ سلمة و هو یقول ، ربّ سلّم امة محمّد من النار و یسّر علیهم الحساب ، فقالت امّ سلمة : یا رسول اللّه ما لی أراك مغموما متغیّر اللون فقال صلّى اللّه علیه و آله ، نعیت إلى نفسى هذه الساعة فسلام لك فی الدّنیا فلا تسمعین بعد هذا الیوم صوت محمّد أبدا ، فقالت أمّ سلمة : واحزناه حزنا لا تدركه الندامة علیك یا محمّد ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ادع لی حبیبة قلبی و قرّة عینی فاطمة ، فجائت فاطمة و هی تقول :

نفسى لنفسك الفداء و وجهى لوجهك الوفاء یا أبتاه ألا تكلّمنى كلمة فانى أنظر إلیك و أراك مفارق الدّنیا و أرى عساكر الموت تغشاك شدیدا .

فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لها : یا بنیة إنّى مفارقك فسلام علیك منّى ، قالت : یا أبتاه فأین

[ 235 ]

الملتقى یوم القیامة ؟ قال صلّى اللّه علیه و آله : عند الحساب ، قالت : فان لم ألقك عند الحساب ؟ قال : عند الشفاعة لامتى ، قالت : فان لم ألقك عند الشفاعة لأمتك ؟ قال : عند الصراط جبرئیل عن یمینی و میكائیل عن یسارى و الملائكة خلفى و قدّامى ینادون ربّ سلم امة محمّد من النار و یسّر علیهم الحساب ، قالت فاطمة : فأین والدتى خدیجة ؟

قال : فی قصر له أربعة أبواب إلى الجنة .

ثمّ اغمى على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فدخل بلال و هو یقول : الصّلاة رحمك اللّه ،

فخرج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و صلّى بالنّاس و خفّف الصّلاة .

ثمّ قال : ادعوا لى علیّ بن أبیطالب و اسامة بن زید ، فجاءا فوضع صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یده على عاتق علیّ و الاخرى على اسامة ثمّ قال : انطلقا بی إلى فاطمة ، فجاءا به حتى وضع رأسه فی حجرها فاذا الحسن و الحسین یبكیان و یصطرخان و هما یقولان : أنفسنا لنفسك الفداء و وجوهنا لوجهك الوقاء .

فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : من هذان یا علیّ ؟ فقال علیه السّلام : ابناك الحسن و الحسین ،

فعانقهما و قبّلهما و كان الحسن علیه السّلام أشدّ بكاء فقال صلّى اللّه علیه و آله : كفّ یا حسن فقد شققت على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

فنزل ملك الموت قال : السلام علیك یا رسول اللّه قال : و علیك السّلام یا ملك الموت لی إیاك حاجة ، قال : و ما حاجتك یا نبیّ اللّه ؟ قال : حاجتی أن لا تقبض روحى حتى یجیئنی جبرئیل فتسلم علىّ و اسلم علیه .

فخرج ملك الموت و هو یقول : یا محمّداه ، فاستقبله جبرئیل فى الهواء فقال :

یا ملك الموت قبضت روح محمّد ؟ قال : لا یا جبرئیل سألنى أن لا أقبضه حتى یلقاك فتسلم علیه و یسلم علیك ، فقال جبرئیل : یا ملك الموت أما ترى أبواب السماء مفتّحة لروح محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أما ترى الحور العین قد تزیّن لروح محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

ثم نزل جبرئیل فقال : السلام علیك یا أبا القاسم فقال : و علیك السلام یا جبرئیل ادن منى حبیبى جبرئیل ، فدنا منه ، فنزل ملك الموت فقال له جبرئیل : یا ملك الموت احفظ وصیة اللّه فی روح محمّد ، و كان جبرئیل عن یمینه و میكائیل عن یساره و ملك الموت

[ 236 ]

آخذ بروحه ، فلما كشف الثوب عن وجه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله نظر إلى جبرئیل فقال له عند الشدائد تخذلنی ، فقال : یا محمّد إنك میّت و انهم میّتون ، كلّ نفس ذائقة الموت .

فروى عن ابن عباس أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فى ذلك المرض كان یقول : ادعوا الى حبیبى فجعل یدعا له رجل بعد رجل فیعرض عنه فقیل لفاطمة علیها السّلام امضى إلى علىّ فما نرى رسول اللّه یرید غیر علیّ ، فبعث فاطمة إلى علىّ علیه السّلام فلما دخل فتح رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عینیه و تهلّل وجهه ثم قال : إلیّ یا علی إلیّ یا علی فما زال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یدنیه حتى أخذه بیده و أجلسه عند رأسه ثمّ اغمى علیه فجاء الحسن و الحسین علیهما السّلام یصیحان و یبكیان حتى وقعا على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فأراد علىّ أن ینحیهما عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فأفاق رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ثمّ قال یا على دعنى أشمّهما و یشمّانى و أتزوّد منهما و یتزوّدان منّی أما أنهما سیظلمان بعدی و یقتلان ظلما فلعنة اللّه على من یظلمهما یقول ذلك ثلاثا .

ثمّ مدّ یده إلى علىّ فجذبه إلیه حتى أدخله تحت ثوبه الذى كان علیه ، و وضع فاه على فیه و جعل یناجیه مناجاة طویلة حتى خرجت روحه الطیبة صلوات اللّه علیه و آله .

فانسلّ علىّ من تحت ثیابه و قال : اعظم اللّه اجوركم فى نبیّكم فقد قبضه اللّه إلیه ، فارتفعت الأصوات بالضجة و البكاء فقیل لأمیر المؤمنین علیه السّلام : ما الذى ناجاك به رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حین أدخلك تحت ثیابه ؟ فقال : علّمنى ألف باب كلّ باب یفتح ألف باب قال الشارح عفى اللّه عنه : ما فى هذا الحدیث من قصة سوادة مناف للاصول المحكمة و الأدلة القاطعة العقلیة و النقلیة الدّالة على كون الأنبیاء معصومین من السهو و الخطاء و النسیان كعصمتهم من المعاصى مطلقا حسبما عرفته تفصیلا فى شرح الفصل الثانى عشر من الخطبة الاولى ، فلا بدّ من تأویله على وجه لا ینافى العصمة أو ردّه لمخالفته لاصول مذهب الامامیّة ، و لعلّ الصدوق رواه بناء على مذهبه من تجویزه السهو على النبیّ كما صرّح به فى الفقیه و غیره .

و فى كشف الغمة من كتاب أبى إسحاق الثعلبى قال :

دخل أبو بكر على النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قد ثقل فقال : یا رسول اللّه متى الأجل ؟

قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : قد حضر ، قال أبو بكر : اللّه المستعان على ذلك فالى ما المنقلب ؟

[ 237 ]

قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إلى السدرة المنتهى و الجنة المأوى و إلى الرفیق الأعلى و الكاس الأوفى و العیش المهنىّ ، قال أبو بكر : فمن یلى غسلك ؟ قال : رجال أهل بیتى الأدنى فأدنى قال : ففیم نكفنك ؟ قال : فى ثیابى هذه التی علیّ أو فى حلّة یمانیة أو فی بیاض مصر قال : كیف الصلاة علیك ؟ فارتجت الأرض بالبكاء .

فقال لهم النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : مهلا عفى اللّه عنكم إذا غسلت فكفنت فضعونى على سریرى فى بیتى على شفیر قبرى ثمّ اخرجوا عنى ساعة فان اللّه تبارك و تعالى أوّل من یصلّی علیّ ثمّ یأذن الملائكة فی الصّلاة علىّ ، فأوّل من ینزل جبرئیل ثمّ إسرافیل ثمّ میكائیل ثمّ ملك الموت علیهم السّلام فى جنود كثیر من الملائكة بأجمعها ، ثمّ ادخلوا علىّ زمرة زمرة فصلّوا علیّ و سلموا تسلیما و لا تؤذونى بتزكیة 1 و لا رنّة ، و لیبدء بالصلاة علىّ الأدنى فالأدنى من أهل بیتى ، ثمّ النساء ، ثمّ الصبیان زمرا .

قال أبو بكر : فمن یدخل قبرك ؟ قال : الأدنى فالأدنى من أهل بیتى مع ملائكة لا ترونهم ، قوموا فأدّوا عنّى إلى من ورائكم فقلت للحارث بن مرّة : من حدّثك بهذا الحدیث ؟ قال : عبد اللّه بن مسعود عن علیّ علیه السّلام قال : كان جبرئیل ینزل على النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فى مرضه الذى قبض فیه فى كلّ یوم و لیلة فیقول : السلام علیك إنّ ربّك یقرؤك السلام فیقول : كیف تجدك و هو أعلم بك و لكنه أراد أن یزیدك كرامة و شرفا إلى ما أعطاك على الخلق و أراد أن یكون عیادة المریض سنة فى امتك .

فیقول له النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إن كان وجعا : یا جبرئیل أجدنى وجعا ، فقال له جبرئیل اعلم یا محمّد أنّ اللّه لم یشدد علیك و ما من أحد من خلقه أكرم علیه منك ، و لكنه أحبّ

-----------
( 1 ) اى بذكر ما یعدونه من الفضائل و لیس منها كما كانت عادة العرب من الذكر بالحمیة و العصبیة و أمثالها أو مطلقا فان الدّعا فى تلك الحال أفضل ، هكذا فى البحار أقول : و یؤیده ما رواه ابن شهر آشوب من الكافى قال : اجتمعت نسوة بنى هاشم و جعل یذكرن النبىّ ( ص ) فقالت فاطمة : اتركن التعداد و علیكنّ بالدّعاء ( منه ) .

[ 238 ]

أن یسمع صوتك و دعاءك حتّى تلقاه مستوجبا للدّرجة و الثواب الذى أعدّ لك و الكرامة و الفضیلة على الخلق .

و إن قال له النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أجدنی مریحا فی عافیة قال له : فاحمد اللّه على ذلك فانّه یحبّ أن تحمده و تشكره لیزیدك إلى ما أعطاك خیرا فانّه یحبّ أن یحمد و یزید من شكر .

قال : و انّه نزل علیه فی الوقت الذى كان ینزل فیه فعرفنا حسّه فقال علیّ علیه السّلام فخرج من كان فی البیت غیرى ، فقال له جبرئیل : یا محمّد إنّ ربّك یقرؤك السلام و یسألك و هو أعلم بك كیف تجدك ؟ فقال له النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أجدنی میّتا ، قال له جبرئیل : یا محمّد ابشر فانّ اللّه إنّما أراد أن یبلّغك بما تجد ما أعدّ لك من الكرامة قال له النّبی صلّى اللّه علیه و آله : إنّ ملك الموت استأذن علیّ فأذنت له فدخل و استنظرته مجیئك فقال له جبرئیل : یا محمّد إنّ ربك إلیك مشتاق فما استاذن ملك الموت على أحد قبلك و لا یستأذن على أحد بعدك فقال له النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لا تبرح یا جبرئیل حتّى یعود .

ثمّ أذن للنساء فدخلن علیه فقال لابنته : ادنی منّی یا فاطمة فأكبّت علیه فناجاها فرفعت رأسها فعیناها تهملان دموعا ، فقال لها : ادنی منّی فدنت منه فأكبّت علیه فناجاها فرفعت رأسها و هی تضحك .

فتعجّبنا لما رأینا ، فسألناها فأخبرتنا أنّه نعى إلیها نفسه فبكت فقال لها یا بنیّة لا تجزعی فانّی سألت اللّه أن یجعلك أوّل أهل بیتی لحاقا بی فأخبرنی أنّه قد استجاب لی فضحكت قال : ثمّ دعا النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الحسن و الحسین علیهما السّلام فقبّلهما و شمّهما و جعل یترشفهما و عیناه تهملان .

قال الشارح عفى اللّه عنه : و لقد كنت عند نقلی هذه الرّوایة للثعلبی كاد أن یشرح قلبی بالسّكاكین ممّا تضمّنه صدرها من شنیع فعل أبی بكر و إصراره فى سؤال الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و من أجله و غسله و دفنه و كفنه و منقلبه فى هذه الحال من شدّة

[ 239 ]

مرضه و ضعفه ، و قد أحاطت به غمرات الآلام ، و غشیته طوارق الأوجاع و الأسقام ،

و كیف تمالك نفسه و لم تخنقه عبرته و بالغ فى السّؤال حتّى ارتجّت الأرض بالبكاء و ألجأ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلى ردعه بقوله : مهلا ، فیا للّه ما أقلّ حیاء الرّجل و أسوء أدبه و أقسى قلبه و أقبح فعله .

و فى البحار من المناقب عن سهل بن أبی صالح عن ابن عبّاس أنّه اغمى على النبىّ صلّى اللّه علیه و آله فى مرضه فدقّ بابه ، فقالت فاطمة : من ذا ؟ قال : أنا رجل غریب أتیت أسأل رسول اللّه أ تأذنون لی فی الدّخول علیه ؟ فأجابت امض رحمك اللّه لحاجتك فرسول اللّه عنك مشغول .

فمضى ثمّ رجع فدقّ الباب و قال : غریب یستأذن على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أ تاذنون للغرباء ؟ فأفاق رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من غشیته و قال : یا فاطمة أ تدرین من هذا قالت : لا یا رسول اللّه ، قال : هذا مفرّق الجماعات و منقض « منغص » اللّذات ، هذا ملك الموت ما استأذن و اللّه على أحد قبلى و لا یستأذن على أحد بعدى ، استأذن علیّ لكرامتی على اللّه ائذنى له فقالت : ادخل رحمك اللّه ، فدخل كریح هفافة و قال : السلام على أهل بیت رسول اللّه ، فأوصى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى علیّ علیه السّلام بالصبر عن الدّنیا و بحفظ فاطمة و بجمع القرآن و بقضاء دینه و بغسله و أن یعمل حول قبره حایط و بحفظ الحسن و الحسین .

و فى كشف الغمة عن أبى جعفر علیه السّلام قال : لمّا حضرت النبیّ الوفاة استأذن علیه رجل فخرج إلیه علیّ علیه السّلام فقال : ما حاجتك ؟ قال : ارید الدّخول على رسول اللّه فقال علىّ : لست تصل إلیه فما حاجتك ؟ فقال الرّجل : إنه لا بدّ من الدّخول علیه ،

فدخل علىّ علیه السّلام فاستأذن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فاذن له فدخل فجلس عند رأس رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

ثمّ قال : یا نبیّ اللّه إنّی رسول اللّه إلیك ، قال : و أیّ رسل اللّه أنت ؟ قال : أنا ملك الموت أرسلنى إلیك یخیّرك بین لقائه و الرّجوع إلى الدّنیا ، فقال له النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فامهلنى حتّى ینزل جبرئیل فأستشیره .





نظرات() 


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox