تبلیغات
پیام هادی - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-05:17 ب.ظ


مخصوص بنفى الحركة .

قال الشارح المعتزلی : یقول لو حلته الحركة لكان جرما و حجما و لكان أحد وجهیه غیر وجهه الأخر لا محالة فكان منقسما .

و قال الشارح البحرانی : لو جرت علیه الحركة لكان له أمام یتحرّك إلیه و حینئذ یلزم أن یكون له وراء إذ له أمام لأنهما إضافتان لا تنفكّ إحداهما عن الاخرى لكن ذلك محال لأنّ كلّ ذی وجهین فهو منقسم ، و كلّ منقسم ممكن .

و سادسها ما أشار إلیه بقوله ( و لالتمس التّمام إذ لزمه النقصان ) و هذا الدلیل أیضا مخصوص بنفى الحركة و یستفاد منه نفی السّكون بالأولویّة یقول علیه السّلام :

إنّه سبحانه لو كان متحرّكا لكان ملتمسا بحركته كمالا لم یكن له حال سكونه لأنّ السكون كما قاله الحكماء عدم و نقص ، و الحركة وجود و كمال ، فلو كان الواجب تعالى متحرّكا لكان طالبا بالحركة الطاریة على سكونه الكمال و التمام لكنه یستحیل أن یكون له حالة نقصان و أن یكون له حال بالقوّة و أخرى بالفعل .

قال الشارح البحرانی فی تقریره : إنّ جریان الحركة علیه مستلزم لتوجّهه بها إلى غایة إما جلب منفعة أو دفع مضرّة ، إذ من لوازم حركات العقلاء ذلك ،

و على التقدیرین فهما كمال مطلوب له لنقصان لازم لذاته ، لكن النقصان بالذات و الاستكمال بالغیر مستلزم للامكان فالواجب ممكن ، هذا خلف .

أقول : و ان شئت مزید توضیح لهذا الدلیل فهو موقوف على تحقیق معنى الحركة و بسط الكلام فی المقام فأقول :

عرّفها أرسطو و من تابعه بأنها كمال أول لما هو بالقوّة من حیث هو بالقوّة و عرّفها المتكلّمون بأنها حصول الجسم فی مكان بعد آخر ، و تقییدهم الحصول بالمكان بناء على أنّهم لا یثبتون الحركة فی سایر المقولات بل یخصّونها بمقولة الأین فقط ، و أمّا الأوّلون فیحكمون بوقوعها فی الأین و الوضع و الكمّ و الكیف ، و تفصیل ذلك موكول إلى الكتب الكلامیّة ، و المراد بالكمال فی تعریفهم هو الحاصل بالفعل .

[ 80 ]

قال الشارح القوشجی : و إنّما سمّى الحاصل بالفعل كمالا لأنّ فی القوّة نقصانا و الفعل تمام بالنسبة إلیها ، و هذه التسمیة لا یقتضی سبق القوّة بل یكفیها تصوّرها و فرضها .

و احترز بقید الأولیّة عن الوصول ، فانّ الجسم إذا كان فی مكان مثلا و هو ممكن الحصول فی مكان آخر كان له إمكانان إمكان الحصول فی ذلك المكان و إمكان التوجّه إلیه ، و هما كمالان و التوجّه مقدّم على الوصول فهو كمال أوّل و الوصول كمال ثان .

ثمّ إنّ الحركة تفارق سایر الكمالات من حیث إنّها لا حقیقة لها إلاّ التّوجه إلى الغیر فالسّلوك إلیه ، فلا بدّ من مطلوب ممكن الحصول لیكون التوجّه توجّها إلیه ، و من أن لا یكون ذلك المطلوب حاصلا بالفعل ، إذ لا توجّه بعد حصول المطلوب .

فالحركة إنما تكون حاصلة بالفعل إذا كان المطلوب حاصلا بالقوّة ، لكن من حیث هو بالقوّة لا من حیث هو بالفعل و لا من حیثیة اخرى كسایر الكمالات فانّ الحركة لا تكون كمالا للجسم فی جسمیّته أو فی شكله أو نحو ذلك ، بل من الجهة التی هو باعتبارها كان بالقوّة أعنى الحصول فی المكان الآخر .

و احترز بهذا القید عن كمالاته التى لیست كذلك كالصّورة النوعیّة ، فانّها كمال أوّل للمتحرّك الذى لم یصل إلى المقصود ، لكن لا من حیث هو بالقوّة بل من حیث هو بالفعل .

و أنت إذا عرفت ذلك تعرف أنّ الحقّ الأوّل تعالى شأنه یمتنع جریان الحركة علیه سواء كانت بالمعنى الذى یقوله الفلاسفة أو بالمعنى الذى یقوله المتكلّمون .

أمّا على الثانی فواضح لأنها عندهم هو حصول الجسم فی مكان بعد آخر و هو تعالى لیس بجسم و لا حاجة له إلى المكان .

و أمّا على الأوّل فأوضح .

[ 81 ]

أمّا أوّلا فلأنّ محلّها عندهم هو المقولات الأربع أعنى الكم و الكیف و الوضع و الأین و كلّها من أنواع العرض و اللّه سبحانه لیس بعرض و لا جوهر بل خالق الجوهر و العرض و جاعل الوضع و الكم و هو الذی أیّن الأین بلا أین و كیّف الكیف بلا كیف .

و أمّا ثانیا فلأنه تعالى لیس له كمال بالفعل و كمال بالقوّة بل جمیع كمالاته فعلیة .

و أمّا ثالثا فلأنه لیس عادما بشی‏ء من الكمالات حتّى یحتاج بحركته إلى تحصیل كمال بل هو كامل فی ذاته و تمام فی صفاته جامع لجمیع الكمالات الذاتیة و الصّفاتیة ، هذا .

و قد نبه على عدم جریان الحركة علیه سبحانه بمعنییه أبو إبراهیم موسى ابن جعفر علیه السّلام فی الحدیث المروى فی الكافی عن یعقوب بن جعفر الجعفری قال :

ذكر عند أبی إبراهیم علیه السّلام قوم یزعمون أنّ اللّه تبارك و تعالى ینزل إلى السّماء الدّنیا فقال علیه السّلام : إنّ اللّه لا ینزل و لا یحتاج إلى أن ینزل إنما منظره فی القرب و البعد سواء ، لم یبعد منه قریب و لم یقرب منه بعید ، و لم یحتج إلى شی‏ء بل یحتاج إلیه و هو ذو الطول لا إله إلاّ هو العزیز الحكیم أما قول الواصفین انّه ینزل تبارك و تعالى فانما یقول ذلك من ینسبه إلى نقص أو زیادة و كلّ متحرّك محتاج إلى من یحرّكه أو یتحرّك به فمن ظنّ باللّه الظنون هلك ، فاحذروا فی صفاته من أن تقفوا له على حدّ یحدّونه بنقص أو زیادة أو تحریك أو تحرّك أو زوال أو استنزال أو نهوض أو قعود ، فانّ اللّه جلّ و عزّ عن صفة الواصفین و نعت الناعتین و توهّم المتوهّمین و توكّل على العزیز الرّحیم الذى یراك حین تقوم و تقلّبك فی الساجدین .

قال بعض الأفاضل 1 فی شرح الحدیث :

قوله علیه السّلام « إنّ اللّه لا ینزل و لا یحتاج إلى أن ینزل » لأنّ المتحرّك من مكان إلى مكان إنما یتحرّك لحاجة إلى الحركة إذ لیست نسبته إلى جمیع الأمكنة نسبة واحدة

-----------
( 1 ) صدر المتألهین فی شرح الكافی . منه .

[ 82 ]

بل إذا حضر له مكان أو مكانیّ غاب عنه مكان أو مكانیّ آخر ، و إذا قرب من شی‏ء بعد عن شی‏ء آخر فاذا حصل فی مكان و كان مطلوبه فی مكان آخر فیحتاج فی حصول مطلوبه إلى الحركة إلى مطلوبه أو حركة مطلوبه إلیه ، و اللّه سبحانه لما لم یكن مكانیا كان نسبته إلى جمیع الأمكنة و المكانیّات نسبة واحدة و لیس شی‏ء أقرب إلیه من شی‏ء آخر و لا أبعد و لا هو أقرب إلى شی‏ء من شی‏ء آخر و لا أبعد إلاّ بمعنى آخر غیر المكانى و هو القرب بالذات و الصّفات و نحو ذلك و البعد الذى بازائه ، و إلى ذلك أشار علیه السّلام بقوله :

« إنما منظره فی القرب و البعد » یعنى المكانیّین « سوآء » .

و قوله علیه السّلام « و لم یحتج إلى شی‏ء » تعمیم لقوله : و لا یحتاج إلى أن ینزل ، فالأول إشارة إلى البرهان على نفى الحركة فی المكان بما ذكره فی تساوى منظره فی القرب و البعد من الأحیاز و الأمكنة ، و هذا إشارة الى البرهان على نفى الحركة و التغیّر مطلقا بأنّ معنى الحركة الخروج من القوّة إلى الفعل ، و بعبارة اخرى كمال ما بالقوّة من جهة ما هو بالقوّة و كلّ ما هو بالقوّة فی شی‏ء فهو فاقد له محتاج إلیه لأنّه كمال وجودى له ، و إلاّ لم یتحرّك إلیه ، و الحقّ تعالى غیر محتاج إلى شی‏ء أصلا فهو غیر متحرّك بوجه من الوجوه لا فی المكان و لا فی غیره و إنما قلنا إنه لم یحتج إلى شی‏ء لأنّ ما سواه من الأشیاء كلّها إنما حصلت منه و هو أصلها و منبعها و منشاؤها ، و هو المتطوّل علیها المتفضّل المنعم بالاحسان إلیها ،

فهی المحتاجة إلیه تعالى ، فلو احتاج هو إلى شی‏ء یلزم افتقار الشی‏ء إلى ما یفتقر إلیه من حیثیة واحدة ، و ذلك محال ، لاستلزامه توقف الشی‏ء على نفسه و ذلك قوله علیه السّلام « بل یحتاج إلیه و هو ذو الطول لا إله إلاّ هو العزیز الحكیم » .

و لما ذكر علیه السّلام القاعدة الكلّیة بالبیان البرهانى على نفى الحركة المكانیة أوّلا ثمّ على نفى الحركة و التغیّر على الاطلاق أراد أن یشیر إلى المفاسد التی یلزم من القول بوصفه تعالى بنزوله من مكان إلى مكان فقال :

« أما قول الواصفین أنه ینزل تبارك و تعالى فانما یقول ذلك من ینسبه إلى نقص أو زیادة » یعنی أنّ النزول ضرب من الحركة و أنّ كلّ ما یتحرّك

[ 83 ]

سواء كانت الحركة فی الأین أو فی غیره فهو خارج من نقص إلى كمال فیلزم على هؤلاء الواصفین ربّهم بالنزول أن ینسبوه إلى نقص و ذلك قبل الحركة أو إلى زیادة و هی بعد الحركة و الخروج من القوّة إلى الفعل ، و كلّ ما یوصف بنقص أو زیادة ففی ذاته إمكان أن ینفعل من غیره فیتركب ذاته من قوّة و فعل ، بل من مادّة بها یكون بالقوّة ، و من صورة بها یكون بالفعل و كلّ مركب فهو ممكن الوجود محتاج إلى غیره فیلزم أن لا یكون إله العالم واجب الوجود ، و هذا محال و قوله « و كلّ متحرّك محتاج إلى من یحرّكه أو یتحرّك به » إشارة إلى حجّة أخرى على بطلان توهّم الحركة ، و هى أنّ كلّ متحرّك لا بدّ له من محرّك غیره ، سواء كان مباینا له كالحركات النفسانیة و هو المعبّر عنه بقوله من یحرّكه ،

أو مقارنا له كالحركات الطبیعیّة و هو المعبّر عنه بقوله أو یتحرّك به ، و ذلك لأنّ الحركة صفة حادثة لكون أجزائها غیر مجتمعة فی الوجود ، و كلّ جزء منها مسبوق بجزء آخر فیكون جمیعها حادثة و ما یتركب فهو أولى فهى لكونها صفة تحتاج إلى قابل و لكونها حادثه تحتاج إلى فاعل ، و لا بدّ أن یكون فاعلها غیر قابلها لأنّ المحرّك لا یحرّك نفسه بل بشی‏ء یكون متحرّكا بالقوّة و فاعلها امر بالفعل فكلّ متحرّك یحتاج إلى محرّك یغایره و المحتاج إلى الغیر لا یكون واجبا فیلزم أن لا یكون إله العالم واجبا و هو محال و سابعها ما أشار إلیه بقوله ( و إذا لقامت آیة المصنوع فیه ) أى لو كان فیه الحركة و السّكون لقامت فیه علامة المصنوع لكونهما من صفات المصنوعات الحادثة ، فیلزم أن لا یكون إله العالم صانعا بل مصنوعا مفتقرا إلی صانع كسایر الممكنات و المصنوعات الموصوفة بالحدوث .

و ثامنها ما أشار إلیه بقوله ( و لتحول دلیلا بعد أن كان مدلولا علیه ) یعنى أنا استدللنا على وجوده سبحانه بحدوث الأجسام و تغیراتها و حركاتها و انتقالاتها من حال إلى حال ، فلو كان إله العالم متغیّرا متحرّكا منتقلا من حال إلى حال لاشتراك

[ 84 ]

مع غیره فی صفات الامكان و ما یوجب الافتقار إلى العلّة فكان دلیلا على صانع صنعه و أحدثه لا مدلولا علیه بأنه صانع و هو باطل ، هذا .

و لما ذكر المفاسد التی تترتب على جریان الحركة و السكون علیه سبحانه ،

و أبطل جوازهما علیه بالوجوه الثمانیة عقّبه بقوله ( و خرج بسلطان الامتناع من أن یؤثر فیه ما یؤثر فی غیره ) و اختلف شراح النهج فیما عطفت هذه الجملة علیه :

فقال الشارح المعتزلی : إنها عطف على قوله علیه السّلام كان مدلولا علیه ، و تقدیر الكلام كان یلزم أن یتحوّل البارى دلیلا بعد أن كان مدلولا علیه و بعد أن خرج بسلطان الامتناع من أن یؤثر فیه ما اثر فی غیره .

و قال الشارح البحرانی : قد یسبق إلى الوهم أنها عطف على الأدلة المذكورة و ظاهر أنّه لیس كذلك بل هو عطف على قوله : امتنع أى بها امتنع عن نظر العیون و خرج بسلطان ذلك الامتناع أى امتناع أن یكون مثلها فی كونها مرئیة للعیون و محلاّ للنظر إلیها عن أن یؤثر فیه ما یؤثر فی غیره من المرئیات و هی الأجسام و الجسمانیات ، و ظاهر أنه لما امتنع عن نظر العیون لم یكن جسما و لا قائما به فخرج لسلطان استحقاق ذلك الامتناع عن أن یكون یؤثر فیه ما یؤثر فی غیره من الأجسام و الجسمانیات و عن قبول ذلك .

و قال بعض الشارحین : إنها عطف على قوله : تجلّى ، أى بها تجلّى صانعها للعقول و خرج بسلطان الامتناع عن كونه مثلا لها أى بكونه واجب الوجود ممتنع العدم عن أن یكون ممكنا فیقبل أثر غیره كما یقبله سایر الممكنات .

أقول : و أنت خبیر بسخافة هذا القول كسابقه و إباء سوق كلامه علیه السّلام عنهما جمیعا ، لأنه علیه السّلام قد ذكر هذه الجملة فی ذیل المفاسد المترتبة على جریان الحركة و السّكون لا فی ذیل تجلّى الصانع للعقول و امتناعه عن نظر العیون ، فلا ارتباط له بشی‏ء منهما مع طول الفصل بین المعطوف و المعطوف علیه بجملات أجنبیّة تنیف على عشر .

نعم ما قاله الشارح المعتزلى لا بأس به إلاّ أنّ الأظهر الأولى أن تجعل الواو

[ 85 ]

فی هذه الجملة حالیة لا عاطفة و تكون الجملة فی محلّ النصب على الحال بتقدیر قد على حدّ قوله تعالى « حصرت صدورهم » و ذو الحال هو الضمیر المستتر فی تحول الراجع إلى اللّه سبحانه ، فیكون تحول عاملا فیها و لا غبار علیه عند المشهور من علماء الأدبیة .

و أما على قول بعضهم من أنّ جمیع العوامل اللفظیة تعمل فی الحال إلاّ الأفعال الناقصة فاجعلها حالا من ضمیر فیه فی قوله : و لقامت آیة المصنوع فیه فالعامل حینئذ قامت و حسن ارتباطها بالجملتین مضافا إلى قربهما غیر خفىّ على صاحب الذّوق السّلیم فانّه علیه السّلام لما ذكر استلزام جریان الحركة علیه سبحانه لقیام علامة الصنع و آثار الامكان فیه المفید لتأثره من صانعه ، و ذكر أیضا استلزامه لكونه تعالى دلیلا على مدلوله المفید لكونه معلولا منفعلا من علّته و فاعله ، عقّبه بهذه الجملة تنبیها على بطلان اللاّزمین كلیهما المستلزم لبطلان ملزومهما ، و هو جریان الحركة علیه .

فمحصّل نظم الكلام أنه تعالى لو جرى علیه الحركة و اتّصف بها لقام فیه أثر صانعه المحرك و ظهر علیه فعل علّته الفاعل له ، و الحال أنه قد خرج بسلطنة الكلیة على جمیع من سواه و امتناع التأثر و استحالة الانفعال بما له من وجوب الوجود عن أن یؤثر فیه ما یؤثر فی غیره من الممكنات و أن یتأثر من غیره كسایر الموجودات لأنّ غیره و من سواه جمیعا بكونه دلیلا فی قید الامكان مفتقر إلى المؤثر محتاج إلى العلّة فوجوده و افعاله مكتسب من الغیر فهو لا یملك لنفسه نفعا و لا ضرّا و لا موتا و لا حیاتا و لا نشورا ، و أما إله الحىّ القیّوم العزیز الشأن فوجوده و صفاته الذاتیة عین ذاته و أفعاله الصّادرة بنفس ذاته المقدّسة فلا افتقار له إلى المؤثر و لا حاجة له إلى المدبّر بل هو المؤثر فی جمیع العالم ، لا إله إلاّ هو العزیز الحكیم .

و الرابع و العشرون أنه ( الذى لا یحول و لا یزول ) أى لا یمضى و لا یكون زائلا من مكان إلى مكان و من حال إلى حال لاستحالة التغیّر و الانتقال علیه عزّ و جلّ .

( و ) الخامس و العشرون أنه ( لا یجوز علیه ) الغیبة و ( الأفوال ) لاستلزامه

[ 86 ]

الانتقال و الحركة الدالة على الحدوث .

و لذلك استدلّ به إبراهیم علیه السّلام على عدم ربوبیّة الكوكب و الشمس و القمر كما حكاه سبحانه عنه فی كتابه العزیز بقوله فلما جنّ علیه اللّیل رأى كوكبا قال هذا ربّی فلما افل قال لا أحبّ الآفلین . فلما راى القمر بازغا قال هذا ربّى فلما . أفل قال لئن لم یهدنى ربّی لأكوننّ من القوم الضالین . فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربّى هذا أكبر فلما افلت قال یا قوم انّى برى‏ء ممّا تشركون » .

قال الطبرسی « ره » و إنما استدلّ إبراهیم بالأفول على حدوثها لأنّ حركتها بالأفول أظهر و من الشبهة أبعد ، و إذا جازت علیها الحركة و السّكون كانت مخلوقة محدثة محتاجة إلى المحدث .

السادس و العشرون ( لم یلد فیكون مولودا و لم یولد فیصیر محدودا ) أما أنه سبحانه لم یلد شیئا و لم یولد من شی‏ء فقد مرّ بیانه فی شرح الخطبة التی رواها عنه نوف البكالی و هی الخطبة المأة و الاحدى و الثمانین .

و أما الملازمة بین مقدم القضیة الاولى و تالیها .

فأما بناء على ما هو المتعارف المعتاد بحسب الاستقراء من أنّ كلّ ما له ولد فانه یكون مولودا و إن لم یجب ذلك عقلا كآدم أبی البشر أنه علیه السّلام والد و لیس بمولود و كاصول أنواع الحیوان الحادثة .

أو بناء على ما قاله الشارح المعتزلی من أنه لیس معنى الكلام أنّه یلزم من فرض وقوع أحدهما فرض وقوع الآخر ، و إنما المراد أنه یلزم من فرض صحّة كونه والدا صحّة كونه مولودا و التالى محال وجهة التلازم أنه لو صحّ أن یكون والدا على التفسیر المفهوم من الوالدیة و هو أن یتصوّر من بعض أجزائه حىّ آخر من نوعه على سبیل الاستحالة لذلك الجزء كما نعقل فی النطفة المنفصلة من الانسان المستحیلة إلى صورة اخرى حتّى یكون منها بشر آخر من نوع الأوّل لصحّ علیه أن یكون هو مولودا من والد آخر قبله .

[ 87 ]

و ذلك لأنّ الأجسام متماثلة فی الجسمیّة و قد ثبت ذلك بدلیل عقلی واضح و كلّ مثلین فانّ أحدهما یصح علیه ما یصحّ على الآخر ، فلو صحّ كونه والدا صحّ كونه ولدا .

و أمّا بطلان التالی فلأنّ كلّ مولود متأخّر بالزّمان عن والده و محدث و الحقّ الأوّل عزّ و جلّ قدیم فلا یجوز علیه أن یكون مولودا ، و أیضا لو كان مولودا لكان محدودا كما صرّح به فی القضیة الثانیة و الثانی باطل فالمقدّم مثله و وجه الملازمة أنّه لو كان مولودا لكان محاطا و محدودا بالمحلّ المتولّد منه و أیضا الشی‏ء المتولّد من شی‏ء لا بدّ له من مادّة و صورة و غیرهما من شرایط وجوده و تركیبه و من جزئین بأحدهما یشارك أفراد نوعه و بالآخر یتمیّز عنهم و هی أجزاؤه التی یقف عندها و ینتهى عند التحلیل إلیها ، فثبت أنّه لو كان مولودا لكان محدودا .

و أمّا بطلان التالی فلما قد مرّ فی تضاعیف الشرح غیر مرّة و فی شرح هذه الخطبة بخصوصها عند تفسیر قوله : لا یشمل بحدّ ، من أنّه سبحانه منزّه عن الحدّ مطلقا اصطلاحیّا كان أعنى القول الشارح لمهیّة الشی‏ء لاستلزامه التركیب المستحیل علیه أو لغویا أعنی غایة الشی‏ء و نهایته ، لأنّه سبحانه غایة الغایات و منتهى النهایات لا غایة له و لا نهایة .

و بعبارة اخرى كونه مولودا یلزمه الحوایة و احاطة المحلّ المتولّد منه به و هو یستلزم كونه ذا نهایة و حدّ و هو محال ، لأنّ النهایة و الحدّ من عوارض الأجسام و ذات الأوضاع و المقادیر تعرض لها بالذات و للواحقها كالأزمنة و الحركات و للأمور المتعلّقة بها كالقوى و الكیفیّات بالعرض ، و الأوّل تعالى لیس بجسم و لا جسمانی و لا متعلّق به ضربا من التعلّق فهو منزّه عن الحدّ و النهایة .

فظهر بذلك كله أنه سبحانه لیس بمحدود ، فلیس بمولود فلیس بذی ولد بل هو الواحد الأحد الصمد لم یلد و لم یولد و لم یكن له كفوا أحد .

السابع و العشرون انّه ( جلّ عن اتّخاذ الأبناء ) و هو تأكید لما سبق لأنّه لما ذكر آنفا أنه لیس بذى ولد أكدّه بذلك تنبیها على جلالة شأنه من اتّخاذ الولد

[ 88 ]

لأنّ من اتّخذ ولدا فانما یتّخذه لدواعى تدعوه إلیه من العطوفة و الشفقة و المعاونة فی حیاته و الوراثة عنه و الخلافة فی مقامه بعد مماته إلى غیر ذلك من الدواعی التی هی من عوارض الممكن ، و الواجب تعالى منزّه عن ذلك كلّه .

( و ) الثامن و العشرون انّه ( طهر عن ملامسة النساء ) لأنّ ملامستهنّ من مقتضیات القوّة البهیمیّة الحیوانیّة المنزّه قدسه عنها مع أنّ الملامسة من صفات القوّة اللاّمسة التی هی من خواصّ الأجسام .

و التاسع و العشرون أنه ( لا تناله الأوهام فتقدّره ) قال الشارح البحرانی أى لو نالته الأوهام لقدرته لكن التالی باطل فالمقدّم كذلك .

بیان الملازمة أنّ الوهم إنّما یدرك المعانی المتعلّقة بالمادّة و لا ترفع إدراكه عن المحسوسات و شأنه فیما یدركه أن یستعمل المتخیلة فی تقدیره بمقدار مخصوص و كمّیة معیّنة و هیئة معیّنة و یحكم بأنّها مبلغه و نهایته فلو أدركته الأوهام لقدّرته بمقدار معیّن و فی محلّ معیّن .

فأما بطلان التالی فلأنّ المقدّر محدود مركب و محتاج إلى المادّة و التعلّق بالغیر و قد سبق بیان امتناعه .

( و ) الثلاثون أنّه ( لا تتوهّمه الفطن فتصوّره ) فطن العقول هو حذقها وجودة استعدادها لتصوّر ما یرد علیه ، و بعبارة اخرى هو سرعة حركتها فی تحصیل الوسط لاستخراج المطالب .

قال : و إنّما لا تتوهّمه الفطن ، لأنّ القوّة العاقلة عند توجّهها لتحصیل المطالب العقلیة المجرّدة لا بدّ لها من استتباع الوهم و المتخیلة و الاستعانة بها فی استثباتها بالنسج و التصویر بصورة تحطها إلى الخیال كما علمته فی شرح الفصل الثانی من المختار الأوّل فظهر بذلك أنها لو أدركته لكان ذلك بمشاركة الوهم فكان یلزمه أن یصوّره بصورة خیالیة ، لكنه تعالى منزّه عن الصّورة فاستحال لها إدراكه و تصویره .

( و ) الاحد و الثلاثون أنّه ( لا تدركه الحواسّ فتحسّه ) أی لا یمكن لها

[ 89 ]

إدراكه سبحانه فیوجب ذلك كونه تعالى محسوسا لأنّ إدراكاتها مقصورة على ذوات الأوضاع و الأجسام و الجسمانیات ، و اللّه سبحانه لیس بجسم و لا جسمانی و لا ذی وضع و أیضا لا یمكن حضور الأنوار الحسیّة فی مشهد نور عقلی بل یضمحلّ و یفنى فكیف فی مشهد نور الأنوار العقلیة .

( و ) الثانی و الثلاثون انه ( لا تلمسه الأیدی فتمسّه ) ربما یستعمل اللّمس و المسّ بمعنى واحد ، و قد یفرق بینهما بأنّ المسّ ایصال الشی‏ء بالبشرة على وجه تأثر الحاسّة به و اللّمس كالطلب له قاله البیضاوی یعنی اللّمس ینبى‏ء عن اعتبار الطلب سواء كان داخلا فی مفهومه أو لازما له ، و على الأوّل فالمراد به أنّ الأیدی لا یمكن لها لمسه فیوجب ذلك كونه ملموسا ممسوسا ، و على الثانی فالمراد أنها لا یمكن لها الطلب به فتصل إلیه لاستلزامه الجسمیّة على التقدیرین .

كما یدلّ علیه صریحا ما رواه فی البحار من عقاید الصّدوق باسناده عن عبد اللّه بن جوین العبدی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام انّه كان یقول : الحمد للّه الذی لا یحسّ و لا یجسّ و لا یمسّ و لا یدرك بالحواسّ الخمس و لا یقع علیه الوهم و لا تصفه الألسن و كلّ شی‏ء حسّسته الحواسّ أو لمسته الأیدی فهو مخلوق ، الحمد للّه الذی كان و لم یكن شی‏ء غیره و كوّن الأشیاء فكانت كما كوّنها و علم ما كان و ما هو كائن .

و الثالث و الثلاثون أنّه ( لا یتغیّر بحال ) من الأحوال و بوجه من الوجوه أى أبدا ، لأنّ التغیّر من عوارض الامكان .

( و ) الرابع و الثلاثون انّه ( لا یتبدّل بالأحوال ) أى لا ینتقل من حال إلى حال لما عرفت سابقا من امتناع الحركة و الانتقال علیه .

( و ) الخامس و الثلاثون أنّه ( لا تبلیه اللّیالی و الأیام ) لاستلزام الابلاء للتغیّر المستحیل علیه ، و لأنّ البلى إنما یعرض للأمور المادیّة و كلّ ذی مادّة مركب فاستحال عروضه علیه سبحانه .

( و ) السادس و الثلاثون أنه ( لا تغیّره الضیاء و الظلام ) لتنزّهه من التغیّر

[ 90 ]

و أمّا غیره سبحانه من ذوى الحواس فالضیاء سبب لابصارهم المبصرات من الألوان و الأشكال و المقادیر و الحركات و غیرها و الظلام مانع عنه ، فبهما یتغیّر حالهم بالادراك و عدم الادراك و الحقّ الأوّل جلّ شأنه لما كان منزّها عن الحواسّ بصیرا لا بالاحساس فلا یوجب الضیاء و الظلام تفاوتا و تغیّرا فی إدراكه .

( و ) السابع و الثلاثون أنه ( لا یوصف بشی‏ء من الأجزاء ) الذّهنیة و العقلیّة و الخارجیّة بل هو سبحانه أحدىّ الذات بسیط الهویة ، لأنّ المركّب من الأجزاء مفتقر إلى جزئه الذی هو غیره و الافتقار من صفات الامكان .

( و ) الثامن و الثلاثون أنه ( لا ) یوصف ( بالجوارح و الأعضاء ) لأنّ كلّ ذى جارحة و عضو فهو جسم مصوّر بصورة مخصوصة و هو تعالى منزّه عن الجسمیة و التركیب و التجزیة و الصورة .

روى فی الكافی عن محمّد بن الحسن عن سهل بن زیاد عن حمزة بن محمّد قال :

كتبت إلى أبی الحسن علیه السّلام أسأله عن الجسم و الصورة ، فكتب : سبحان من لیس كمثله شی‏ء لا جسم و لا صورة .

قال صدر المتألّهین : نفى الجسم و الصورة عنه تعالى بوجه الاشارة إلى برهانه و هو أنّ اللّه لا مثل له ، إذ لا مهیة له و كلّ جسم له مثل فلا شی‏ء من الجسم بإله .

و فیه أیضا باسناده عن محمّد بن الحكیم قال : وصفت لأبی إبراهیم علیه السّلام قول هشام ابن سالم الجوالیقی و حكیت قول هشام بن الحكم أنه جسم ، فقال : إنّ اللّه لا یشبهه شی‏ء أىّ فحش أو خناء أعظم عن قول من یصف خالق الأشیاء بجسم أو بصورة أو بخلقة أو بتحدید أو باعضاء تعالى اللّه عن ذلك علوا كبیرا .

حكى فی شرح الكافی من كتاب الملل و النحل عن هشام أنه قال : إنه تعالى على صورة الانسان أعلاه مجوف و أسفله مصمت و هو ساطع یتلاءلاء ، له حواسّ خمس و ید و رجل و أنف و اذن و عین و فم ، و له وفرة سوداء هو نور أسود لكنه لیس بلحم و لا دم ( و ) التاسع و الثلاثون انه ( لا ) یتّصف ( بعرض من الأعراض ) التسعة و هی الكم و الكیف و المضاف و الأین و متى و الوضع و الملك و الفعل و الإنفعال ، و تسمی هذه

[ 91 ]

الاقسام مع القسم العاشر و هو الجوهر بالمقولات العشر و الاجناس العالیة .

و انما لا یجوز اتّصافه سبحانه بشی‏ء منها ، لأنّها كلّها مخلوقات محدثة و اتّصاف القدیم بالحادث محال لأنّ ذلك الحادث إن كان صفة كمال یلزم أن یكون الواجب ناقصا بدونه مستكملا به بعد وجوده و النقص ممتنع علیه سبحانه ، و ان لم یكن صفة كمال فله الكمال المطلق بدونه و حینئذ كان إثباته علیه و توصیفه به نقصا ، لأنّ الزیادة على الكمال المطلق نقصان حسبما قلناه سابقا .

و أیضا وصفه تعالى بصفات زایدة على ذاته یوجب التجزیة و التركیب المستحیل علیه كما عرفته فی شرح الفصل الرابع من الخطبة الاولى و غیره أیضا .

( و ) الاربعون انه ( لا ) یتّصف ( بالغیریّة و الأبعاض ) أى لیس له أبعاض و أجزاء یغایر بعضها بعضا ، لأنه وحدانیّ الذات بسیط الهویة و إلاّ فیلزم علیه التركیب و التجزیة الممتنعان علیه .

( و ) الاحد و الاربعون أنه ( لا یقال له حدّ و لا نهایة ) أى لیس لأوّلیته حدّ و نهایة لأنّ الحدود و النهایات من عوارض الأجسام و ذوات الأوضاع و المقادیر و هو سبحانه لیس بجسم و جسمانی ، و لا فی قوله : و لا نهایة ، زایدة أو تأكید للنفى السابق ( و ) الثانى و الاربعون أنّه ( لا انقطاع له و لا غایة ) أى لیس لآخریّته انقطاع و غایة ، بل هو سبحانه أزلیّ أبدیّ لا ابتداء لوجوده و لا انقطاع لبقائه .

قال صدر المتألّهین : و مما یجب أن یعلم أنّه تعالى و إن سلب عنه النهایة فلیس بحیث یوصف باللاّنهایة بمعنى العدول ، بل كلاهما مسلوبان عنه ، لأنّ اللاّنهایة أیضا كالنهایة من عوارض الكمیّات ، فاذا وصف بأنه غیر متناه كان بمعنى السّلب البسیط التحصیلی كما یوصف بسلب الحركة بمعنى السّلب السازج لا الذی یساوق السّكون ، فاذا قیل : إنّه أزلیّ باق لیس یراد به أنّ لوجوده زمانا غیر منقطع البدایة و النهایة ، إذ الزمان من مخلوقاته المتأخّرة عن الحركة المتأخّرة عن الجسم المتأخّر عن المادّة و الصّورة المتأخّرین عن الجوهر المفارق المتأخّر ذاته عن ذاته تعالى بل الزمان بجمیع أجزائه كالآن الواحد بالقیاس إلى سرمدیّته كما أنّ الأمكنة

[ 92 ]

و المكانیّات كلّها بالقیاس إلى عظمته و وجوده كالنقطة الواحدة .

و الثالث و الاربعون ما أشار إلیه بقوله ( و لا أنّ الأشیاء تحویه فتقلّه ) أى لا یحویه شی‏ء من الأشیاء و لا یحیط به فیحمله كما تحمل الریح السحاب ، قال تعالى « أقلّت سحابا ثقالا » أى حملت الریح سحابا ثقالا بالماء ( أو تهویه ) أو تجعله هاویا إلى جهة تحت و هابطا به .

( أو ) لا ( أنّ شیئا یحمله فیمیله أو یعدّله ) أى یمیله من جانب إلى جانب أو یعدله إلى جمیع الجوانب كما یمیل الریح السّحاب و یسوقه من صقع إلى صقع .

و المراد أنّه لیس فی شی‏ء أو على شی‏ء یرتفع بارتفاعه و ینخفض بانخفاضه و یحرّك به من جهة إلى جهة .

روى فی الكافی باسناده عن أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : من زعم أنّ اللّه من شی‏ء أو فی شی‏ء أو على شی‏ء فقد كفر ، قلت : فسّر لی ، قال : أعنی بالحوایة من الشی‏ء له أو بامساك له أو من شی‏ء سبقه .

و فی روایة أخرى من زعم أنّ اللّه من شی‏ء فقد جعله محدثا ، و من زعم أنه فی شی‏ء فقد جعله محصورا ، و من زعم أنه على شی‏ء فقد جعله محمولا .

أى من زعم أنّه سبحانه من مادّة أو من أجزاء بأن یزعم أنّه ذو مادّة أو ذو أجزاء أو من أصل له مدخل فی وجوده كالأبوین أو من مبدء مفیض لوجوده كالفاعل أو فی شی‏ء كالصفة فی الموصوف و الصّورة فی المادّة و العرض فی المحلّ و الجزء فی الكلّ و الجسم فی الهواء المحیط به و المظروف فی الظرف أو على شی‏ء بالاستقرار فیه و الاعتماد علیه كالملك على السّریر و الراكب على المركوب و السقف على الجدران و الجسم على المكان ، أو بالاستقرار و الاعتماد علیه كالهواء على الماء و السّماء على الهواء ، فقد كفر ، لاستلزامه التجسیم حیث وصفه بصفات المخلوقین و أنكر وجوده لأنّ ما اعتقده لیس بإله العالمین .

ثمّ فسّر علیه السّلام الألفاظ لا على ترتیب اللّف فقوله « أعنی بالحوایة من الشی‏ء » تفسیر لمعنى فی شی‏ء ، لأنّ كلّ ما هو فی شی‏ء فیحویه ذلك الشی‏ء ، و قوله « أو بامساك له » .

[ 93 ]

تفسیر لمعنى على شی‏ء ، لأنّ كلّما هو على شی‏ء فذلك الشی‏ء ممسك له ، و قوله علیه السّلام « أو من شی‏ء سبقه » تفسیر لمعنى من شی‏ء لأنّ ما كان من شی‏ء فذلك الشی‏ء مبدؤه و سابق علیه .

و لذلك قال علیه السّلام فی الرّوایة الأخیرة : من زعم أنّ اللّه من شی‏ء فقد جعله محدثا ،

لأنّ معنى المحدث هو الموجود بسبب شی‏ء سابق علیه فی الوجود ، و قال : من زعم أنه فی شی‏ء فقد جعله محصورا أى محویّا فیلزمه الحوایة من ذلك الشی‏ء و قال : و من زعم انّه على شی‏ء فقد جعله محمولا ، فاذا له حامل یمسكه .

و الرابع و الاربعون أنّه ( لیس فی الأشیاء بوالج و لا عنها بخارج ) لأنّ الدخول و الخروج من صفات الأجسام و هو سبحانه لیس بجسم و لا جسمانی .

و لأنّه لو دخل فی شی‏ء فإمّا أن یكون مع افتقاره إلى ذلك الشی‏ء أو بدونه و الأوّل مستلزم للامكان ، و على الثانی فهو غنیّ عنه مطلقا ، و الغنیّ المطلق یستحیل دخوله فی شی‏ء و وجوده فی ضمنه و اتباعه له فی الوجود .

و لأنّ دخوله فیه إن كان من صفات الكمال لزم اتّصافه بالنقص قبل وجود ذلك الشی‏ء ، و إن لم یكن من صفات كماله كان دخوله فیه مستلزما لاتّصافه بالنقص حسبما قلناه سابقا .

و لو خرج عن شی‏ء لزم خلوّ ذلك الشی‏ء عنه و اختصاصه سبحانه بغیره و هو باطل لأنّه تعالى مع كلّ شی‏ء لا بمقارنة و غیر كلّ شی‏ء لا بمزایلة ، و هذه الفقرة نظیر قوله علیه السّلام فی الفصل الخامس من الخطبة الاولى : و من قال فیم فقد ضمنه و من قال على م فقد اخلى منه .

و محصل المراد أنّه تعالى لیس داخلا فی شی‏ء من الأشیاء و حالاّ فیه كما یقوله المجسّمة و الحلولیّة ، و لا خارجا عنها بأنّ یعزب شی‏ء منها عن علمه ، بل هو سبحانه القیّوم المحیط بكلّ شی‏ء .

الخامس و الاربعون أنّه ( یخبر لا بلسان و لهوات ) أى لحمات متصلة بأقص ؟ ؟ ؟ ؟ ؟

الفم من فوق .

[ 94 ]

أمّا إخباره فلانّه قد أطبقت الشرایع و اتّفقت الملل على كونه متكلّما و الخبر من أقسام الكلام .

و أمّا أنّ إخباره لیس باللّسان و اللهوات فلأنّ النطق باللهات و اللسان مخصوص بنوع الانسان فیعود معنى إخباره سبحانه إلى إیجاده الخبر فی جسم من الأجسام كالملك و الشجر و قد مرّ 1 نظیر هذه العبارة فی الخطبة المأة و الحادیة و الثمانین و مرّ تحقیق الكلام فی كونه سبحانه متكلّما فی شرح المختار المأة و الثامن و السّبعین .

( و ) السادس و الاربعون انّه ( یسمع لا بخروق و أدوات ) أمّا أنّه عزّ و جلّ یسمع فلشهادة الكتاب العزیز فی غیر واحدة من الآیات بكونه تعالى سمیعا بصیرا و أمّا أنّ إدراكه بالمسموعات لیس بالآذان و الصماخات فتنزّهه سبحانه عن الافتقار إلى الآلات الجسمانیة فیعود معنى سمعه إلى علمه بالمسموعات إطلاقا لاسم السبب على المسبّب .

و السابع و الاربعون أنّه ( یقول و لا یلفظ ) هذا الكلام صریح فی جواز نسبة القول إلیه سبحانه دون اللّفظ .

أمّا الأوّل فالكتاب الكریم ملؤ منه قال تعالى و إذ قال ربّك للملائكة إنّی جاعل فی الأرض خلیفة و إذ قال ربّك للملائكة إنّى خالق بشرا من طین إلى غیر ذلك مما لا حاجة إلى إیراده .

و أمّا الثّانی فلعلّه مبنیّ على أنّ اللفظ هو خصوص القول الصادر عن اللسان ففهم من ذلك و مما تقدّم قبیل ذلك أنّ القول یساوق الكلام فی جواز استنادهما إلى اللّه سبحانه ، و النطق و اللفظ یساوقان فی عدم جواز الاستناد إلیه ( و ) الثامن و الاربعون انّه ( یحفظ و لا یتحفّظ ) قال الشارح البحرانی حفظه یعود إلى علمه بالأشیاء ، و لما كان المعروف من العادة أنّ الحفظ یكون بسبب التحفظ و كان ذلك فی حقّه محالا لاستلزامه الآلات الجسمانیّة لا جرم احترز عنه .

-----------
( 1 ) المرویة عن نوف البكالى ، منه .

[ 95 ]

قال : و قال بعض الشارحین : إنما یرید بالحفظ أنّه یحفظ عباده و یحرسهم و لا یتحفّظ منهم أى لا یحتاج إلى حراسة نفسه منهم و هو بعید الارادة هنا ، انتهى .

أقول : الحفظ قد یطلق على الحفظ عن ظهر القلب یقال حفظ القرآن إذا وعاه على ظهر قلبه . و قد یطلق على الحراسة و الوقایة من المكاره یقال حفظه أی حرسه و التحفّظ هو قبول الحفظ عن الغیر على كون تاء التفعل للمطاوعة أو تكلّف الحفظ كما فی قولك تحلّم زید ، أی استعمل الحلم و كلّف نفسه إیّاه لیحصل ، فمعنى التكلّف هو أن یتعانى الفاعل ذلك الفعل لیحصل بمعاناته فیقتضى أن یكون الفعل غیر ثابت للفاعل و یكون الفاعل طالبا لتحصله بالممارسة ، و قال فی القاموس التحفّظ هو الاحتراز و فسّر الاحتراز كالتحرّز بالتوقّى و لعلّه مبنیّ على جعل تاء للاتّخاذ فمعنى التحفظ هو اتّخاذ الحفظ أى اتّخاذ الحرز و الوقایة .

إذا عرفت ذلك فأقول : إنّ الحفظ قد استند إلى اللّه سبحانه فی غیر واحدة من الآیات قال تعالى إنّا زیّنّا السّماء الدّنیا بزینة الكواكب و حفظا من كلّ شیطان مارد و قال هل آمنكم علیه إلاّ كما أمنتكم على أخیه من قبل فاللّه خیر حافظا و هو أرحم الراحمین و قال إنّا نحن نزّلنا الذّكر و إنّا له لحافظون و قال إنّ ربّی على كلّ شی‏ء حفیظ و قال و ربّك على كلّ شی‏ء حفیظ إلى غیر ذلك مما لا حاجة إلى ذكره .

و الحفیظ و الحافظ من جملة اسمائه الحسنى فلا غبار فی وصفه سبحانه بالحفظ على المعنى الثّانی أعنی الوقایة و الحراسة ، و هو المراد به فی الآیة الاولى و الثانیة و الثالثة أیضا و فی غیرها احتمالا ، و أمّا على المعنى الأوّل أعنى الحفظ عن ظهر القلب فلا ، لأنّه سبحانه منزّه عن القلب و الجوارح اللّهم إلاّ أن یراد به العلم مجازا ، لأنّه بهذا المعنى مستلزم للعلم ، فالحفیظ هو العلیم و الحافظ هو العالم اطلق اسم الملزوم على اللاّزم تجوّزا .

قال فی القاموس : و الحفیظ فی الأسماء الحسنى الذی لا یعزب عنه شی‏ء فی السماوات و لا فی الأرض تعالى شأنه .

[ 96 ]

فظهر بذلك ضعف ما قاله الصّدوق فی التوحید فی شرح الأسماء الحسنى حیث قال : الحفیظ هو الحافظ فعیل بمعنى فاعل ، و معناه أنه یحفظ الأشیاء و یصرف عنها البلاء و لا یوصف بالحفظ على معنى العلم لأنّا نوصف بحفظ القرآن و العلوم على المجاز ، و المراد بذلك أنا إذا علمناه لم یذهب عنا كما إذا حفظنا الشی‏ء لم یذهب عنا ، انتهى ، فتأمّل جیّدا .

و أمّا التحفظ فلا یوصف به سبحانه على أحد من معانیه الثلاثة أمّا على المعنى الأوّل و الثانی فواضح ، لأنّ المطاوعة و التكلّف مستلزمان للانفعال و التغیّر اللذین هما من صفات الأجسام .

و أمّا على الثالث فلأنّه تعالى لا مضادّ و لا مضارّ له فی ملكه و لا منازع و لا معاند له فی سلطانه فلا حاجة له إلى التوفّى و الاحتراز بل هو العزیز الغالب و القوىّ القاهر على كلّ شی‏ء .

( و ) التاسع و الاربعون انّه تعالى ( یرید و لا یضمر ) یعنى أنه یرید الأشیاء فیوجدها على وفق مشیّته و إرادته و لا یحتاج فی ایجادها كواحد منّا إلى الاضمار أى إلى عزم القلب یقال : أضمر فی ضمیره شیئا عزم علیه و ضمیر الانسان قلبه و باطنه و هو سبحانه لیس بذی ضمیر حتّى یتصوّر فیه الاضمار ، و قد مرّ تحقیق الكلام بما لا مزید علیه فی إرادته سبحانه فی شرح الفصل الثالث من المختار التسعین ، و قدّمنا هناك عن المفید روایة صفوان بن یحیى الناصّة بالفرق بین إرادة اللّه سبحانه و إرادة العبد .

و ینبغی إعادة تلك الروایة هنا و اتّباعها بشرح ما تضمّنته من المرام لمزید ارتباطها المقام و ایضاحها لكلام الامام علیه السّلام فأقول :

روى فی الكافى عن أحمد بن إدریس عن محمّد بن عبد الجبّار عن صفوان بن یحیى ، و فی البحار من توحید الصّدوق ( ره ) و العیون عن ابن إدریس عن أبیه عن محمّد بن عبد الجبّار عن صفوان بن یحیى قال : قلت لأبى الحسن علیه السّلام أخبرنى عن

[ 97 ]

الارادة من اللّه عزّ و جلّ و من الخلق ، فقال : الارادة من المخلوق الضمیر و ما یبدو له بعد ذلك من الفعل ، و أمّا من اللّه عزّ و جلّ فارادته إحداثه لا غیر ذلك لأنه لا یروّی 1 و لا یهمّ و لا یتفكّر هذه الصّفات منفیّة عنه و هى من صفات الخلق ،

فارادة اللّه هى الفعل لا غیر ذلك یقول له كن فیكون بلا لفظ و لا نطق بلسان و لا همّة و لا تفكّر و لا كیف لذلك كما أنّه بلا كیف .

قال صدر المتألّهین فی شرح الكافی : الارادة فینا كیفیّة حادثة تحدث عقیب تصوّر الشی‏ء الملائم و التّصدیق بثبوته و نفعه تصدیقا علمیّا أو جهلیا أو ظنیّا أو تخییلیّا راجحا ، و ربما یحصل ذلك التصدیق الراجح بعد تردّد و استعمال رویّة ،

فاذا بلغ حدّ الرجحان وقع العزم الذی هو الارادة ، فاذا حصلت الارادة سواء كانت مع شوق حیوانی كالشهوة أو الغضب أم لا ، یصدر الفعل لا محالة و یبدو فی الوجود .

و أمّا إرادة اللّه الحادثة فلیست صفة له لاستحالة حدوث صفة أو كیفیّة فی ذاته و هی لیست إلاّ إضافة إحداثه لأمر كاین لا غیر لتعالیه عن الرّویة و الهمّة و الفكر لما علمت أنّ هذه منفیة عنه تعالى لكونها صفات المخلوقین و كما لا مثل لذاته لا شبه لصفاته ، بل صفاته الحقیقیة ذاته .

و قال العلاّمة المجلسی ( ره ) فی البحار فی بیان معنى الحدیث : إنّ إرادة اللّه كما ذهب إلیه أكثر متكلّمی الامامیة هی العلم بالخیر و النفع و ما هو الأصلح و لا یثبتون فیه تعالى وراء العلم شیئا ، و لعلّ المراد بهذا الخبر و أمثاله من الأخبار الدالة على حدوث الارادة هو أنّه یكون فی الانسان قبل حدوث الفعل اعتقاد النّفع فیه ثمّ الرّویّة ثمّ الهمّة ثمّ انبعاث الشوق منه ثمّ تأكّده إلى أن یصیر إجماعا باعثا على الفعل ، و ذلك كلّه إرادة فینا متوسّطة بین ذاتنا و بین الفعل و لیس فیه تعالى بعد العلم القدیم بالمصلحة من الامور المقارنة للفعل سوى الاحداث و الایجاد ،

فالاحداث فی الوقت الذی تقتضى المصلحة صدور الفعل فیه قایم مقام ما یحدث

-----------
( 1 ) الرویة التفكر ، و الهمة القصد ( منه )

[ 98 ]

من الامور فی غیره تعالى ، فالمعنى أنّ ذاته تعالى بصفاته الذاتیة الكمالیة كافیة فی حدوث الحادث من غیر حاجة إلى حدوث أمر فی ذاته عند حدوث الفعل .

و قال الشارح المازندرانی للكافی فی شرحه : إنّ الراوى سأل عن الفرق بین إرادة اللّه و إرادة الخلق و طلب معرفتهما فقال علیه السّلام : « الارادة من الخلق الضمیر » أى تصوّر الفعل و توجّه الذّهن إلیه « و ما یبدو لهم بعد ذلك من الفعل » من صلة لبید و لا بیان لما لأنّ الفعل هو المراد دون الارادة ، اللهمّ إلاّ أن یراد بالفعل مقوّمات الارادة مثل تصوّر النفع و الاذعان به و الشوق إلیه و العزم له و تحریك القدرة إلى تحصیل الفعل المراد .

و الحاصل أنّ إرادة الخلق عبارة عن تصوّر الفعل ثمّ تصوّر النفع سواء كان النفع عقلیّا أو خیالیّا أو عینیّا أو دنیویّا أو اخرویّا ، ثمّ التصدیق بترتّب ذلك النفع على ذلك الفعل و الاذعان به جازما أو غیر جازم ، ثمّ الشوق إلیه ، ثمّ العزم الراسخ المحرك للقوّة و القدرة المحرّكة للعضو إلى تحصیل الفعل على ما ینبغی .

فالفعل یصدر عن الخلق من هذه المبادی المترتّبة التی هی عبارة عن إرادتهم التامّة المستتبعة له .

« و أما من اللّه فارادته إحداثه لا غیر ذلك » یعنی أنّ إرادته بسیطة و هی إحداث الفعل و ایجاده على وجه یوافق القضاء الأصلی و یطابق العلم الأزلی من الكمال و المقدار و الخواص و الآثار ، لا مركبة من الأمور المذكورة فی إرادة الخلق و لا شی‏ء منها ، « لأنّه تعالى لا یروّی » أى لا یفعل باستعمال الرّویّة أى النظر فی الأمر و عدم التعجیل « و لا یهمّ » أى لا یقصده « و لا یتفكّر » لیعلم حسنه و قبحه .

و الحاصل انّه لا ینظر إلى الفعل لیعلم نفعه و وجه حسنه و لا یهمّه بالشوق و العزم المتأكّد و لا یتفكّر و لا یتأمّل فیه لیعلم حسن عاقبته لتنزّهه عن استعمال الرأى و إحالة الهمّة و تحریك الشوق و العزم و ارتكاب التعمّق فی الامور و التفكّر فی أمر عاقبتها .

« و هذه الصفات منفیّة عنه تعالى » لأنّها من لواحق النفوس البشریّة و توابع

[ 99 ]

الجهل و نقصان العلم و هو سبحانه منزّه عن جمیع ذلك « و هی من صفات الخلق » لاحتیاجهم فی تحصیل مقاصدهم و تكمیل أفعالهم على وفق مطالبهم إلى حركات فكریّة و همّة نفسانیة و أشواق روحانیة و آلات بدنیّة بحیث لو فقدت إحداها بقوا متحیّرین جاهلین لا یجدون إلى وجه الصواب دلیلا ، و لا إلى طریق الفعل سبیلا .

« فارادة اللّه هی الفعل » أى الایجاد و الاحداث « لا غیر ذلك » من الضمیر المشتمل على المعانی المذكورة .

و الخمسون أنه ( یحبّ و یرضى من غیر رقّة ) الرّضا و المحبّة قیل : إنهما نظیران و إنما یظهر الفرق بضدّیهما ، فالمحبّة ضدّها البغض ، و الرضا ضدّه السخط قال الشارح البحرانی : الرّضا قریب من المحبّة و یشبه أن یكون أعمّ منها لأنّ كلّ محبّ راض عما أحبّه و لا ینعكس .

و كیف كان فالمراد أنه یحبّ المؤمنین و یرضى عنهم قال سبحانه « من یرتدّ منكم عن دینه فسوف یأتی اللّه بقوم یحبّهم و یحبّونه » و قال « لقد رضی اللّه عن المؤمنین إذ یبایعونك تحت الشجرة » .

و قوله : من غیر رقّة إشارة إلى أنّ المحبّة و الرّضا بالمعنى الذی یوصف به من اللّه سبحانه لیس بالمعنى الذی یوصف به المخلوق ، فانّ المحبّة فینا هو المیل الطبیعی إلى المحبوب بسبب تصوّر اللذّة ، و الرّضا هو سكون النفس بالنسبة إلى موافقة و ملائمة عند تصوّر كونه ملایما و موافقا .

و لما كان المحبة و الرّضا بهذا المعنى یستلزم الرّقة القلبیّة و الانفعال النفسانی الناشی عن تصوّر المعنى الذی لأجله حصلت المحبّة و المیل إلیه و الداعی إلى الرّضا عنه ، و كان سبحانه منزّها عن الانفعالات النفسانیة و التغیّرات الطبیعیّة لتنزّهه عن قوابلها ، لا جرم قال : من غیر رقّة .

فالمراد بمحبّته سبحانه إمّا إدراك الكمال فی المحبوب أو إرادته سبحانه للثواب و الخیر فی حقّ العبد و للتكمیل له .

فقد قیل فی تفسیر الآیة السابقة أعنى قوله : « یأتى اللّه بقوم یحبّهم و یحبّونه »

[ 100 ]

إنّ محبة اللّه صفة من صفات فعله فهى إحسان مخصوص یلیق بالعبد ، و محبّة العبد للّه حالة یجدها فی قلبه یحصل منها التعظیم و ایثار رضاه و الإستیناس بذكره .

و قیل : محبّته تعالى للعباد إنعامه علیهم و أن یوفقهم لطاعته و یهدیهم لدینه الذی ارتضاه ، و حبّ العباد أن یطیعوه و لا یعصوه .

و قال بعض المحقّقین : محبّة اللّه للعبد كشف الحجاب عن قلبه و تمكنه من أن یطأ على بساط قربه فانما یوصف به سبحانه باعتبار الغایات لا المبادى ، و علامة حبّه للعبد توفیقه للتجافی عن دار الغرور و الترقّی إلى عالم النور و الانس باللّه و الوحشة ممّن سواه و صیرورة جمیع الهموم هما واحدا ، و المراد رضاه عن العبد قال الشارح المعتزلی : هو أن یحمد فعله ، و قال البحرانی : رضاه یعود إلى علمه بموافقته لأمره و طاعته له .

و قال الطبرسیّ فی تفسیر قوله « لقد رضی اللّه عن المؤمنین » رضا اللّه سبحانه عنهم هو إرادته تعظیمهم و إثابتهم .

( و ) الواحد و الخمسون أنّه ( یبغض و یغضب من غیر مشقّة ) یظهر معنى هذه الفقرة مما قدّمناه فی الفقرة السابقة ، فانّ البغض ضدّ الحبّ و الغضب ضدّ الرضا فمعنى البغض فینا هو الكراهة للغیر و میل النفس عنه لتصوّر كونه مضرّا و مولما ، و یلزم ذلك النفرة الطبیعیة و ثوران القوّة الغضبیّة علیه و إرادة إهانته .

و معنى الغضب فینا هو ثوران النفس و حركة القوّة الغضبیّة عن تصوّر الموذی و المولم لإرادة دفعه و الإنتقام منه .

و لما كانا مستلزمین لازعاج القلب و غلیان دمه و أذى النفس و حصول التعب و المشقّة ، و كان وصف اللّه سبحانه بهما بهذا المعنى مستحیلا لتنزّهه من صفات الأجسام لا جرم قیّدهما بقوله : من غیر مشقّة .

فالمراد بهما إذا نسبا إلى اللّه سبحانه غایاتهما ، و هی إرادة العقوبة و الاهانة و التعذیب .

قال الطبرسی ( ره ) فی تفسیر قوله « فلمّا آسفونا انتقمنا منهم » أى أغضبونا ،

[ 101 ]

و غضب اللّه سبحانه على العصاة إرادة عقوبتهم ، و رضاه عن المطیعین إرادة ثوابهم الذی یستحقّونه على طاعتهم .

و فی روایة عمرو بن عبید مع أبی جعفر علیه السّلام و قد قال له قوله تعالى « و من یحلل علیه غضبی فقد هوى » ما هذا الغضب ؟ فقال علیه السّلام : هو العقاب یا عمرو ، إنّه من زعم أنّ اللّه قد زال من شی‏ء إلى شی‏ء فقد وصفه صفة المخلوقین .

و فی الكافی عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن العباس بن عمرو عن هشام بن الحكم فی حدیث الزندیق الذی سأل أبا عبد اللّه علیه السّلام أن قال له : فله رضى و سخط فقال : أبو عبد اللّه علیه السّلام : نعم لكن لیس ذلك على ما یوجد من المخلوقین ، و ذلك إنّ الرضا حالة تدخل علیه فتنقله من حال إلى حال لأنّ المخلوق أجوف معتمل مركب للأشیاء فیه یدخل ، و خالقنا لا یدخل للأشیاء فیه لأنّه واحد واحدى الذات واحدى المعنى ، فرضاه ثوابه و سخطه عقابه من غیر شی‏ء یتداخله فیهیّجه و ینقله من حال إلى حال ، لأنّ ذلك من صفة المخلوقین العاجزین المحتاجین .

یعنی أنّ عروض تلك الحالات و التغیّرات إنّما یكون لمخلوق أجوف له قابلیة ما یحصل فیه و یدخله معتمل بالكسر أى یعمل بأعمال صفاته و آلاته أو بالفتح أى مركب یعمل فیه الأجزاء و القوى ، و الأوّل أولى لیكون تأسیسا ، مركّب من أمور متباینة فی الحقیقة مختلفة فی الصّورة و الكیفیّة للأشیاء من الصفات و الجهات و الكیفیّات النفسانیّة مثل الرّضا و الغضب و غیرهما فیه یدخل و خالقنا لا یدخل للأشیاء فیه لاستحالة التركیب علیه ، لأنه واحد لیس كمثله شی‏ء واحدى الذات لا تركیب فیه أصلا لا ذهنا و لا خارجا ، واحدى المعنى و الصّفات ، فاذا لا كثرة فیه لا فی ذاته و لا فی صفاته الحقیقیّة ، و انما الاختلاف فی الفعل فیثیب عند الرّضا و یعاقب عند السّخط و الغضب من غیر مداخلة شی‏ء فیه یهیجه أى یوجب لهیجانه و ثورانه ، و ینقله من حال إلى حال ، لأنّ ذلك ینافی وجوب الوجود فلا یكون من صفاته سبحانه بل من صفات المخلوقین العاجزین .

[ 102 ]

و الحاصل أنّه إذا نسب الرضا و السخط و الحبّ و البغض و الموالاة و المعاداة إلى اللّه سبحانه وجب تأویلها و صرفها إلى معنى یصحّ فی حقّه ، لأنّ نسبة معانیها المعروفة فینا إلیه غیر صحیحة .

إذ الرّضا فینا حالة للنفس توجب تغیّرها و انبساطها لایصال النفع إلى الغیر أو الانقیاد لحكمه .

و السخط حالة اخرى توجب تغیّرها و انقباضها و تحرّكها إلى ایقاع السوء به أو الاعراض عنه .

و المحبّة حالة لها توجب میلها إلیه أو نفس هذا المیل .

و البغض حالة لها توجب الاعراض عنه و ایصال الضرر إلیه .

و قریب منهما الموالاة و المعاداة ، و كلّ علیه سبحانه محال ، فوجب التأویل و التأویل أنّ الرّضا و المحبّة و الموالاة بمعنى الاثابة و الاحسان و ایصال النفع و السخط و البغض و المعاداة بمعنى العقوبة و العذاب و عدم الاحسان و اللّه المستعان .

و الثانى و الخمسون أنّه ( یقول لما أراد كونه كن فیكون ) قال الشارح البحرانی : فارادته لكونه هو علمه بما فی وجوده من الحكمة و المصلحة ، و قوله :

كن ، إشارة إلى حكم قدرته الأزلیة علیه بالایجاد و وجوب الصدور عن تمام مؤثریته و قوله : فیكون إشارة إلى وجوده ، و دلّ على اللّزوم و عدم التأخر بالفاء المقتضیة للتعقیب بلا مهلة .

و فی مجمع البیان فی قوله « إنّما أمره إذا أراد شیئا أن یقول له كن فیكون » و التقدیر بأن یكوّنه فیكون فعبّر عن هذا المعنى بكن لأنّه أبلغ فیما یراد ، و لیس هنا قول و إنما هو إخبار بحدوث ما یریده .

و قال علیّ بن عیسى : الأمر ههنا أفخم من الفعل ، فجاء للتفخیم و التعظیم قال : و یجوز أن یكون بمنزلة التسهیل و التهوین ، فانّه إذا أراد فعل شی‏ء فعله بمنزلة ما یقول للشی‏ء كن فیكون فی الحال و أنشد :

فقالت له العینان سمعا و طاعة
و حدرتا كالدّر لمّا یثقّب

[ 103 ]

و انما أخبر عن سرعة دمعه دون أن یكون ذلك قولا على الحقیقة و فی الكشاف إنّما أمره أى شأنه إذا أراد شیئا إذا دعاه داعی حكمة إلى تكوینه و لا صارف أن یقول له كن أن یكوّنه من غیر توقّف فیكون فیحدث أى فهو كائن موجود لا محالة .

فان قلت : ما حقیقة قوله كن فیكون ؟

قلت : هو مجاز من الكلام و تمثیل ، لأنّه لا یمتنع علیه شی‏ء من المكوّنات و أنّه بمنزلة المأمور المطیع إذا ورد علیه أمر الآمر المطاع ، و المعنى أنّه لا یجوز علیه شی‏ء ممّا یجوز على الأجسام إذا فعلت شیئا ممّا تقدر علیه من المباشرة بمحال المقدور و استعمال الآلات و ما یتبع ذلك من المشقّة و التعب و اللّغوب ، و إنما أمره و هو القادر العالم لذاته أن یخلص داعیه إلى الفعل فیتكون .

و أنت بعد الخبرة بما ذكرنا تعرف أن قوله علیه السّلام ( لا بصوت یقرع و لا بنداء یسمع ) من باب الاحتراس ، فانّ ظاهر قوله علیه السّلام : یقول لما أراد كونه كن ، لما كان موهما أنّ قوله و كلامه تعالى من قبیل الحروف و الأصوات أتى بذلك دفعا لما یسبق إلى و هم العوام و تنبیها على أنّ قول كن منه لیس بلفظ مركب من الكاف و النّون متضمّن بصوت یقرع الأسماع ، و لا خطاب قابل للسّماع و الاستماع .

و ذلك لأنّ الصوت كیفیّة حادثة فی الهواء حاصلة من تموّجه المعلول للقرع الذی هو أساس عنیف أو القلع الذی هو تفریق عنیف بشرط مقاومة المقروع للقارع و المقلوع للقالع ، و یعرض له أى للصّوت كیفیّة ممیّزة له عن غیره من الأصوات المماثلة له یسمّى باعتبار تلك الكیفیّة حرفا ، فالحرف هی تلك الكیفیّة العارضة عند بعضهم ، و ذلك الصوت المعروض عند آخر و مجموع العارض و المعروض عند غیرهم .

و على أىّ تقدیر فالحروف الملفوظة المركبة منها الكلام هی من خصایص الانسان یخرج من الحلق و الحنجرة و اللّسان ، فیقرع الهواء المجاور لفم اللاّفظ و یموّجه صدما بعد صدم مع سكون بعد سكون حتّى یقع و یقرع العصبة المفروشة

[ 104 ]

فی سطح صماخ السامع فیحصل به السماع و الاستماع .

و لما كان سبحانه منزّها عن الآلات البدنیّة و الجوارح الانسانیّة یستحیل أن یخرج منه صوت یصدر منه لفظ ، فاذا لا یمكن أن یكون تكوینه للأشیاء بكلام ملفوظ أو نداء مسموع و هذا معنى قوله علیه السّلام : لا بصوت یقرع و لا بنداء یسمع ، هذا .

و العجب من الشارح البحرانی أنّه قال فی شرح لا بصوت یقرع : أى لیس بذی حاسّة فیقرعها الصوت ، لأنّ الصّوت حال تعرض الأجسام فلو كان له تعالى آلة سمع لكان جسما لكن التالی باطل فالمقدّم مثله انتهى .

و أنت خبیر بأنّ هذا الكلام نصّ فی أنّ الغرض منه نفى كون تكوینه للأشیاء بالأوامر الملفوظة و الخطابات المنطوقة لا نفى كونه ذا سمع و تنزیهه من القوّة السّامعة ، هذا .

و لما نفى كون تكوینه بكلام ملفوظ و نداء مسموع و كان المقام مقتضیا لبیان معنى كلامه عزّ و جلّ لا جرم عقّبه بقوله ( و انما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه و مثله ) .

قال الشارح البحرانی : أى أوجده فی لسان النّبیّ و صوّره فی لسانه و سوّى مثاله فی ذهنه .

و قال الشارح المعتزلی : مثّل القرآن لجبرئیل أى صوّر مثاله بالكتابة فی اللّوح المحفوظ فأنزل على محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

( لم یكن ) كلامه ( من قبل ذلك ) الانشاء و الاحداث ( كائنا ) إذ لو كان كذلك لكان قدیما لأنّ القدیم لیس إلاّ ما لا یكون مسبوقا بالعدم لا یفتقر الانشاء و التكوین ( و لو كان قدیما ) كما زعمه الحنابلة حسبما عرفته فی شرح المختار المأة و الثامن و السّبعین لكان واجب الوجود لذاته و لو كان واجب الوجود ( لكان إلها ثانیا ) لكن التالی باطل فالمقدّم مثله .

و بیان الملازمة أنّه لو لم یكن واجبا بل ممكنا موجودا فی الأزل لكان وجوده مفتقرا إلى المؤثّر فذلك المؤثّر إن كان غیر ذاته تعالى فهو محال ، لأنّه یلزم افتقاره

[ 105 ]

تعالى فی تحصیل صفته إلى غیره و هو واضح البطلان ، و یلزم أیضا أن یكون فی الأزل مع اللّه غیره یكون الاستناد إلیه فی حصول تلك الصفة فیكون إلها ثانیا بل هو أولى بالألوهیّة و هو محال ، و إن كان المؤثّر فیه ذاته فهو محال أیضا لأنّ المؤثّر واجب التقدّم بالوجود على الأثر فتعیّن أنه لو كان قدیما لكان واجب الوجود لذاته فكان إلها ثانیا .

و أما بطلان التالی فلقیام البراهین العقلیّة و النقلیّة على وحدانیّته تعالى حسبما مرّ كثیر منها فی تضاعیف الشرح ، و نورد هنا حدیث الفرجة الذی هو من غوامض الأحادیث لمناسبته بالمقام و نعقّبه بحلّه و شرحه فأقول :

روى فی الكافی عن هشام بن الحكم فی حدیث الزندیق الذی أتى أبا عبد اللّه علیه السّلام و كان من قول أبی عبد اللّه علیه السّلام .

لا یخلو قولك إنّهما اثنان من أن یكونا قدیمین قویّین أو یكونا ضعیفین أو یكون أحدهما قویا و الآخر ضعیفا ، فان كانا قویّین فلم لا یدفع كلّ واحد منهما صاحبه و ینفرد بالتدبیر و إن زعمت أنّ أحدهما قوىّ و الآخر ضعیف ثبت أنّه واحد بالربوبیة كما نقول للعجز الظاهر فی الثّانی و إن قلت إنّهما اثنان لم یخل من أن یكونا متفقین من كلّ وجه أو مفترقین من كلّ جهة .

فلما رأینا الخلق منتظما و الفلك جاریا و التدبیر واحدا و اللّیل و النهار و الشمس و القمر دلّ صحّة الأمر و التدبیر و ایتلاف الأمر على أنّ المدبّر واحد ثمّ یلزمك ان ادّعیت اثنین فرجة ما بینهما حتّى یكونا اثنین فصارت الفرجة ثالثا بینهما قدیما معهما فیلزمك كلانة فان ادّعیت ثلاثة لزمك ما قلت فی الاثنین حتّى یكون بینهم فرجة فیكونوا خمسة ثمّ تتناهی فی العدد إلى ما لا نهایة له فی الكثرة .

و رواه فی البحار من توحید الصّدوق مسندا عن هشام بن الحكم مثله .

و شرحه على ما شرحه صدر المتألهین فی شرح الكافی بتلخیص منّا هو إنّه إشارة إلى حجّتین : إحداهما عامیة مشهورة و الاخرى خاصیّة برهانیّة .

أما الاولى فقوله علیه السّلام « لا یخلو قولك إلى قوله للعجز الظاهر فی الثانی »

[ 106 ]

و معناه أنه لو فرض قدیمان فلا یخلو أن یكون كلاهما قویّین أو كلاهما ضعیفین أو أحداهما قویّا و الآخر ضعیفا و الثلاثة بأسرها باطلة .

أمّا الأوّل فلأنه إذا كانا قویّین و كلّ منهما فی غایة القوّة من غیر ضعف و عجز كما هو المفروض و القوّة تقتضی القهر و الغلبة على كلّ شی‏ء سواه فما السبب المانع لأن یدفع كلّ واحد منهما صاحبه حتّى ینفرد بالتدبیر و الرّبوبیة و الغلبة على غیره ، إذ اقتضاء القهر و الغلبة و الاستعلا مركوز فی كلّ ذی قوّة على قدر قوّته و المفروض أنّ كلاّ منهما فی غایة القوّة .

و أما فساد الشقّ الثانی فهو ظاهر عند جمهور الناس لما حكموا بالفطرة من أنّ الضعف ینافی الالهیّة و لظهوره لم یذكره علیه السّلام .

و أیضا فساده یعلم بفساد الشقّ الثالث و هو قوله « و إن زعمت أنّ أحدهما قوىّ و الآخر ضعیف ثبت أنه » أى الاله « واحد كما » نحن « نقول للعجز الظاهر » فی المفروض ثانیا ، لأنّ الضعف منشأ العجز ، و العاجز لا یكون إلها بل مخلوقا محتاجا لأنّه محتاج إلى من یعطیه القوّة و الكمال و الخیریّة .

و أما الحجة البرهانیة فأشار إلیها بقوله « و إن قلت إنهما إثنان » و بیانه أنّه لو فرض موجودان قدیمان فامّا أن یتّفقا من كلّ جهة أو یختلفا من كلّ جهة أو یتّفقا بجهة و یختلفا باخرى و الكلّ محال .

أمّا بطلان الأوّل فلأنّ الاثنینیّة لا تتحقّق إلاّ بامتیاز أحد الاثنین عن صاحبه و لو بوجه من الوجوه .

و أمّا بطلان الثانی فلما نبّه علیه بقوله « فلما رأینا الخلق منتظما » و تقریره أنّ العالم كلّه كشخص واحد كثیر الأجزاء و الأعضاء مثل الانسان ، فانا نجد أجزاء العالم مع اختلاف طبایعها الخاصة و تباین صفاتها و أفعالها المخصوصة یرتبط بعضها ببعض و یفتقر بعضها إلى بعض ، و كلّ منها یعین بطبعه صاحبه و هكذا نشاهد الأجرام العالیة و ما ارتكز فیها من الكواكب النیّرة فی حركاتها الدّوریّة و أضوائها الواقعة منها نافعة للسّفلیات محصّلة لأمزجة المركبات التی یتوقّف علیها صور

[ 107 ]

الأنواع و نفوسها و حیاة الكاینات و نشوء الحیوان و النبات ، فاذا تحقق ما ذكرنا من وحدة العالم لوحدة النظام و اتصال التدبیر دلّ على أنّ إلهه واحد و إلیه أشار بقوله « دلّ صحّة الأمر و التدبیر و ائتلاف الأمر على أنّ المدبّر واحد » .

و أمّا بطلان الشق الثالث و هو أنهما متّفقان من وجه و مختلفان من وجه آخر فبأن یقال كما أشار إلیه بقوله « ثمّ یلزمك » أنّه لا بدّ فیهما من شی‏ء یمتاز به أحدهما عن صاحبه و صاحبه عنه ، و ذلك الشی‏ء یجب أن یكون أمرا وجودیّا یوجد فی أحدهما و لم یوجد فی الآخر أو أمران وجودیّان یختصّ كلّ منهما بواحد ، و أمّا كون الفارق الممیّز بكلّ منهما عن صاحبه أمرا عدمیّا فهو ممتنع بالضرورة ، إذ الاعدام بما هی إعدام لا تمایز بینها و لا تمیز بها ، فاذا فرض قدیمان فلا أقلّ من وجود أمر ثالث یوجد لأحدهما و یسلب عن الآخر ، و هو المراد بالفرجة ، إذ به یحصل الانفراج أى الافتراق بینهما لوجوده فی أحدهما و عدمه فی الآخر ، و هو أیضا لا محالة قدیم موجود معهما و إلاّ لم یكونا اثنین قدیمین ، فیلزم أن یكون القدماء ثلاثة و قد فرض اثنان و هذا خلف ، ثمّ یلزم من كونهم ثلاثة أن یكونوا خمسة و هكذا إلى أن یبلغ عددهم إلى ما لا نهایة و هو محال .

أقول : و لا یخفى علیك أنه یمكن جعل الحدیث الشّریف إشارة إلى ثلاث حجج :

إحداها ما أشار إلیه بقوله : لا یخلو قولك إلى قوله : للعجز الظاهر فی الثانی .

و ثانیها ما أشار إلیه بقوله : و إن قلت إنهما اثنان إلى قوله : دلّ على أنّ المدبّر واحد .

و ثالثها ما أشار إلیه بقوله : ثمّ یلزمك ، إلى آخر الحدیث ، فعلیك بالتأمل فی استخراجها و اللّه الموفق .

الثالث و الخمسون أنّه عزّ و جلّ ( لا یقال ) فی حقّه ( كان بعد أن لم یكن ) هو نظیر قوله علیه السّلام فی الفصل السّادس من المختار الأوّل : كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، أى لیس وجوده بمحدث مسبوق بالعدم ، بل هو قدیم أزلیّ واجب الوجود

[ 108 ]

لذاته أو توضح أن یقال فی حقّه ذلك لاتّصف بالحدوث ( فتجرى علیه الصّفات المحدثات ) و فی بعض النسخ صفات المحدثات بالاضافة و هو الأنسب الأحسن بعود الضمیرین الآتیین فی بینها و علیها إلیها .

و على أىّ تقدیر فالغرض أنّ وصفه بالكینونیة بعد العدم أى وصفه بوصف الحدوث مستلزم لجریان الصّفات المحدثات أو صفات المحدثات علیه ، لكن التالی أعنی جریان تلك الصفات علیه باطل فالمقدّم مثله .

و أشار إلى بطلان التّالی بقوله ( و لا یكون بینها ) أى الصّفات المحدثات 1 أو نفس المحدثات ( و بینه ) تعالى شأنه ( فصل ) لاشتراكهما فی الحدوث و الامكان ( و لا له علیها فضل ) لاستوائهما فی الافتقار و الحاجة إلى المحدث ( فیستوى ) إذا ( الصانع و المصنوع و یتكافأ المبتدع ) أى یتماثل المخترع من الموجودات ( و البدیع ) أى المبدع الصانع سبحانه .

فالفعیل بمعنى فاعل قال تعالى : بدیع السّموات و الأرض ، و عن نسخة الرضی و یتكافا المبدع و البدیع و معناه كما ذكرنا و عن نسخة أخرى المبدع بكسر الدّال و البدیع ، فالمراد بالأوّل الصّانع ، و بالثانی المصنوع المبدع فالفعیل على ذلك بمعنى المفعول .

و على أىّ تقدیر فالغرض أنّ اتّصافه بصفات المحدثات مستلزم لاشتراكه معها فی وصف الحدوث و هو ظاهر البطلان ، بیّن الاستحالة .

و الرابع و الخمسون أنّه ( خلق الخلایق على غیر مثال خلا ) أى مضى و سبق ( من غیره ) یعنی فعله و صنعه بعنوان الابداع و الاختراع فهو الخالق للأشیاء على غیر مثال امتثله ، و لا مقدار احتذى علیه من معبود خالق كان قبله ، و قد عرفت تحقیقه فی شرح الفصل السّابع من المختار الأوّل و شرح الفصل الثّانی من المختار التّسعین .

-----------
( 1 ) التردید على اختلاف نسختى فى مرجع الضمیر ( منه )

[ 109 ]

و الخامس و الخمسون أنّه ( لم یستعن على خلقها ) أى الخلایق ( بأحد من خلقه ) و إلاّ لكان ناقصا بذاته مفتقرا إلى من هو مفتقر إلیه و هو محال .

( و ) السادس و الخمسون أنّه عزّ و جلّ خالق الأرض و باسطها مشتملة على ما فیها من بدایع الصنع ، و عجائب القدرة و دلائل الكبریاء و العظمة ، و قد مضى شرح واف لهذا المعنى فی شرح الفصل الثالث و الثامن من المختار الأوّل و شرح الفصل السادس من المختار التسعین و أشار هنا إلى بعض ما فیها من شواهد الربوبیّة و براهین التوحید و التفرید فقال :

( أنشأ الأرض فأمسكها من غیر اشتغال ) أى أمسكها على بین الماء « كذا » بقدرته الكاملة من غیر أن یشتغل بامساكها عن سایر أفعاله و صنایعه ، فانّه لا یشغله شأن عن شأن و هو تنزیه له عن الصّفات البشریة ، فانّ الواحد منّا إذا أمسك جسما ثقیلا اشتغل به عن سایر اموره .

( و أرساها على غیر قرار ) أی أثبتها على غیر قرار یعتمد علیه و لا مقرّ یتمكّن علیه .

( و أقامها بغیر قوائم ) أى أقامها على مور أمواج مستفحلة ، و لجج بحار زاخرة بغیر قوائم یقوم علیها .

( و رفعها بغیر دعائم ) أى رفعها على الماء بغیر عماد و دعامة تعلو علیها و تستند إلیها .

( و حصّنها من الاود و الاعوجاج ) أى جعلها حصینة منیعة من أن تمیل عن مركزها الحقیقی و تعوج إلى أحد جوانب العالم .

( و منعها من التهافت و الانفراج ) أى جعلها كرة واحدة ثابتة فی حیّزها و منعها من أن تتساقط قطعا و ینفرج بعض أجزائها عن بعض .

( أرسى أوتادها ) أى أثبت فیها الجبال الراسیات التی هی لها بمنزلة الأوتاد المانعة لها من المیدان و الاضطراب على ما عرفت تحقیقه فی شرح الفصل الثّالث من المختار الأوّل .

[ 110 ]

( و ضرب أسدادها ) أى نصب بین بقاعها و بلادها على اقتضاء الحكمة و المصلحة أسدادا حاجزة و حدودا مایزة من الجبال الراسیة و الأنهار الجاریة و نحوها قال تعالى « فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بیننا و بینهم سدّا » .

( و استفاض عیونها ) أى أفاض العیون و أجرى منها الماء الذی هو مادّة حیاة الأحیاء ( و خدّأ أودیتها ) أى شقّها و جعلها مراتع للبهایم و مزارع للناس لعلّهم یعقلون و لما عدّ علیه السّلام عددا من بدایع الصّنع و آثار العظمة فرّع علیه قوله : ( فلم یهن ما بناه و لا ضعف ما قواه ) تنبیها على عظمة صانعها و مبدعها ، لأنّ عدم تطرّق الوهن و الضعف على تلك الآثار مع طول الزمان و مرور الدهور كاشف عن كمال قدرة المؤثّر و قوّته و عظمته .

و السابع و الخمسون ما أشار إلیه بقوله ( هو الظاهر علیها بسلطانه و عظمته ) أى الغالب القاهر على الأرض و ما فیها باستیلاء قدرته و قوّته و سلطنته القاهرة و عظمته الباهرة .

و الثامن و الخمسون ما أشار إلیه بقوله ( و هو الباطن لها بعلمه و معرفته ) أى الخبیر علیها و على ما فیها بعلمه الذى لا یعزب عنه شی‏ء و لما كان المتبادر من الظهور و البطون الظهور و البطون الحسّیّین قیّد الأوّل بالسلطان و العظمة و الثّانی بالعلم و المعرفة تنبیها على أنّ المراد بهما إذا نسبتا إلى اللّه سبحانه لیس معناهما المتعارف لاستحالته فی حقّه تعالى و اختصاصه بالأجسام و الجسمانیّات بل معنى آخر یلیق بذاته و لا ینافی قدسه .

( و ) التاسع و الخمسون أنّه ( العالی على كلّ شی‏ء منها ) لا بالعلوّ الحسّی المتصوّر فی الأجسام كما یزعمه المجسّمة القائلون بأنه على العرش متشبّثین بقوله :

الرّحمن على العرش استوى ، لما عرفت مرارا فساد هذا الزعم كما عرفت تأویل الآیة الشریفة بل بالعلوّ المعنوىّ و هو العلوّ ( بجلاله و عزّته ) و المراد بجلاله تنزّهه عن صفات النقصان و تقدّسه عن عوارض الامكان ، فهو باعتبار تنزّهه عنها فی أوج الكمال الأعلى ، و المراد بعزّته قهره و غلبته و سلطانه .

[ 111 ]

الستون أنّه ( لا یعجزه شی‏ء منها طلبه ) لتمام سلطانه و قدرته و افتقار جمیع من سواه إلیه فی وجوده و بقائه و تقلّباته فكیف یتصوّر أن یعجز من هو محتاج فی ذاته و صفاته و حركاته و سكناته و جمیع حالاته إلیه قال عزّ من قائل : « و ما كان اللّه لیعجزه من شی‏ء فی السموات و لا فی الأرض إنّه كان علیما قدیرا » ( و ) الواحد و الستون ( لا یمتنع علیه شی‏ء فیغلبه ) لما قلناه من تمام سلطانه و كمال قدرته و افتقار كلّ إلیه ، فلا رادّ لقضائه و لا دافع لحكمه كما قال فی كتابه العزیز : « إن یشأ یذهبكم أیّها الناس و یأت بآخرین و كان اللّه على ذلك قدیرا » و فی آیة أخرى « و كان اللّه على كلّ شی‏ء مقتدرا » .

( و ) الثانى و الستون أنّه ( لا یفوته السریع منها فیسبقه ) أى لا یفوته سریع السیر و الحركة من الأشیاء فیسبقه بقوّة حركته ، لاستلزام ذلك نقصا فی قدرته و عجزا فی ذاته و لاستواء نسبة الأمكنة و المكانیّات و الأزمنة و الزمانیّات إلیه سبحانه قال تعالى : « كلا إنا خلقناهم مما یعلمون . فلا اقسم بربّ المشارق و المغارب إنّا لقادرون .

على أن نبدّل خیرا منهم و ما نحن بمسبوقین .

قال الطبرسیّ : یعنی أنا نقدر على أن نهلكهم و نأتی بدلهم بقوم آخرین خیرا منهم و أنّ هؤلاء الكفار لا یقوون بأن یتقدّموا على وجه یمنع من لحاق العذاب بهم فانهم لم یكونوا سابقین و لا العقاب مسبوقا منهم ، و التقدیر و ما نحن بمسبوقین لفوت عقابنا إیّاهم فانهم لو سبقوا عقابنا لسبقونا .

( و ) الثالث و الستون أنّه ( لا یحتاج إلى ذى مال فیرزقه ) لأنّه الغنیّ المطلق و ما سواه مفتقر إلیه فكیف یفتقر إلى ما هو محتاج إلیه ، و المقصود بذلك و بما سبق كلّه تنزیهه من الصّفات البشریّة .

و الرابع و الستون أنّه ( خضعت الأشیاء ) كلّها ( له و ذلّت مستكینة ) خاضعة مهانة ( لعظمته ) لكونها جمیعا أسیرة فی قید الامكان مقهورة فی سلسلة الحدوث و الافتقار و النقصان .

فحیث كانت بهذه المثابة من الذّلّ و الانقهار ف ( لا تستطیع الهرب ) و الفرار

[ 112 ]

( من سلطانه الى غیره ) لأنّ الهارب و المهروب إلیه سیّان فی جهة التّذلل و الافتقار و كلّ شی‏ء خاشع له ، و كلّ قوىّ ضعیف عنده ، و كلّ عزیز ذلیل لدیه .

و على ذلك ( ف ) لا یمكن للهارب أن ( یمتنع ) بالهرب إلى الغیر و الاعتصام به ( من نفعه و ضرّه ) أى مما قضاه اللّه سبحانه فی حقّه و قدّره من النفع و الضرر .

فان قلت : الممتنع إنّما یمتنع من الضرر و الهارب یهرب منه دون المنفعة فما معنى قوله : من نفعه ؟

قلنا : المراد منه سلب القدرة على تقدیر امتناعه منه و الاشارة الى أنه قادر على ردّ شی‏ء مما قدّره اللّه فی حقّه مطلقا و أنه لا عاصم له من أمر اللّه أصلا ، فهو نظیر قوله سبحانه :

« قل من ذا الّذی یعصمكم من اللّه إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة و لا یجدون لهم من دون اللّه ولیّا و لا نصیرا » أى من ذا الّذی یدفع عنكم قضاء اللّه و یمنعكم من اللّه إن أراد بكم عذابا و عقوبة أو أراد بكم رحمة فانّ أحدا لا یقدر على ذلك ،

و لا یجدون من دون اللّه ولیّا یلى امورهم و لا نصیرا ینصرهم و یدفع عنهم .

( و ) الخامس و الستون ( لا كفوء له فیكافئه و لا نظیر له فیساویه ) أى لیس له سبحانه مكافى‏ء و مماثل إذ لو فرضنا له مكافئا فی رتبة الوجود فذلك المكافی‏ء لو كان ممكن الوجود كان محتاجا إلیه متأخّرا عنه فی الوجود فكیف یكون مكافئا له فی رتبة الوجود .

و إن كان واجب الوجود فهو ینافی الأحدیّة و یستلزم التركیب لأنّ كلّ ما له مثل فذاته مركب من جزئین أحدهما جهة الاتّحاد و المجانسة و الثانی جهة الامتیاز و الاثنینیّة .

و أیضا لا یتشخّص المهیّة المشتركة بین شیئین أو الأشیاء إلاّ بواسطة المادّة الجسمانیة و علائقها و هو سبحانه لبرائته من الأجسام و المواد و لكون إنیّته نفس مهیّته و لیس له مهیّة سوى الهویّة المحضة الوجودیّة كما اشیر إلیه فی قوله : « قل هو اللّه احد » لا یكون له مثل أصلا .





نظرات() 


Why is my Achilles tendon burning?
شنبه 18 شهریور 1396 03:11 ق.ظ
I constantly emailed this weblog post page to all my friends, because if like
to read it next my friends will too.
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox