تبلیغات
پیام هادی - تفاسیر نهج البلاغه
 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-05:18 ب.ظ

[ 186 ] و من خطبة له ع فی التوحید و تجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة

مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَیَّفَهُ وَ لاَ حَقِیقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ وَ لاَ إِیَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ وَ لاَ صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَیْهِ وَ تَوَهَّمَهُ كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ وَ كُلُّ قَائِمٍ فِی سِوَاهُ مَعْلُولٌ فَاعِلٌ لاَ بِاضْطِرَابِ آلَةٍ مُقَدِّرٌ لاَ بِجَوْلِ فِكْرَةٍ غَنِیٌّ لاَ بِاسْتِفَادَةٍ لاَ تَصْحَبُهُ اَلْأَوْقَاتُ وَ لاَ تَرْفِدُهُ اَلْأَدَوَاتُ سَبَقَ اَلْأَوْقَاتَ كَوْنُهُ وَ اَلْعَدَمَ وُجُودُهُ وَ اَلاِبْتِدَاءَ أَزَلُهُ بِتَشْعِیرِهِ اَلْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لاَ مَشْعَرَ لَهُ وَ بِمُضَادَّتِهِ بَیْنَ اَلْأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لاَ ضِدَّ لَهُ وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَیْنَ اَلْأَشْیَاءِ عُرِفَ أَنْ لاَ قَرِینَ لَهُ ضَادَّ اَلنُّورَ بِالظُّلْمَةِ وَ اَلْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ وَ اَلْجُمُودَ بِالْبَلَلِ وَ اَلْحَرُورَ بِالصَّرَدِ مُؤَلِّفٌ بَیْنَ مُتَعَادِیَاتِهَا مُقَارِنٌ بَیْنَ مُتَبَایِنَاتِهَا مُقَرِّبٌ بَیْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا مُفَرِّقٌ بَیْنَ مُتَدَانِیَاتِهَا لاَ یُشْمَلُ بِحَدٍّ وَ لاَ یُحْسَبُ بِعَدٍّ وَ إِنَّمَا تَحُدُّ اَلْأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا وَ تُشِیرُ اَلْآلاَتُ إِلَى نَظَائِرِهَا مَنَعَتْهَا مُنْذُ اَلْقِدْمَةَ وَ حَمَتْهَا قَدُ اَلْأَزَلِیَّةَ وَ جَنَّبَتْهَا لَوْلاَ اَلتَّكْمِلَةَ بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ وَ بِهَا اِمْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ اَلْعُیُونِ وَ لاَ یَجْرِی عَلَیْهِ اَلسُّكُونُ وَ اَلْحَرَكَةُ وَ كَیْفَ یَجْرِی عَلَیْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ وَ یَعُودُ فِیهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ وَ یَحْدُثُ فِیهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ وَ لَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ وَ لاَمْتَنَعَ مِنَ اَلْأَزَلِ مَعْنَاهُ وَ لَكَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ وَ لاَلْتَمَسَ اَلتَّمَامَ إِذْ لَزِمَهُ اَلنُّقْصَانُ وَ إِذاً لَقَامَتْ آیَةُ اَلْمَصْنُوعِ فِیهِ وَ لَتَحَوَّلَ دَلِیلاً بَعْدَ أَنْ كَانَ مَدْلُولاً عَلَیْهِ وَ خَرَجَ بِسُلْطَانِ اَلاِمْتِنَاعِ مِنْ أَنْ یُؤَثِّرَ فِیهِ مَا یُؤَثِّرُ فِی غَیْرِهِ اَلَّذِی لاَ یَحُولُ وَ لاَ یَزُولُ وَ لاَ یَجُوزُ عَلَیْهِ اَلْأُفُولُ لَمْ یَلِدْ فَیَكُونَ مَوْلُوداً وَ لَمْ یُولَدْ فَیَصِیرَ مَحْدُوداً جَلَّ عَنِ اِتِّخَاذِ اَلْأَبْنَاءِ وَ طَهُرَ عَنْ مُلاَمَسَةِ اَلنِّسَاءِ لاَ تَنَالُهُ اَلْأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ وَ لاَ تَتَوَهَّمُهُ اَلْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ وَ لاَ تُدْرِكُهُ اَلْحَوَاسُّ فَتُحِسَّهُ وَ لاَ تَلْمِسُهُ اَلْأَیْدِی فَتَمَسَّهُ وَ لاَ یَتَغَیَّرُ بِحَالٍ وَ لاَ یَتَبَدَّلُ فِی اَلْأَحْوَالِ وَ لاَ تُبْلِیهِ اَللَّیَالِی وَ اَلْأَیَّامُ وَ لاَ یُغَیِّرُهُ اَلضِّیَاءُ وَ اَلظَّلاَمُ وَ لاَ یُوصَفُ بِشَیْ‏ءٍ مِنَ اَلْأَجْزَاءِ وَ لاَ بِالْجَوَارِحِ وَ اَلْأَعْضَاءِ وَ لاَ بِعَرَضٍ مِنَ اَلْأَعْرَاضِ وَ لاَ بِالْغَیْرِیَّةِ وَ اَلْأَبْعَاضِ وَ لاَ یُقَالُ لَهُ حَدٌّ وَ لاَ نِهَایَةٌ وَ لاَ اِنْقِطَاعٌ وَ لاَ غَایَةٌ وَ لاَ أَنَّ اَلْأَشْیَاءَ تَحْوِیهِ فَتُقِلَّهُ أَوْ تُهْوِیَهُ أَوْ أَنَّ شَیْئاً یَحْمِلُهُ فَیُمِیلَهُ أَوْ یُعَدِّلَهُ لَیْسَ فِی اَلْأَشْیَاءِ بِوَالِجٍ وَ لاَ عَنْهَا بِخَارِجٍ یُخْبِرُ لاَ بِلِسَانٍ وَ لَهَوَاتٍ وَ یَسْمَعُ لاَ بِخُرُوقٍ وَ أَدَوَاتٍ یَقُولُ وَ لاَ یَلْفِظُ وَ یَحْفَظُ وَ لاَ یَتَحَفَّظُ وَ یُرِیدُ وَ لاَ یُضْمِرُ یُحِبُّ وَ یَرْضَى مِنْ غَیْرِ رِقَّةٍ وَ یُبْغِضُ وَ یَغْضَبُ مِنْ غَیْرِ مَشَقَّةٍ یَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ كُنْ فَیَكُونُ لاَ بِصَوْتٍ یَقْرَعُ وَ لاَ بِنِدَاءٍ یُسْمَعُ وَ إِنَّمَا كَلاَمُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَ مَثَّلَهُ لَمْ یَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ كَائِناً وَ لَوْ كَانَ قَدِیماً لَكَانَ إِلَهاً ثَانِیاً لاَ یُقَالُ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ یَكُنْ فَتَجْرِیَ عَلَیْهِ اَلصِّفَاتُ اَلْمُحْدَثَاتُ وَ لاَ یَكُونُ بَیْنَهَا وَ بَیْنَهُ فَصْلٌ وَ لاَ لَهُ عَلَیْهَا فَضْلٌ فَیَسْتَوِیَ اَلصَّانِعُ وَ اَلْمَصْنُوعُ وَ یَتَكَافَأَ اَلْمُبْتَدَعُ وَ اَلْبَدِیعُ خَلَقَ اَلْخَلاَئِقَ عَلَى غَیْرِ مِثَالٍ خَلاَ مِنْ غَیْرِهِ وَ لَمْ یَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ وَ أَنْشَأَ اَلْأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَیْرِ اِشْتِغَالٍ وَ أَرْسَاهَا عَلَى غَیْرِ قَرَارٍ وَ أَقَامَهَا بِغَیْرِ قَوَائِمَ وَ رَفَعَهَا بِغَیْرِ دَعَائِمَ وَ حَصَّنَهَا مِنَ اَلْأَوَدِ وَ اَلاِعْوِجَاجِ وَ مَنَعَهَا مِنَ اَلتَّهَافُتِ وَ اَلاِنْفِرَاجِ أَرْسَى أَوْتَادَهَا وَ ضَرَبَ أَسْدَادَهَا وَ اِسْتَفَاضَ عُیُونَهَا وَ خَدَّ أَوْدِیَتَهَا فَلَمْ یَهِنْ مَا بَنَاهُ وَ لاَ ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ هُوَ اَلظَّاهِرُ عَلَیْهَا بِسُلْطَانِهِ وَ عَظَمَتِهِ وَ هُوَ اَلْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَ مَعْرِفَتِهِ وَ اَلْعَالِی عَلَى كُلِّ شَیْ‏ءٍ مِنْهَا بِجَلاَلِهِ وَ عِزَّتِهِ لاَ یُعْجِزُهُ شَیْ‏ءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ وَ لاَ یَمْتَنِعُ عَلَیْهِ فَیَغْلِبَهُ وَ لاَ یَفُوتُهُ اَلسَّرِیعُ مِنْهَا فَیَسْبِقَهُ وَ لاَ یَحْتَاجُ إِلَى ذِی مَالٍ فَیَرْزُقَهُ خَضَعَتِ اَلْأَشْیَاءُ لَهُ وَ ذَلَّتْ مُسْتَكِینَةً لِعَظَمَتِهِ لاَ تَسْتَطِیعُ اَلْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَیْرِهِ فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وَ ضَرِّهِ وَ لاَ كُفْ‏ءَ لَهُ فَیُكَافِئَهُ وَ لاَ نَظِیرَ لَهُ فَیُسَاوِیَهُ هُوَ اَلْمُفْنِی لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا حَتَّى یَصِیرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا وَ لَیْسَ فَنَاءُ اَلدُّنْیَا بَعْدَ اِبْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَ اِخْتِرَاعِهَا وَ كَیْفَ وَ لَوِ اِجْتَمَعَ جَمِیعُ حَیَوَانِهَا مِنْ طَیْرِهَا وَ بَهَائِمِهَا وَ مَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَ سَائِمِهَا وَ أَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا وَ أَجْنَاسِهَا وَ مُتَبَلِّدَةِ أُمَمِهَا وَ أَكْیَاسِهَا عَلَى إِحْدَاثِ بَعُوضَةٍ مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا وَ لاَ عَرَفَتْ كَیْفَ اَلسَّبِیلُ إِلَى إِیجَادِهَا وَ لَتَحَیَّرَتْ عُقُولُهَا فِی عِلْمِ ذَلِكَ وَ تَاهَتْ وَ عَجَزَتْ قُوَاهَا وَ تَنَاهَتْ وَ رَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسِیرَةً عَارِفَةً بِأَنَّهَا مَقْهُورَةٌ مُقِرَّةً بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَائِهَا مُذْعِنَةً بِالضَّعْفِ عَنْ إِفْنَائِهَا وَ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ یَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ اَلدُّنْیَا وَحْدَهُ لاَ شَیْ‏ءَ مَعَهُ كَمَا كَانَ قَبْلَ اِبْتِدَائِهَا كَذَلِكَ یَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا بِلاَ وَقْتٍ وَ لاَ مَكَانٍ وَ لاَ حِینٍ وَ لاَ زَمَانٍ عُدِمَتْ عِنْدَ ذَلِكَ اَلْآجَالُ وَ اَلْأَوْقَاتُ وَ زَالَتِ اَلسِّنُونَ وَ اَلسَّاعَاتُ فَلاَ شَیْ‏ءَ إِلاَّ اَللَّهُ اَلْواحِدُ اَلْقَهَّارُ اَلَّذِی إِلَیْهِ مَصِیرُ جَمِیعِ اَلْأُمُورِ بِلاَ قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ اِبْتِدَاءُ خَلْقِهَا وَ بِغَیْرِ اِمْتِنَاعٍ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا وَ لَوْ قَدَرَتْ عَلَى اَلاِمْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا لَمْ یَتَكَاءَدْهُ صُنْعُ شَیْ‏ءٍ مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ وَ لَمْ یَؤُدْهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا خَلَقَهُ وَ بَرَأَهُ وَ لَمْ یُكَوِّنْهَا لِتَشْدِیدِ سُلْطَانٍ وَ لاَ لِخَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَ نُقْصَانٍ وَ لاَ لِلاِسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى نِدٍّ مُكَاثِرٍ وَ لاَ لِلاِحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدٍّ مُثَاوِرٍ وَ لاَ لِلاِزْدِیَادِ بِهَا فِی مُلْكِهِ وَ لاَ لِمُكَاثَرَةِ شَرِیكٍ فِی شِرْكِهِ وَ لاَ لِوَحْشَةٍ كَانَتْ مِنْهُ فَأَرَادَ أَنْ یَسْتَأْنِسَ إِلَیْهَا ثُمَّ هُوَ یُفْنِیهَا بَعْدَ تَكْوِینِهَا لاَ لِسَأَمٍ دَخَلَ عَلَیْهِ فِی تَصْرِیفِهَا وَ تَدْبِیرِهَا وَ لاَ لِرَاحَةٍ وَاصِلَةٍ إِلَیْهِ وَ لاَ لِثِقَلِ شَیْ‏ءٍ مِنْهَا عَلَیْهِ لاَ یُمِلُّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَیَدْعُوَهُ إِلَى سُرْعَةِ إِفْنَائِهَا وَ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ وَ أَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ وَ أَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ ثُمَّ یُعِیدُهَا بَعْدَ اَلْفَنَاءِ مِنْ غَیْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَیْهَا وَ لاَ اِسْتِعَانَةٍ بِشَیْ‏ءٍ مِنْهَا عَلَیْهَا وَ لاَ لاِنْصِرَافٍ مِنْ حَالِ وَحْشَةٍ إِلَى حَالِ اِسْتِئْنَاسٍ وَ لاَ مِنْ حَالِ جَهْلٍ وَ عَمًى إِلَى حَالِ عِلْمٍ وَ اِلْتِمَاسٍ وَ لاَ مِنْ فَقْرٍ وَ حَاجَةٍ إِلَى غِنًى وَ كَثْرَةٍ وَ لاَ مِنْ ذُلٍّ وَ ضَعَةٍ إِلَى عِزٍّ وَ قُدْرَةٍ


[ 54 ]

و من خطبة له علیه السّلام و هى المأة و الخامسة و الثمانون من المختار فی باب الخطب

و هی مرویة فی الاحتجاج من قوله علیه السّلام : لا یشمل بحدّ إلى آخرها مثل ما فی المتن من دون اختلاف إلاّ فی ألفاظ یسیرة .

قال السید ( ره ) : و تجمع هذه الخطبة من اصول العلم مالا تجمعه خطبة .

ما وحّده من كیّفه ، و لا حقیقته أصاب من مثّله ، و لا إیّاه عنى من شبّهه ، و لا صمده من أشار إلیه و توهّمه ، كلّ معروف بنفسه مصنوع ، و كلّ قائم فی سواه معلول ، فاعل لا باضطراب آلة ، مقدّر لا بجول فكرة ، غنیّ لا باستفادة ، لا تصحبه الأوقات ، و لا ترفده الأدوات ، سبق الأوقات كونه ، و العدم وجوده ، و الإبتداء أزله .

بتشعیره المشاعر عرف أن لا مشعر له ، و بمضادّته بین الامور عرف أن لا ضدّ له ، و بمقارنته بین الأشیاء عرف أن لا قرین له ،

ضادّ النّور بالظّلمة ، و الوضوح بالبهمة ، و الجمود بالبلل ، و الحرور بالصّرد ، مؤلّف بین متعادیاتها ، مقارن بین متبایناتها ، مقرّب بین متباعداتها ، مفرّق بین متدانیاتها ، لا یشمل بحدّ ، و لا یحسب بعدّ و إنّما تحدّ الأدوات أنفسها ، و تشیر الالات إلى نظائرها ، منعتها منذ

[ 55 ]

القدمة ، و حمتها قد الأزلیّة ، و جنّبتها لو لا التّكملة ، بها تجلّى صانعها للعقول ، و بها امتنع عن نظر العیون ، لا یجری علیه السّكون و الحركة ، و كیف یجری علیه ما هو أجراه ، و یعود فیه ما هو أبداه و یحدث فیه ما هو أحدثه ، إذا لتفاوتت ذاته ، و لتجزّء كنهه ، و لا امتنع من الأزل معناه ، و لكان له وراء إذ وجد له أمام ، و لالتمس التّمام إذ لزمه النّقصان ، و إذا لقامت آیة المصنوع فیه ، و لتحوّل دلیلا بعد أن كان مدلولا علیه ، و خرج بسلطان الإمتناع من أن یؤثّر فیه ما یؤثّر فی غیره .

الّذی لا یحول و لا یزول ، و لا یجوز علیه الأفول ، لم یلد فیكون مولودا ، و لم یولد فیصیر محدودا ، جلّ عن اتّخاذ الأبناء ،

و طهر عن ملامسة النّساء ، لا تناله الأوهام فتقدّره ، و لا تتوهّمه الفطن فتصوّره ، و لا تدركه الحواسّ فتحسّه ، و لا تلمسه الأیدی فتمسّه ، لا یتغیّر بحال ، و لا یتبدّل بالأحوال ، و لا تبلیه اللّیالی و الأیّام ، و لا تغیّره الضّیاء و الظّلام ، و لا یوصف بشی‏ء من الأجزاء ،

و لا بالجوارح و الأعضاء ، و لا بعرض من الأعراض ، و لا بالغیریّة و الأبعاض ، و لا یقال له حدّ و لا نهایة ، و لا انقطاع و لا غایة ،

[ 56 ]

و لا أنّ الأشیاء تحویه فتقلّه أو تهویه ، أو أنّ شیئا یحمله فیمیله أو یعدّله .

لیس فی الأشیاء بوالج ، و لا عنها بخارج ، یخبر لا بلسان و لهوات ، و یسمع لا بخروق و أدوات ، یقول و لا یلفظ ، و یحفظ و لا یتحفّظ ، و یرید و لا یضمر ، یحبّ و یرضى من غیر رقّة ، و یبغض و یغضب من غیر مشقّة ، یقول لما أراد كونه كن فیكون لا بصوت یقرع ، و لا بندآء ( ندآء خ ل ) یسمع ، و إنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه و مثّله ، لم یكن من قبل ذلك كائنا ، و لو كان قدیما لكان إلها ثانیا ، لا یقال كان بعد أن لم یكن فتجری علیه الصّفات المحدثات ( صفات المحدثات خ ل ) ، و لا یكون بینها و بینه فصل و لا له علیها فضل فیستوی الصّانع و المصنوع ، و یتكافأ المبتدع و البدیع ، خلق الخلایق على غیر مثال خلا من غیره ، و لم یستعن على خلقها بأحد من خلقه .

و أنشأ الأرض فأمسكها من غیر اشتغال ، و أرساها على غیر قرار و أقامها بغیر قوائم ، و رفعها بغیر دعائم ، و حصّنها من الأود و الإعوجاج و منعها من التّهافت و الإنفراج ، أرسى أوتادها ، و ضرب أسدادها ،

[ 57 ]

و استفاض عیونها ، و خدّ أودیتها ، فلم یهن ما بناه ، و لا ضعف ما قوّاه .

هو الظّاهر علیها بسلطانه و عظمته ، و هو الباطن لها بعلمه و معرفته و العالی على كلّ شی‏ء منها بجلاله و عزّته ، لا یعجزه شی‏ء منها طلبه و لا یمتنع علیه فیغلبه ، و لا یفوته السّریع منها فیسبقه ، و لا یحتاج إلى ذیمال فیرزقه ، خضعت الأشیاء له ، و ذلّت مستكینة لعظمته ،

لا تستطیع الهرب من سلطانه إلى غیره ، فتمتنع من نفعه و ضرّه ، و لا كفوء له فیكافئه ، و لا نظیر له فیساویه .

هو المفنى لها بعد وجودها حتّى یصیر موجودها كمفقودها ،

و لیس فناء الدّنیا بعد ابتداعها بأعجب من إنشآئها و اختراعها ، و كیف و لو اجتمع جمیع حیوانها من طیرها و بهائمها ، و ما كان من مراحها و سائمها ، و أصناف أسناخها و أجناسها ، و متبلّدة أممها و أكیاسها ،

على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها ، و لا عرفت كیف السّبیل إلى إیجادها ، و لتحیّرت عقولها فی علم ذلك و تاهت ، و عجزت قواها و تناهت ، و رجعت خاسئة حسیرة ، عارفة بأنّها مقهورة ، مقرّة بالعجز عن إنشائها ، مذعنة بالضّعف عن إفنائها .

و إنّه سبحانه یعود بعد فناء الدّنیا ، وحده لا شی‏ء معه ، كما كان

[ 58 ]

قبل ابتدائها كذلك یكون بعد فنائها ، بلا وقت و لا مكان ، و لا حین و لا زمان ، عدمت عند ذلك الاجال و الأوقات ، و زالت السّنون و السّاعات ، فلا شی‏ء إلاّ اللّه الواحد القهّار الّذی إلیه مصیر جمیع الامور بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها ، و بغیر امتناع منها كان فناءها ،

و لو قدرت على الإمتناع لدام بقاءها .

لم یتكاّده ( یتكاءده خ ل ) صنع شی‏ء منها إذ صنعه ، و لم یؤده منها خلق ما برئه و خلقه ، و لم یكوّنها لتشدید سلطان ، و لا لخوف من زوال و نقصان ، و لا للإستعانة بها على ندّ مكاثر ، و لا للإحتراز بها من ضدّ مثاور ، و لا للإزدیاد بها فی ملكه ، و لا لمكاثرة شریك فی شركه ، و لا لوحشة كانت منه فأراد أن یستأنس إلیها .

ثمّ هو یفنیها بعد تكوینها ، لا لسأم دخل علیه فی تصریفها و تدبیرها ، و لا لراحة واصلة إلیه ، و لا لثقل شی‏ء منها علیه ، لا یملّه ( لم یملّه خ ) طول بقائها ، فیدعوه إلى سرعة إفنائها ، لكنّه سبحانه دبّرها بلطفه ، و امسكها بأمره ، و أتقنها بقدرته .

ثمّ یعیدها بعد الفناء من غیر حاجة منه إلیها ، و لا استعانة بشی‏ء منها علیها ، و لا لانصراف من حال وحشة إلى حال استیناس ، و لا

[ 59 ]

من حال جهل و عمى إلى حال علم و التماس ، و لا من فقر و حاجة إلى غنى و كثرة ، و لا من ذلّ وضعة إلى عزّ و قدرة .

اللغة

( وضح ) یضح من باب وعد إذا انكشف و انجلی و ( البهمة ) لعلّها مأخوذة من أبهم الأمر و استبهم إذا اشتبه و ( الحرور ) بفتح الحاء فی أكثر النسخ و هكذا ضبطه الشارح المعتزلی قال الفیومی : الحرور و زان رسول الریح الحارة ، قال الفرّاء تكون لیلا و نهارا ، و قال أبو عبیدة : أخبرنا روبة أنّ الحرور بالنهار و السّموم باللیل و قال أبو عمرو بن العلا : الحرور و السّموم باللّیل و النهار ، و فی القاموس : الحرور الریح الحارة باللیل و قد تكون بالنّهار و حرّ الشمس و الحرّ الدائم و النار ، و فی نسخة الشارح البحرانی الحرور بالضمّ قال فی القاموس : الحرّ ضدّ البرد كالحرور بالضّم و الحرارة و ( اللهوات ) جمع لهات بفتح الّلام فیهما و هی اللحمة فی سقف أقصى الفم .

و ( المراح ) بالضمّ قال الشارح المعتزلی هی النعم ترد إلى المراح بالضمّ أیضا و هو الموضع الذی تأوى إلیه النعم ، و قال البحرانی : مراحها ما یراح منها فی مرابطها ، و معاطنها و سائمها ما ارسل منها للرعى .

أقول : یستفاد منهما أنّ المراح هنا اسم مفعول و ظاهر غیر واحد من اللّغویّین أنه اسم للموضع فقط ، قال فی القاموس : أراح الابل ردّها إلى المراح بالضمّ المأوى و قال الفیومى فی مصباح اللّغة : قال الازهری و أما راحت الابل فهی رائحة فلا یكون إلاّ بالعشى إذا أراحها راعیها على أهلها یقال : مرحت بالغداة إلى الرعى و راحت بالعشىّ على أهلها أى رجعت من المرعى إلیهم ، و قال ابن فارس : الرواح رواح العشىّ و هو من الزوال إلى اللّیل ، و المراح بالضّم حیث تأوى الماشیة باللّیل و المناخ و المأوى مثله و فتح المیم بهذا المعنى خطأ لأنه اسم مكان و الزمان و المصدر من أفعل بالألف مفعل بضمّ المیم على صیغة اسم المفعول ، و أمّا المراح

[ 60 ]

بالفتح فاسم الموضع من راحت بغیر ألف ، و اسم المكان من الثلاثی بالفتح ، انتهى .

و قال فی مادة السوم : سامت الماشیة سوما رعت بنفسها و یتعدّی بالهمزة فیقال أسامها راعیها ، قال ابن خالویه : و لم یستعمل اسم مفعول من الرّباعی بل جعل نسیا منسیّا و یقال أسامها فهى سائمة .

فقد ظهر من ذلك أن جعل المراح اسم مفعول من أراح كما زعمه الشارحان غیر جایز فهو اسم مكان و لا من تقدیر مضاف فی الكلام و تمام الكلام فی بیان المعنى و ( التبلّد ) ضد التجلّد من بلد بلادة كشرب و فرح فهو بلید أى غیر فطن و لا كیس و ( لم یتكأّده ) بالتشدید و الهمز من باب التّفعل و بالمدّ أیضا من باب التفاعل مضارع تكأد یقال تكأّدنی الأمر و تكائدنی أى شقّ علىّ ، و عقبة كؤدة صعبة .

الاعراب

قوله : منعتها منذ القدمة و حمتها قد الأزلیّة و جنبتها لو لا التكملة ، المروىّ من نسخة الرضیّ نصب القدمة و التكملة و الأزلیّة ، و من بعض النسخ رفعها ، فعلى الروایة الاولى الضمایر المتّصلة مفعولات اول للأفعال الثلاثة ، و لفظة منذ و قد و لو لا فی موضع الرّفع على الفاعل ، و المنصوبات الثلاث مفعولات ثانیة بالواسطة ، و على الروایة الثانیة فارتفاع الأسماء الثلاثة على الفاعلیّة ، و الضمایر المتّصلة مفاعیل و منذ و قد و لو لا مفاعیل ثوان .

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشریفة كما قاله السیّد ( ره ) مشتملة على مطالب نفیسة و مباحث شریفة من العلم الالهی مع تضمّنها للفصاحة و البلاغة و انسجام العبارات و حسن الاسلوب و بدیع النظم ، و لعمرى أنها فصل من كلامه علیه السّلام فی أرجائه مجال المقال واسع ، و لسان البیان صادع ، و ثاقب المطالب لامع ، و فجر المدایح طالع ، و مراح الامتداح جامع ، فهو لمن تمسّك بهداه نافع ، و لمن تعلّق بعراه رافع ، فیاله من فصل فضل كؤوس ینبوعه لذّة للشاربین ، و دروس مضمونه مفرحة للكرام الكاتبین یعظم للمحقّقین قدر وقعه ، و یعم للمدقّقین شمول نفعه .

[ 61 ]

كیف لا و الموصوف به الحقّ الأوّل ربّ العالمین ، و دیّان الدّین ، و خالق السّماوات و الأرضین ، إله الخلق أجمعین .

و الواصف جامع علوم الأوّلین و الآخرین ، خلیفة اللّه فی الأرضین ، معلم الملائكة و النّبیّین ، أمیر المؤمنین الذی بحار علومه و مآثره لا ینال قعرها بغوص الأفهام و جبال فضایله و مفاخره لا یرتقى قلالها بطیر العقول و الأوهام .

و تالی هذه الخطبة الشریفة خطبة أخرى لأبی الحسن الرّضا علیه السّلام یأتی إنشاء اللّه ذكرها فی شرح المختار المأة و الثامن 1 و هی أیضا تجمع من اصول علم التوحید ما لا یحصى كما یعرفه الناقد البصیر ذو الفهم الثاقب .

اذا عرفت ذلك فأقول : إنّه علیه السّلام قد وصف اللّه الملك العلاّم فی هذه الخطبة بأوصاف سلبیّة و اضافیّة .

أولها قوله علیه السّلام : ( ما وحّده من كیّفه ) أى من جعله مكیفا و وصفه سبحانه بالكیف فلم یجعله واحدا و لم یقل بوحدانیّته ، لكنّه تعالى واحد و توحیده واجب لقیام الأدلة العقلیّة و النقلیّة علیه حسبما مرّ فی تضاعیف المتن و الشرح غیر مرّة فتكییفه مطلقا باطل .

و إنّما كان التكییف منافیا للتوحید لأنّ الكیف بأقسامها الأربعة أعنى الكیفیات المحسوسة راسخة كانت كصفرة الذّهب و حلاوة العسل و تسمى انفعالیات أو غیر راسخة كحمرة الخجل و صفرة الوجل و تسمّى انفعالات ، و الكیفیّات الاستعدادیّة سواء كانت استعدادا نحو الانفعال أى التهیؤ لقبول أثرها بسهولة أو سرعة كالمراضیّة و اللین ، أو استعدادا نحو اللاّ انفعال أى التهیؤ للمقاومة و بطوء الانفعال كالمصحاحیّة و الصّلابة ، و الكیفیات النفسانیّة المختصّة بذوات الأنفس الحیوانیّة راسخة كانت و تسمّى ملكة كالعلم و الشجاعة و العدالة ، أو غیر راسخة و تسمّى حالا كغضب الحلیم و مرض الصّحاح ، و الكیفیات المختصّة بالكمیّات متّصلة كانت كالاستقامة و الانحناء و الشكل و الخلقة ، أو منفصلة كالزوجیّة و الفردیّة .

فهو بهذه الأقسام الثابتة له بالحصر العقلی أو الاستقرائی من أقسام العرض

-----------
( 1 ) كذا فی الاصل و لعلّه المختار المأتین و الثامن « م » .

[ 62 ]

و العرض هو الموجود الحال فی المحل على وجه الاختصاص الناعت أى یكون أحد الشیئین بالنسبة إلى الآخر بحیث یكون مختصّا به على وجه یوجب ذلك الاختصاص كون الأوّل نعتا و الثانی منعوتا كما فی السواد بالنسبة إلى الجسم ، فانّ اختصاصه به أوجب اتّصافه به فیقال جسم أسود فلو كان الحقّ الأوّل سبحانه موصوفا بالكیف بأیّ قسم من أقسامه لزم اقترانه به ، و المقارنة بین الموصوف و الوصف مستلزم للتثنیة لما قد مرّ فی الفصل الرابع من المختار الأوّل من قوله علیه السّلام : فمن وصف اللّه فقد قرنه و من قرنه فقد ثناه ، و التثنیة مناف للتوحید ، هذا .

و قد مرّ دلیل آخر على استحالة اتّصافه بالكیف فی شرح الفصل الثّانی من المختار التسعین فلیراجع هناك .

و توضیح ما قاله من جهة النقل ما رواه فی البحار من كتاب كفایة النصوص لعلیّ بن محمّد بن علیّ بن الخزاز الرازی عن أبی المفضّل الشّیبانی عن أحمد بن مطوق ابن سوار عن المغیرة بن محمّد بن المهلب عن عبد الغفار بن كثیر عن إبراهیم بن حمید عن أبی هاشم عن مجاهد عن ابن عبّاس قال :

قدم یهودیّ على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقال له : نعثل .

فقال : یا محمّد إنّی سائلك عن أشیاء تلجلج فی صدرى منذ حین فان أنت أجبتنی عنها أسلمت على یدك ، قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : سل یا با عمارة .

فقال : یا محمّد صف لی ربّك فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّ الخالق لا یوصف إلاّ بما وصف به نفسه و كیف یوصف الخالق الذی یعجز الحواس أن تدركه ، و الأوهام أن تناله ، و الخطرات أن تحدّه و الأبصار عن الاحاطة به ، جلّ عمّا یصفه الواصفون ، نأى فی قربه ،

و قرب فی نائه كیّف الكیفیّة فلا یقال له كیف ، و أیّن الأین فلا یقال له أین ، منقطع الكیفوفیّة و الأینونیّة ، فهو الأحد الصّمد كما وصف نفسه ، و الواصفون لا یبلغون نعته لم یلد و لم یولد و لم یكن له كفوا أحد .

قال : صدقت یا محمّد أخبرنی عن قولك إنّه واحد لا شبیه له ألیس اللّه واحد و الانسان واحد فوحدانیّته أشبهت وحدانیّة الانسان ؟

[ 63 ]

فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : اللّه واحد واحدىّ المعنی و الانسان واحد ثنوىّ المعنی جسم و عرض و بدن و روح ، فانما التشبیه فی المعانی لا غیر .

و الثانی قوله علیه السّلام ( و لا حقیقته أصاب من مثّله ) أى من أثبت له المثل فلم یعرفه حقّ معرفته ، لأنّه سبحانه واجب الوجود لیس كمثله شی‏ء فالجاعل له مثلا لم یعرفه بوجوب الوجود لأنّ وجوب الوجود ینفى المثل .

و المقصود بالكلام تنزیهه سبحانه عن المماثل و تحقیق أنّه سبحانه لا مثل له هو أنّ المثل هو المشارك فی تمام الماهیّة و هو تعالى لیس له شریك فلیس له مثل و أیضا قد تقرّر أنّه تعالى لا مهیّة له فلا یكون له مثل اذا الاشتراك فی المهیّة فرع وجود المهیّة .

و قال الشارح البحرانی : كلّ ما له مثل فلیس بواجب الوجود لذاته ، لأنّ المثلیّة إمّا أن یتحقق من كلّ وجه فلا تعدّد إذا لأنّ التعدّد یقتضى المغایرة بأمر ما و ذلك ینافی الاتحاد و المثلیّة من كلّ وجه هذا خلف ، و إمّا أن یتحقّق من بعض الوجود .

و حینئذ ما به التماثل إما الحقیقة أو جزؤها أو أمر خارج عنها .

فان كان الأوّل كان به الامتیاز عرضیا للحقیقة لازما أو زایلا لكن ذلك باطل لأنّ المقتضى لذلك العرضیة إمّا المهیّة فیلزم أن یكون مشتركا بین المثلین لأنّ مقتضى الماهیة الواحدة لا یختلف فما به الامتیاز لأحد المثلین عن الآخر حاصل للآخر هذا خلف ، أو غیرها فتكون ذات واجب الوجود مفتقرة فی تحصیل ما تمیّزها من غیرها إلى غیر خارجی هذا محال .

و ان كان ما به التماثل و الاتّحاد جزءا من المثلین لزم كون كلّ منهما مركبا فكل منهما ممكن هذا خلف .

و بقى أن یكون التماثل بأمر خارج عن حقیقتهما مع اختلاف الحقیقتین لكن ذلك باطل .

أمّا أولا فلامتناع وصف واجب الوجود بأمر خارج عن حقیقته لاستلزام اثبات الصفة

[ 64 ]

له تثنیته و تركیبه على ما مرّ .

و أمّا ثانیا فلأنّ ذلك الأمر الخارجی المشترك إن كان كمالا لذات واجب الوجود فواجب الوجود لذاته مستفید للكمال من غیره هذا خلف ، و إن لم یكن كمالا كان اثباته له نقصا ، لأنّ الزیادة على الكمال نقص فثبت أنّ كلّ ماله مثل فلیس بواجب الوجود لذاته .

و الثالث قوله علیه السّلام ( و لا إیّاه عنى من شبّهه ) و معناه مثل سابقه و الغرض به تنزیهه عن الشبیه .

و قال صدر المتألهین فی شرح الكافی : الضابطة الكلّیة فی تنزیهه تعالى عن الاشتراك مع غیره فی شی‏ء من الصّفات أو أمر من الأمور الوجودیّة أنّه یلزم عند ذلك إما المماثلة فی الذات أو المشابهة فی الصّفة ، لأنّ ذلك الأمر المشترك إن كان معتبرا فی ذاته تعالى فیلزم المثل ، و إن كان زایدا علیه فأشبه و كلاهما محال .

أمّا الأوّل فللزوم التركیب المستلزم للامكان و الحاجة ، و لما تقدّم من البرهان على نفى الماهیة عن واجب الوجود ، و أنّ كلّ ذی مهیّة معلول ، و أیضا قد برهن على أنّ أفراد طبیعة واحدة لا یمكن أن یكون بعضها سببا للبعض مقدما علیه بالذات ، و اللّه موجد كلّ ما سواه فلا مثل له فی الوجود .

و أمّا الثانی فذلك الأمر الزاید إن كان حادثا لزم الانفعال و التغیر الموجبین للتركیب تعالى عن ذلك علوّا كبیرا ، و إن كان أزلیّا لزم تعدّد الواجب تعالى و هو محال .

و الرابع قوله علیه السّلام ( و لا صمده من أشار إلیه و توهّمه ) أى لم یقصده سبحانه من أشار إلیه بالاشارة الحسیّة أو العقلیّة ، لأنّ من أشار إلیه فقد حدّه ، و من حدّه فقد عدّه ، و من عدّه فقد أبطل أزله حسبما عرفته فی شرح الفصل الخامس من المختار الأوّل ، و فی شرح المختار المأة و الثّانی و الخمسین ، فالموجّه قصده إلى من یشیر إلیه موجّه له إلى شی‏ء ممكن لیس بواجب ، و كذلك من وجّه قصده إلى شی‏ء موهوم

[ 65 ]

موجه له إلى مخلوق مصنوع مثله لا إلى المعبود بالحقّ الواجب لذاته ، لتنزّهه سبحانه عن ادراك العقول و الأوهام ، و تقدّسه عن درك الافهام حسبما عرفته فی شرح الفصل الثانى من المختار الأوّل و غیره .

و قد قال الباقر علیه السّلام كلّ ما میّزتموه بأوهامكم فی أدقّ معانیه مخلوق مثلكم و لعلّ النمل الصّغار تتوهّم أنّ للّه زبانین « زبانیین » فانّ ذلك كمالها و تتوهّم أنّ عدمهما نقصان لمن لا یتّصف بهما .

و الخامس قوله علیه السّلام ( كلّ معروف بنفسه مصنوع ) و الغرض منه نفى العلم به بحقیقته بیان ذلك أنه تعالى لو كان معروفا بنفسه أى معلوما بحقیقته لكان مصنوعا إذ كلّ معروف مصنوع لكن التالى باطل فالمقدّم مثله ، أما بطلان التالى فلأنّ المصنوع مفتقر إلى الصانع و المفتقر ممكن لا یكون واجبا ، و أما وجه الملازمة فلأنّ كلّ معلوم بحقیقته فانّما یعلم من جهة أجزائه و كلّ ذی جزء فهو مركب محتاج إلى مركّب یركّبه و صانع یصنعه ، فثبت بذلك أنّ كلّ معلوم الحقیقة مصنوع فانقدح منه أنّه تعالى شأنه غیر معروف بنفسه بل معروف بآثاره و آیاته .

و السادس قوله علیه السّلام ( و كلّ قائم فی سواه معلول ) و الغرض منه نفى كونه قائما بغیره ، إذ لو كان قائما بغیره لكان معلولا ، لأنّ كلّ قائم فی سواه معلول لكن التالى باطل لأنّ المعلولیة ینافى وجوب الوجود فالمقدّم مثله ، و وجه الملازمة أنّ القائم بغیره محتاج إلى محلّ و كلّ محتاج ممكن و كلّ ممكن معلول فظهر منه أنه تعالى لا یكون قائما بغیره ، بل كلّ شی‏ء قائم به موجود بوجوده .

و یمكن تقریر الدلیل بنحو آخر و هو أن یقال : كلّ قائم فی سواه معلول و الواجب تعالى لیس بمعلول فینتج أنه لیس قائما بغیره ، و یأتی مثل هذا التقریر فی الفقرة السابقة أعنى قوله كلّ معروف اه .

السابع أنه تعالى ( فاعل لا باضطراب آلة ) یعنى أنه خالق الخلایق أجمعین جاعل السماوات و الأرضین موجد الأولین و الآخرین من دون حاجة فی فعله و ایجاده إلى اكتساب الآلات و تحصیل الأدوات ، لأنّ الافتقار إلیها من صفات الامكان

[ 66 ]

و لوازم النقصان و إنما أمره تعالى إذا أراد شیئا أن یقول له كن فیكون .

الثامن أنه ( مقدّر لا بجول فكرة ) یعنى أنه سبحانه قدّر لكلّ شی‏ء ما یستحقه من الوجود و أعطا كلّ موجود المقدار الذی یستعدّه من الكمال كما و كیفا فی الأرزاق و الآجال و نحوها من دون افتقار فی ذلك إلى جولان الفكر كما یفتقر إلیه غیره من البشر ، لأنّ الفكرة لا تلیق إلاّ بذوى الضمایر و هو تعالى منزّه عن الضمیر و سایر الآلات البدنیة .

التاسع أنّه سبحانه ( غنى لا باستفادة ) یعنى أنّ غناه تعالى بنفس ذاته الواجب لا كالأغنیاء منّا مستفیدا للغنى من الخارج و إلاّ لزم كونه تعالى ناقصا فی ذاته مستكملا بغیره و هو محال ، و أیضا كلّ غنیّ غیره فقد صار موجودا بوجوده و حصل له الغنى من بحر كرمه وجوده ، و معطى الشی‏ء لا یكون فاقدا له البتة .

العاشر أنه ( لا تصحبه الأوقات ) لأنه تعالى قدیم و الوقت و الزمان حادث و الحادث لا یكون مصاحبا للقدیم لاستلزام المصاحبة للمقارنة و المعیّة .

روى فی البحار من التوحید و الأمالى عن أبى بصیر عن أبی عبد اللّه الصادق علیه السّلام قال : إنّ اللّه تبارك و تعالى لا یوصف بزمان و لا مكان و لا حركة و لا انتقال و لا سكون بل هو خالق الزمان و المكان و الحركة و السكون و الانتقال ، تعالى عما یقول الظالمون علوا كبیرا .

( و ) الحادی عشر أنّه ( لا ترفده الأدوات ) أى لا تعینه الآلات فیما یوجده و ایده لغنائه عن الحاجة إلى الاعانة و تنزّهه عن الاستعانة حسبما عرفته آنفا .

و الثانی عشر أنه ( سبق الأوقات كونه ) أى وجوده أى كان وجوده سابقا على الأزمنة و الأوقات بحسب الزمان الوهمى أو التقدیرى و كان علّة لها و موجدا إیّاها .

( و ) الثالث عشر أنه سبق ( العدم وجوده ) أى وجوده لوجوبه سبق و غلب العدم فلا یعتریه عدم أصلا .

و قال الشارح البحرانی : المراد عدم الممكنات لأنّ عدم العالم قبل وجوده كان مستندا إلى عدم الداعى إلى ایجاده المستند إلى وجوده ، فوجوده سبق على

[ 67 ]

عدم الممكنات .

و قیل : ارید به اعدام الممكنات المقارنة لابتداء وجوداتها فیكون كنایة عن أزلیته و عدم ابتداء لوجوده .

( و ) الرابع عشر أنه سبق ( الابتداء أزله ) أى سبق وجوده الأزلی كلّ ابتداء فلیس لوجوده و لا شی‏ء من صفات ذاته ابتداء ، أو أنّ أزلیته سبق بالعلیة كلّ ابتداء و مبتداء .

الخامس عشر أنه تعالى ( بتشعیره المشاعر عرف أن لا مشعر له ) أى بخلقه و ایجاده المشاعر الادراكیة و الحواس و إفاضتها على الخلق عرف أن لا مشعر له ، إما لما مرّ من أنه تعالى لا یتّصف بخلقه ، أو لأنا بعد إفاضة المشاعر علینا علمنا حاجتنا فی الادراك إلیها فحكمنا بتنزّهه تعالى عنها لاستحالة الاحتیاج علیه سبحانه .

و قال الشارح المعتزلی : لأنّ الجسم لا یصحّ منه فعل الأجسام و هذا هو الدّلیل الذی یعول علیه المتكلّمون فی أنه تعالى لیس بجسم .

و قال الشارح البحرانی : و ذلك أنه تعالى لما تعالى خلق المشاعر و أوجدها و هو المراد بتشعیره لها امتنع أن یكون له مشعر و حاسة و إلاّ لكان وجودها له إمّا من غیره و هو محال ، أمّا أوّلا فلأنّه مشعر المشاعر و أمّا ثانیا فلأنه یكون محتاجا فی كماله إلى غیره فهو ناقص بذاته هذا محال ، و إمّا منه و هو أیضا محال لأنه إن كان من كمالات الوهیّته كان موجودا لها من حیث فاقد كمالا فكان ناقصا بذاته هذا محال ، و إن لم یكن كما لا كان اثباتها له نقصا لأنّ الزیادة على الكمال نقصان فكان ایجاده لها مستلزما لنقصانه و هو محال انتهى .

و اعترض علیه صدر المتألّهین فی شرح الكافى و قال فیه بحث من وجوه :

أحدها بطریق النقض فانّ ما ذكره لو تمّ یلزم أن لا یثبت له تعالى على الاطلاق صفة كمالیة كالعلم و القدرة و نحوهما بأن یقال امتنع أن یكون له علم مثلا و إلاّ لكان وجوده له إما من غیره ، إلى آخر ما ذكره .

و ثانیها بالحلّ و هو أنّ ههنا احتمالا آخر نختاره ، و هو أن یكون ذلك

[ 68 ]

المشعر عین ذاته كالعلم و القدرة فان بطلانه لو كان بدیهیّا لم یحتج إلى الاستدلال إذ كلّ ما یحتمل قبل الدلیل أن یكون عارضا له یحتمل أن یكون عینا له .

و ثالثها أنّ ما ذكره من الكلام على تقدیر تمامه استدلال برأسه لم یظهر فیه مدخلیة قوله بتشعیره المشاعر فی نفى المشعر عنه تعالى ، و إنما استعمله فی إثبات مقدّمة لم تثبت به و قد ثبت بغیره كما لا یخفى على الناظر فیه .

فالأولى أن یقال : قد تقرّر أنّ الطبیعة الواحدة لا یمكن أن یكون بعضها علّة لبعض آخر لذاته بأن یقال : لو فرض كون نار مثلا علّة النار أخرى فعلیّة هذه و معلولیة هذه إمّا لنفس كونهما نارا فلا رجحان لإحداهما فی العلّیة و للأخرى فی المعلولیّة لتساویهما فی الناریة ، بل یلزم أن یكون كلّ نار علّة للاخرى بل علّة لذاتها و معلولا لذاتها و هو محال و إن كان العلیة لانضمام شی‏ء آخر فلم یكن ما فرضناه علّة بل العلّة حینئذ ذلك الشی‏ء فقط لعدم الرجحان فی إحداهما للشرطیّة و الجزئیة أیضا لاتّحادهما من جهة المعنى المشترك و كذلك الحال لو فرض المعلولیّة لأجل ضمیمة ،

فقد تبیّن أنّ جاعل الشی‏ء یستحیل أن یكون مشاركا لمجعوله .

و به یعرف أنّ كلّ كمال و كلّ أمر وجودى یتحقّق فی الموجودات الامكانیة فنوعه و جنسه مسلوب عنه تعالى و لكن یوجد له ما هو أعلى و أشرف منه .

أمّا الأوّل فلتعالیه عن النقص و كلّ مجعول ناقص و إلاّ لم یكن مفتقرا الى جاعل و كذا ما یساویه فی المرتبة و آحاد نوعه كآحاد جنسه .

و أمّا الثانی فلأنّ معطى كلّ كمال لیس بفاقد له بل هو منبعه و معدنه و ما فی المجعول رشحه و ظلّه ، انتهى .

( و ) السادس عشر أنه سبحانه ( بمضادّته بین الامور عرف أن لا ضدّ له ) لأنّ الضدّ یطلق على معنیین .

أحدهما المعنى الاصطلاحى فیقال الضدّان فی الاصطلاح على الأمرین الوجودیّین الذین یتعاقبان على موضوع واحد و محلّ واحد .

و الثانی المعنى العرفی الذى هو المكافی‏ء للشّی‏ء و المساوى له فی القوّة

[ 69 ]

و على أىّ معنى كان فلیس یجوز أن یكون له سبحانه ضدّ .

أمّا على الأوّل فلأنّه لما خلق الأضداد فی محالها وجدناها محتاجة إلیها علمنا عدم كونه ضدّ الشی‏ء للزوم الحاجة إلى المحلّ المنافیة لوجوب الوجود أو لأنّا لما رأینا كلاّ من الضدّین یمنع وجود الآخر و یدفعه و یفنیه علمنا أنّه تعالى منزّه عن ذلك ، أو أنّ التضاد إنما یكون للتحدّد بحدود معیّنة لا تجامع غیرها كمراتب الألوان و الكیفیات ، و هو سبحانه منزّه عن الحدود ، و أیضا كیف یضادّ الخالق مخلوقه و الفایض مفیضه ؟ .

و أما على الثانى فلأنّ المساوى للقوّة فی الواجب یجب أن یكون واجبا فیلزم تعدد الواجب و هو باطل .

و قال الشارح البحرانی : إنّه لما كان خالق الأضداد فلو كان له ضدّ لكان خالقا لنفسه و لضدّه و هو محال ، و لأنّك لما علمت أنّ المضادّة من باب المضاف و علمت أنّ المضاف ینقسم إلى حقیقیّ و غیر حقیقىّ فالحقیقىّ هو الّذى لا نعقل مهیّته إلاّ بالقیاس إلى غیره ، و غیر الحقیقى هو الذی له فی ذاته مهیّة غیر الاضافة تعرض لها الاضافة ، و كیف ما كان لا بد من وجود الغیر حتى یوجد المضاف من حیث هو مضاف ، فیكون وجود أحد المضافین متعلّقا بوجود الآخر ، فلو كان لواجب الوجود ضدّ لكان متعلق الوجود بالغیر فلم یكن واجب الوجود لذاته هذا خلف انتهى .

أقول : و أنت خبیر بأنّ ما ذكره أخیرا فی علّة إبطال الضّد أعنى قوله : لو كان لواجب الوجود ضدّ لكان متعلّق الوجود بالغیر اه إنما یتمشّى فی القسم الأوّل أعنى المضاف الحقیقى ، و أمّا فی القسم الثانى فلا ، إذ تعلّق وجوده بالغیر ممنوع لأنّ له فى ذاته مهیّة موجودة كما صرّح به ، و إنما إضافته موقوفة على الغیر كما لا یخفى .

فالأولی أن یساق الدلیل إلى قوله حتّى یوجد المضاف من حیث هو مضاف على النحو الذی ساقه ثمّ یقال : و هو محال علیه تعالى .

أما على التقدیر الأول فظاهر إذ لا مكافى‏ء و لا مضادّ له فی الوجود لما أشرنا إلیه .

[ 70 ]

و أمّا على الثانى فلأنّ صفاته عین ذاته و لیس له صفة عارضة فلا یتّصف بالاضافة العرضیة ، و هذا كلّه بعد الغضّ عما برهن علیه من أنّ الواجب سبحانه لا مهیة له فافهم جیدا .

و به یظهر الجواب عما ربما یعترض فی المقام بأنّه تعالى بذاته مبدء الأشیاء و خالقها و موجدها ، و كلّ هذه الامور إضافات فیكون مضافا حقیقیا .

وجه ظهور الجواب أنّ المضاف من أقسام المهیة التى لها أجناس عالیة ،

و الوجود لیس بمهیة كلیة و لا جنس له و لا فصل سیّما وجود الواجب الذى لا یشوبه عموم و لا مهیّة ، ألا ترى أنّ كونه موجودا لا فی موضوع لا یوجب كونه جوهرا إذ الجواهر مهیّة حقّها فی الوجود الخارجى أن لا یكون فی موضوع ، و الأوّل تعالى لا مهیّة له فلا یكون جوهرا و كذا لا یكون مضافا .

( و ) السابع عشر أنّه ( بمقارنته بین الأشیاء عرف أن لا قرین له ) و الكلام فیه كما مرّ فی سابقه حرفا بحرف .

بأن یقال : انه تعالى خلق المقترنات و مبدء المقارنة بها فلو كان مقارنا لغیره لكان خالقا لنفسه و لقرینه و هو محال ، و أیضا المقارنة من باب المضاف و یمتنع أن یلحق الواجب لما تقدّم .

و قال صدر المتألهین فی شرح الكافی : برهانه أنه خالق المقترنات و نحو وجودها الذى بحسبه یكون مقترنا بالذات ، أو یصحّ علیه المقارنة .

فالأوّل ككون الشی‏ء عارضا لشی‏ء أو معروضا ملزوما له أو صورة شی‏ء أو مادّة شی‏ء أو جزء شی‏ء و الثانی ككون الشی‏ء معروضا بشی‏ء بعد ما لم یكن ، أو مادّة ككون جسم ملاقیا لجسم آخر و هذه كلّها ممّا لا یجوز لحوقه لكلّ موجود اتفق ، بل من الموجود ما یستحیل علیه لذاته الاقتران بشی‏ء كالمفارقات مثلا و كالاضداد بعضها لبعض .

و الغرض أنّ كون الشی‏ء بحیث یجوز علیه المقارنة شی‏ء آخر أمر یرجع إلى خصوصیّة ذاته و نحو وجوده ، و قد علمت أنّ خالق كلّ موجود لیس من نوع ذلك

[ 71 ]

الوجود ، فلو كان ذاته مقارنا بشی‏ء آخر و انحآء المقارنات محصورة و كل منها قد وجد فی المخلوقات فیلزم كونه من نوع المخلوقات بل یلزم كونه خالقا لنفسه كما مرّ .

الثامن عشر أنّه مضادّ بین الأمور المتضادّة و هو فی الحقیقة تأكید للوصف السّادس عشر ، لأنه قد ذكر جملة من أقسام المتضادّات و المتفرّقات لیتبیّن أنّ مضادّها و مفرّقها لیس من جنسها ، و یتّضح أنه لیس متّصفا بها و لا بالتضاد فقال :

( ضاد النّور بالظلمة ) و هو دلیل بظاهره بصیغة الفاعل على كون الظلمة أمرا وجودیا مطابق لقوله تعالى : و جعل الظلمات و النور إذ لو كان أمرا عدمیّا لم یكن مجعولا مخلوقا ، و هو مذهب المحقّقین من المتكلّمین حسبما عرفته فی شرح الفصل الأوّل من المختار الرابع ، خلافا للاشراقیّین و أتباعهم حیث ذهبوا إلى أنّها لیست إلاّ عدم النّو فقط ، من غیر اشتراط الموضوع القابل .

قال الصّدر الشیرازی : و الحقّ أنها لیست عدما صرفا بل هی عبارة عن عدم الضوء عما من شأنه أن یضی‏ء و إذا لیست بعدم صرف ، و مع ذلك یتعاقب مع الضوء على موضوع واحد كالهواء و نحوه ، فصّح علیه إطلاق الضّد على اصطلاح المنطقیین حیث لا یشترط فی اصطلاحهم المنطقى كون كلا الضدّین وجودیّین ، بل الشرط عندهم التعاقب على موضوع واحد انتهى .

و على ذلك أى كونها عبارة عن عدم الضوء عما من شأنه أن یكون مضیئا تقابل الضّوء تقابل العدم و الملكة ، و یكون اطلاق الضدّ علیها بحسب الاصطلاح الحكمی مجازا كما لا یخفى .

( و ) ضاد ( الوضوح بالبهمة ) أى الظهور بالابهام و الجلایة بالخفآء ، و فسّرهما الشارحان المعتزلی و البحرانی بالبیاض و السّواد و لا یخفى بعده ( و الجمود بالبلل ) أى الیبوسة بالرطوبة ( و الحرور بالصرد ) أى الحرارة أو حرارة الریح الحارة بالبرودة .

التاسع عشر أنّه تعالى ( مؤلّف بین متعادیاتها مقارن بین متبایناتها مقرّب بین متباعداتها ) لا یخفى حسن الاسلوب و لطافة التطبیق فی هذه الفقرات الثلاث

[ 72 ]

و الفقرة الرابعة الآتیة ، حیث طابق بین التألیف و التعادى و التقارن و التباین و التقریب و التباعد و التفریق و التدانی .

و المقصود أنّه جمع سبحانه بقدرته الكاملة و حكمته البالغة بین الامور التی فی غایة التباین و التباعد ، مثل جمعه بین العناصر المختلفة الكیفیّات و بین الروح و البدن ، و القلوب المتشتّتة و الأهواء المتفرّقة ، فبدّل ذلك الجمع و التألیف الواقع على خلاف مقتضى الطبایع على قاهر یقهرها علیه ، و قاسر یقسر العناصر على الامتزاج و الالتیام و الاستحالة ، حتّى یحصل بینها كیفیّة متوسّطة هی المزاج إذ لو كان كلّ منها فی مكانه لم یحصل بینها امتزاج فلم یتحصّل منها مزاج .

العشرون أنّه ( مفرّق بین متدانیاتها ) لا یخفى حسن المقابلة بین هذه القرینة و القراین الثلاث السابقة ، حیث جعل التفریق فی قبال التألیف و القرآن و التقریب و جعل التدانی فی مقابلة التباعد و التباین و التعادى .

و المراد أنه فرّق بین الأشیاء على منتهى قربها مثل تفریقه بین أجزاء العناصر لبطلان تركیبها و بین الرّوح و البدن بالموت و بین أجزاء المركبات عند انحلالها و الأبدان بعد موتها ، فدلّ ذلك التفریق على وجود المفرّق و قدرته ، قال تعالى :

« و من كلّ شی‏ء خلقنا زوجین لعلّكم تذكرون » .

قیل فی تفسیره : إنّ فی خلق الزوجین دلالة على المفرّق و المؤلّف لهما ،

لأنّه خلق الزوجین من واحد بالنوع فیحتاج إلى مفرّق یجعلهما متفرّقین و جعلهما مزاوجین مؤتلفین ألفه بخصوصهما فیحتاج إلى مؤلّف یجعلهما مؤتلفین .

الحادى و العشرون أنّه ( لا یشمل بحدّ ) أی لا یشمله حدّ و لا یكون محدودا به ، لا بالحدّ الاصطلاحی و لا بالحدّ اللّغوی ، لما مرّ غیر مرّة فی تضاعیف الشرح من أنّ الحدّ الاصطلاحی و هو القول الشارح لمهیّة الشی‏ء المؤلف من المعانی الذاتیة المختصّه به ، فلا بدّ أن یكون المحدود به مركّبا ذا أجزاء ، و الواجب تعالى لیس بمركب فلا یكون محدودا ، و الحدّ اللّغوی عبارة عن نهایة الشی‏ء الذی یقف عندها و لا یتجاوز عنها ، و هو من لواحق الكمّ المتّصل و المنفصل و الكمّ من الأعراض

[ 73 ]

و لا شی‏ء من الواجب بعرض أو محلّ له فامتنع أن یوصف به .

( و ) الثانى و العشرون أنّه ( لا یحسب بعدّ ) قال الشارح البحرانی : أى لا یلحقه الحساب و العدّ فیدخل فی جملة المحسوبات بالمعدودة و ذلك إنّ العدّ من لواحق الكمّ المنفصل الذی هو العدد كما هو معلوم فی مظانه و الكمّ عرض ، و قد ثبت أنه تعالى لیس بعرض و لا محلّ له .

و قال الشّارح المعتزلی : یحتمل أن یرید به أنّه لا تحسب أزلیّته بعدّ أى لا یقال له منذ وجد كذا و كذا كما یقال للأشیاء المتقاربة العهد و یحتمل أن یرید به أنّه لیس مماثلا للأشیاء فیدخل تحت العدّ كما یعدّ الجواهر و كما تعدّ الامور المحسوسة .

و قال العلاّمة المجلسی ( ره ) : لا یحسب بالأجزاء و الصّفات الزائدة المعدودة .

أقول : و الكلّ صحیح محتمل لا غبار علیه و إن كان الأوّل أشبه ، فالمقصود به أنّه لیس من جملة المعدودات كما ربما یسبق ذلك إلى الوهم إذا وصفناه سبحانه بأنه واحد فیتوهّم منه أنّه واحد لیس له ثان و أنّ وحدته وحدة عددیّة ، و اندفاع ذلك الوهم بأن معنى كونه واحدا أنّه احدى الذات و أنّه لیس له مثل و نظیر لا أنّه واحد بالعدد ، لأنه لا یحسب بعد فیكون مساقه مساق قوله علیه السّلام فی الخطبة السابقة واحد لا بعدد ، هذا .

و لما نزّهه تعالى عن كونه محدودا بحدّ و معدودا بعدّ أكّد ذلك بقوله ( و إنما تحدّ الأدوات أنفسها و تشیر الآلات إلى نظایرها ) یعنی أنّه سبحانه لو رام أحد أن یحدّه أو یعدّه فلا بدّ أن یكون تحدیده و عدّه بالآلات البدنیّة و القوى الجسمانیّة ظاهریّة كانت كالأصابع و الید و اللّسان و غیرها ، أو باطنیة كالمتوهّمة و المتفكرة و المتخیّلة ، لكن شیئا منها لا یقدر على ذلك .

أمّا الجوارح الظاهرة فلانحصار مدركاتها فی عالم المحسوسات و الأجسام و الجسمانیات ، فهی إنما تدرك و تحدّ أنفسها أى أجناسها و أنواعها و تعدّ نظایرها أی ذوات المقادیر و تشیر إلى ما هی مثل لها فی الجسمیة و الجسمانیة ، و صانع العالم

[ 74 ]

لیس بجسم و لا جسمانی و لا ذی مقدار فاستحال أن تحدّه الآلات و تعدّه الأدوات .

و أمّا المشاعر الباطنة فانّ مدركاتها و إن لم تكن مقصورة فی المحسوسات و الموجودات إلاّ أنها إذا حملت على ما لیس بموجود فی الخارج ترجع و تخترع صورة مماثلة للموجود حسبما عرفته فی شرح الفصل الثانی من المختار الأوّل فهی أیضا لا تتعلّق إلاّ بما یماثلها فی الامكان و لا تحیط إلاّ بما هو فی صورة جسم أو جسمانی .

فاتّضح بذلك أنّ أفعال الأدوات و الآلات و آثارها إنما توجد فی الأشیاء الممكنة الّتی هی مثلها لا فیه تعالى ، هذا .

و لما ذكر أنّه سبحانه أجلّ و أعظم شأنا و قدسا من دخوله فی عداد المحدودات و أكّده باستحالة التحدید و الاشارة إلیه سبحانه من الآلات و الأدوات لكون مدركاتها مقصورة محصورة فی أسناخها و أشباهها من الممكنات و المحسوسات و أكّده ثانیا بالتنبیه على أنّ الآلات موصوفة بالحدوث و الامكان و النقص ، و الحقّ الأوّل جلّ شأنه و عظم سلطانه موصوف بالقدم و الوجوب و الكمال ، فكیف لها أن تحوم حوم حضرة القدس و أنّى للحادث أن یحدّ القدیم و للمكن الاشارة إلى الواجب و للناقص الاحاطة بمن هو فی غایة العظمة و الكمال و الجبروت و الجلال .

و ذلك قوله ( منعتها منذ القدمة و حمتها قد الأزلیة و جنبتها لو لا التّكملة ) فالمقصود بهذا الكلام التنبیه على حدوث الآلات و الأدوات و نقصها صراحة و الاشارة إلى قدم الباری تعالى و كماله ضمنا أو بالعكس ، و الأوّل مبنیّ على كون منذ و قد و لو لا مرفوعات المحل على الفاعلیة ، و الثانی على انتصابها بالمفعولیّة و كون الفاعل القدمة و الأزلیّة و التكملة و الأوّل أولى و أنسب لمطابقته لنسخة الرضیّ كما روی و لكون قرب هذه الجمل بقوله و إنما تحدّ الأدوات آه مشعرا بكون عمدة النظر فیهما إلى بیان وصف الآلات بالحدوث و إظهار نقصها و قصورها و ان كان المقصود بالذات منهما جمیعا الدلالة على تنزیه الباری سبحانه من القصور و النقصان .

و كیف كان فتوضیح دلالة هذا الكلام على المرام یحتاج إلى تمهید مقدّمة

[ 75 ]

أو بیّنة و هی :

أنّ لفظ منذ مثل اختها مذلها معنیان .

أحدهما أوّل المدّة أى ابتداء زمان الفعل الذی قبلها مثبتا أو منفیا تقول رأیته منذ یوم الجمعة أو ما رأیته منذ یوم الجمعة أى أوّل مدّة الرؤیة أو انتفاؤها یوم الجمعة .

و ثانیها جمیع مدّة الفعل الذی قبلها مثبتا أو منفیا ، نحو صحبنی منذ یومان أى مدّة صحبته یومان فیلیها الزّمان الذی فیه معنى العدد ، و یجب أن یلیها مجموع زمان الفعل من أوّله الى آخره المتصل بزمان التكلّم .

و قد یقع بعدها مصدر أو فعل أو ان فیقدّر زمان مضاف الى هذه نحو ما رأیته منذ سفره أو منذ سافر أو منذ أنه سافر أى منذ زمان سفره و منذ زمان سافر و منذ زمان أنه سافر .

و لفظة قد اذا دخلت على الماضی تفید التحقیق و تقریب الماضی من الحال تقول :

قد ركب زید أى حصل ركوبه عن قریب ، فان قلت ركب زید احتمل الماضی القریب و البعید و لذلك لا تدخل على الفعل الغیر المنصرف مثل نعم و بئس و عسى و لیس لأنّها لیست بمعنى الماضی حتى یقرّب معناها من الحال .

و لفظة لو لا موضوعة للدخول على جملة اسمیة ففعلیة لربط امتناع الثانیة بالاولى تقول لو لا زید لأكرمتك أى لو لا زید موجود ، فهی تدلّ على امتناع الاكرام بسبب وجود زید ، و تقول فی الأشیاء البدیعة المعجبة ما أحسنها و ألطفها لو لا ما فیها من عیب كذا ، فتفید انتفاء شدّة الحسن و الاعجاب بوجود العیب الموجود فیها .

و إذا مهّدت هذه المقدّمة الشریفة نقول :

معنى كلامه علیه السّلام على روایة رفع منذ و قد و لو لا بالفاعلیة أنّ صحّة إطلاق هذه الألفاظ الثلاثة بمعانیها المذكورة و اطراد استعمالها فی الآلات و الأدوات فی نفسها و ما یتعلّق بها من أوصافها أو فی أهلها أعنى من له تلك الآلات تدلّ على حدوثها و نقصانها و ذلك لأنّ دخول لفظة منذ علیها فی قولنا : هذه الآلات وجدت منذ زمن طویل أو قصیر أو أعوام كذا تمنعها من كون تلك الآلات قدیمة ، إذ القدیم متعال عن الزّمان و لا ابتداء لوجوده .

[ 76 ]

و كذا دخول لفظة قد علیها فی قولنا : قد وجدت تلك الآلات فی وقت كذا یمنعها من كونها أزلیّة لافادتها تقریب زمان وجودها من الحال المنافی للأزلیّة إذ الأزلی ما لا بدایة لوجوده فكیف یكون الزمان الماضی ظرفا لوجوده فضلا عن القرب إلى الحال .

و كذا صحّة استعمال لو لا فیها فی قولنا : ما أحسن تلك الآلات و أكملها أو أحسن و أكمل أربابها لو لا فنائها یجنّبها أى تجعلها أجنبیّة من التكملة و الوصف بالكمال .

فملخّص المعنى أنها منعتها صحّة دخول منذ من قدمتها ، و صحّة دخول قد من أزلیتها و جعلها صحّة استعمال لو لا أجنبیة من تكملتها أى من توصیفها بالكمال .

و أما على روایة النّصب و كون القدمة و الأزلیّة و التكملة مرفوعات بالفاعلیة فالمراد بیان قدم الباری و كماله سبحانه .

و معنى الكلام أن هذه الآلات منعها كون الباری قدیما من جواز استعمال لفظة منذ المربوط معناها بالزمان فیه تعالى و اطلاقها علیه سبحانه ، لأنّ القدیم سابق على الوقت و الزمان ، و كذا منعها كونه سبحانه أزلیا من جواز استعمال قد فیه عزّ شأنه ، و جنّبها كونه على غایة العزّ و الكمال و منتهى العظمة و الجلال من دخول لفظة لو لا المفصحة عن القصور و النقصان على ذاته و صفاته تعالى هذا .

و لما ذكر علیه السّلام قدسه تعالى عن الاتّصاف بحدّ و الاحتساب بعدّ و ارتفاع ذاته عن تحدید الآلات و المشاعر ، و تعالیه عن إدراك الممكنات عن الأعراض و الجواهر و أشار إلى حدوث الالات و قصورها و نقصانها و قدمة الباری و أزلیته و كماله أردفه بقوله ( بها تجلى صانعها للعقول و بها امتنع عن نظر العیون ) تنبیها على أنها على ما فیها من القصور و النقص غیر عادم المدخلیة فی معرفته سبحانه ، إذ بها عرفنا صفات جماله ، و بها علمنا صفات جلاله .

فمعنى قوله علیه السّلام : بها تجلّی صانعها للعقول ، أنّه بخلقه تلك المشاعر و الآلات على

[ 77 ]

وجه الاتقان و الاحكام ، و تقدیره إیّاها على النظام الأكمل و إفاضتها علینا و إهداء كلّ منها إلى ما خلق لأجلها من المصالح و المنافع التی لا تعدّ و لا تحصى ، تجلّی سبحانه لعقولنا و علمنا علما لا یعتریه شكّ و ریب أنّ لها صانعا قادرا عالما مدبّرا حكیما و أیضا فانه سبحانه لما خلق تلك الآلات و الحواس المدركة لبدایع ما فی عالم الامكان عرفنا بإدراكها أنّ لذلك العالم مبدعا قادرا و صانعا قاهرا فكانت تلك الآلات طرقا لعرفان العقل كما قال عزّ من قائل « سنریهم آیاتنا فی الافاق و فی أنفسهم حتّى یتبیّن لهم انّه الحق » و معنى قوله : و بها امتنع عن نظر العیون ، أنّه بها استنبطنا استحالة كونه مرئیا بحاسة البصر ، و ذلك لأنا بالمشاعر و الحواس كملت عقولنا استخرجنا الدّلالة على أنّه لا تصحّ رؤیته ، و عرفنا أنه یستحیل أن یعرف بغیر العقل و أنّ قول من قال إنّا سنعرفه رؤیة و مشافهة بالحاسة باطل ، هكذا قال الشارح المعتزلی .

و قال الشارح البحرانی : إنّه بایجادها و خلقها بحیث تدرك بحاسّة البصر علم أنّه تعالى یمتنع أن یكون مرئیا مثلها ، و ذلك لأنّ تلك الالات إنما كانت متعلّقة حسّ البصر باعتبار أنّها ذات وضع وجهة و لون و غیره من شرایط الرؤیة ، و لما كانت هذه الأمور ممتنعة فی حقّه تعالى لا جرم امتنع أن یكون محلاّ لنظر العیون .

و قال العلاّمة المجلسی ( ره ) : لما رأینا المشاعر انما تدرك ما كان ذا وضع بالنسبة إلیها علمنا أنه لا یدرك بها ، لاستحالة الوضع فیه .

و الثالث و العشرون أنه سبحانه ( لا یجرى علیه السكون و الحركة ) لأنّهما من أقسام الأعراض و أوصاف الأجسام فیستحیل جریانهما علیه سبحانه ، و أوضح ذلك الدّلیل بوجوه :

أحدها ما أشار إلیه بقوله ( و كیف یجرى علیه ما هو أجراه و یعود فیه ما هو أبداه و یحدث فیه ما هو أحدثه ) استفهام على سبیل الانكار و الابطال لجریهما علیه تعالى تقریره أنّه عزّ و جلّ هو جاعل الحركة و السّكون و مبدؤهما و موجدهما فهما من مجعولاته و آثاره سبحانه فی الأجسام ، و كلّ ما كان من آثاره فیستحیل

[ 78 ]

اتّصافه به .

أمّا أنهما من آثاره سبحانه فواضح و أمّا استحالة اتّصافه بهما فلأنّ المؤثّر واجب التقدّم بالوجود على الأثر فذلك الأثر :

إمّا أن یكون معتبرا فی صفات الكمال فیلزم أن یكون الواجب ناقصا بذاته مستكملا بغیره من آثاره ، و النقص علیه محال .

و إمّا أن لا یكون معتبرا فی صفات الكمال فله الكمال المطلق بدون ذلك الأثر فیكون إثباته له و توصیفه به نقصا فی حقّه لأنّ الزیادة على الكمال المطلق نقصان و هو علیه محال .

ثانیها ما أشار إلیه بقوله ( اذا لتفاوتت ذاته ) یعنی أنّه لو جریا علیه لكان ذاته متفاوتة متغیّرة بأن یكون تارة متحرّكة و أخرى ساكنة و الواجب لا یكون محلاّ للحوادث و المتغیّرات لرجوع التغییر فیها إلى الذات .

ثالثها ما أشار إلیه بقوله ( و لتجزّء كنهه ) أى لو كان متّصفا بهما یلزم أن یكون ذاته و كنهه متجزّءا كما قد أفصح عنه فی الفصل الرابع من الخطبة الاولى بقوله : فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه و من قرنه فقد ثنّاه و من ثنّاه فقد جزّاه .

و توضیحه أنّهما من الأعراض الخاصّة بالأجسام فلو اتّصف الواجب تعالى بهما لكان جسما و كلّ جسم مركب قابل للتجزءة و كلّ مركب مفتقر إلى أجزائه و ممكن ، فیكون الواجب مفتقرا ممكنا و هو باطل .

و قیل فی وجه الملازمة : إنّ اتّصافه بهما یستلزم شركته مع الممكنات فیلزم تركبه ممّا به الاشتراك و ممّا به الامتیاز ، و ما قلناه أولى .

رابعها ما أشار إلیه بقوله ( و لامتنع من الأزل معناه ) و هو فی الحقیقة تعلیل لما سبق أى إذا استلزم اتصافه بهما للتركیب و التجزئة التی هی من خواصّ الأجسام فیمتنع استحقاقه للأزلیّة لأنّه حینئذ یكون جسما و كلّ جسم حادث .

خامسها ما أشار إلیه بقوله ( و لكان له وراء إذ وجد له أمام ) و هذا الدّلیل

[ 79 ]





نظرات() 


What causes burning pain in Achilles tendon?
چهارشنبه 22 شهریور 1396 11:50 ق.ظ
Hey! Do you know if they make any plugins to safeguard against hackers?

I'm kinda paranoid about losing everything I've worked hard on. Any recommendations?
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox