تبلیغات
پیام هادی - تفاسیر نهج البلاغه
 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-06:21 ب.ظ

[ 185 ] و من خطبة له ع یحمد

اللّه فیها و یثنی على رسوله و یصف خلقا من الحیوان حمد اللّه تعالى اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِی لاَ تُدْرِكُهُ اَلشَّوَاهِدُ وَ لاَ تَحْوِیهِ اَلْمَشَاهِدُ وَ لاَ تَرَاهُ اَلنَّوَاظِرُ وَ لاَ تَحْجُبُهُ اَلسَّوَاتِرُ اَلدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ وَ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى وُجُودِهِ وَ بِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لاَ شَبَهَ لَهُ اَلَّذِی صَدَقَ فِی مِیعَادِهِ وَ اِرْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ وَ قَامَ بِالْقِسْطِ فِی خَلْقِهِ وَ عَدَلَ عَلَیْهِمْ فِی حُكْمِهِ مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ اَلْأَشْیَاءِ عَلَى أَزَلِیَّتِهِ وَ بِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ اَلْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَ بِمَا اِضْطَرَّهَا إِلَیْهِ مِنَ اَلْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ وَاحِدٌ لاَ بِعَدَدٍ وَ دَائِمٌ لاَ بِأَمَدٍ وَ قَائِمٌ لاَ بِعَمَدٍ تَتَلَقَّاهُ اَلْأَذْهَانُ لاَ بِمُشَاعَرَةٍ وَ تَشْهَدُ لَهُ اَلْمَرَائِی لاَ بِمُحَاضَرَةٍ لَمْ تُحِطْ بِهِ اَلْأَوْهَامُ بَلْ تَجَلَّى لَهَا بِهَا وَ بِهَا اِمْتَنَعَ مِنْهَا وَ إِلَیْهَا حَاكَمَهَا لَیْسَ بِذِی كِبَرٍ اِمْتَدَّتْ بِهِ اَلنِّهَایَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِیماً وَ لاَ بِذِی عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ اَلْغَایَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسِیداً بَلْ كَبُرَ شَأْناً وَ عَظُمَ سُلْطَاناً الرسول الأعظم وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ اَلصَّفِیُّ وَ أَمِینُهُ اَلرَّضِیُّ ص أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ اَلْحُجَجِ وَ ظُهُورِ اَلْفَلَجِ وَ إِیضَاحِ اَلْمَنْهَجِ فَبَلَّغَ اَلرِّسَالَةَ صَادِعاً بِهَا وَ حَمَلَ عَلَى اَلْمَحَجَّةِ دَالاًّ عَلَیْهَا وَ أَقَامَ أَعْلاَمَ اَلاِهْتِدَاءِ وَ مَنَارَ اَلضِّیَاءِ وَ جَعَلَ أَمْرَاسَ اَلْإِسْلاَمِ مَتِینَةً وَ عُرَى اَلْإِیمَانِ وَثِیقَةً منها فی صفة خلق أصناف من الحیوان وَ لَوْ فَكَّرُوا فِی عَظِیمِ اَلْقُدْرَةِ وَ جَسِیمِ اَلنِّعْمَةِ لَرَجَعُوا إِلَى اَلطَّرِیقِ وَ خَافُوا عَذَابَ اَلْحَرِیقِ وَ لَكِنِ اَلْقُلُوبُ عَلِیلَةٌ وَ اَلْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ أَ لاَ یَنْظُرُونَ إِلَى صَغِیرِ مَا خَلَقَ كَیْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ وَ أَتْقَنَ تَرْكِیبَهُ وَ فَلَقَ لَهُ اَلسَّمْعَ وَ اَلْبَصَرَ وَ سَوَّى لَهُ اَلْعَظْمَ وَ اَلْبَشَرَ اُنْظُرُوا إِلَى اَلنَّمْلَةِ فِی صِغَرِ جُثَّتِهَا وَ لَطَافَةِ هَیْئَتِهَا لاَ تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ اَلْبَصَرِ وَ لاَ بِمُسْتَدْرَكِ اَلْفِكَرِ كَیْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وَ صُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا تَنْقُلُ اَلْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا وَ تُعِدُّهَا فِی مُسْتَقَرِّهَا تَجْمَعُ فِی حَرِّهَا لِبَرْدِهَا وَ فِی وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا لاَ یُغْفِلُهَا اَلْمَنَّانُ وَ لاَ یَحْرِمُهَا اَلدَّیَّانُ وَ لَوْ فِی اَلصَّفَا اَلْیَابِسِ وَ اَلْحَجَرِ اَلْجَامِسِ وَ لَوْ فَكَّرْتَ فِی مَجَارِی أَكْلِهَا فِی عُلْوِهَا وَ سُفْلِهَا وَ مَا فِی اَلْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِیفِ بَطْنِهَا وَ مَا فِی اَلرَّأْسِ مِنْ عَیْنِهَا وَ أُذُنِهَا لَقَضَیْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً وَ لَقِیتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً فَتَعَالَى اَلَّذِی أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا وَ بَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا لَمْ یَشْرَكْهُ فِی فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ وَ لَمْ یُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ وَ لَوْ ضَرَبْتَ فِی مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَایَاتِهِ مَا دَلَّتْكَ اَلدَّلاَلَةُ إِلاَّ عَلَى أَنَّ فَاطِرَ اَلنَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ اَلنَّخْلَةِ لِدَقِیقِ تَفْصِیلِ كُلِّ شَیْ‏ءٍ وَ غَامِضِ اِخْتِلاَفِ كُلِّ حَیٍّ وَ مَا اَلْجَلِیلُ وَ اَللَّطِیفُ وَ اَلثَّقِیلُ وَ اَلْخَفِیفُ وَ اَلْقَوِیُّ وَ اَلضَّعِیفُ فِی خَلْقِهِ إِلاَّ سَوَاءٌ خلقة السماء و الكون وَ كَذَلِكَ اَلسَّمَاءُ وَ اَلْهَوَاءُ وَ اَلرِّیَاحُ وَ اَلْمَاءُ فَانْظُرْ إِلَى اَلشَّمْسِ وَ اَلْقَمَرِ وَ اَلنَّبَاتِ وَ اَلشَّجَرِ وَ اَلْمَاءِ وَ اَلْحَجَرِ وَ اِخْتِلاَفِ هَذَا اَللَّیْلِ وَ اَلنَّهَارِ وَ تَفَجُّرِ هَذِهِ اَلْبِحَارِ وَ كَثْرَةِ هَذِهِ اَلْجِبَالِ وَ طُولِ هَذِهِ اَلْقِلاَلِ وَ تَفَرُّقِ هَذِهِ اَللُّغَاتِ وَ اَلْأَلْسُنِ اَلْمُخْتَلِفَاتِ فَالْوَیْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ اَلْمُقَدِّرَ وَ جَحَدَ اَلْمُدَبِّرَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ وَ لاَ لاِخْتِلاَفِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ وَ لَمْ یَلْجَئُوا إِلَى حُجَّةٍ فِیمَا اِدَّعَوْا وَ لاَ تَحْقِیقٍ لِمَا أَوْعَوْا وَ هَلْ یَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَیْرِ بَانٍ أَوْ جِنَایَةٌ مِنْ غَیْرِ جَانٍ خلقة الجرادة وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِی اَلْجَرَادَةِ إِذْ خَلَقَ لَهَا عَیْنَیْنِ حَمْرَاوَیْنِ وَ أَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَیْنِ قَمْرَاوَیْنِ وَ جَعَلَ لَهَا اَلسَّمْعَ اَلْخَفِیَّ وَ فَتَحَ لَهَا اَلْفَمَ اَلسَّوِیَّ وَ جَعَلَ لَهَا اَلْحِسَّ اَلْقَوِیَّ وَ نَابَیْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ وَ مِنْجَلَیْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ یَرْهَبُهَا اَلزُّرَّاعُ فِی زَرْعِهِمْ وَ لاَ یَسْتَطِیعُونَ ذَبَّهَا وَ لَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ حَتَّى تَرِدَ اَلْحَرْثَ فِی نَزَوَاتِهَا وَ تَقْضِیَ مِنْهُ شَهَوَاتِهَا وَ خَلْقُهَا كُلُّهُ لاَ یُكَوِّنُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَّةً فَتَبَارَكَ اَللَّهُ اَلَّذِی یَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِی اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ یُعَفِّرُ لَهُ خَدّاً وَ وَجْهاً وَ یُلْقِی إِلَیْهِ بِالطَّاعَةِ سِلْماً وَ ضَعْفاً وَ یُعْطِی لَهُ اَلْقِیَادَ رَهْبَةً وَ خَوْفاً فَالطَّیْرُ مُسَخَّرَةٌ لِأَمْرِهِ أَحْصَى عَدَدَ اَلرِّیشِ مِنْهَا وَ اَلنَّفَسِ وَ أَرْسَى قَوَائِمَهَا عَلَى اَلنَّدَى وَ اَلْیَبَسِ وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهَا وَ أَحْصَى أَجْنَاسَهَا فَهَذَا غُرَابٌ وَ هَذَا عُقَابٌ وَ هَذَا حَمَامٌ وَ هَذَا نَعَامٌ دَعَا كُلَّ طَائِرٍ بِاسْمِهِ وَ كَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ وَ أَنْشَأَ اَلسَّحَابَ اَلثِّقَالَ فَأَهْطَلَ دِیَمَهَا وَ عَدَّدَ قِسَمَهَا فَبَلَّ اَلْأَرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا وَ أَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُوبِهَا


و من خطبة له علیه السّلام و هی المأة و الرابعة و الثمانون من المختار فی باب الخطب

و رواها الطبرسی فی الاحتجاج مثله .

الحمد للّه الّذی لا تدركه الشّواهد ، و لا تحویه المشاهد ، و لا تراه النّواظر ، و لا تحجبه السّواتر ، الدّالّ على قدمه بحدوث خلقه ،

و بحدوث خلقه على وجوده ، و باشتباههم على أن لا شبه له ، الّذی صدق فی میعاده ، و ارتفع عن ظلم عباده ، و قام بالقسط فی خلقه ،

و عدل علیهم فی حكمه ، مستشهد بحدوث الأشیاء على أزلیّته ، و بما وسمها به من العجز على قدرته ، و بما اضطرّها إلیه من الفناء على دوامه ،

واحد لا بعدد ، و دائم لا بأمد ، و قائم لا بعمد ، تتلقّاه الأذهان لا بمشاعرة ، و تشهد له المرائی لا بمحاضرة ، لم تحط به الأوهام بل

[ 3 ]

تجلّى لها بها ، و بها امتنع منها ، و إلیها حاكمها ، لیس بذی كبر امتدّت به النّهایات فكبّرته تجسیما ، و لا بذی عظم تناهت به الغایات فعظّمته تجسیدا ، بل كبر شأنا ، و عظم سلطانا .

و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله الصّفیّ ، و أمینه الرّضیّ صلّى اللّه علیه و آله أرسله بوجوب الحجج ، و ظهور الفلج ، و ایضاح المنهج ، فبلّغ الرّسالة صادعا بها ، و حمل على المحجّة دالاّ علیها ، و أقام أعلام الإهتداء ،

و منار الضّیاء ، و جعل أمراس الإسلام متینة ، و عرى الإیمان وثیقة .

منها فی صفة خلق اصناف من الحیوان و لو فكّروا فی عظیم القدرة ، و جسیم النّعمة ، لرجعوا إلى الطّریق ،

و خافوا عذاب الحریق ، و لكنّ القلوب علیلة ، و الأبصار « و البصائر خ » مدخولة ، ألا ینظرون إلى صغیر ما خلق كیف أحكم خلقه ، و أتقن تركیبه ، و فلق له السّمع و البصر ، و سوّى له العظم و البشر .

أنظروا إلى النّملة فی صغر جثّتها ، و لطافة هیئتها ، لا تكاد تنال بلحظ البصر ، و لا بمستدرك الفكر ، كیف دبّت على أرضها ،

و صبّت على رزقها ، تنقل الحبّة إلى جحرها ، و تعدّها فی مستقرّها ،

تجمع فی حرّها لبردها ، و فی ورودها لصدرها ، مكفولة برزقها ، مرزوقة

[ 4 ]

بوفقها ، لا یغفلها المنان ، و لا یحرمها الدّیّان ، و لو فی الصّفا الیابس ،

و الحجر الجامس .

و لو فكّرت فی مجاری أكلها ، و فی علوها و سفلها ، و ما فی الجوف من شراسیف بطنها ، و ما فی الرّأس من عینها و أذنها ، لقضیت من خلقها عجبا ، و لقیت من وصفها تعبا ، فتعالى الّذی أقامها على قوائمها ، و بناها على دعائمها ، لم یشركه فی فطرتها فاطر ، و لم یعنه فی خلقها قادر ، و لو ضربت فی مذاهب فكرك لتبلغ غایاته ما دلّتك الدّلالة إلاّ على أنّ فاطر النّملة هو فاطر النّخلة ، لدقیق تفصیل كلّشی‏ء و غامض اختلاف كلّ حیّ ، و ما الجلیل و اللّطیف ، و الثّقیل و الخفیف ،

و القویّ و الضّعیف ، فی خلقه إلاّ سوآء ، و كذلك السّماء و الهواء و الرّیاح و الماء .

فانظر إلى الشّمس و القمر ، و النّبات و الشّجر ، و الماء و الحجر ،

و اختلاف هذا اللّیل و النّهار ، و تفجّر هذه البحار ، و كثرة هذه الجبال ،

و طول هذه القلال ، و تفرّق هذه اللّغات ، و الألسن المختلفات .

فالویل لمن جحد المقدّر ، و أنكر المدبّر ، یزعمون « زعموا خ » أنّهم كالنّبات ما لهم زارع ، و لا لاختلاف صورهم صانع ، و لم یلجاوا إلى حجّة فیما

[ 5 ]

ادّعوا ، و لا تحقیق لما أوعوا ، و هل یكون بناء من غیر بان ، أو جنایة من غیر جان .

و إن شئت قلت فی الجرادة إذ خلق لها عینین حمراوین ،

و أسرج لها حدقتین قمراوین ، و جعل لها السّمع الخفیّ ، و فتح لها الفم السّویّ ، و جعل لها الحسّ القویّ ، و نابین بهما تقرض ، و منجلین بهما تقبض ، یرهبها الزّرّاع فی زرعهم ، و لا یستطیعون ذبّها و لو أجلبوا بجمعهم ، حتّى ترد الحرث فی نزواتها ، و تقضی منه شهواتها ، و خلقها كلّه لا یكون إصبعا مستدقّة .

فتبارك اللّه الّذی یسجد له من فی السّموات و الأرض طوعا و كرها و یعفّر له خدّا و وجها ، و یلقی إلیه بالطّاعة سلما و ضعفا ، و یعطی له القیاد رهبة و خوفا ، فالطّیر مسخّرة لأمره ، أحصى عدد الرّیش منها و النّفس ، و أرسى قوائمها على النّدى و الیبس ، و قدّر أقواتها ، و أحصى أجناسها ، فهذا غراب ، و هذا عقاب ، و هذا حمام ، و هذا نعام ، دعا كلّ طآئر باسمه ، و كفل له برزقه ، و أنشأ السّحاب الثّقال فأهطل دیمها ، و عدّد قسمها ، فبلّ الأرض بعد جفوفها ، و أخرج نبتها بعد جدوبها .

[ 6 ]

اللغة

( العمد ) بالتحریك جمع العمود و ( المرائی ) جمع المرئی كمرمی و هو ما یدرك بالبصر أو جمع مرآة بفتح المیم یقال فلان حسن فی مرآة عینى قاله الشارح المعتزلی ، و سیأتی ما فیه و ( تجسیما و تجسیدا ) مصدران من باب التفعیل و فی بعض النسخ من باب التفعل ، و یفرق بین الجسم و الجسد بأنّ الجسم یكون جیوانا و جمادا و نباتا ، و الجسد مختصّ بجسم الانس و الجنّ و الملائكة و یطلق على غیر ذوى العقول و قوله تعالى : « عجلا جسدا » أی ذا جثّة على التشبیه بالعاقل أو بجسمه .

و ( فلجت ) فلجا و فلوجا ظفرت بما طلبت و فلج بحجّته أثبتها و أفلج اللّه حجّته بالألف أظهرها قال الشارح المعتزلی : الفلج النصرة و أصله سكون العین و إنما حرّكه لیوازن بین الألفاظ لأنّ الماضی منه فلج الرّجل على خصمه بالفتح و مصدره الفلج بالسّكون .

و ( الأمراس ) الحبال جمع المرس و هو جمع المرسة بالتحریك الحبل و ( البشر ) جمع البشرة مثل قصب و قصبة ظاهر الجلد و ( النملة ) واحدة النمل و ( جثّة ) الانسان شخصه .

و ( استدرك ) الشی‏ء و إدراكه بمعنى و استدركت مافات و تداركته بمعنى و استدركت الشی‏ء أى حاولت إدراكه به ، و مستدرك الفكر یحتمل أن یكون مصدرا بمعنى الادراك و أن یكون اسم مفعول و ( الفكر ) و زان عنب جمع فكرة بالكسر و هو اعمال النظر و قیل اسم من الافتكار و فی بعض النسخ الفكر بسكون العین .

و ( صبّت ) على البناء للمفعول من صبّ الماء أراقه ، و فی بعض النّسخ بالضاد المعجمة و النون على بناء المعلوم أى بخلت و ( الجحر ) بالضمّ الحفرة التی تحتفرها الهوام و السّباع لأنفسها ( و فی ورودها لصدرها ) الورود فی الأصل الاشراف على الماء للشرب ثمّ اطلق على مطلق الاشراف على الشی‏ء دخله أو لم یدخله كالورود و الصدر بالتحریك اسم من صدر صدرا و مصدار أى رجع ، و فی نسخة الشارح البحرانی فی وردها لصدرها .

[ 7 ]

و ( كفل ) كفالة من باب نصر و علم و شرف ضمن و كفلته و به و عنه إذا تحملت به و ( المنان ) من المن بمعنى العطاء لا من المنّة و ( الدّیان ) الحاكم و القاضی و قیل القهار ، و قیل السائس أى القائم على الشی‏ء بما یصلحه و ( الصفا ) بالقصر الحجر و قیل الحجر الصّلبة الضخم لا ینبت شیئا و الواحدة صفاة و ( الجامس ) الجامد و قیل أكثر ما یستعمل فی الماء جمد و فی السمن و غیره جمس .

و ( اكلها ) بالضمّ فى بعض النسخ و فی بعضها بضمتین المأكول و ( علوها ) و ( سفلها ) بالضمّ فیهما فی بعض النسخ و بالكسر فی بعضها و ( الشراسیف ) مقاط الاضلاع و هی أطرافها التی تشرف على البطن ، و قیل الشرسوف كعصفور غضروف معلّق بكلّ ضلع مثل غضروف الكتف و ( الاذن ) بالضمّ و بضمّتین على اختلاف النسخ و ( العجب ) التعجّب أو التّعجب الكامل و ( الضرب فی الأرض ) السیّر فیها أو الاسراع به و ( الدلالة ) بالكسر و الفتح اسم من دلّه إلى الشی‏ء ، و علیه أی أرشده و سدّده و ( الغامض ) خلاف الواضح و ( القلال ) و زان جبال جمع قلّة بالضمّ و هى أعلى الجبل ، و قیل الجبل .

و ( وعا ) الشی‏ء و أوعاه حفظه و جمعه ، و فی بعض النسخ وعوه على المجرّد بدل أوعوه و ( جنا ) فلان جنایة بالكسر أى جرّ جریرة على نفسه و قومه ، و جنیت الثمرة و اجتنیتها اقتطفتها و اسم الفاعل منهما جان إلاّ أنّ المصدر من الثانی جنى لا جنایة و ( الناب ) من الأسنان خلف الرباعیة و ( المنجل ) و زان منبر حدیدة یقضب بها الزرع و ( نزا ) كدعا نزوا وثب و ( العفر ) بالتحریك و قد یسكن وجه الأرض و یطلق على التراب و عفّره تعفیرا مرغه فیه .

و ( السّلم ) بالكسر كما فی بعض النسخ الصّلح و المسالم ، و بالتحریك كما فی بعضها الاستسلام و الانقیاد و ( القیاد ) بالكسر ما یقاد به و اعطاء القیاد الانقیاد و ( الیبس ) بالتحریك ضدّ الرطوبة و طریق یبس لانداوة فیه و لا بلل و ( الحمام ) بالفتح كلّ ذى طوق من الفواخت و القمارى و غیرهما و الحمامة تقع على الذكر و الأنثى كالحیّة .

[ 8 ]

و ( النعام ) بالفتح اسم جنس النعامة و ( الهطل ) بالفتح تتابع المطر أو الدّمع و سیلانه و قیل تتابع المطر المتفرّق العظیم القطر و ( الدیمة ) بالكسر مطر یدوم فی سكون بلا رعد و برق و الجمع دیم كعنب و ( البلّة ) بالكسر ضد الجفاف بالفتح و ( الجدوب ) بالضمّ انقطاع المطر و یبس الأرض .

الاعراب

بل فی قوله بل تجلّى للاضراب ، و البآء فی بها للسببیّة ، و تجسیما و تجسیدا منصوبان على الحال ، و الباء فی قوله بوجوب الحجج تحتمل المصاحبة و السببیّة ،

و جملة لا تكاد تنال حال من النملة و العامل انظروا ، و قوله : كیف دبّت ، فی محلّ الجرّ بدل من النملة أو كلام مستأنف و الاستفهام للتّعجّب .

و مكفولة برزقها و مرزوقة بوفقها بالرفع فی أكثر النسخ خبران لمبتدء محذوف قال الشارح البحرانی نصب على الحال و فی بعض النسخ رزقها و وفقها بدون الباء ، و عجبا مفعول به لقضیت قال الشارح البحرانی : و یحتمل المفعول له على كون القضاء بمعنى الموت و هو بعید .

و قوله : فالویل لمن جحد المقدّر ، جملة اخباریة أو إنشائیة دعائیة قال سیبویه : الویل مشترك بین الدّعاء و الخبر ، و الواو فی قوله : و خلقها ، للحال ، و الفاء فی قوله : فتبارك ، فصیحة ، و طوعا و كرها منصوبان على الحال ، و خدا و وجها منصوبان على المفعول به ، و سلما و ضعفا منصوبان على الحال أو التمیز ، و رهبة و خوفا منصوبان على المفعول لأجله .

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشریفة مشتملة على مطالب نفیسة من العلم الالهى و مقاصد لطیفة من آثار قدرته ، و بدایع تدبیره و حكمته فی مصنوعاته ، و افتتحها بما هو حقیق بالافتتاح فقال :

( الحمد للّه الذی لا تدركه الشواهد ) أراد بالشواهد الحواسّ و تسمیتها بها

[ 9 ]

إمّا لحضورها من شهد فلان بكذا إذا حضره ، أو لشهادتها عند العقل على ما تدركه و تثبته ، و عدم امكان إدراكها له سبحانه لانحصار مدركاتها فی المحسوسات و اختصاص معلوماتها بالأجسام و الجسمانیات ، و هو سبحانه منزّه عن ذلك حسبما عرفته فی شرح الفصل الثانی من المختار الأوّل و غیره .

و لا تحویه المشاهد أی المجالس و الأمكنة ، لأنّ حوایة المجلس و المكان من صفات الامكان كما مرّ فی شرح الفصل الخامس من المختار الأول و غیره .

و لا تراه النواظر أی نواظر الأبصار و تخصیصها بالذكر مع شمول الشواهد لقوّتها و وقوع الشبهة فی أذهان أكثر الجاهلین فی جواز إدراكه تعالى بها كما هو مذهب المجسمة و المشبهة و الكرامیة و الأشاعرة المجوّزین للرّؤیة ، و قد عرفت فساد قولهم فی شرح المختار التاسع و الأربعین ، و المختار المأة و الثامن و السبعین و غیرهما .

و لا تحجبه السواتر لأنّ المحجوبیّة بالسواتر الجسمانیة من أوصاف الأجسام و عوارضها حسبما عرفت تحقیقه فی شرح المختار المأة و الثانی و الخمسین الدالّ على قدمه بحدوث خلقه ، و بحدوث خلقه على وجوده ) یعنی أنّ حدوث خلقه دلیل على وجوده و قدمه معا ، و قد مرّ تحقیقه أیضا فی شرح المختار المأة و الثانی و الخمسین و المختار التاسع و الأربعین و باشتباههم على أن لا شبه له ) أی بابدائه المشابهة بین الموجودات دلّ على أن لا شبه له و لا نظیر ، و قد مرّ تحقیقة أیضا فی شرح المختار الّذی أشرنا إلیه .

الّذی صدق فی میعاده ) أی فی وعده لأنّ الخلف فی الوعد كذب قبیح محال علیه سبحانه كما قال عزّ من قائل : « إنّ اللّه لا یخلف المیعاد » و استدلّ على عدم جواز الكذب علیه بأنّه إذا جاز وقوع الكذب فی كلامه ارتفع الوثوق عن اخباره بالثواب و العقاب و الوعد و الوعید و سایر ما أخبر به من أخبار الآخرة و الأولى ، و فی ذلك تفویت مصالح لا تحصى و هو سبحانه حكیم لا یفوت عنه الأصلح بنظام العالم ، فعلم من ذلك عدم جواز الخلف فی وعده و وعیده .

و ) بذلك أیضا علم أنّه تعالى ارتفع عن ظلم عباده ) لكون الظلم قبیحا

[ 10 ]

عقلا و نقلا . یعنی أنّه سبحانه منزه عن حال ملوك الأرض الذین من شأنهم ظلم رعیتهم إذا شاهدوا انّ فی ظلمهم منفعة لهم ، و فی ترك الظلم مضرّة ، فیظلمون من تحت ملكهم نیلا إلى تلك المنفعة ، و دفعا لتلك المضرّة ، و تحصیلا لذلك الكمال الحقیقی أو الوهمی ، و اللّه سبحانه كامل فی ذاته غیر مستكمل بغیره .

و قام بالقسط ) و العدل فی خلقه و عدل علیهم فی حكمه ) یعنی أنّه سبحانه خلقهم و أوجدهم على وفق الحكمة و مقتضى النظام و المصلحة و أجرى فیهم الأحكام التكوینیّة و التكلیفیّة على مقتضى عدله و قسطه قال تعالى « شهد اللّه أنّه لا إله إلاّ هو و الملائكة و اولوا العلم قائما بالقسط » .

قال لطبرسیّ : أی أخبر بما یقوم مقام الشهادة على وحدانیته من عجیب حكمته و بدیع صنعته ، و شهدت الملائكة بما عاینت من عظیم قدرته و شهد أولوا العلم بما ثبت عندهم و تبیّن من صنعه الّذی لا یقدر علیه غیره .

قال : و روی عن الحسن أنّ فی الآیة تقدیما و تأخیرا و التقدیر شهد اللّه أنّه لا إله إلاّ هو قائما بالقسط ، و شهدت الملائكة أنّه لا إله إلاّ هو قائما بالقسط ، و شهد اولوا العلم أنّه لا إله إلاّ هو قائما بالقسط ، و القسط العدل الّذی قامت به السّماوات و الأرض ، و رواه أصحابنا أیضا فی التفسیر ، و قیل : معنى قوله قائما بالقسط أنّه یقوم باجراء الأمور و تدابیر الخلق و جزاء الأعمال بالعدل كما یقال : فلان قائم بالتدبیر أی یجری فی أفعاله على الاستقامة .

مستشهد بحدوث الأشیاء على أزلیّته ) أى مستدلّ بحدوثها على قدمه سبحانه و قد عرفت وجه الدلالة فی شرح المختار المأة و الثانی و الخمسین .

و قال العلاّمة المجلسی ( ره ) الاستشهاد طلب الشهادة أی طلب من العقول بما بین لها من حدوث الأشیاء الشهادة على أزلیّته أو من الأشیاء أنفسها بأن جعلها حادثة ، فهى بلسان حدوثها تشهد على أزلیّته ، و المعنى على التقدیرین أنّ العقل یحكم بأنّ كلّ حادث یحتاج إلى موجد و أنّه لا بدّ أن تنتهى سلسلة الاحتیاج الى من لا یحتاج إلى موجد ، فیحكم بأنّ علّة العلل لا بدّ أن یكون أزلیّا و إلاّ لكان

[ 11 ]

محتاجا إلى موجد آخر بحكم المقدّمة الأولى .

و بما وسمها به من العجز على قدرته ) یعنی أنّه استشهد على قدرته بالعجز الذی وسم و وصف به خلقه ، و وجه شهادته علیها أنّا نرى أنّ غیره تعالى لا یقدر على ما یقدر علیه هو جلّ و علا من الموجودات بل لا یقدر على شی‏ء أصلا و لا یملك لنفسه موتا و لا حیاتا و لا نشورا ، فضلا عن غیره ، و لا یتمكّن من أن یخلق ذبابا فضلا عما هو أعظم منه ، فعلم بذلك أنّ الموجودات على كثرتها و عظمتها لا بدّ من انتهاء وجوداتها على من هو قادر علیها كلّها بالایجاد و الاعدام و التصریف و التقلیب قال تعالى « و ما كان اللّه لیعجزه من شی‏ء فی السّموات و لا فی الأرض انّه كان علیما قدیرا » و قال العلاّمة المجلسی ( ره ) فی تفسیر هذه الفقرة : الوسم الكى شبّه ما اظهر علهیا من آثار العجز و الامكان و الاحتیاج بالسمة الّتی تكون على العبید و النعم و تدلّ على كونها مقهورة مملوكة .

و قال الصّدوق ( ره ) الدلیل على أنّ اللّه قادر أنّ العالم لما ثبت أنّه صنع لصانع و لم نجد أن یصنع الشی‏ء من لیس بقادر علیه بدلالة أنّ المقعد لا یقع منه المشى و العاجز لا یتأتّی منه الفعل صحّ أنّ الذی صنعه قادر ، و لو جاز غیر ذلك لجاز منّا الطیران مع فقد ما یكون به من الآلة و یصحّ لنا الادراك و ان عدمنا الحاسّة فلما كان اجازة هذا خروجا عن المعقول كان الأوّل مثله .

و بما اضطرّها الیه من الفناء على دوامه ) المراد من اضطرارها الى الفناء حكم قدرته القاهرة على ما استعدّ منها للعدم بافنائه حین استعداده بحكم قضائه المبرم ، و دلالة ذلك على دوامه سبحانه أنّ الفناء لما كان دلیلا على الحدوث و الامكان دلّ فناؤها على أنّ صانعها لیس كذلك و أنّه أزلیّ أبدیّ سرمدیّ .

واحد لا بعدد ) یعنی أنّ وحدته لیست وحدة عددیة بأن یكون معه ثان من جنسه ، و قد مرّ تحقیق ذلك مستوفی فی شرح المختار الرابع و الستّین .

قال الصّدوق « ره » فی التوحید فی تفسیر أسماء اللّه الحسنى : الأحد الواحد الأحد معناه أنّه واحد فی ذاته أى لیس بذى ابعاض و لا أجزاء و لا أعضاء ، و لا یجوز

[ 12 ]

علیه الاعداد و الاختلاف لأنّ اختلاف الأشیاء من آیات وحدانیّته ممّا دلّ به على نفسه و یقال لم یزل اللّه واحدا ، و معنى ثان أنه واحد لا نظیر له و لا یشاركه فی معنى الوحدانیة غیره ، لأنّ كلّ من كان له نظراء أو أشباه لم یكن واحدا فی الحقیقة و یقال فلان واحد الناس أى لا نظیر له فیما یوصف به ، و اللّه واحد لا من عدد لأنّه عزّ و جلّ لا یعدّ فی الأجناس و لكنه واحد لیس له نظیر .

( دائم لا بأمد ) قال الشارح البحرانی قد سبق بیان أنّ كونه دائما بمعنى أنّ وجوده مساوق لوجود الزمان ، إذ كان تعالى هو موجد الزمان بعد مراتب من خلقه و مساوقة الزمان لا یقتضى الكون فی الزمان ، و لما كان الأمد هو الغایة من الزمان و منتهى المدّة المضروبة لذی الزمان من زمانه ، و ثبت أنّه تعالى لیس بذى زمان یفرض له الأمد ثبت أنّه دائم لا أمد له .

و قال الصّدوق ( ره ) الدائم الباقی الذی لا یبید و لا یفنى .

( قائم لا بعمد ) أی لیس قیامه قیاما جسمانیا یكون بالعمد البدنیّة أو بالاعتماد على الساقین ، أو أنّه قائم باق من غیر استناد الى سبب یعتمد علیه و یقیمه كسایر الوجودات الممكنة .

و فی حدیث الرّضا علیه السّلام المروی فی الكافی عنه علیه السّلام مرسلا قال : و هو قائم لیس على معنى انتصاب و قیام على ساق فی كبد كما قامت الأشیاء ، و لكن قائم یخبر أنّه حافظ كقول الرّجل القائم بأمرنا فلان و اللّه هو القائم على كلّ نفس بما كسبت و القائم أیضا فی كلام النّاس الباقی ، و القائم أیضا یخبر عن الكفایة كقولك للرجل قم بأمر بنی فلان ، أی اكفهم و القائم منّا قائم على ساق فقد جمعنا الاسم و لم یجمع المعنى الحدیث .

قال صدر المتألّهین فی شرح الكافی : قوله علیه السّلام : و هو قائم لیس على معنى انتصاب ، یعنی أنّ من الأسماء المشتركة بین الخالق و الخلق اسم القائم لكن فی كلّ منهما بمعنى آخر ، فإنّ القائم من الأجسام ما ینتصب على ساق كما نحن ننتصب عند القیام بأمر على سوقنا فی كبد و مشقّة ، و أمّا الباری جلّ مجده فاسم القیام فیه یخبر بأنه

[ 13 ]

حافظ للأشیاء مقوم لوجودها و لا یؤده حفظهما و أنّه القائم على كلّ نفس بما كسبت فاختلف المعنى و اتّحد الاسم .

و قد یطلق القائم فی كلام الناس بمعنى الباقی و هو أیضا معناه مختلف فمعنى الباقی فی الخلق ما یوجد فی زمان بعد زمان حدوثه ، و أما فی حقّه تعالى فلیس بهذا المعنى لارتفاعه عن مطابقة الزمان ، بل بقاؤه عبارة عن وجوب وجوده و امتناع العدم علیه بالذات و بقاؤه نفس ذاته .

و القائم قد یجی‏ء بما یخبر عن الكفایة كما یقال : قم بأمر بنی فلان أى اكفه و لا شكّ أنّ هذا المعنى فیه تعالى على وجه أعلى و أشرف ، بل لا نسبة بین كفایته للخلق كافّة لا بآلة و قوّة و تعمل و تكلّف ، و بین كفایة الخلق بعضهم لبعض بتعب و مشقة فقد اتّفق الاسم و اختلف المعنى .

( تتلقّاه الأذهان لا بمشاعرة ) أى لا من طریق المشاعر و الحواس ، و المراد بتلقّى الأذهان له تقبّلها ، أی إدراكها لما یمكن لها إدراكه من صفاته السّلبیّة و الاضافیة لا تلقّى ذاته ، لما عرفت مرارا من عجز العقول و الأوهام و الأذهان و الأفهام عن تعقّل ذاته .

( و تشهد له المرائی لا بمحاضرة ) یعنی تشهد له المرئیات و المبصرات و تدلّ على وجوده و صفات كماله حسبما عرفته فی شرح المختار التاسع و الأربعین .

و لما كان بناء الشهادة غالبا على حضور الشاهد عند المشهود به كما یشعر به تصاریف تلك المادّة مثل قوله سبحانه « فمن شهد منكم الشهر فلیصمه و من كان مریضا أو على سفر » الآیة أی من كان حاضرا غیر مسافر فلیصمه ، و قولهم : الشاهد یرى ما لا یراه الغایب ، و شهدت مجلس فلان أى حضرته ، و سمّى الشهید شهیدا لحضور ملائكة الرّحمة عنده فعیل بمعنى المفعول إلى غیر ذلك من تصاریفها ، و كان قوله تشهد له المرائی موهما لكون شهادتها بعنوان الحضور .

استدرك بقوله : لا بمحاضرة ، من باب الاحتراس دفعا للتوهّم المذكور ،

یعنی أنّ شهادتها لیست بعنوان الحضور كما فی سایر الشهود ، بل المراد من شهادتها

[ 14 ]


دلالتها علیه من باب دلالة الأثر على المؤثر و الفعل على الفاعل .

هذا كلّه على كون المرائی جمع المرئی و هو الشی‏ء المدرك بالبصر قال الشارح المعتزلی : و الأولى أن یكون المرائی ههنا جمع مرآة بفتح المیم من قولهم هو حسن فی مرآة عینی یقول إن جنس الرّؤیة یشهد بوجود الباری من غیر محاضرة منه للحواس انتهى .

و تبعه العلاّمة المجلسی ( ره ) فی البحار و كذا الشارح البحرانی قال : و المرائی جمع مرآة بفتح المیم و هی المنظر یقال فلان حسن فی مرآة العین و فی رأى العین أی المنظر انتهى إلاّ أنّه جعل المرائی بمعنى النواظر .

أقول : و یتوجّه علیهم أولا أنّ كون المرائی جمعا للمرآة لم یثبت من أهل اللّغة .

و ثانیا سلمنا لكن لا بدّ من جعل المرآة الّتی هی مفردها اسم مكان بمعنى محلّ الرّؤیة حتّى یصحّ بناء الجمع منها إذ لو جعلناها مصدرا بمعنى نفس الرّؤیة كما هو ظاهر كلام الأولین لا یصحّ أن یبنى منها جمعا ، كما أنّ المناظر التی هی جمع المنظر یراد بها محال النظر ، و فسرها فی القاموس باشراف الأرض .

و الحاصل أنّ المرآة التی هی واحدة المرائی على زعمهم بمعنى المنظر فان جعلناها مصدرا لا یصحّ أن یبنى منها جمع . و إن جعلناها اسما للمكان فیصحّ بناؤه منها إلاّ أنّه لا وجه حینئذ للحكم بكون المرائی جمعا لها أولى كونها جمعا للمرئی إذ لا تفاوت بینهما فی المعنى كما لا یخفى .

و أمّا الشارح البحرانی فلا یفهم وجه تفسیر المرائی بالنواظر بعد تفسیر المرآة بمعنى المنظر إلاّ ان یقال إنّ مراده بالمرائی محالّ النظر أى الابصار فیصحّ التعبیر عنها بالنواظر و المناظر كلیهما فتأمل جیّدا .

( لم تحط به الأوهام بل تجلّى لها بها و بها امتنع منها و إلیها حاكمها ) قال الشارح المعتزلی : الأوهام ههنا هی العقول یقول : إنّه سبحانه لم تحط به العقول أى لم تتصوّر كنه ذاته ، و لكنه تجلّى للعقول بالعقول ، و تجلّیه ههنا هو كشف ما

[ 15 ]

یمكن أن تصل إلیه العقول من صفاته السّلبیّة و الاضافیة و كشف ما یمكن أن تصل إلیه العقول من أسرار مخلوقاته ، فأما غیر ذلك فلا .

و قوله : و بالعقول امتنع من العقول ، أى و بالعقول و بالنظر علمنا أنّه تعالى یمتنع أن تدركه العقول .

و قوله : و إلى العقول حاكم العقول أى جعل العقول المدّعیة أنها أحاطت به و أدركته كالخصم له سبحانه ثمّ حاكمها إلى العقول السّلیمة الصحیحة النظر فحكمت له سبحانه على العقول المدّعیة لما لیست أهلا له انتهى .

و قیل : یحتمل أن یكون أحد الضمیرین فی كلّ من الفقرات الثلاث راجعا إلى الأوهام ، و الآخر إلى الأذهان فیكون ان بالأوهام و خلقه تعالى لها و أحكامها أو بادراك الأوهام آثار صنعته و حكمته تجلّى للعقول ، و بالعقول و حكمها بأنه تعالى لا یدرك بالأوهام امتنع من الأوهام ، و إلى العقول حاكم الأوهام لو ادّعت معرفته حتّى تحكم العقول بعجزها عن ادراك جلال هذا .

و یجوز أن یراد بالأوهام الأعمّ منها و من العقول و اطلاقه على هذا المعنى شایع ، فالمراد تجلّى اللّه لبعض الأوهام أى العقول ببعض الحواس و هكذا على سیاق ما مرّ .

( لیس بذى كبر امتدّت به النهایات فكبرته تجسیما ) الكبیر یطلق على معان : أحدها العظیم الحجم و المقدار و الكبیر فی الطول و العرض و السّمك الثانی العالی السنّ من الحیوان الثالث رفیع القدر و عظیم الشأن .

إذا عرفت ذلك نقول : إنّ اطلاق الكبیر على اللّه سبحانه و وصفه به كما ورد فی الكتاب العزیز لیس باعتبار المعنى الأوّل و الثانی ، لأنّ الكبیر بهذین المعنیین من عوارض الأجسام و الأحجام ، فلا بدّ أن یراد به حیثما یطلق علیه المعنى الثالث و هو معنى قوله علیه السّلام لیس بذی كبرآه یعنی أنّه موصوف بالكبر و لكن لا بالمعنى الموجود فی الأجسام بأن یكون ممتدّا طولا و عرضا و عمقا ، و إنّما اسند الامتداد به الى النهایات لأنّها غایة الطبیعة بالامتداد یقف عندها و ینتهى بها ، فكانت من

[ 16 ]

الأسباب الغائیة ، فلذلك اسند إلیها ، و كذلك اسناد التكبر الیها اذ كان التكبیر من لوازم الامتداد الیها ، فمعنى قوله : فكبّرته تجسیما أنّه كبّرته النهایات مجسّمة له أو حالكونه سبحانه مجسما .

روى فی الكافی عن ابن محبوب عمّن ذكره عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رجل عنده : اللّه أكبر ، فقال علیه السّلام : اللّه أكبر من أیّ شی‏ء ؟ فقال : من كلّ شی‏ء فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام : حددته ، فقال الرجل : كیف أقول ؟ قال علیه السّلام : قل : اللّه أكبر من أن یوصف .

قال بعض شراح الكافی : لما كان الأكبر من أسماء التفضیل كالأعظم و الأطول و الأعلم و نحوها ، و الموصوف بها من جنس ما یفضل علیه فیهما ، فانك اذا قلت هذا أطول من ذلك أنه وجد لهذا مثل الذی فی ذلك من الطول مع زیادة ، و كان الحق بحیث لا مجانس له فی ذاته و صفاته ، فلم یجز اطلاق الأكبر علیه بالمعنى الذى یفهمه الناس من ظاهر اللفظ ، اذ الكبر و الصغر من صفات الجسمانیات و لا ینبغی أیضا أن یكون المفضل علیه شیئا خاصا أو عاما كما یقال : اللّه أكبر من العرش أو من العقل أو من كلّ شی‏ء ، لأنّه یوجب التحدید و التجنیس كما علمت ، فلذلك أفاد علیه السّلام أن معنى اللّه أكبر أنّه أكبر من أن یوصف لئلا یلزم التحدید .

( و لا بذى عظم تناهت به الغایات فعظمته تجسیدا ) و معناها كسابقتها ، یعنی أنّ اتصافه بالعظمة و اطلاق العظیم علیه فی القرآن الكریم و غیره لیس بالمعنى المتبادر إلى الأفهام المتصوّر فی الأجسام أعنى العظم فی القطر و الجسد ، بل المراد أنّه عظیم السلطان رفیع الشأن .

و هو معنى قوله علیه السّلام فی حدیث ذعلب المتقدّم روایته عن الكافی فی شرح المختار المأة و الثامن و السّبعین : و یلك یا ذعلب انّ ربّی لطیف اللطافة لا یوصف باللّطف عظیم العظمة لا یوصف بالعظم كبیر الكبریاء لا یوصف بالكبر جلیل الجلالة لا یوصف بالغلظ .

[ 17 ]

و الى ما ذكرناه أشارهنا بقوله ( بل كبر شأنا و عظم سلطانا ) أی كبره من حیث الشأن ، و عظمته من حیث السّلطنة .

و لما فرغ من حمد اللّه سبحانه و ثنائه و أوصاف جلاله و كبریائه أردفه بالشهادة بالرسالة التی هى مبدء لكمال القوّة العملیة من النفوس البشریة بعد كمال قوّتها النظریّة بما تقدّم فقال :

( و أشهد أنّ محمدا عبده و رسوله الصّفىّ ) أى الصافی الخالص فی مقام العبودیّة عن الكدر النّفسانیّة ، أو المصطفى أى المختار من مخلوقاته ( و أمینه ) على وحیه ( الرضیّ ) المرتضى على تبلیغ وحیه و رسالاته ( صلّى اللّه علیه و آله أرسله بوجوب الحجج ) أى أرسله مصاحبا بالحجج الواجبة قبولها على الخلق لكفایتها فی مقام الحجیّة من المعجزات الظاهرات و الآیات البیّنات ، أو المراد أنّه أرسله بسبب وجوب الحجج علیه تعالى ، یعنی أنّه لما كان الاعذار و الانذار واجبا علیه تعالى بمقتضى اللطف أرسله لذلك لیهلك من هلك عن بیّنة و یحیى من حىّ عن بیّنة ، و لئلاّ یكون للناس على اللّه حجّة بعد الرّسل .

( و ظهور الفلج ) أى مع ظهور الظفر ، أو لأن یظهر ظفره على سایر الأدیان كما قال سبحانه : « ارسل رسوله بالهدى و دین الحقّ لیظهره على الدّین كلّه و لو كره المشركون » .

( و ایضاح المنهج ) أى ما یضاح بنهج الشرع القویم ، و الارشاد إلى الصراط المستقیم المؤدّی إلى نضرة النعیم و الفوز العظیم .

( فبلّغ الرسالة صادعا بها ) امتثالا لأمره تعالى و هو قوله « بلّغ ما أنزل إلیك من ربّك و ان لم تفعل فما بلّغت رسالته » و قوله « فاصدع بما تؤمر و أعرض عن المشركین » و أصل الصّدع هو الشق فی شی‏ء صلب و الفرقة من الشی‏ء فاستعیر هنا لابلاغ المأمور ، قال فی القاموس : فاصدع بما تؤمر أى شقّ جماعاتهم بالتوحید أو اجهر بالقرآن أو أظهر أو أحكم بالحقّ و افصل بالأمر و اقصد بما تؤمروا فرق به بین الحقّ و الباطل .

[ 18 ]

( و حمل ) النّاس ( على المحجّة ) و الجادّة الواضحة و هی طریق الشریعة ( دالاّ علیها ) و هادیا إلیها ( و أقام ) بین الامة ( أعلام الاهتداء و منار الضّیاء ) أى أعلاما توجب اهتداءهم بها و منارا تستضیئون بنورها .

و المراد بها المعجزات الظاهرة و القوانین الشرعیّة الباهرة ، فانها تهدى من غیاهب الجهالة ، و تنقذ من ظلمات الضلالة ، و تدلّ على حظایر القدس و محافل الانس ( و جعل أمراس الاسلام ) و حبال الدّین ( متینة ) متقنة ( و عرى الایمان ) و حبال الیقین ( وثیقة ) محكمة .

( منها )

أى من جملة فصول تلك الخطبة ( فی صفة ) عجیب ( خلق أصناف من الحیوان ) أی فی وصف عجایب خلقتها الدالّة على قدرة بارئها و عظمة مبدئها و تدبیره و حكمته فی صنعتها ، و قد تقدّم فصل واف من الكلام على هذا المعنى فی الخطبة المأة و الرّابعة و الستّین و شرحها .

و قال علیه السّلام هنا : ( و لو فكّروا ) أى تفكروا و اعملوا نظرهم ( فی عظیم القدرة ) أى فی آثار قدرته العظیمة الظاهرة فی مخلوقاته ( و جسیم النعمة ) أى عظیم نعمته التی أنعم بها على عباده ( لرجعوا إلى الطریق ) و الصراط المستقیم ( و خافوا عذاب الحریق ) و عقاب الجحیم لكفایتها فی الهدایة إلیه و الاخافة منه .

قال تعالى فی الاشارة إلى عظیم قدرته « اللّه الّذی رفع السّموات بغیر عمد ترونها ثمّ استوى على العرش و سخّر الشمس و القمر كلّ یجرى لأجل مسمّى یدبّر الأمر یفصّل الآیات لعلّكم بلقاء ربّكم توقنون » .

و قال « أ و لم یر الّذین كفروا أنّ السّموات و الأرض كانتا رتقا ففتقناهما و جعلنا من الماء كلّ شی‏ء حیّ أ فلا یؤمنون » .

قال الطبرسی « ره » فی هذه الآیة استفهام یراد به التقریع و المعنى أو لم یعلموا أنّ اللّه سبحانه الّذی یفعل هذه الأشیاء و لا یقدر علیها غیره فهو الاله المستحقّ للعبادة دون غیره .

[ 19 ]

و قال فی الدلالة على جسیم نعمته أ لم نجعل الأرض مهادا . و الجبال أوتادا .

و خلقناكم أزواجا . و جعلنا نومكم سباتا . و جعلنا اللیل لباسا . و جعلنا النهار معاشا .

و بنینا فوقكم سبعا شدادا . و جعلنا سراجا وهّاجا . و أنزلنا من المعصرات مآء ثجّاجا .

لنخرج به حبّا و نباتا . و جنّات ألفافا . انّ یوم الفصل كان میقاتا .

فانّ فی تعداد تلك النعم اشارة إلى عظیم ما منّ به على عباده فمن تفكّر فیها أناب إلى طریق الحقّ و نهج الصواب ، و خاف من سوء المآل و ألیم العذاب ( و لكن ) الناس بمعزل عن هذا بعیدون عن الاهتداء إلیه لأنّ ( القلوب علیلة ) سقیمة ( و الأبصار ) أى البصایر كما فی بعض النسخ ( مدخولة ) معیبة ، فكان مرضها و علّتها مانعة عن التدبّر و التفكر .

و المراد بعلّتها خروجها عن حدّ الاعتدال و الاستقامة بسبب توجّهها إلى الشهوات النفسانیّة و العلایق البدنیة ، لأنّ مرض القلوب عبارة عن فتورها عن درك الحق بسبب شوبها بالشكوك و الشبهات و فسادها بالعلایق و الامنیات ، كما أنّ مرض الأعضاء عبارة عن فتورها عن القیام بالآثار المطلوبة منها بسبب طروّ الفساد علیها و خروجها عن حدّ الاعتدال .

قال تعالى « فی قلوبهم مرض فزادهم اللّه مرضا » و قال « و على أبصارهم غشاوة » أی غطاء ، فانهم لما اعرضوا عن النظر فیما كلفوه أو قصروا فیما ارید منهم جهلوا ما لزمهم الایمان به ، فصاروا كمن على عینیه غطاء و هو معنى العیب فی الأبصار .

فان قیل : لم خصّ القلوب و الأبصار بالذكر .

قلت : لأنّ القلب محلّ الفكر و النظر و الأبصار طریق إلیها و إن كانت الأسماع طریقا أیضا إلاّ أنّ الأبصار لكونها أعظم الطرق خصّت بالذّكر و قد جمعتها جمیعا الآیة الشریفة ختم اللّه على قلوبهم و على سمعهم و على أبصارهم غشاوة و لهم عذاب عظیم » .

و لما أشار إلى عظیم قدرته اجمالا و وبخ على غفلة القلوب و عیب الأبصار و كان المقصود بذلك جذب نفوس المخاطبین و توجیه قلوبهم إلى إقبال ما یذكّرهم به أو

[ 20 ]

تشویقهم إلى إصغاء ما یتلى علیهم أردفه بالتنبیه على لطیف صنعه تعالى فی صغیر ما خلق فقال :

( ألا ینظرون إلى صغیر ما خلق ) من أنواع الحیوان ( كیف أحكم خلقه ) و أتقنه ( و أتقن تركیبه ) و أحكمه ( و فلق ) أى شقّ ( له السّمع و البصر و سوّى ) أى عدل ( له العظم و البشر ) مع ما هو علیه من الصغر .

ثمّ تخلص إلى تفصیل المرام بعد ما كساه ثوب الاجمال و الابهام ، لأنّ ذكر الشی‏ء مبهما ثمّ مفسّرا و مفصّلا أوقع فی النفوس و أثبت فی القلوب فقال علیه السّلام :

( انظروا إلى النملة ) نظرا یوجب البصیرة و یعرف به عظیم القدرة ( فی صغر جثّتها ) و شخصها ( و لطافة هیئتها ) و كیفیتها ( لا تكاد تنال بلحظ البصر ) أى النظر و هكذا فی بعض النسخ ( و لا بمستدرك الفكر ) .

قال العلاّمة المجلسیّ « ره » مستدرك الفكر على بناء المفعول یحتمل أن یكون مصدرا أى ادراك الفكر أو بطلبها الادراك و لعلّه أنسب بقوله : بلحظ البصر ،

و أن یكون اسم مفعول أى بالفكر الذی یدركه الانسان و یصل إلیه أو یطلب ادراكه أى منتهى طلبه لا یصل إلى ادراك ذلك ، و أن یكون اسم مكان و الباء بمعنى فی .

( كیف دبّت على أرضها ) الاضافة لأدنى ملابسة ( و صبّت على رزقها ) قیل هو على العكس أى صبّ رزقها علیها .

قال الشارح المعتزلى : و الكلام صحیح و لا حاجة فیه الى هذا ، و المراد و كیف ألهمت حتّى انصبّت على رزقها انصبابا أى انحطت علیه قال : و یروى و ضنّت على رزقها أى بخلت ، انتهى .

و على الأوّل فلفظ الصّب استعارة لسرعة الحركة إلیه كما فی الماء المصبوب نحو ما ینصب فیه ، و على الثانى فضنّتها لعلمها بحاجتها إلى الرزق و سعیها فی الاعداد و الحفظ ( تنقل الحبّة إلى حجرها ) و بیتها ( و تعدّها فی مستقرّها ) أى تهیّؤ الحبّة فی محلّ استقرارها ( تجمع فى حرّها لبردها ) أى فی أیّام الصّیف للشتاء ( و فى ورودها لصدرها ) أى تجمع فی أیّام التمكن من الحركة لأیام العجز لأنّها تظهر

[ 21 ]

فی أیّام الصّیف و تختفى فی أیّام الشّتاء لبرودة الهواء ( مكفولة ) أى مضمون ( برزقها مرزوقة بوفقها ) أى بما یوافقها من الرزق كمّا و كیفا .

( لا یغفلها المنّان ) أى لا یتركها غفلة عنها و اهمالا من غیر نسیان اللّه الذی هو كثیر المنّ و العطاء ( و لا یحرمها الدّیان ) أى لا یجعلها محرومة من رزقها الدّیان المجازی لعباده ما یستحقّون من الجزاء .

و قد یفسّر الدّیان بالحاكم ، و القاضی ، و القهار ، و بالسایس القائم على الشی‏ء بما یصلحه كما تفعل الولاة و الأمرآء بالرعیّة .

و وجه المناسبة على الأوّل أنها حیث دخلت فی الوجود طایعة لأمره و قامت فیه منقادة لتسخیره ، وجبت فی الحكمة الالهیّة جزاؤها و مقابلتها بما یقوم بوجودها فلا تكون محرومة من مادّة بقائها على وفق تدبیره ، قاله الشارح البحرانی .

و على الثانی أنّ إعطائه كلّ شی‏ء ما یستحقّه و لو على وجه التفضّل من فروع الحكم بالحق .

و على الثالث الاشعار بأنّ قهره سبحانه لا یمنعه من العطاء كما یكون فی غیره احیانا .

و على الرّابع أنّ مقتضى قیمومته بالأصلح عدم الحرمان كما هو شأن الموالى بالنسبة إلى العبید .

و كیف كان فهو سبحانه لا یمنعها من الرزق ( و لو ) كانت ( فی الصّفا ) الصلد ( الیابس ) الذی لا ینبت شیئا ( و الحجر ) الجامد ( الجامس ) الذی لا یتحول من موضع موضعا بل یفتح علیها أبواب معاشها فی كلّ مكان و یهدیها إلى أقواتها فی كلّ زمان .

ثمّ نبّه على مجال آخر للفكرة فی النملة موجبة للتنبیه و العبرة فقال ( و لو فكرت فی مجاری اكلها ) أى مجاری ما تأكله من الطعام و هى الحلق و الأمعاء ( و فی علوها و سفلها ) .

قال الشارح البحرانی علوها بسكون اللاّم نقیض سفلها و هو رأسها و ما یلیه إلى الجزء

[ 22 ]

المتوسّط و سفلها ما جاوز الحر من طرفها الآخر .

أقول : فعلى ذلك الضمیران مرجعهما نفس النملة على حذو ما سبق ، و یحتمل رجوعهما إلى المجاری و المراد واحد .

( و ما فی الجوف من شراسیف بطنها ) أى أطراف أضلاعها المشرفة على بطنها ( و ما فی الرّأس من عینها و اذنها ) .

قال الشارح المعتزلی و لا یثبت الحكماء للنمل آذانا بارزة عن سطوح رؤوسها و یجب إن صحّ ذلك أن یحمل كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام على قوّة الاحساس بالأصوات فانّه لا یمكن الحكماء إنكار وجود هذه القوّة لها ، و لهذا إذا صیح علیهنّ هدبن .

و قوله علیه السّلام ( لقضیت من خلقها عجبا ) جواب لو أى لو فكرت فی هذه الأمورات التی أبدعها اللّه سبحانه فیها بحسن تدبیره و حكمته و قدرته مع مالها من الصّغر و اللطافة لأدّیت من ذلك عجبا أى تعجّبت غایة التّعجب ( و لقیت من وصفها تعبا ) و مشقّة إن وصفتها حقّ الوصف .

( فتعالى اللّه الذی أقامها على قوائمها ) مع ما بها من الدقّة و اللطافة لا یكاد أن یدركه الطرف لغایة دقتها كالخیوط الدّقیقة ( و بناها على دعائمها ) استعار الدّعامة الّتی هو عمود البیت لما یقوم به بدنها من الأجزاء القائمة مقام العظام و الأوتار و فیه تشبیهها بالبیت المبنیّ على الدّعائم ( لم یشركه فی فطرتها ) أی خلقتها و ایجادها ( فاطر ) مبدع ( و لم یعنه على خلقها قادر ) مدبّر بل توحّد بالفطر و التدبیر و تفرّد بالخلق و التقدیر فسبحانه ما أعظم شأنه و أظهر سلطانه .

( و لو ضربت فی مذاهب فكرك لتبلغ غایاته ) أى لو سرت أو أسرعت فی طرق فكرك و هى الأدلّة و اجزاء الأدلة لتصل إلى غایات الفكر فی الموجودات و المكونات ( ما دلّتك الدلالة ) أى لم یدلّك الدّلیل ( إلاّ على أنّ فاطر النملة ) على صغرها ( هو فاطر النخلة ) على طولها و عظمتها ، یعنی أنّ خالقهما واحد و الغرض منه دفع توهّم یسر الخلق و سهولته فی الأشیاء الصّغیرة ( لدقیق تفصیل كلّ شی‏ء و غامض اختلاف كلّ حیّ ) .

[ 23 ]

یعنی أنّ كلا من الأجسام و الأشیاء صغیرا كان أو كبیرا فتفصیل جسمه و خلقته و هیئته تفصیل دقیق و اختلاف أشكالها و صورها و ألوانها و مقادیرها اختلاف غامض السّبب ، فلا بدّ للكلّ من مدبّر حكیم خصّصه بذلك التفصیل و الاختلاف على اقتضاء التدبیر و الحكمة ، فثبت بذلك أنّها لا تفاوت فیها بین الصّغر و الكبر فی الافتقار إلى الصّانع المدبّر .

و أكّد ذلك الغرض بقوله ( و ما الجلیل و اللّطیف ) كالنخلة و النملة ( و الثقیل و الخفیف ) كالتراب و السحاب ( و القوىّ و الضعیف ) كالفیلة و السخلة ( فی خلقه إلاّ سواء ) لاستواء نسبة قدرته التی هی عین ذاته الیها .

و الغرض بذلك دفع استبعاد نسبة الخلقة العظیمة و الخلقة الصّغیرة إلى صانع واحد ، و وجه الدفع أنّ المخلوقات و إن اختلفت من حیث الطبایع و الهیئآت و الأشكال و المقادیر صغرا و كبرا و ثقلا و خفّة و ضعفا و قوّة إلاّ أنّها لا اختلاف فیها من حیث النسبة إلى القدرة الكاملة للفاعل المختار .

( و كذلك السماء و الهواء و الریاح و الماء ) على اختلاف هیئآتها و هیئاتها و تباینها و تضادها مشابهة للامور السابقة ، مستویة لها من حیث الانتساب إلى القدرة .

( فانظر إلى الشّمس و القمر و النّبات و الشجر و الماء و الحجر و اختلاف هذا اللّیل و النّهار و تفجّر هذه البحار و كثرة هذه الجبال و طول هذه القلال و تفرّق هذه اللّغات و الألسن المختلفات . ) لا یخفى ما فی هذه الفقرة و سابقتیها من الرقة و السّلاسة و اللّطافة من حیث اللّفظ و العبارة ، حیث تضمنت سیاقة الاعداد مع مراعاة التطبیق و الازدواج و ملاحظة الأسجاع ، و أمّا من حیث المعنى فالمراد بها الأمر بالتدبّر فیما أودع فی هذه الأشیاء من غرایب الصنعة و لطایف الحكمة و براهین القدرة و العظمة حسبما عرفت نبذا منها فی شرح الفصل الرابع و السادس من المختار التسعین فانظر ما ذا ترى .

و قال الشارح المعتزلی : المراد بها الاستدلال بامكان الاعراض على ثبوت الصّانع ، بأن یقال كلّ جسم یقبل لجسمیته المشتركة بینه و بین سایر الأجسام ما یقبله غیره من الأجسام ، فاذا اختلف الأجسام فی الاعراض فلا بد من مخصّص و هو الصّانع الحكیم .

[ 24 ]

و قرّره الشارح البحرانى بتقریر أوضح و هو أنّ هذه الأجسام كلّها مشتركة فی الجسمیّة و اختصاص كلّ منها بما یمیّز به من الصّفات المتعدّدة لیست للجسمیّة و لوازمها ، و إلاّ وجب لكلّ منها ما وجب للآخر ، ضرورة اشتراكها فی علّة الاختصاص فلا ممیّز له هذا خلف ، و لا لشی‏ء من عوارض الجسمیة لأنّ الكلام فی اختصاص كلّ منها بذلك العارض كالكلام فی الأوّل و یلزم التسلسل ، فیبقى أن یكون لأمر خارج عنها هو الفاعل الحكیم المخصص لكل منها بحدّ من الحكمة و المصلحة .

أقول : و قد اشیر إلى هذا الاستدلال فی قوله عزّ و جلّ و من آیاته خلق السّموات و الأرض و اختلاف ألسنتكم و ألوانكم إنّ فی ذلك لآیات للعالمین . و من . آیاته منامكم باللّیل و النّهار و ابتغاؤكم من فضله إنّ فی ذلك لآیات لقوم یسمعون .

و من آیاته یریكم البرق خوفا و طمعا و ینزّل من السّماء ماء فیحیى به الأرض بعد موتها إنّ فی ذلك لآیات لقوم یعقلون » .

قال الطبرسیّ : أى من دلالاته على وحدانیّته و كمال قدرته خلق السّموات و الأرض و ما فیهما من عجایب خلقه و بدایع صنعه مثل ما فی السّموات من النجوم و الشمس و القمر و جریها فی مجاریها على غایة الاتّساق و النظام ، و ما فی الأرض من الجماد و النبات و الحیوان المخلوقة على وجه الاحكام .

« و اختلاف ألسنتكم » الألسنة جمع لسان و اختلافها هو أن ینشأها اللّه مختلفة فی الشّكل و الهیئة و التركیب فیختلف نغماتها و أصواتها حتّى أنّه لا یشتبه صوتان من نفسین هما اخوان ، و قیل : إنّ اختلاف الألسنة هو اختلاف اللغات من العربیّة و العجمیّة و غیرهما ، و لا شی‏ء من الحیوانات یتفاوت لغاتها كتفاوت لغات الانسان فان كانت اللّغات توقیفیّا من قبل اللّه فهو الذی فعلها ، و إن كانت مواضعة من قبل العباد فهو الذی یسرها .

« و ألوانكم » أى و اختلاف ألوانكم من البیاض و الحمرة و الصّفرة و السّمرة و غیرها فلا یشبه أحد أحدا مع التشاكل فی الخلقة ، و ما ذلك إلاّ للتراكیب البدیعة و اللّطائف العجیبة الدالّة على كمال قدرته و حكمته حتى لا یشتبه اثنان من النّاس و لا یلتبسان مع كثرتهم .

[ 25 ]

« إنّ فی ذلك لآیات » أى أدلّة واضحات « للعالمین » أى للمكلّفین .

« و من آیاته » الدالّة على توحیده و اخلاص العبادة له « منامكم باللّیل و النهار و ابتغاؤكم من فضله » أى النّوم الذی جعله اللّه راحة لأبدانكم باللّیل و قد تنامون بالنهار فاذا انتبهتم انتشرتم لابتغاء فضل اللّه « إنّ فی ذلك لآیات لقوم یسمعون » ذلك فیقبلونه و یتفكّرون فیه ، لأنّ من لا یتفكّر فیه لا ینتفع به فكأنه لم یسمعه .

« و من آیاته یریكم البرق خوفا و طمعا » معناه و من دلالالته أن یریكم النار تنقدح من السحاب یخافه المسافر و یطمع فیه المقیم ، و قیل : خوفا من الصواعق و طمعا فی الغیث « و ینزّل من السّماء ماء » أى غیثا و مطرا « فیحیى به » أى بذلك الماء « الأرض بعد موتها » أى بعد انقطاع الماء عنها وجدو بها « إنّ فی ذلك لآیات لقوم یعقلون » أى للعقلاء المكلّفین .

( فالویل ) أى الحزن و الهلاك و المشقّة من العذاب و قیل إنّه علم واد فی جهنّم ( لمن جحد المقدّر و أنكر المدبّر ) و هم الدّهریّون الّذین قالوا ما هى إلاّ حیاتنا الدّنیا نموت و نحیى و ما یهلكنا إلاّ الدّهر ( و یزعمون أنهم كالنبات ) النابت فی الصحاری و الجبال من غیر زرع فكما أنّه لیس له زارع و مدبّر من البشر فكذلك هؤلاء .

( ما لهم زارع ) أصلا ( و لا لاختلاف صورهم صانع ) قطعا و ذكر اختلاف الصّور لكونه أوضح دلالة على الصانع و قیل : المراد انهم قاسوا أنفسهم على النبات الذی جعلوا من الأصول المسلمة أنه لا مقدّر له بل ینبت بنفسه من غیر مدبّر ( و لم یلجأوا ) أى لم یستندوا ( إلى حجّة فیما ادّعوا ) من جحود المقدّر ( و لا تحقیق لما ) حفظوا و ( أوعوا ) من إنكار المدبّر بل دعویهم مستندة إلى مجرّد الظنّ و الحسبان و محض الهوى و الاستحسان كما نطق به الفرقان .

قال تعالى أ فرأیت من اتّخذ الهه هواه و أضلّه اللّه على علم و ختم على سمعه و قلبه و جعل على بصره غشاوة فمن یهدیه من بعد اللّه أفلا تذكّرون . و قالوا ما هى إلاّ حیاتنا الدّنیا نموت و نحیى و ما یهلكنا إلاّ الدّهر و مالهم بذلك من علم إن هم

[ 26 ]

إلاّ یظنّون .

و روى فی الصّافی من الكافی عن الصّادق علیه السّلام فی حدیث وجوه الكفر قال علیه السّلام : فأمّا كفر الجحود فهو الجحود بالرّبوبیّة و هو قول من یقول : لا ربّ و لا جنّة و لا نار ، و هو قول صنفین من الزنادقة یقال لهم الدّهریة و هم الّذین یقولون و ما یهلكنا إلاّ الدّهر و هو دین وضعوه لأنفسهم بالاستحسان عنهم على غیر تثبّت منهم و لا تحقیق لشی‏ء مما یقولون قال اللّه عزّ و جلّ « ان هم إلاّ یظنّون » إنّ ذلك كما یقولون .

قال الفخر الرازی : و أما شبهتهم فی انكار الإله الفاعل المختار فهو قولهم « و ما یهلكنا إلاّ الدّهر » یعنی تولد الأشخاص إنما كان بسبب حركات الأفلاك الموجبة لامتزاج الطبایع و إذا وقعت تلك الامتزاجات على وجه خاصّ حصلت الحیاة ، و اذا وقعت على وجه آخر حصل الموت ، فالموجب للحیاة و الموت تأثیرات الطبایع و حركات الأفلاك ، و لا حاجة فی هذا الباب إلى إثبات الفاعل المختار ، فهذه الطائفة جمعوا بین إنكار الإله و بین إنكار البعث و القیامة ثمّ قال تعالى « و ما لهم بذلك من علم إن هم إلاّ یظنّون » .

و المعنى أنّ قبل النظر و معرفة الدلیل الاحتمالات بأسرها قائمة ، فالذی قالوه یحتمل و ضدّه أیضا یحتمل ، و ذلك هو أن یكون القول بالبعث و القیامة حقا و القول بوجود الإله الحكیم حقّا فانّهم لم یذكروا شبهة ضعیفة و لا قویّة فی أنّ هذا الاحتمال الثانی باطل ، و لكنه خطر ببالهم هذا الاحتمال الأوّل فجزموا به و أصرّوا علیه من غیر حجّة و لا بیّنة ، فثبت أنّهم لیس لهم علم و لا جزم و لا یقین فی صحّة القول الّذی اختاروه بسبب الظنّ و الحسبان و میل القلب إلیه من غیر موجب و حجّة و دلیل ، هذا و لما دعا علیه السّلام على الجاحدین بالویل و الثبور زیف قولهم بعدم استناده إلى حجّة و بیّنة و لو كانت ضعیفة هیّنة ، عاد إلى تقریعهم و توبیخهم باقامة البرهان المحكم و الدلالة الواضحة على بطلان قولهم و فساد به منهم فقال على سبیل الاستفهام بقصد الإنكار و الإبطال :

[ 27 ]

( و هل یكون بناء من غیر بان و جنایة من غیر جان ) یعنی افتقار الفعل إلى الفاعل ضروری و إنكاره باطل و منكره ضال جاهل .

روى فی البحار من جامع الأخبار قال : سئل أمیر المؤمنین علیه السّلام عن اثبات الصانع فقال علیه السّلام : البعرة تدلّ على البعیر ، و الرّوثة تدلّ على الحمیر ، و آثار القدم تدلّ على المسیر ، فهیكل علوىّ بهذه اللّطافة و مركز سفلى بهذه الكثافة كیف لا یدلاّن على اللطیف الخبیر ؟

و فیه من كتاب التوحید للصّدوق ( ره ) بسنده عن هشام بن الحكم قال : كان زندیق بمصر یبلغه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فخرج إلى المدینة لیناظره فلم یصادفه بها فقیل له هو بمكّة ، فخرج الزندیق إلى مكة و نحن مع أبی عبد اللّه علیه السّلام فقاربنا الزندیق و نحن مع أبی عبد اللّه علیه السّلام فی الطواف فضرب كتفه « كفّه » كتف أبی عبد اللّه علیه السّلام فقال له جعفر علیه السّلام : ما اسمك ؟ قال : اسمی عبد الملك ، قال : فما كنیتك ؟

قال : أبو عبد اللّه قال علیه السّلام : فمن الملك الذی أنت له عبد أمن ملوك السماء أم من ملوك الأرض ؟ و أخبرنی عن ابنك أعبد إله السّماء أم عبد إله الأرض ؟ فسكت ،

فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام : قل ما شئت تخصم ، قال هشام بن الحكم : قلت للزندیق : أما تردّ علیه ، فقبح قولی .

فقال له أبو عبد اللّه علیه السّلام : إذا فرغت من الطواف فأتنا .

فلما فرغ أبو عبد اللّه علیه السّلام أتاه الزندیق فقعد بین یدیه و نحن مجتمعون عنده فقال للزندیق : أ تعلم أنّ للأرض تحت و فوق ؟ قال : نعم ، قال علیه السّلام : فدخلت تحتها ؟

قال : لا ، قال : فما یدریك بما تحتها ؟ قال : لا أدرى إلاّ أنّی لأظنّ أن لیس تحتها شی‏ء ، قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : فالظنّ عجز ما لم تستیقن .

قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : فصعدت إلى السّماء ؟ قال : لا ، قال : فتدری ما فیها ؟ قال لا ، قال : فعجبا لك لم تبلغ المشرق و لم تبلغ المغرب و لم تنزل تحت الأرض و لم تصعد إلى السّماء و لم تجز هنالك فتعرف ما خلقهنّ و أنت جاحد ما فیهنّ و هل یجحد العاقل ما لا یعرف ؟ فقال الزندیق : ما كلّمنی بهذا أحد غیرك .

[ 28 ]

فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام : فأنت فی شكّ من ذلك فلعلّ هو و لعلّ لیس هو ؟

قال الزّندیق : و لعلّ ذاك .

فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام : أیّها الرّجل لیس لمن لا یعلم حجّة على من یعلم فلا حجّة للجاهل یا أخا أهل مصر تفهم عنّی فانا لا نشكّ فی اللّه أبدا ، أما ترى الشّمس و القمر و اللّیل و النهار یلجان لیس لهما مكان إلاّ مكانهما فان كانا یقدران على أن یذهبا و لا یرجعان فلم یرجعان ؟ فان لم یكونا مضطرّین فلم لا یصیر اللیل نهارا و النهار لیلا ؟ اضطرّا و اللّه یا أخا أهل مصر إلى دوامهما و الذی اضطرّهما أحكم منهما و أكبر منهما ، قال الزندیق : صدقت .

ثمّ قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : یا أخا أهل مصر الذی تذهبون و تظنونه بالوهم فان كان الدّهر یذهب بهم لم لا یردّهم ؟ و إن كان یردّهم لم لا یذهب بهم القوم مضطرّون یا أخا أهل مصر السّماء مرفوعة و الأرض موضوعة لم لا تسقط السماء على الأرض و لم لا تنحدر الأرض فوق طباقها فلا یتماسكان و لا یتماسك من علیهما ؟ فقال الزندیق أمسكهما و اللّه ربّهما و سیّدهما ، فآمن الزندیق على یدى أبی عبد اللّه علیه السّلام .

و قد أوردت هذه الروایة على طولها لتمامیّتها فی إبطال مذهب الدّهریة و نزید إیضاحها بكلام أمیر المؤمنین علیه السّلام و لو تأملتها حقّ التأمل ظهر لك أنّها فی الحقیقة بمنزلة الشرح لقوله : و لم یلجأوا إلى حجّة ، إلى قوله : جان ، فتدبّر لتبصر .

و لما نبّه على لطایف الحكمة و دقایق القدرة الشاهدة بوجود الصّانع المدبّر الحكیم فی خلقة النملة أردف ذلك تأكیدا و تثبیتا بذكر دقایق الصنع و براهین التدبیر فی خلق الجرادة فقال علیه السّلام :

( و إن شئت قلت فی الجرادة ) نظیر ما قلته فی النملة من القول البیّن الكاشف عن تدبّر الصّانع الحكیم المدبّر ( إذ خلق لها عینین حمراوین و أسرج لها حدقتین قمراوین ) أى جعلهما مضیئتین كالسراج منیرتین كاللیلة المنیرة بالقمر ( و جعل لها السمع الخفىّ ) أى عن أعین الناظرین و قیل : أراد بالخفىّ اللطیف السامع لخفىّ الأصوات .

[ 29 ]

قال الشارح البحرانی : فوصفه بالخفاء مجاز اطلاقا لاسم المقبول على قابله ( و فتح لها الفم السّوىّ ) أى المستوى قال الشارح البحرانی : و التسویة التعدیل بحسب المنفعة الخاصة بها .

أقول : و یحتمل أن یكون المراد به أنّ فمها مشقوق عرضا مثل فم السرطان و لیس كأفواه الزنابیر و سایر ذوات الأجنحة من الحیوان .

( و جعل لها الحسّ القوىّ ) قال البحرانی : أراد بحسّها قوّتها الوهمیّة و بقوّته حذقها فیما الهمت إیاه من وجوه المعاش و التصرّف یقال : لفلان حسّ حاذق إذا كان ذكیا فطنا درّاكا .

أقول : و الظاهر أنّ المراد به قوّة سامعتها و باصرتها ، فإنا قد شاهدنا غیر مرّة أنها تقع على الزرع فی أوانه بزحفها فیصحن و یأكلن الزرع و یفسدنه فاذا ظهر فی الجوّ واحد من الطیر المعروف بطیر الجراد یمرّ علیهنّ و لو على غایة بعد منهنّ یشاهدنه أو یسمعن صوته فیسكتن و یمسكن عن أصواتهن مخافة أن یقع علیهنّ فیقتلهنّ ، و هو دلیل على قوّة سمعها و بصرها ( و ) جعل لها ( نابین ) أى سنّین ( بهما تقرض ) و تقطع الزرع و الحبّ ( و منجلین ) أى یدین أو رجلین شبیهتین بالمنجل الذى یقضب أى یقطع به الزرع و وجه الشبه الاعوجاج و الخشونة ( بهما تقبض ) .

و من لطیف الحكمة فی رجلیها أن جعل نصفهما الّذی یقع علیه اعتمادها و جلوسها كالمنشار لیكون لها معینا على الفحص و وقایة لذتها عند جلوسها و عمدة لها عند الطیران .

( یرهبها الزّراع فی زرعهم و لا یستطیعون ذبّها و لو أجلبوا بجمعهم ) أى یخافها الزارعون و لا یقدرون على دفعها و لو تجمّعوا و تألّبوا بجمعهم ، ألا ترى أنها إذا توجّهت بزحفها إلى بقعة و هجمت على زروعها و أشجارها أمحلته و لا یستطیع أحد دفعها حتّى لو أنّ ملكا من ملوك الدّنیا أجلب علیها بخیلة و رجله و أراد ذبّها عن بلاده لم یتمكّن من ذلك .

و فی ذلك تنبیه على عظمة الخالق حیث یسلّط أضعف خلقه على أقوى خلقه .

[ 30 ]

قیل لأعرابیّ : ألك زرع ؟ فقال : نعم و لكن أتانا زجل من جراد بمثل مناجلی الحصاد فسبحان من یهلك القوىّ الأكول بالضعیف المأكول .

و فی حیوة الحیوان للدمیری عن ابن عمر أنّ جرادة وقعت بین یدی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فاذا مكتوب على جناحها بالعبرانیة : نحن جند اللّه الأكبر و لنا تسع و تسعون بیضة و لو تمّت لنا المأة لأكلنا الدّنیا بما فیها .

و كیف كان فلا یستطیع أحد لدفعها ( حتّى ترد الحرث فی نزواتها ) و وثباتها ( و تقضى منه شهواتها ) فترد الحرث باختیارها و ترحل عنها باختیارها .

قال الاصمعی : أتیت البادیة فاذا أعرابیّ زرع برّا له ، فلما قام على سوقه و جاد سنبله أتاه زجل جراد فجعل الرّجل ینظر إلیه و لا یدری كیف الحیلة فیه فأنشأ یقول :

مرّ الجراد على زرعی فقلت لها
لا تأكلن و لا تشغل بافساد

فقام منهم خطیب فوق سنبلة
إنا على سفر لا بدّ من زاد

و قوله ( و خلقها كلّه لا یكون اصبعا مستدقة ) تنبیه على تمام التعجّب بما أودع فیها من بدیع الصنعة ، یعنی أنّها یرهبها الزراع و یخافها الحراث و یهابها الملاك و الحال أنها مخلوق ضعیف صغیر حقیر حتّى أنها لو شرح أوصافها المذكورة لمن لم یرها أصلا اعتقد أنّ الموصوف بها لا بدّ أن یكون خلقا عظیم الجثّة قوىّ الهیكل حتّى یصلح استناد هذه الأوصاف إلیه و لم یكن له مزید تعجّب ، فاذا تبیّن له صغر حجمه زاد تعجّبا .

( فتبارك ) أى تعالى ( اللّه الّذی یسجد له من فی السّموات و الأرض طوعا و كرها ) أراد بالسجدة معناها الحقیقی ، لأنّه یسجد له الملائكة و المؤمنون من الثقلین طوعا حالتی الشدّة و الرخا ، و الكفرة له كرها حال الشدّة و الضرورة فقط أو معناها المجازی أعنى مطلق الخضوع أعمّ من التكلیفی و التكوینی أی الدّخول تحت ذلّ الافتقار و الحاجة ، و الأوّل مبنیّ على كون لفظة من مخصّصة بذوى العقول و الثانی على عدم الاختصاص .





نظرات() 


How long will it take for my Achilles tendon to heal?
شنبه 18 شهریور 1396 05:41 ق.ظ
Excellent weblog here! Additionally your site so much up very
fast! What web host are you the usage of?
Can I am getting your affiliate hyperlink on your host?
I want my website loaded up as fast as yours lol
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox