تبلیغات
پیام هادی - تفاسیر نهج البلاغه
 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-05:25 ب.ظ

[ 183 ] من خطبة له ع فی قدرة

اللّه و فی فضل القرآن و فی الوصیة بالتقوى الله تعالى اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْمَعْرُوفِ مِنْ غَیْرِ رُؤْیَةٍ وَ اَلْخَالِقِ مِنْ غَیْرِ مَنْصَبَةٍ خَلَقَ اَلْخَلاَئِقَ بِقُدْرَتِهِ وَ اِسْتَعْبَدَ اَلْأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ وَ سَادَ اَلْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ وَ هُوَ اَلَّذِی أَسْكَنَ اَلدُّنْیَا خَلْقَهُ وَ بَعَثَ إِلَى اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ رُسُلَهُ لِیَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا وَ لِیُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا وَ لِیَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا وَ لِیُبَصِّرُوهُمْ عُیُوبَهَا وَ لِیَهْجُمُوا عَلَیْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وَ أَسْقَامِهَا وَ حَلاَلِهَا وَ حَرَامِهَا وَ مَا أَعَدَّ اَللَّهُ لِلْمُطِیعِینَ مِنْهُمْ وَ اَلْعُصَاةِ مِنْ جَنَّةٍ وَ نَارٍ وَ كَرَامَةٍ وَ هَوَانٍ أَحْمَدُهُ إِلَى نَفْسِهِ كَمَا اِسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِهِ وَ جَعَلَ لِكُلِّ شَیْ‏ءٍ قَدْراً وَ لِكُلِّ قَدْرٍ أَجَلاً وَ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاباً فضل القرآن منها فَالْقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ حُجَّةُ اَللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ أَخَذَ عَلَیْهِ مِیثَاقَهُمْ وَ اِرْتَهَنَ عَلَیْهِمْ أَنْفُسَهُمْ أَتَمَّ نُورَهُ وَ أَكْمَلَ بِهِ دِینَهُ وَ قَبَضَ نَبِیَّهُ ص وَ قَدْ فَرَغَ إِلَى اَلْخَلْقِ مِنْ أَحْكَامِ اَلْهُدَى بِهِ فَعَظِّمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَّمَ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَمْ یُخْفِ عَنْكُمْ شَیْئاً مِنْ دِینِهِ وَ لَمْ یَتْرُكْ شَیْئاً رَضِیَهُ أَوْ كَرِهَهُ إِلاَّ وَ جَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِیاً وَ آیَةً مُحْكَمَةً تَزْجُرُ عَنْهُ أَوْ تَدْعُو إِلَیْهِ فَرِضَاهُ فِیمَا بَقِیَ وَاحِدٌ وَ سَخَطُهُ فِیمَا بَقِیَ وَاحِدٌ وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ یَرْضَى عَنْكُمْ بِشَیْ‏ءٍ سَخِطَهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ لَنْ یَسْخَطَ عَلَیْكُمْ بِشَیْ‏ءٍ رَضِیَهُ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ إِنَّمَا تَسِیرُونَ فِی أَثَرٍ بَیِّنٍ وَ تَتَكَلَّمُونَ بِرَجْعِ قَوْلٍ قَدْ قَالَهُ اَلرِّجَالُ مِنْ قَبْلِكُمْ قَدْ كَفَاكُمْ مَئُونَةَ دُنْیَاكُمْ وَ حَثَّكُمْ عَلَى اَلشُّكْرِ وَ اِفْتَرَضَ مِنْ أَلْسِنَتِكُمُ اَلذِّكْرَ الوصیة بالتقوى وَ أَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَى وَ جَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ وَ حَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ فَاتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِی أَنْتُمْ بِعَیْنِهِ وَ نَوَاصِیكُمْ بِیَدِهِ وَ تَقَلُّبُكُمْ فِی قَبْضَتِهِ إِنْ أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ وَ إِنْ أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ قَدْ وَكَّلَ بِذَلِكَ حَفَظَةً كِرَاماً لاَ یُسْقِطُونَ حَقّاً وَ لاَ یُثْبِتُونَ بَاطِلاً وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ یَتَّقِ اَللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ اَلْفِتَنِ وَ نُوراً مِنَ اَلظُّلَمِ وَ یُخَلِّدْهُ فِیمَا اِشْتَهَتْ نَفْسُهُ وَ یُنْزِلْهُ مَنْزِلَ اَلْكَرَامَةِ عِنْدَهُ فِی دَارٍ اِصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ ظِلُّهَا عَرْشُهُ وَ نُورُهَا بَهْجَتُهُ وَ زُوَّارُهَا مَلاَئِكَتُهُ وَ رُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ فَبَادِرُوا اَلْمَعَادَ وَ سَابِقُوا اَلْآجَالَ فَإِنَّ اَلنَّاسَ یُوشِكُ أَنْ یَنْقَطِعَ بِهِمُ اَلْأَمَلُ وَ یَرْهَقَهُمُ اَلْأَجَلُ وَ یُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ اَلتَّوْبَةِ فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِی مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَیْهِ اَلرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ أَنْتُمْ بَنُو سَبِیلٍ عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَیْسَتْ بِدَارِكُمْ وَ قَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالاِرْتِحَالِ وَ أُمِرْتُمْ فِیهَا بِالزَّادِ وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ لَیْسَ لِهَذَا اَلْجِلْدِ اَلرَّقِیقِ صَبْرٌ عَلَى اَلنَّارِ فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِی مَصَائِبِ اَلدُّنْیَا أَ فَرَأَیْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ اَلشَّوْكَةِ تُصِیبُهُ وَ اَلْعَثْرَةِ تُدْمِیهِ وَ اَلرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ فَكَیْفَ إِذَا كَانَ بَیْنَ طَابَقَیْنِ مِنْ نَارٍ ضَجِیعَ حَجَرٍ وَ قَرِینَ شَیْطَانٍ أَ عَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً إِذَا غَضِبَ عَلَى اَلنَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ وَ إِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَیْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ أَیُّهَا اَلْیَفَنُ اَلْكَبِیرُ اَلَّذِی قَدْ لَهَزَهُ اَلْقَتِیرُ كَیْفَ أَنْتَ إِذَا اِلْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ اَلنَّارِ بِعِظَامِ اَلْأَعْنَاقِ وَ نَشِبَتِ اَلْجَوَامِعُ حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ اَلسَّوَاعِدِ فَاللَّهَ اَللَّهَ مَعْشَرَ اَلْعِبَادِ وَ أَنْتُمْ سَالِمُونَ فِی اَلصِّحَّةِ قَبْلَ اَلسُّقْمِ وَ فِی اَلْفُسْحَةِ قَبْلَ اَلضِّیقِ فَاسْعَوْا فِی فَكَاكِ رِقَابِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا أَسْهِرُوا عُیُونَكُمْ وَ أَضْمِرُوا بُطُونَكُمْ وَ اِسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ وَ أَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ وَ خُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ لاَ تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا فَقَدْ قَالَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ إِنْ تَنْصُرُوا اَللَّهَ یَنْصُرْكُمْ وَ یُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ وَ قَالَ تَعَالَى مَنْ ذَا اَلَّذِی یُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَیُضاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِیمٌ فَلَمْ یَسْتَنْصِرْكُمْ مِنْ ذُلٍّ وَ لَمْ یَسْتَقْرِضْكُمْ مِنْ قُلٍّ اِسْتَنْصَرَكُمْ وَ لَهُ جُنُودُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ هُوَ اَلْعَزِیزُ اَلْحَكِیمُ وَ اِسْتَقْرَضَكُمْ وَ لَهُ خَزَائِنُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ هُوَ اَلْغَنِیُّ اَلْحَمِیدُ وَ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ یَبْلُوَكُمْ أَیُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جِیرَانِ اَللَّهِ فِی دَارِهِ رَافَقَ بِهِمْ رُسُلَهُ وَ أَزَارَهُمْ مَلاَئِكَتَهُ وَ أَكْرَمَ أَسْمَاعَهُمْ أَنْ تَسْمَعَ حَسِیسَ نَارٍ أَبَداً وَ صَانَ أَجْسَادَهُمْ أَنْ تَلْقَى لُغُوباً وَ نَصَباً ذلِكَ فَضْلُ اَللَّهِ یُؤْتِیهِ مَنْ یَشاءُ وَ اَللَّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِیمِ أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَ اَللَّهُ اَلْمُسْتَعانُ عَلَى نَفْسِی وَ أَنْفُسِكُمْ وَ هُوَ حَسْبُنَا وَ نِعْمَ اَلْوَكِیلُ


اللغة

( نصب ) نصبا من باب تعب أعیا و عیش ناصب و ذو منصبة فیه كدّ و جهد و نصبه الهمّ أتعبه و ( هجمت ) علیه هجوما من باب قعد دخلت على غفلة منه ، و هجمت على القوم جعلت یهجم علیهم یتعدّی و لا یتعدّى و ( المصاح ) جمع مصحّة مفعلة من الصحّة كمضار جمع مضرّة ، و الصّوم مصحّة بفتح الصاد و كسرها أى فیه صحّة أو یصحّ به و ( سخط ) سخطا من باب تعب غضب .

و ( رجع قول ) قال الشارح البحرانی أى المردد منه ، و لعلّه وهم لأنّ التردید معنى الترجیح مصدر باب التفعیل و منه ترجیع الصّوت و هو تحریكه ، و ترجیع الأذان و هو تكریر فصوله ، و فی القاموس الرجیع من الكلام المردود إلى صاحبه و الروث و كلّ مردود و لم یذكر فی معانی رجع التردید ، فالظاهر أنه بمعنى النفع من قولهم لیس له منه رجع أى نفع و فائدة قال فی القاموس : الرجع النفع و رجع كلامی فیه أفاد .

و ( یوشك ) أن یكون كذا بكسر الشین من أفعال المقاربة مضارع أو شك یفید الدنوّ من الشی‏ء ، و قال الفارابی الایشاك الاسراع ، و قال النحاة استعمال المضارع أكثر من الماضی و استعمال اسم الفاعل قلیل و قد استعملوا ماضیا ثلاثیا فقالوا و شك مثل قرب و شكا ، و فی القاموس و شك الأمر ككرم سرع كوشك و أوشك أسرع السیر كواشك و یوشك الأمر أن یكون و أن یكون الأمر و لا تفتح شینه أو لغة ردیئة

[ 376 ]

و ( رهقت ) الشی‏ء رهقا من باب تعب قربت منه ، قال أبو زید : طلبت الشی‏ء حتّى رهقته و كدت آخذه أو أخذته ، و قال : رهقته أدركته و رهقه الدّین غشیه و ( الطابق ) وزان هاجر و صاحب و رویا معا الآجر الكبیر ، و ظرف یطبخ فیه معرب تابه و الجمع طوابیق و ( الیفن ) محرّكة الشیخ الكبیر و ( لغب ) لغبا من باب قتل و تعب لغوبا أعیا و تعب .

الاعراب

الباء فی قوله علیه السّلام : بمعتبر ، للمصاحبة أو التعدیة ، و من فی قوله : من تصرّف بیانیة ، و حلالها بالجرّ عطف على تصرّف أو على أسقامها ، و قوله : و ما أعدّ اللّه ، إما عطف على معتبر أو على عیوبها ، و الى فی قوله : أحمده إلى نفسه ، لانتهاء الغایة كما فی نحو الأمر إلیك أى منته إلیك قال ابن هشام : و یقولون أحمد إلیك اللّه ، أى انهى حمده إلیك آه ، و فی قوله كما استحمد إلى خلقه ، لانتهاء الغایة أیضا أو بمعنى من كما فی قول الشاعر :

تقول و قد عالیت بالكور فوقها
أیسقى فلا یروى إلىّ ابن احمرا

أى منّى ، و من فی قوله : فعظموا منه زایدة أى عظموه ، و ما فی قوله : ما عظم مصدریة ،

و حاجته بالنصب عطف على منتهى .

و قوله : من ألسنتكم الذكر ، قال الشارح المعتزلی من متعلّقة بمحذوف دلّ علیه المصدر المتأخر ، تقدیره : و افترض علیكم الذكر من ألسنتكم .

أقول : و كأنّه نظر إلى أنّ المصدر فی تقدیر أن و الفعل ، و ان موصول حرفی لا یتقدّم معموله علیه فلا یجوز تعلّقه بنفس المصدر المذكور إلاّ أنه یتوجّه علیه أنّ الظرف و الجارّ و المجرور یتّسع فیه ما لا یتّسع فی غیره كما صرّح به المحقّقون من علماء الأدبیة ، و مثله قوله تعالى فلمّا بلغ معه السّعى فیصحّ فیهما تعلّقهما بالمصدر المذكور و لا حاجة إلى التقدیر .

و قوله : ضجیع حجر حال من اسم كان ، و على القول بأنّ كان الناقصة و أخواتها

[ 377 ]

لا تعمل فی الحال كما نسب إلى المحقّقین من علماء الأدبیّة فلا بدّ من جعل كان تامة بمعنى وجد ، و على ذلك فیكون قوله : بین طابقین ظرفا لغوا متعلّقا بكان .

و قوله : فاللّه اللّه ، نصب على الأغراء أى اتقوا اللّه ، و هذا الفعل المحذوف هو متعلّق قوله فی الصحة أى اتّقوه سبحانه فی حال الصحّة ، و قوله : قبل السقم إمّا بدل من قوله فی الصحة أو حال مؤكدة من الصحّة ، و قوله : خذوا من أجسادكم ، حرف من نشویة ، و جملة : وافق بهم رسله استیناف بیانیّ فكأنه سئل عن ثمرة الكون مع جیران اللّه فأجاب بأنّ ثمرته مرافقة الرّسل و زیارة الملائكة و غیرهما .

و قوله : و نعم الوكیل ، عطف إمّا على جملة هو حسبنا ، فیكون المخصوص محذوفا ، و إمّا على حسبنا أى هو نعم الوكیل ، فیكون المخصوص هو الضمیر المتقدّم و على التقدیرین و هو من عطف الانشاء على الاخبار و لا بأس به كما صرّح به ابن هشام و غیره .

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشریفة مسوقة للثناء على اللّه سبحانه و وصف الكتاب العزیز و موعظة المخاطبین و وعدهم بالجنّة و وعیدهم من النار و افتتحها بما هو أحقّ بالافتتاح .

فقال ( الحمد للّه ) أى الثناء و الذكر الجمیل حقّ له سبحانه و مختصّ به لاختصاص أوصاف الجمال و نعوت الكمال بذاته و أشار إلى جملة من تلك الصّفات فقال ( المعروف من غیر رؤیة ) أى معروف بالآیات ، موصوف بالعلامات ، مشهود بما أبدعه من عجایب القدرة و شواهد العظمة فی الأرضین و السّماوات ، و لیست معروفیّته كمعروفیّة الأجسام و الجسمانیّات ، و ذوى الكیفیّات و الهیئآت بأن یعرف برؤیة العیون بمشاهدة العیان لكونه تعالى شأنه منزّها عن المقابلة و الجهة و المكان ،

و غیرها من لواحق الامكان ، و انما تعرفه القلوب بحقایق الایمان على ما عرفت ذلك كلّه تفصیلا و تحقیقا فی شرح المختار التاسع و الأربعین و المختار المأة و الثّامن و السّبعین .

[ 378 ]

و ( الخالق من غیر منصبة ) یعنی أنه خالق للمخلوقات بلا آلات و أدوات فلا یلحقه ضعف و تعب و اعیاء و نصب .

و انما ( خلق الخلایق ب ) نفس ( قدرته ) الباهرة و مشیّته القاهرة المضمرة بین الكاف و النون ، فأمره إذا أراد شیئا أن یقول له كن فیكون ( و استعبد الأرباب بعزّته ) أى طلب العبودیّة من السادات و الملوك بقهره و غلبته ( و ساد العظماء بجوده ) إذ كلّ عظیم فهو بمقتضا امكانه داخر عند وجوده مفتقر إلى إفاضته وجوده .

( و هو الّذی أسكن الدّنیا خلقه ) و بثّ فیها من كلّ دابّة ( و بعث إلى الجنّ و الانس رسله ) بمقتضى اللّطف و الحكمة و واتر إلیهم أنبیائه ( لیكشفوا لهم عن غطائها ) و یرفعوا عنها سترها و حجابها و یسفروا عن وجهها نقابها ( و لیحذروهم ) منها و ( من ضرّائها ) و لیرغبوهم فی الآخرة و فی سرّائها ( و لیضربوا لهم أمثالها ) .

لأنّ أكثر الأفهام لما كانت قاصرة عن إدراك ماهیّات الأشیاء إلاّ فی موادّ محسوسة جرت عادة اللّه سبحانه و عادة رسله و أنبیائه فی تبلیغ الأحكام و بیان التكالیف و الكشف عن ماهیّات الأشیاء على ضرب الأمثال تقریبا للأفهام حسبما عرفت توضیح ذلك فی شرح الفصل الثالث من المختار المأة و الاثنین و السبعین .

و لما كان عمدة الغرض من بعث الرّسل و الأنبیاء هو جذب الناس إلى طرف الحقّ ،

و كان حصول ذلك الغرض موقوفا على التنفیر عن الدّنیا و الترغیب إلى الأخرى لا جرم أكثروا لها من الأمثال المنفرة ، فشبّهوها فی وقاحتها و قباحتها بالعجوز الهتماء الشمطآء ، و فی سرعة الفناء و الانقضاء بالظلّ الزائل و الضوء الآفل ، و فی حسن صورتها و قبیح باطنها بالحیّة اللّین مسّها و القاتل سمّها إلى غیر هذه من الأمثال المضروبة لها فی الكتاب العزیز و الأخبار و كلمات الأنبیاء و الأولیاء الأخیار ، و قد مضت جملة من تلك الأمثال فی شرح الفصل الثانی من المختار الثانی و الثمانین .

( و لیبصّروهم عیوبها ) حتّى یشاهدوا معایبها و یروا معاطبها و یعلموا أنّها و إن كانت یونق منظرها إلاّ أنها یوبق مخبرها مع تضمّنها لقرب الزیال و ازف الانتقال و علز القلق و ألم المضض و غصص الجرض .

[ 379 ]

( و لیهجموا علیهم بمعتبر من تصرّف مصاحّها و اسقامها ) أى لیدخلوا علیهم على حین غفلة منهم بما یوجب عبرتهم من تقلّباتها و تصرّفاتها على أهلها بالصحّة و السقم و اللّذة و الألم ، فعن قلیل ترى المرحوم مغبوطا ، و المغبوط مرحوما و ترى أهلها یمسون و یصبحون على أحوال شتّى ، فصحیح مشعوف بها مشغول بزخارفها ، و مریض مبتلا ،

و میّت یبكى ، و آخر یعزّى ، و عائد یعود ، و آخر بنفسه یجود ، فانّ فی ذلك تذكرة و ذكرى و عبرة لاولى النهى إذ على أثر الماضی یمضى الباقی ، و سبیل السلف یسلك الخلف .

و قوله ( و حلالها و حرامها ) قال الشارح المعتزلی یقول علیه السّلام لیدخلوا 1 علیهم بما فی تصاریف الدّنیا من الصحّة و السقم و ما أحلّ و ما حرّم على طریق الابتلاء به .

و قال الشارح البحرانی بعد ما وافق الشارح المعتزلی فی هذا المعنى : و یحتمل أن یكون عطفا على أسقامها باعتبار أنّ الحلال و الحرام من تصاریف الدّنیا ، و بیانه أنّ كثیرا من المحرّمات لنبیّ كانت حلالا من نبیّ قبله و بالعكس ، و ذلك تابع لمصالح الخلق بمقتضى تصاریف أوقاتهم و أحوالهم الّتی هى تصاریف الدّنیا . انتهى أقول : و أنت خبیر بأنّ هذین المعنیین و إن كانا یصحّحان كون الحلال 2 و الحرام مما هجم به الأنبیاء و كونهما 3 من تصاریف الدّنیا إلاّ أنهما على هذین لا یكونان مما یوجب العبرة كما لا یخفى و قد جعلهما بیانا لقوله معتبر فلا بدّ أن یكون المعنى دخولهم على الأمم و تذكیرهم بتصاریف الحلال و الحرام على وجه یوجب الاعتبار مثل أن یذكروهم :

بأنّ الاكتساب من الحلال یوجب فی الدّنیا زیادة المال و بركة له ، و فی الآخرة یصون من غضب الرّب ، و الاقتحام فی الحرام یورث فی الدّنیا تلف المال و ذهابه ، و فی الآخرة یعقّب الحسرة و الندامة و العطب .

-----------
( 1 ) فیكون حلالها على هذا الاحتمال عطفا على تصرّف ( منه ) .

-----------
( 2 ) هذا ناظر الى الاحتمال الأول الّذى وافق علیه الشارحان ( منه ) .

-----------
( 3 ) هذا ناظر الى الاحتمال الثانی الذى تفرّد به الشارح البحرانی ( منه ره ) .

[ 380 ]

و بأنّ الحلال ربما یتبدّل بالحرام بالظلم و الآثام كما قال عزّ من قائل : « فبظلم من الّذین هادوا حرّمنا علیهم طیّبات أحلّت لهم » و بأنّ الحرام قد یتبدّل بالحلال اذا اقتضت الضّرورة كحالة الاضطرار و المخمصة و نحو ذلك مما یوجب الاعتبار بهما و یبعث على القناعة بالحلال و الكفّ عن الحرام .

و أبلغ التذكر و العبرة بتصاریف الحلال و الحرام ما نطق به القرآن قال سبحانه و لقد علمتم الّذین اعتدوا منكم فی السّبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئین فجعلناها نكالا لما بین یدیها و ما خلفها و موعظة للمتّقین ( و ما أعدّ ) اللّه ( سبحانه للمطیعین منهم . ) أى من الجنّ و الانس ( و العصاة من جنّة و نار ) نشر على ترتیب اللّف أى جنّة للمطیعین و نار للعاصین ( و كرامة ) و رضوان للأوّلین و ذلّة ( و هوان ) للآخرین .

( أحمده إلى نفسه ) أى أحمده سبحانه متقرّبا أو متوجّها به إلیه تعالى أو منهیا حمدى إلى نفسه أى یكون حمدی منتهیا إلیه و مخصوصا به عزّ و جلّ ( كما استحمد إلى خلقه ) أى یكون حمدى إیّاه فی الكیفیّة و الكمیّة على الوجه الّذی طلب الحمد موجّها طلبه إلى خلقه أو على الوجه الّذی طلبه منهم و المآل واحد ،

و المراد بیان فضل الحمد و كونه على وجه الكمال و خلوصه عن شوب الشرك و الریا و قوله ( جعل لكلّ شی‏ء قدرا ) كقوله تعالى : قد جعل اللَّه لكلِّ شی‏ء قدراً أى مقدارا معیّنا من الكیفیّة و الكمیّة ینتهى إلیه ، و حدّا محدودا یقف عنده ذلّه ( و لكلّ قدر أجلا ) أى لكلّ شی‏ء مقدّر وقتا مخصوصا یكون فیه انقضاؤه و فناؤه اذا بلغه ( و لكلّ أجل كتابا ) أى رقوما تعرفها الملائكة و تعلم بها انقضاء أجل من ینقضى أجله .

و قال الشارح البحرانی : المراد بالكتاب العلم الالهی المعبّر عنه بالكتاب المبین و اللّوح المحفوظ المحیط بكلّ شی‏ء ، و فیه رقم كلّ شی‏ء ، انتهى ، و الأظهر ما قلناه .

[ 381 ]

قال السیّد ( ره ) ( منها ) أى بعض فصول هذه الخطبة الشریفة ( فى ذكر القرآن ) و بعض أوصافه .

( فالقرآن آمر زاجر ) وصفه بهما من باب التوسع و المجاز لأنّ الآمر و الناهی هو اللّه سبحانه إلاّ أنّ القرآن لما كان متضمّنا لأمره و نهیه اطلق علیه لفظ الآمر و الناهی من باب اطلاق اسم السبب على المسبّب كما قاله الشارح البحرانی ، أو من باب سیف قاتل ، و إنما القاتل الضارب كما قاله الشارح المعتزلی یعنی تسمیة الآلة باسم ذى الآلة .

أقول : لمّا كان القرآن مظهرا لآمریّته و زاجریّته سبحانه یكفى هذا المقدار من العلاقة و الارتباط فی صحّة التجوّز ، و لا حاجة الى تمحّل إدخالها فی إحدى العلائق المعروفة ، و قد عرفت تحقیق ذلك فی دیباجة الشرح .

( و صامت ناطق ) وصفه بالصّمت لأنّه كلام مؤلّف من حروف و أصوات صامتة لأنّ العرض یستحیل أن یكون ناطقا ، لأنّ النطق إنما یحصل بالأداة و اللّهوات و الكلام و الحروف یستحیل أن یكون ذا أداة تنطق بالكلام .

و یحتمل أن یكون وصفه به من باب المجاز إن قلنا إنّ الصّمت عبارة عن عدم النطق عمّن من شأنه أن یكون ناطقا بأن یكون النسبة بینهما مقابلة العدم و الملكة ، و على هذا فیكون وصفه به من باب الاستعارة تشبیها له بالحیوان الغیر الناطق .

و أما وصفه بالنطق فهو من باب الاستعارة التبعیّة أو المكنیّة مثل قولهم نطقت المال بكذا و الحال ناطقة بكذا ، و قد عرفت شرحه فی دیباجة الشرح فی المسألة السابعة من مسائل المجاز ، و فی التقسیم الثانى من تقسیمات الاستعارة فلیراجع ثمّة .

( حجّة اللّه على خلقه ) لأنّ اللّه سبحانه یحتجّ على العباد بما أتاهم و عرّفهم به و بالقرآن عرف الأحكام و أبان مسائل الحلال و الحرام و أزال العذر به عن نفسه فی عقاب العاصین أن یقولوا یوم القیامة إنّا كنّا عن هذا غافلین .

و أیضا فهو معجزة للنبوّة و حجّة فی صدقها « كذا » النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و قد بعث رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم

[ 382 ]

لیهلك من هلك عن بیّنة و یحیى من حىّ عن بیّنة ، و لئلاّ یكون للناس على اللّه حجّة بعد الرّسل .

( أخذ علیهم میثاقه ) أى أخذ المیثاق و العهد من المكلّفین على العمل به و بأحكامه ، و المراد به ما ورد فی بعض الآیات و صدر عن لسان النبوّة من الحثّ و الترغیب علیه و الأمر باجلاله و إعظامه و القیام بمعالمه و أحكامه .

قال الشارح المعتزلی : و من الناس من یقول : المراد بذلك قصّة الذرّیة قبل خلق آدم علیه السّلام كما ورد فی الأخبار و فسّر قوم علیه الآیة انتهى ، و الأولى ما قلناه .

( و ارتهن علیه أنفسهم ) لما كان ذمم المكلّفین مشغولة بما تضمّنه القرآن من التكالیف و الأحكام و كان اللاّزم علیهم الخروج عن عهدة التكلیف و تحصیل براءة الذّمة شبّههم بالعین المرهونة لدین المرتهن ، فانّ فكّ رهانتها موقوف على أداء حقّ صاحب الدّین فكذا فكّ رهانة هؤلاء موقوف على عملهم بالتكالیف الشرعیّة و الأوامر المطلوبة .

و هو نظیر قول النبیّ صلّى اللّه علیه و آله فی الخطبة الّتی خطب بها فی فضیلة شهر رمضان أیّها الناس إنّ أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكّوها باستغفاركم ، و ظهوركم ثقیلة من ذنوبكم فخففوا عنها بطول سجودكم .

( أتمّ نوره ) أى جعل نوره تامّا كاملا .

أمّا كونه نورا فلأنه نور عقلىّ ینكشف به أحوال المبدء و المعاد یهتدى به فی ظلمات برّ الأجسام و بحر النفوس قال اللّه عزّ و جلّ قد جاءكم من اللَّه نور و كتاب مبین یهدى به اللَّه من اتّبع رضوانه سبل السّلام و یخرجهم من الظلمات إلى النّور و أمّا تمامیّته فلكونه أكمل أسباب الهدایة أما فی بدو الاسلام فلكونه أقوى المعجزات الموجبة لخروج النّاس من ظلمة الكفر إلى نور الاسلام ، و أمّا بعده فلبقائه بین الأمة إلى یوم القیامة و اهتدائهم به إلى معالم الدّین و مناهج الشرع المبین یوما فیوما .

[ 383 ]

( و ) بذلك الاعتبار أیضا ( أكرم به دینه ) أى جعله مكرما معزّزا به ( و قبض نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و قد فرغ إلى الخلق من أحكام الهدى به ) یجوز أن یكون الأحكام بكسر الهمزة أى فرغ من جعل الهدایة بالقرآن محكمة أى متقنة مثبتة فی قلوب المؤمنین لكنّ المضبوط فیما رأیته من النسخ بفتحها ، فیكون المراد فراغته صلّى اللّه علیه و آله من أحكام الهدایة أى من التكالیف الّتی یتوقّف الهدایة به علیها ، مثل قرائته و تعلیمه و تفسیر معانیه و توضیح مبانیه ، و الالزام على العمل باحكامه و نحو ذلك مما یحصل به الاهتداء .

و كیف كان فالمراد أنّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله لم یمض من الدّنیا إلاّ بعد هدایة الناس بالقرآن إلى معالم الاسلام .

روى فی الكافی عن عبد العزیز بن مسلم عن الرّضا علیه السّلام أنّه قال : إنّ اللّه لم یقبض نبیّه صلّى اللّه علیه و آله حتّى أكمل له الدّین و أنزل علیه القرآن فیه تبیان كلّ شی‏ء بیّن فیه الحلال و الحرام و الحدود و الأحكام و جمیع ما یحتاج إلیه الناس كملا فقال عزّ و جلّ : ما فرّطنا فی الكتاب من شی‏ء و أنزل فی حجّة الوداع و هى آخر عمره صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : « الیوم أكملت لكم دینكم و أتممت علیكم نعمتی و رضیت لكم الاسلام دیناً » و أمر الامامة من تمام الدّین و لم یمض حتّى بیّن لأمّته معالم دینهم و أوضح لهم سبیلهم و تركهم على قصد سبیل الحقّ و أقام لهم علیّا علیه السّلام إماما و ما ترك شیئا یحتاج إلیه الأمة إلاّ بیّنه ، فمن زعم أنّ اللّه لم یكمل دینه فقد ردّ كتاب اللّه ، و من ردّ كتاب اللّه فهو كافر .

و قد مرّ تمام تلك الروایة فی شرح الفصل الخامس من المختار الثالث .

( فعظّموا منه سبحانه ما عظم من نفسه ) أى عظّموه عزّ و جلّ مثل تعظیمه لنفسه ، و المراد به وصفه بصفات الجلال و الاعظام و أوصاف الكمال و الاكرام الّتی نطق بها الكتاب ، و أفصحت عنها السنّة النبویّة .

و علّل علیه السّلام وجوب تعظیمه بقوله : ( فانّه لم یخف عنكم شیئا من دینه ) و علّة ذلك باعتبار أنّ الشرعیات مصالح المكلّفین و إذا فعل الحكیم سبحانه بهم ما فیه

[ 384 ]

صلاحهم فقد أحسن إلیهم ، و من جملة الشّرعیّات ما هو مقرّب إلى الثواب مبعّد من العقاب ، و هذا أبلغ ما یكون من الاحسان و المحسن یجب تعظیمه و شكره بقدر الامكان لا سیّما إذا كان إحسانه بالنعم العظام و العطایا الجسام .

( و ) أكّد عدم إخفائه شیئا من دینه بأنه ( لم یترك شیئا رضیه ) و أدّى إلى ثوابه ( أو كرهه ) و قرب من عقابه ( إلاّ ) و عرّفه و بیّنه ( و جعل له علما بادیا ) أى علامة ظاهرة ( و آیة محكمة ) واضحة ( تزجر ) و تنهى ( عنه ) لكونه مكروها ( أو ) تامر و ( تدعو إلیه ) لكونه مرضیّا .

و لما ذكر أنّ اللّه سبحانه قبض نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بعد ما فرغ من بیان الأحكام و أنّه لم یخف شیئا من مراسم الدّین و معالم الاسلام فرّع علیه قوله : ( فرضاه فیما بقى واحد و سخطه فیما بقى واحد ) یعنی أنّ مرضیّه فیما بقى واحد و سخطه فیما بقى من الأحكام بین الامة بعد مضىّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله واحد ، و كذلك مسخوطه فیها واحد .

و هذا هو مذهب أهل الصواب من المخطئة القائلین بأنّ للّه سبحانه فی كلّ واقعة حكما معیّنا واحدا و أنّ المصیب إلیه من المجتهدین واحد و غیره خاطى‏ء .

خلافا لأهل الخطاء من المصوّبة القائلین بتعدّد الأحكام و كثرتها و اختلافها على اختلاف آراء المجتهدین ، و قد عرفت تفصیل الكلام فی تحقیق التخطئة و التصویب فی شرح المختار الثامن عشر المسوق فی ذمّ اختلاف العلماء فی الفتوى ، و هناك فواید نفیسة نافعة لتوضیح المقام .

و لما ذكر أنّ حكم اللّه سبحانه واحد بالنسبة إلى الأشخاص نبّه على اتّحاده بالنسبة إلى الأزمان فقال ( و اعلموا أنّه لن یرض عنكم بشی‏ء سخطه على من كان قبلكم ،

و لن یسخط علیكم بشی‏ء رضیه ممّن كان قبلكم ) یعنی أنّ ما كان محرّما على السالفین الحاضرین فی زمان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فهو محرّم على الغابرین العامین « الغائبین ظ » ، و ما كان واجبا على الأوّلین فواجب على الآخرین ، لأنّ شرع محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مستمرّ إلى یوم القیامة و حكمه على الواحد حكم على الجماعة ، فلا یجوز تغییر الأحكام الثابتة بالكتاب

[ 385 ]

و السنّة بالآراء و المقائیس و استحسانات العقلیّة .

و هذا الكلام نظیر ما تقدّم منه علیه السّلام فی الفصل الثّانی من المختار المأة و الخامس و السّبعین من قوله : و اعلموا عباد اللّه أنّ المؤمن یستحلّ العام ما استحلّ عاما أوّل و یحرّم العام ما حرّم عاما أوّل و إنّ ما أحدث النّاس لا یحلّ لكم شیئا مما حرّم علیكم و لكنّ الحلال ما أحلّ اللّه و الحرام ما حرّم اللّه ، و قد مضى منا فی شرح هذا الكلام ما یوجب زیادة البصیرة فی المقام هذا .

و قد اضطرب أنظار الشارح البحرانی و المعتزلی فی شرح هذه الفقرة و الفقرة السابقة علیه و قصرت یدهما عن تناول المراد كما یظهر ذلك لمن راجع إلى شرحیهما ثمّ إنّه بیّن اشتراك المخاطبین مع السابقین الأوّلین فی التكالیف و الأحكام و أنّه تعالى لا یرضى منهم إلاّ بما كان رضیه عنهم و لا یسخط علیهم إلاّ بما سخط به عن الأولین أكّد ذلك بقوله ( و انما تسیرون فی اثر بیّن و تتكلّمون برجع قول قد قاله الرجال من قبلكم ) و هو جملة خبریّة فی معنى الانشاء .

یعنی اذا كان تكلیفكم متّحدا مع السابقین فلا بدّ لكم أن تسلكوا منهجهم و تحذوا حذوهم و تسیروا فی آثارهم البیّنة الرّشد و تعملوا بما علموه من الأحكام الواضحة من الكتاب و السنّة ، و أن تتكلّموا بقول نافع قد قالوه قبلكم و تنطقوا بكلام یعود منفعته و فایدته إلیكم و إلى غیركم .

و هو كلّ كلام یفضى إلى الحقّ و یهدى إلى الصراط المستقیم و النهج القویم ،

و تخصیصه بكلمة التوحید أى لا إله إلاّ اللّه كما ذهب الیه الشارح المعتزلی لا دلیل علیه مع اقتضاء الأصل عدمه فمحصّل المراد بالجملتین أمر المخاطبین بموافقة السلف الصالحین فعلا و قولا .

( قد كفاكم مؤنة دنیاكم ) قال الشارح البحرانی : و تلك الكفایة إمّا بخلقها و ایجادها ، و إمّا برزقه بكلّ ما كتب فی اللّوح المحفوظ .

أقول : الظاهر هو الثّانی و هو نظیر قوله علیه السّلام المتقدّم فی الفصل الأوّل من المختار التسعین : عیاله الخلق ضمن أرزاقهم و قدّر أقواتهم ، و قد تقدّم فی شرحه

[ 386 ]

فواید نافعة ههنا .

و أقول مضافا إلى ما سبق قال الامام سیّد العابدین و زین الساجدین علیه السّلام فی دعائه التاسع و العشرین من الصحیفة الكاملة :

و اجعل ما صرحت به من عدتك فی وحیك و اتبعته من قسمك فی كتابك قاطعا لاهتمامنا بالرزق الذی تكفّلت به ، و حسما للاشتغال بما ضمنت الكفایة له ، فقلت و قولك الحقّ الأصدق و أقسمت و قسمك الأبرّ الأوفی « و فى السّماء رزقكم و ما توعدون » ثمّ قلت : « فو ربّ السّماء و الأرض إنّه لحقّ مثل ما أنّكم تنطقون » .

قوله : « و فی السّماء رزقكم » أى أسباب رزقكم بأن یرسل سبحانه الرّیاح فتثیر السحاب فیبسطه فی السّماء فینزل الغیث و المطر فیخرج به من الأرض أنواع الأقوات و الملابس و المعایش .

و قیل : و فی السّماء تقدیر رزقكم أى ما قسمته لكم مكتوب فی أمّ الكتاب الّذی هو فی السّماء .

و فی حدیث أهل البیت علیهم السّلام : أرزاق الخلایق فی السّماء الرّابعة تنزل بقدر و تبسط بقدر .

و قال الصّادق علیه السّلام الرّزق المطر ینزل من السّماء فیخرج به أقوات العالم و قوله : « و ما توعدون » قال الصّادق علیه السّلام هو أخبار القیامة و الرّجعة و الأخبار الّتی فی السّماء ، و قیل : هو الجنّة فوق السّماء السابعة و تحت العرش ، ثمّ أقسم سبحانه بأنّ ما ذكره من أمر الرزق الموعود لحقّ مثل ما أنكم تنطقون ، قال الزمخشری و هذا كقول النّاس إنّ هذا لحقّ كما أنك ترى و تسمع و مثل ما أنك ههنا ، قیل إنّه لمّا نزلت هذه الآیة قالت الملائكة هلك بنو آدم اغضبوا الرّب حتّى أقسم لهم على أرزاقهم و نقل فی الكشاف عن الاصمعی قال أقبلت من جامع البصرة و طلع أعرابیّ على قعود فقال : من الرّجل ؟ قلت : من بنی اصمع ، قال : من أین اقبلت ؟ قلت :

من موضع یتلى فیه كلام الرّحمان ، قال : اتل علىّ ، فتلوت : و الذاریات ، فلمّا بلغت

[ 387 ]

قوله « و فی السّماء رزقكم و ما توعدون » قال : حسبك ، فقام إلى ناقته فنحرها و وضعها على من أقبل و أدبر ، و عمد إلى سیفه و قوسه فكسرهما و ولّی .

فلمّا حججت مع الرّشید طفقت أطوف فاذا أنا بمن یهتف بی بصوت دقیق ،

فاذا أنا بالأعرابی قد نحل و اصفرّ فسلّم علىّ و استقرء السّورة فلمّا بلغت الآیة صاح و قال : « قد وجدنا ما وعد ربّنا حقّا » ، ثمّ قال : و هل غیر ذلك ؟ فقرأت « فو ربّ السّماء و الأرض انّه لحقّ مثل ما أنكم تنطقون » فصاح و قال : یا سبحان اللّه من ذا الّذی أغضب الجلیل حتّى حلف لم یصدّقوه بقوله حتّى ألجأوه إلى الیمین ، قالها ثلاثا و خرجت معها نفسه .

( و حثكم على الشكر ) لطفا بكم و رأفة لكم و رحمة علیكم ، لأنّ شكره سبحانه موجب لزیادة نعمته كما أنّ كفرانها موجب لنقصانها قال عزّ من قائل : « لئن شكرتم لأزیدنّكم و لئن كفرتم إنّ عذابی لشدید » .

( و افترض من ألسنتكم الذكر ) أى أوجب علیكم أن تذكروه سبحانه بألسنتكم كما قال « فاذكرونی أذكركم و اشكروا لی و لا تكفرون » و قال « و اذكر ربّك فی نفسك تضرّعا و خیفة و دون الجهر من القول بالغدوّ و الآصال » و قد مضى تفصیل الكلام فی ذكره تعالى و الأدلّة الواردة فی فضله و الحثّ و الترغیب علیه فی التنبیه الثانی من شرح الفصل السادس من فصول المختار الثانی و الثمانین .

( و أوصاكم بالتقوى ) فی قوله « و لقد وصّینا الّذین أُوتوا الكتاب من قبلكم و ایاكم أن اتّقوا اللّه » و غیرها من الآیات الّتی تقدّمت فی شرح المختار الرّابع و العشرین .

( و جعلها منتهى رضاه ) فانّها لما كانت موصلة إلى اللّه سبحانه مؤدّیة إلى رضوانه موجبة لمحبّته و رضاه صحّ بهذا الاعتبار جعلها منتهى رضاه من خلقه كما قال عزّ و جلّ « إنّ اللّه یحبّ المتّقین » و قال « للّذین اتّقوا عند ربّهم جنّات تجرى من تحتها الأنهار خالدین فیها و أزواج مطهّرة و رضوان من اللّه و اللّه بصیر بالعباد » .

( و ) جعلها ( حاجته من خلقه ) استعار لفظ الحاجة لتأكّد الطلب أى طلبه

[ 388 ]

المؤكّد فانّه سبحانه لما بالغ فی الحثّ و الحضّ علیها و تكرّر منه تعالى طلبها و الأمر بها فی غیر واحدة من الآیات شبّهها بالحاجة الّتی یفتقر إلیها المحتاج و یبالغ فی تحصیلها و الوصول إلیها و الجامع المطلوبیّة المتأكّدة .

و لمّا نبّه على كونها سببا للوصول إلى رضوانه و غایة المطلوب من خلقه عقّبه بالأمر بها فقال ( فاتقوا اللّه الّذی أنتم بعینه ) أى بعلمه فاطلق العین و أرید العلم مجازا من باب تسمیة المسبّب باسم السبّب ، أو اللاّزم باسم الملزوم إذ رؤیة الشی‏ء سبب للعلم به و مستلزم له .

و فی الاتیان بالموصول تأكید الغرض المسوق له الكلام ، فانه لما أمر بالتقوى و كانت التقوى حسبما قاله الصادق علیه السّلام عبارة عن أن لا یفقدك اللّه حیث أمرك و لا یراك حیث نهاك ، أتى بالجملة الموصولة الوصفیّة تنبیها على أنّ اللّه عالم بكم خبیر بأحوالكم بصیر بأعمالكم سمیع لأقوالكم ، و من كان هذا شأنه فلا بدّ أن یتّقى منه حقّ تقاته إذ لا یعزب عنه شی‏ء من المعاصی و لا یخفى علیه شی‏ء من الخطایا كما یخفى على سایر الموالی بالنسبة من عبیدهم .

و أكّده اخرى بقوله ( و نواصیكم بیده ) یعنی أنه قاهر لكم قادر علیكم متمكّن من التصرّف فیكم كیف شاء و أىّ نحو أراد لا رادّ لحكمه و لا دافع لسخطه و نواصیكم بید قدرته ، لا یفوته من طلب و لا ینجو منه من هرب .

و أكّده ثالثة بقوله ( و تقلّبكم فی قبضته ) أى تصرّفكم فی حركاتكم و سكناتكم تحت ملكه و قدرته و اختیاره .

و قوله ( إن أسررتم علمه و إن أعلنتم كتبه ) هو أیضا فی معنى التأكید و أن غیر الاسلوب على اقتضاء التفنّن ، یعنی أنّه عالم بالسرائر خبیر بالضمائر سواء علیه ما ظهر منكم و ما بطن لا یحجب عنه شی‏ء ممّا یسرّ و ما یعلن كما قال عزّ من قائل :

« سواء منكم من أسرّ القول و من جهر به و من هو مستخف باللّیل و سارب بالنهار » هذا و یدلّ قوله : إن أعلنتم كتبه بمفهومه على أنّه لا یكتب ما لا یعلن و إن كان یعلمه ، فیفید عدم المؤاخذة على نیّة المعصیة بمجرّدها ، و قد مضى تحقیق الكلام

[ 389 ]

فیه فی شرح الفصل الخامس من المختار الثالث فلیتذكّر .

و بذلك ظهر ما فی قول الشّارح المعتزلی حیث قال : إنّ قوله علیه السّلام إن أسررتم آه لیس یدلّ على أنّ الكتابة غیر العلم ، بل هما شی‏ء واحد و لكنّ اللّفظ مختلف انتهى فتدبّر .

و عقّب قوله : كتبه بقوله ( قد وكل بكم حفظة كراما ) من باب الاحتراس فانه لما كان بظاهره متوهّما لكونه تعالى شأنه بنفسه كاتبا أتا بهذه الجملة دفعا لذلك التوهّم ، و تنبیها على أنّ الموكّل بذلك الملائكة الحافظون لأعمال العباد .

قال تعالى « و انّ علیكم لحافظین كراماً كاتبین » و هم طائفتان ملائكة الیمین للحسنات و ملائكة الشمال للسیئات قال عزّ و جلّ « إذ یتلقّى المتلقّیان عن الیمین و عن الشمال قعید ما یلفظ من قول إلاّ لدیه رقیب عتید » هذا .

و فی وصف الحفظة بالكرام 1 و تعظیمهم بالثناء تفخیم لما وكّلوا به و أنه عند اللّه تعالى من جلائل الامور حیث یستعمل فیه هؤلاء الكرام ، و فیه من التهویل من المعاصی ما لا یخفى .

و لهذه النكتة أیضا وصفهم ثانیا بقوله ( لا یسفطون حقّا و لا یثبتون باطلا ) أى لا یسقط من قلمهم ما هو ثابت له أو علیه ، و لا یكتبون ما لا أصل له ، و من المعلوم أنّ المكلّف إذا التفت إلى ذلك و تنبّه على شدّة محافظة الحفظة علیه و على أنّهم لا یتركون شیئا مما هو له أو علیه كان ذلك أقوى داعیا له على الازعاج عن المعاصی و الاقلاع عن السیئات .

قال الصّادق علیه السّلام : استعبدهم اللّه أى الكرام الكاتبین بذلك ، و جعلهم شهودا على خلقه لیكون العباد لملازمتهم إیّاهم أشدّ على طاعة اللّه مواظبة و عن معصیته

-----------
( 1 ) و المستفاد من روایة علل الشرایع عن الصادق ( ع ) أنّ الملائكة الحفظة غیر الكرام البررة قال ( ع ) فى حدیث المعراج انما سمّیت سدرة المنتهى لأنّ أعمال أهل الأرض تصعد بها الملائكة الحفظة الى محلّ السدرة و الحفظة الكرام البررة دون السدرة یكتبون ما یرفع إلیهم من أعمال العباد

[ 390 ]

أشدّ انقباضا ، و كم من عبد همّ بمعصیته فذكر مكانهم فارعوى ، و كیف فیقول ربّی یرانی و حفظتی علىّ بذلك تشهد ، هذا .

و لما امر بالتقوى و أردفه بذكر ما یحذر من تركها عقّبه بذكر ما یرغب فی الملازمة علیها فقال ( و اعلموا أنّ من یتّق اللّه یجعل له مخرجا من الفتن ) الموجبة للضلالة ( و نورا من الظلم ) أى من ظلمات الجهالة ، و هو اقتباس من الآیة الشریفة فی سورة الطلاق قال سبحانه : « و من یتّق اللَّه یجعل له مخرجاً و یرزقه من حیث لا یحتسب » .

روى فی الصّافی عن القمّی عن الصّادق علیه السّلام قال : فی دنیاه ، و من المجمع عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قرأها فقال : مخرجا من شبهات الدّنیا و من غمرات الموت و شداید یوم القیامة و عنه علیه السّلام إنّی لأعلم آیة لو أخذ بها النّاس كفتهم « و من یتّق اللّه » الآیة ، فما زال یقولها و یعیدها .

( و یخلده فیما اشتهت نفسه ) و هو أیضا اقتباس من الآیة فی سورة الأنبیاء قال تعالى « و هم فیما اشتهت أنفسهم خالدون لا یحزنهم الفزع الأكبر و تتلّقیهم الملائكة هذا یومكم الّذی كنتم توعدون » .

( و ینزله منزل الكرامة عنده ) أى فی منزل أهله معزّزون مكرّمون عنده سبحانه ( فی دار اصطنعها لنفسه ) أى اتّخذها صنعه و خالصته و اختصّها بكرامته كما قال سبحانه لموسى بن عمران : « و اصطنعتك لنفسی » قیل : هو تمثیل لما أعطاه اللّه من التقریب و التكریم .

قال الشارح البحرانی : و الدّار الّتی اصطنعها لنفسه كنایة عن الجنّة و نسبها إلى نفسه تعظیما لها و ترغیبا فیها ، و ظاهر حسن تلك النسبة فانّ الجنّة المحسوسة أشرف دار رتّبت لأشرف المخلوقات ، و أما المعقولة فیعود إلى درجات الوصول و الاستغراق فی المعارف الالهیّة الّتی بها السعادة و البهجة و اللّذة التامّة ، و هی جامع الاعتبار العقلی لمنازل أولیاء اللّه و خاصّته و مقامات ملائكته و رسله ، و من المتعارف أنّ الملك العظیم اذا صرف عنایته الى بناء دار یسكنها هو و خاصّته أن یقال انّه تختصّ

[ 391 ]

بالملك و انّه بناها .

و قوله : ( ظلّها عرشه ) یدلّ على أنّ الجنّة فوق السّماوات و تحت العرش و الیه ذهب الاكثر .

قال الرّازی فی تفسیر قوله عزّ و جلّ : و سارعوا إلى مغفرة من ربّكم و جنّة عرضها السّموات و الأرض : و ههنا سؤالات « إلى أن قال » السؤال الثّالث أنتم تقولون إنّ الجنّة فی السّماء فكیف یكون عرضها كعرض السّماء .

و الجواب أنّ المراد من قولنا أنها فی السّماء أنّها فوق السّماوات و تحت العرش قال فی صفة الفردوس : سقفها عرش الرحمن ، و قال : و سئل أنس بن مالك عن الجنّة فی الأرض أم فی السّماء ؟ قال : فأىّ أرض و سماء تسع الجنّة ، قیل :

فأین هی ؟ قال فوق السماوات السبع و تحت العرش .

و قال العلاّمة المجلسی ( ره ) فی البحار بعد ذكر الآیات و الأخبار فی وصف الجنّة و نعیمها :

اعلم أنّ الایمان بالجنّة و النار على ما وردتا فی الآیات و الأخبار من غیر تأویل من ضروریات الدّین و منكرهما أو مأوّلهما بما اوّلت به الفلاسفة خارج من الدّین .

و أما كونهما مخلوقتان الآن فقد ذهب إلیه جمهور المسلمین إلاّ شرذمة من المعتزلة ،

فانهم یقولون : سیخلقان یوم القیامة ، و الآیات و الأخبار المتواترة دافعة لقولهم مزیفة لمذهبهم و الظاهر أنه لم یذهب إلى هذا القول السخیف أحد من الامامیّة إلاّ ما ینسب إلى السید الرّضیّ رضی اللّه عنه و أما مكانهما فقد عرفت أنّ الأخبار تدلّ على أنّ الجنّة فوت السماوات السبع و النار فی الأرض السابعة ، و نقل عن شارح المقاصد أنه قال : لم یرد نقل صریح فی تعیین مكان الجنّة و النار ، و الأكثرون على أنّ الجنّة فوق السماوات السبع و تحت العرش تشبّثا بقوله تعالى عند سدرة المنتهى عندها جنّة المأوى و قوله علیه السّلام :

سقف الجنّة عرش الرّحمن ، و النار تحت الأرضین السبع ، و الحقّ تفویض ذلك إلى علم

[ 392 ]

العلیم الخبیر انتهى .

و ذهب بعضهم إلى أنّها فی السّماء الرابعة نسبه الطبرسیّ فی مجمع البیان إلى صحیح الخبر ، و اللّه أعلم .

( و نورها بهجته ) قال الطریحی و البهجة الحسن و منه رجل ذو بهجة ، و البهجة السّرور و منه الدّعاء : و بهجة لا تشبه بهجات الدّنیا ، أى مسرّة لا تشبه مسرّات الدّنیا ، و فیه :

سبحان ذی البهجة و الجمال ، یعنی الجلیل تعالى انتهى .

أقول : فعلى المعنى الأوّل فالمراد أنّ نور الجنّة أى منوّرها جماله سبحانه عظمه الّتی تضمحلّ الأنوار دونها ، فأهل الجنّة مستغرقة فی شهود جماله ، و نفوسهم مشرقة باشراق أنوار كماله كما قال عزّ من قائل « اللّه نور السّموات و الأرض » أى منوّرهما ، فانّ كلّ شی‏ء استنار منهما و استضاء فبقدرته و جوده و افضاله .

روى فی البحار من تفسیر علىّ بن إبراهیم القمّی عن أبیه عن ابن أبی نجران عن عاصم بن حمید عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : إنّ للّه كرامة فی عباده المؤمنین فی كلّ یوم جمعة فاذا كان یوم الجمعة بعث اللّه إلى المؤمن ملكا معه حلّة فینتهى إلى باب الجنّة فیقول : استاذنوا لى على فلان ، فیقال هذا رسول ربّك على الباب فیقول لأزواجه أىّ شی‏ء ترین على أحسن ، فیقلن یا سیّدنا و الّذی أباحك الجنّة ما رأینا علیك شیئا أحسن من هذا بعث إلیك ربّك فیتّزر بواحدة و یتعطّف بالأخرى فلا یمرّ بشی‏ء إلاّ أضاء له حتى ینتهى إلى الموعد فاذا اجتمعوا تجلّى لهم الرّب تبارك و تعالى فاذا نظروا إلیه خرّوا سجّدا ، فیقول عبادی ارفعوا رؤوسكم لیس هذا یوم سجود و لا یوم عبادة قد رفعت عنكم المؤنة ، فیقولون : یا ربّ و أیّ شی‏ء أفضل مما أعطیتنا ، أعطیتنا الجنّة ، فیقول لكم مثل ما فی أیدیكم سبعین ضعفا ، فیرجع المؤمن فی كلّ جمعة سبعین ضعفا مثل ما فی یدیه و هو قوله « و لدینا مزید » و هو یوم الجمعة إنّ لیلها لیلة غرّاء و یومها یوم أزهر فأكثروا فیها من التسبیح و التكبیر و التهلیل و الثناء على اللّه و الصّلاة على محمّد و آله .

[ 393 ]





نظرات() 


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox