تبلیغات
پیام هادی - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-06:27 ب.ظ


حوله دوران الرحا المسرعة و یبسط الأسدان أیدیهما و یضربان الأرض بأذنابهما و ینشر النسران و الطاووسان أجنحتهما فیفزع منه الشهود و یدخلهم من ذلك رعب و لا یشهدون إلاّ بالحقّ .

و فى البحار من كتاب تنبیه الخاطر روى أنّ سلیمان بن داود علیه السّلام مرّ فی موكبه و الطیر تظلّه و الجنّ و الانس عن یمینه و عن شماله بعابد من عبّاد بنی إسرائیل فقال : و اللّه یا ابن داود لقد أتاك اللّه ملكا عظیما ، فسمعه سلیمان فقال : للتسبیحة فی صحیفة مؤمن خیر مما اعطى ابن داود و إنّ ما أعطى ابن داود تذهب و أنّ التسبیحة تبقى .

و كان سلیمان إذا أصبح تصفح وجوه الأغنیاء و الأشراف حتّى یجی‏ء إلى المساكین و یقعد معهم و یقول مسكین مع المساكین .

و من ارشاد القلوب كان سلیمان مع ما هو فیه من الملك یلبس الشعر و اذا جنّه اللّیل شدّ یدیه إلى عنقه فلا یزال قائما حتّى یصبح باكیا و كان قوته من سفایف الخوص یعملها بیده و إنما سأل الملك لیقهر ملوك الكفر .

الثانى فى بیان مداین الرس و قصة اصحابها

قال تعالى فی سورة الفرقان « و عاداً و ثمود و أصحاب الرّس » و فی سورة ق « كذّبت قبلهم قوم نوح و أصحاب الرّس » 1 قال الطبرسیّ : أی و أهلكنا عادا و ثمود و أصحاب الرّس ، و هو بئر رسّوا فیها نبیّهم أى ألقوه فیها عن عكرمة و قیل انهم كانوا أصحاب مواش و لهم بئر یقعدون علیها و كانوا یعبدون الأصنام فبعث اللّه إلیهم شعیبا علیه السّلام فكذّبوه فانهار البئر و انخسف بهم الأرض فهلكوا عن وهب .

-----------
( 1 ) الرّس البئر التى لم تطو بالحجارة و لا غیرها ( مجمع البیان ) .

[ 340 ]

و قیل الرّس قریة بالیمامة یقال لها فلج قتلوا نبیّهم فأهلكهم اللّه عن قتادة .

و قیل كان لهم نبیّ یسمّى حنظلة فقتلوه فاهلكوا عن سعید بن جبیر و الكلبی .

و قیل هم أصحاب رسّ و الرّس بئر بانطاكیة قتلوا فیها حبیبا النجار فنسبوا إلیها عن كعب و مقاتل .

و قیل أصحاب الرّس كان نساؤهم سحّاقات عن أبی عبد اللّه علیه السّلام .

و فی البحار من تفسیر علیّ بن ابراهیم أصحاب الرسّ هم الّذین هلكوا لأنّهم استغنوا الرّجال بالرّجال و النّساء بالنّساء .

و من معانی الأخبار معنى أصحاب الرّس أنّهم نسبوا إلى نهر یقال له :

الرّس من بلاد المشرق .

و قد قیل : إنّ الرّس هو البئر و إنّ أصحابه رسّوا نبیّهم بعد سلیمان بن داود علیه السّلام و كانوا قوما یعبدون شجرة صنوبرة یقال لها شاه درخت كان غرسها یافث ابن نوح فانبتت لنوح علیه السّلام بعد الطوفان و كان نساؤهم یشتغلن بالنساء عن الرّجال فعذّبهم اللّه عزّ و جلّ بریح عاصف شدید الحمرة و جعل الأرض من تحتهم حجر كبریت یتوقد و أظلّتهم سحابة سوداء مظلمة فانكفت علیهم كالقبّة جمرة تلتهب فذابت أبدانهم كما یذوب الرّصاص فی النار .

و من العرایس للثعلبی قال : قال اللّه عزّ و جلّ « و عاداً و ثمود و أصحاب الرّس » و قال « كذّبت قبلهم قوم نوح و أصحاب الرّس » اختلف أهل التفسیر و أصحاب الأقاصیص فیهم .

فقال سعید بن جبیر و الكلبی و الخلیل بن أحمد دخل كلام بعضهم فی بعض و كلّ أخبر بطائفة من حدیث : أصحاب الرّسّ بقیّة ثمود و قوم صالح و هم أصحاب البئر الّتی ذكرها اللّه تعالى فی قوله « و بئر معطّلة و قصر مشید » و كانوا بفلیج الیمامة نزولا على تلك البئر و كلّ ركیّة لم تطو بالحجارة و الآجر فهو بئر و كان لهم نبیّ یقال له حنظلة بن صفوان ، و كان بأرضهم جبل یقال له فتح مصعدا فی السماء میلا ، و كانت العنقاء تنتابه و هى كأعظم ما یكون من الطیر و فیها من كلّ

[ 341 ]

لون و سمّوها العنقآء لطول عنقها و كانت تكون فی ذلك الجبل تنقض على الطیر تأكلها ، فجاعت ذات یوم فاعوزها الطّیر فانقضت على صبیّ فذهبت به ، ثمّ إنها انقضت على جاریة حین ترعرعت فأخذتها فضمّتها إلى جناحین لها صغیرین سوى الجناحین الكبیرین ، فشكوا إلى نبیّهم فقال : اللّهمّ خذها و اقطع نسلها و سلّط علیها آیة یذهب بها ، فأصابتها صاعقة فاحترقت فلم یر لها أثر فضربتها العرب مثلا فی أشعارها و حكمها و أمثالها ثمّ إنّ أصحاب الرّس قتلوا نبیّهم فأهلكهم اللّه تعالى و قال بعض العلماء : بلغنی أنه كان رسّان .

أما أحدهما فكان أهله بدد و أصحاب غنم و مواش فبعث اللّه إلیهم نبیّا فقتلوه ثمّ بعث إلیهم رسولا آخر و عضده بولیّ فقتلوا الرّسول و جاهدهم الولیّ حتّى أفحمهم و كانوا یقولون إلهنا فی البحر و كانوا على شفیرة و كان یخرج إلیهم شیطان فی كلّ شهر خرجة فیذبحون و یتّخذونه عیدا فقال لهم الولیّ أرأیتم إن خرج إلهكم الّذی تدعونه إلىّ و أطاعنی أتجیبوننی إلى ما دعوتكم إلیه ؟ فقالوا : بلى ، و أعطوه على ذلك العهود و المواثیق .

فانتظر حتّى خرج ذلك الشیطان على صورة حوت راكبا أربعة أحوات و له عنق مستعلیة و على رأسه مثل التاج ، فلمّا نظروا إلیه خرّوا له سجّدا و خرج الولیّ إلیه فقال ائتنی طوعا أو كرها بسم اللّه الكریم ، فنزل عند ذلك عن أحواته فقال له الولیّ ائتنی علیهنّ لئلاّ یكون من القوم فی أمری شكّ فاتى الحوت و اتین به حتّى افضین به الى البرّ یجرّونه .

فكذّبوه بعد ما رأوا ذلك و نقضوا العهد فأرسل اللّه تعالى إلیهم ریحا فقذفهم فی البحر و مواشیهم جمیعا و ما كانوا یملكون من ذهب و فضّة ، فأتى الولیّ الصالح إلى البحر حتّى أخذ التبر و الفضّة و الأوانى فقسّم على أصحابه بالسویّة على الصّغیر منهم و الكبیر و انقطع هذا النسل .

و أما الاخر فهم قوم كان لهم نهر یدعى الرسّ ینسبون إلیه و كان فیهم أنبیاء كثیرة قلّ یوم یقوم نبیّ إلاّ قتل و ذلك النهر بمنقطع آذربیجان بینها و بین أرمنیّة

[ 342 ]

فاذا قطعته مدبرا دخلت فی حدّ ارمنیّة و إذا قطعته مقبلا دخلت فی حدّ آذربیجان یعبدون النیران و كانوا یعبدون الجوارى « الفذاری » فاذا تمّت لإحدیهنّ ثلاثون سنة قتلوها و استبدلوا غیرها و كان عرض نهرهم ثلاثة فراسخ ، و كان یرتفع فی كلّ یوم و لیلة حتّى یبلغ أنصاف الجبال الّتی حوله ، و كان لا ینصب فی برّ و لا بحر إذا خرج من حدّهم یقف و یدور ثمّ یرجع إلیهم .

فبعث اللّه تعالى ثلاثین نبیّا فی شهر واحد فقتلوهم جمیعا ، فبعث اللّه عزّ و جلّ نبیّا و أیّده بنصره و بعث معه ولیّا فجاهدهم فی اللّه حقّ جهاده .

فبعث اللّه تعالى إلیه میكائیل حین نابذوه و كان ذلك فی أوان وقوع الحبّ فی الزرع ، و كانوا إذ ذاك أحوج ما كانوا من الماء ، ففجر نهرهم فی البحر فانصبّت ما فی أسفله و أتى عیونه من فوق فسدّها و بعث إلیه خمسمأة ألف من الملائكة أعوانا له ففرّقوا ما بقى فى وسط النهر .

ثمّ أمر اللّه جبرئیل فنزل فلم یدع فی أرضهم عینا و لا نهرا إلاّ أیبسه بإذن اللّه عزّ و جلّ و أمر ملك الموت فانطلق إلى المواشی فأماتهم ربضة واحدة ، و أمر الریاح الأربع الجنوب و الشمال و الدّبور و الصّبا فضمت ما كان لهم من متاع و ألقى اللّه عزّ و جلّ علیهم السّبات ، ثمّ حفت الریاح الأربع المتاع أجمع فنهبته فی رؤوس الجبال و بطون الأودیة .

فأمّا ما كان من علی أو تبرأ أو آنیة فانّ اللّه تعالى أمر الأرض فابتلعته فأصبحوا و لا شاء عندهم و لا بقرة و لا مال یعودون و لا ماء یشربونه و لا طعام یأكلونه ، فآمن باللّه عند ذلك قلیل منهم و هداهم إلى غار فی جبل له طریق الى خلفه فنجوا و كانوا أحدا و عشرین رجلا و أربع نسوة و صبیّین و كان عدّة الباقین من الرّجال و النساء و الذراری ستّمأة ألف فماتوا عطشا و جوعا و لم یبق منهم باقیة .

ثمّ عاد القوم إلى منازلهم فوجدوها قد صار أعلاها أسفلها فدعا القوم عند ذلك مخلصین أن یجیهم « ینجیهم » بزرع و ماء و ماشیة و یجعله قلیلا لئلاّ یطغوا ، فأجابهم اللّه تعالى إلى ذلك لما علم من صدق نیّاتهم و علم منهم الصّدق و آلوا أن لا یبعث رسولا ممن قاربهم إلاّ أعانوه و عضدوه ، و علم اللّه منهم الصّدق فأطلق اللّه لهم نهرهم

[ 343 ]

و زادهم على ما سألوا ، فأقام اولئك فی طاعة اللّه عزّ و جلّ ظاهرا و باطنا حتّى مضوا و انقرضوا .

و حدث بعدهم من نسلهم قوم أطاعوا اللّه فی الظاهر و نافقوه فی الباطن فأملى اللّه تعالى لهم و كان علیهم قادرا ، ثمّ كثرت معاصیهم و خالفوا أولیاء اللّه تعالى فبعث اللّه عزّ و جلّ عدوّهم ممن فارقهم و خالفهم فأسرع فیهم القتل و بقیت منهم شرذمة فسلّط اللّه علیهم الطاعون فلم یبق منهم أحدا و بقى نهرهم و منازلهم مأتی عام لا یسكنها أحد ثمّ أتى اللّه بقرن بعد ذلك فنزلوها و كانوا صالحین سنین ثمّ أحدثوا فاحشة جعل الرجل بنته و اخته و زوجته فینیلها جاره و أخاه و صدیقه یلتمس بذلك البرّ و الصّلة .

ثمّ ارتفعوا من ذلك إلى نوع آخر ترك الرّجال النساء حتّى شبقن و استغنوا بالرّجال فجائت النساء شیطانهنّ فی صورة و هى الدّلهاث بنت ابلیس و هى اخت الشیصاء و كانت فی بیضة واحدة فشهت إلى النساء ركوب بعضهنّ بعضا و علمهنّ كیف یصنعن فأصل ركوب النساء بعضهنّ بعضا من الدّلهاث ، فسلّط اللّه على ذلك القرن صاعقة فی أوّل اللّیل و خسفا فی آخر اللّیل ، و صیحة مع الشمس فلم یبق منهم باقیة و بادت مساكنهم و لا احسب منازلهم الیوم تسكن .

و فى البحار من كتابی العیون و العلل عن الهمدانی عن علیّ عن أبیه عن الهروی عن الرضا علیه السّلام عن آبائه عن الحسین بن علیّ علیهم السّلام قال :

أتى علیّ بن أبی طالب علیه السّلام قبل مقتله بثلاثة أیام رجل من أشراف تمیم یقال له عمرو فقال : یا أمیر المؤمنین أخبرنی عن أصحاب الرّس فی أىّ عصر كانوا و أین كانت منازلهم و من كان ملكهم ؟ و هل بعث اللّه عزّ و جلّ إلیهم رسولا أم لا ؟

و بما ذا اهلكوا ؟ فانّى أجد فی كتاب اللّه تعالى ذكرهم و لا أجد خبرهم .

فقال له علیّ علیه السّلام لقد سألت عن حدیث ما سألنی عنه أحد قبلك و لا یحدثك به أحد بعدی إلاّ عنّی ، و ما فی كتاب اللّه عزّ و جلّ آیة إلاّ و أنا أعرف تفسیرها و فی أىّ مكان نزلت من سهل أو جبل و فی أىّ وقت من لیل أو نهار و إنّ ههنا لعلما جمّا

[ 344 ]

و أشار إلى صدره و لكن طلاّبه یسیر و عن قلیل یندمون لو فقدونی .

كان من قصّتهم یا أخا تمیم أنهم كانوا قوما یعبدون شجرة صنوبر یقال لها شاه درخت كان یافث بن نوح غرسها على شفیر عین یقال لها روشاب « دوشاب » كانت انبعت لنوح علیه السّلام بعد الطوفان ، و إنما سمّوا أصحاب الرّس لأنهم رسّوا نبیّهم فی الأرض و ذلك بعد سلیمان بن داود علیه السّلام .

و كانت لهم اثنتا عشرة قریة على شاطى‏ء نهر یقال له الرّس من بلاد المشرق و بهم سمّى ذلك النهر و لم یكن یومئذ فی الأرض نهر أغزر منه و لا أعذب منه و لا قرى أكثر و لا أعمر منها تسمّى إحدیهنّ أبان ، و الثانیة ، آذر ، و الثّالثة دى ،

و الرّابعة بهمن ، و الخامسة اسفندار ، و السادسة فروردین ، و السابعة اردى بهشت ،

و الثامنة خرداد ، و التاسعة مرداد ، و العاشرة تیر ، و الحادیعشرة مهر ، و الثانی عشرة شهریور .

و كانت أعظم مداینهم اسفندار و هی الّتی ینزلها ملكهم ، و كان تركوز بن غابور بن یارش بن شازن بن نمرود بن كنعان فرعون إبراهیم و بها العین و الصنوبرة و قد غرسوا فی كلّ قریة منها حبّة من طلع تلك الصّنوبرة ، و أجروا إلیها نهرا من العین التی عند الصنوبرة .

فنبتت الحبّة و صارت شجرة عظیمة و حرّموا ماء العین و الأنهار فلا یشربون منها و لا أنعامهم ، و من فعل ذلك قتلوه و یقولون هو حیاة آلهتنا فلا ینبغی لأحد أن ینقص من حیاتها و یشربون هم و أنعامهم من نهر الرّس الّذی علیه قراهم .

و قد جعلوا فی كلّ شهر من السنة فی كلّ قریة عیدا یجتمع إلیه أهلها ،

فیضربون علی الشجرة التى بها كلّة 1 من حریر فیها من أنواع الصّور ثمّ یأتون بشاة و بقر فیذبحونهما قربانا للشجرة و یشعلون فیها النیران بالحطب فاذا سطع دخان تلك الذبایح و قتارها فی الهواء و حال بینهم و بین النظر إلى السّماء خرّوا سجّدا یبكون و یتضرّعون إلیها أن ترضى عنهم .

-----------
( 1 ) الكلّة بالكسر الستر الرقیق یخاط كالبیت یتوقّى فیه من البقّ ( بحار ) .

[ 345 ]

فكان الشیطان یجى‏ء فیحرّك أغصانها و یصیح من ساقها صیاح الصّبی أن قد رضیت عنكم فطیبوا نفسا و قرّوا عینا فیرفعون رؤوسهم عند ذلك و یشربون الخمر و یضربون بالمعازف و یأخذون الدستبند فیكون على ذلك یومهم و لیلتهم ثمّ ینصرفون .

و انما سمّت العجم شهورها بأبان ماه و آذرماه و غیرهما اشتقاقا من أسماء تلك القرى لقول أهلها بعضهم لبعض هذا عید شهر كذا و عید شهر كذا .

حتّى اذا كان عید قریتهم العظمى اجتمع إلیها صغیرهم و كبیرهم فضربوا عند الصنوبرة و العین سرادقا من دیباج علیه من أنواع الصور و جعلوا له اثنى عشر بابا كلّ باب لأهل قریة منهم و یسجدون للصنوبرة خارجا من السرادق و یقرّبون لها الذّبایح أضعاف ما قرّبوا للشجرة الّتی فی قراهم .

فیجی‏ء ابلیس عند ذلك فیحرّك الصنوبرة تحریكا شدیدا و یتكلّم من جوفها كلاما جهوریّا و یعدهم و یمنّیهم بأكثر ما وعدتهم و منتهم الشیاطین كلّها فیرفعون رؤوسهم من السجود و بهم من الفرح و النشاط ما لا یفیقون و لا یتكلّمون من الشرب و العزف .

فیكونون على ذلك اثنى عشر یوما و لیالیها بعدد أعیادهم سایر السّنة ثمّ ینصرفون .

فلما طال كفرهم باللّه عزّ و جلّ و عبادتهم غیره بعث اللّه عزّ و جلّ إلیهم نبیّا من بنی إسرائیل من ولد یهودا بن یعقوب ، فلبث فیهم زمانا طویلا یدعوهم إلى عبادة اللّه عزّ و جلّ و معرفة ربوبیّته فلا یتّبعونه ، فلما رأى شدّة تمادیهم فی الغىّ و الضلال و تركهم قبول ما دعاهم إلیه من الرّشد و النجاح و حضر عید قریتهم العظمى قال : یا ربّ إنّ عبادك أبوا إلا تكذیبى و الكفر بك و غدوا یعبدون شجرة لا تنفع و لا تضرّ فأیبس شجرهم أجمع و أرهم قدرتك و سلطانك .

فأصبح القوم و قد یبس شجرهم كلّها فهالهم ذلك و فظع بهم و صاروا فرقتین فرقة قالت : سحر آلهتكم هذا الرجل الّذی زعم أنه رسول ربّ السماء و الأرض إلیكم لیصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى اللّه ، و فرقة قالت : لا بل غضبت آلهتكم حین

[ 346 ]

رأت هذا الرّجل یعیبها و یقع فیها و یدعوكم إلى عبادة غیرها فحجبت حسنها و بهائها لكى تغضبوا لها فتنصروا منه .

فأجمع رأیهم على قتله فاتّخذوا أنابیب طوالا من رصاص واسعة الأفواه ثمّ أرسلوها فی قرار العین إلى أعلا الماء واحدة فوق الأخرى مثل البرانج « الیراع خ » و نزحوا ما فیها من الماء ثمّ حفروا فی قرارها بئرا ضیّقة المدخل عمیقة و أرسلوا فیها نبیّهم و ألقموا فاها صخرة عظیمة ثمّ أخرجوا الأنابیب من الماء و قالوا نرجو الآن أن ترضى عنّا آلهتنا إذا رأت أنا قد قتلنا من كان یقع فیها و یصدّ عن عبادتها و دفنّاه تحت كبیرها یتشفى منه فیعود لنا نورها و نضرتها كما كان .

فبقوا عامة یومهم یسمعون أنین نبیّهم علیه السّلام و هو یقول سیدی قد ترى ضیق مكانی و شدّة كربی فارحم ضعف ركنى و قلّة حیلتى و عجّل بقبض روحى و لا تؤخّر إجابة دعوتی حتّى مات علیه السّلام .

فقال اللّه جلّ جلاله لجبرئیل : یا جبرئیل أیظنّ عبادى هؤلاء الّذین غرّهم حلمى و امنوا مكرى و عبدوا غیرى و قتلوا رسولی أن یقوموا بغضبی و یخرجوا من سلطانی كیف و أنا المنتقم ممّن عصانی و لم یخش عقابی و انی حلفت بعزّتی لأجعلنّهم عبرة و نكالا للعالمین .

فلم یرعهم فی یوم عیدهم ذلك إلاّ ریح عاصفة شدیدة الحمرة فتحیّروا فیها و ذعروا منها و تضام بعضهم إلى بعض ، ثمّ صارت الأرض تحتهم حجر كبریت یتوقّد و أظلّتهم سحابة سوداء فألقت علیهم كالقبّة جمرا یتلهّب « یلتهب خ » فذابت أبدانهم كما یذوب الرّصاص فی النّار ، فنعوذ باللّه تعالى ذكره من غضبه و نزول نقمته و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلیّ العظیم .

الترجمة

فصل دویم از این خطبه در وصیّت بتقوى و پرهیزكاریست مى‏فرماید :

وصیّت مى‏كنم شما را أى بندگان خدا بپرهیزكارى خداوندى كه پوشانیده

[ 347 ]

بشما لباس فاخر ، و واسع گردانیده بر شما أسباب معیشت را ، پس اگر احدى مى‏یافت بسوى بقا نردبانی یا از براى دفع مرگ وسیله و راهى هر آینه بودى آن شخص سلیمان بن داود علیه السّلام كه مسخّر شد از براى او پادشاهى جنّ و انسان با منصب پیغمبرى و بزرگی قرب و منزلت ، پس زمانى كه استیفا نمود طعمه خود را و استكمال كرد مدّت عمر خود را انداخت او را كمانهاى فنا بتیرهاى مرگ . و گردید شهرها از وجود او خالى و مسكنها از او معطل و وارث گردید آنها را قوم دیگر ، و بدرستى كه مر شما را در روزگارهاى سابقه هر آینه عبرتى است .

كجایند طایفه عمالقه و پسران عمالقه كجایند فراعنه و پسران فراعنه كجایند أصحاب مدینهاى رسّ كه كشتند پیغمبران را و خاموش كردند روشنائى طریقهاى مرسلین را و زنده كردند طریقهاى گردن كشان را و كجایند آنكسانى كه سیر كردند با لشگرها و غلبه كردند با هزاران قشون و جمع آوردند لشگرها و بنا كردند شهرها را .

الفصل الثالث منها

قد لبس للحكمة جنّتها ، و أخذها بجمیع أدبها ، من الإقبال علیها ، و المعرفة بها ، و التّفرّغ لها ، و هی عند نفسه ضالّته الّتی یطلبها ، و حاجته الّتی یسئل عنها ، فهو مغترب إذا اغترب الإسلام ،

و ضرب بعسیب ذنبه و ألصق الأرض بجرانه ، بقیّة من بقایا حجّته ،

خلیفة من خلائف أنبیائه .

ثمّ قال علیه السّلام :

[ 348 ]

أیّها النّاس إنّی قد بثثت لكم المواعظ الّتی وعظ بها الأنبیاء أممهم ،

و أدّیت إلیكم ما أدّت الأوصیاء إلى من بعدهم ، و أدّبتكم بسوطی فلم تستقیموا ، و حدوتكم بالزّواجر فلم تستوسقوا ، للّه أنتم أتتوّقعون إماما غیری یطأ بكم الطّریق ، و یرشدكم السّبیل ، ألا إنّه قد أدبر من الدّنیا ما كان مقبلا ، و أقبل منها ما كان مدبرا ، و أزمع التّرحال عباد اللّه الأخیار ، و باعوا قلیلا من الدّنیا لا یبقى ، بكثیر من الآخرة لا یفنى .

ما ضرّ إخواننا الّذین سفكت دمائهم و هم بصفّین ألاّ یكونوا الیوم أحیاء ، یسیغون الغصص ، و یشربون الرّنق ، قدو اللّه لقوا اللّه فوفّاهم أجورهم ، و أحلّهم دار الأمن بعد خوفهم ، أین إخوانی الّذین ركبوا الطّریق و مضوا على الحقّ ؟ أین عمّار ؟ و أین ابن التّیّهان ؟

و أین ذوا الشّهادتین ؟ و أین نظراؤهم من إخوانهم الّذین تعاقدوا على المنیّة ، و أبرد برؤوسهم إلى الفجرة .

قال : ثمّ ضرب یده على لحیته الشریفة الكریمة فأطال البكاء ثمّ قال علیه السّلام :

أوه على إخوانی الّذین تلوا القرآن فأحكموه ، و تدبّروا الفرض فأقاموه ، أحیوا السّنّة ، و أماتوا البدعة ، دعوا للجهاد فأجابوا ،

و وثقوا بالقائد فاتّبعوه ، ثمّ نادى بأعلى صوته : الجهاد الجهاد عباد

[ 349 ]

اللّه ألا و إنّی معسكر فی یومی هذا فمن أراد الرّواح إلى اللّه فلیخرج .

قال نوف و عقد للحسین علیه السّلام فی عشرة آلاف ، و لقیس بن سعد ( ره ) فی عشرة آلاف ، و لأبی أیّوب الأنصاری فی عشرة آلاف ، و لغیرهم على أعداد اخر و هو یرید الرّجعة إلى صفّین ، فما دارت الجمعة حتّى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه اللّه فتراجعت العساكر فكنّا كأغنام فقدت راعیها تختطفها الذئاب من كلّ مكان .

اللغة

( الجنّة ) بالضم نوع من السلاح ( عسیب الذّنب ) قال الشارح المعتزلی أصله و قال الفیروزآبادی : العسیب عظم الذنب أو منبت الشعر منه و ( جران ) البعیر صدره أو مقدم عنقه و ( الحدا ) سوق الابل و الغنا لها و ( الترحال ) مبالغة فی الرحلة و ( الغصص ) جمع الغصّة و هى ما یعترض فی الحلق و ( الرنق ) بالفتح و التحریك الكدر من الماء ، و فی بعض النسخ بالكسر و لا بأس به قال فی القاموس : رنق الماء كفرح و نصر رنقا و رنقا و رنوقا كدر فهو رنق كعدل و كتف و جبل .

و ( ابن التیهان ) قال الشارح بالیآء المنقوطة باثنتین تحتها المشدّدة المكسورة و قبلها تآء منقوطة باثنتین فوقها ، و قال العلاّمة المجلسی ( ره ) : و المضبوط فی أكثر النسخ بالیاء الساكنة و فتح التاء و كسرها معا ، و فى القاموس و تیّهان مشدّدة الیاء و یكسر و تیهان بالسكون .

و ( اوه ) على إخوانى بسكون الواو و كسر الهاء كلمة توجّع و فیها لغات اخر قال فی القاموس : اوه كجیر و حیث و أین واه و إوه بكسر الهاء و الواو المشدّدة واو بحذف الهاء و اوّه بفتح الواو المشدّدة و اووه بضمّ الواو واه بكسر الهاء منوّنة

[ 350 ]

واو بكسر الواو منوّنة و غیر منوّنة و أوتاه بفتح الهمزة و الواو و المثنّاة الفوقیّة و اویاه بتشدید المثناة التحتیة كلمة یقال عند الشكایة أو التوجّع اه اوها واه تاوها و تاوّه قالها . 1 و ( تختطفها ) من الاختطاف و هو أخذ الشی‏ء بسرعة و فی بعض النسخ تتخطفها

الاعراب

قوله : بقیّة خبر لمبتدء محذوف ، و قوله : للّه أنتم ، قد مضى تحقیق الكلام فیه فی شرح المختار المأة و التاسع و السبعین ، و ما فی قوله ما ضرّ إخواننا ، نافیة و یحتمل الاستفهام على سبیل الانكار ، و اخواننا بالنصب مفعول ضرّ و فاعله ألاّ یكونوا و جملة یسیغون فی محلّ النّصب صفة للاحیاء ، و الجهاد الجهاد بالنصب على الاغراء

المعنى

اعلم أنّ السیّد ( ره ) قد سلك فی هذا الفصل من الخطبة مسلك الالتقاط و أسقط صدر الكلام فالتبس الأمر فی قوله : ( قد لبس للحكمة جنّتها ) حیث اشتبه المرجع لفاعل لبس و لم یدر أنّ الموصوف بتلك الجملة و ما یتلوها من هو ، فمن ذلك فسّره كلّ على زعمه و اعتقاده .

قال العلاّمة المجلسیّ ( ره ) إنّه إشارة إلى القائم علیه السّلام و نقله الشارح المعتزلی عن الشیعة الامامیّة .

و قال الصّوفیّة إنه علیه السّلام یعنی به ولیّ اللّه فی الأرض و عندهم لا یخلو الدّنیا من الأبدال و الأولیاء .

و قالت الفلاسفة : إنّ مراده علیه السّلام به العارف .

و قالت المعتزلة : انه یرید به العالم بالعدل و التوحید و زعموا أنّ اللّه لا یخلى الامة من جماعة من المؤمنین العلماء بالتوحید و العدل و انّ الاجماع إنما یكون

-----------
( 1 ) أى قال آوه ( منه ) .

[ 351 ]

حجّة باعتبار قول أولئك ، لكنه لما تعذّرت معرفتهم بأعیانهم اعتبر اجماع الجمیع و انما الأصل قول أولئك .

قال الشّارح المعتزلی بعد نقل هذه الأقوال : و لیس یبعد أن یرید علیه السّلام به القائم من آل محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی آخر الوقت إذا خلقه اللّه تعالى و إن لم یكن الآن موجودا ، فلیس فی الكلام ما یدلّ على وجوده الآن ، و قد وقع اتّفاق الفرق من المسلمین أجمعین على أنّ الدّنیا و التكلیف لا ینقضی إلاّ علیه ، انتهى .

أقول : أما ما ذكره من كون المراد به القائم علیه السّلام فهو كما ذكره غیر بعید لظهور اتّصافه علیه السّلام بهذه الأوصاف و كونه مظهرا لها ، و أما ما زعمه كسایر المعتزلة من أنّه علیه السّلام غیر موجود الآن و انما یخلقه اللّه فی آخر الزمان فهو زعم فاسد و وهم باطل ، لقیام البراهین العقلیة و النقلیة على أنّ الأرض لو تبقى بغیر حجّة لانخسفت و ساخت ، و على أنّه لا بد من وجوده فی كلّ عصر و زمان ، و أنه إما ظاهر مشهور أو غایب مستور ، و أنّ القائم من آل محمّد صلّى اللّه علیه و آله مخلوق من غابر الزمان و موجود الآن و هو غایب مستور لمصالح مقتضیة لغیبته و الانتفاع بوجوده الشریف حال الغیبة كالانتفاع بالشمس المجلّلة للعالم المحجوبة بالسحاب .

و بعد قیام الأدلّة المحكمة على ذلك كلّه فلا یعبأ بالاستبعادات الوهمیة للمنكرین ، و الاستدلالات السخیفة الهیّنة للمبطلین على ما اشیر الیها فی كتب أصحابنا الامامیّة المؤلّفة فی الغیبة مع أجوبتها المتقنة ، و قد مضى طرف من الكلام على هذا المرام فی شرح الفصل الأوّل من المختار المأة و الثّامن و الثّلاثین فلیراجع ثمة ، هذا .

و الحكمة اسم لمجامع الخیر كلّه قال أبو البقاهى فی عرف العلماء استعمال النفس الانسانیة باقتباس العلوم النظریّة و اكتساب الملكة التامّة على الأفعال الفاضلة قدر طاقتها .

و قال بعضهم : هی معرفة الحقایق على ما هى علیه بقدر الاستطاعة و هی العلم النافع المعبّر عنها بمعرفة ما لها و معرفة ما علیها .

[ 352 ]

و قال ابن درید : كلّ ما یؤدّى إلى ما یلزمه أو یمنع من قبیح ، و قیل : ما یتضمّن صلاح النّشأتین .

و قال فی البحار : العلوم الحقّة النافعة مع العمل بمقتضاها ، قال : و قد یطلق على العلوم الفایضة من جنابه تعالى على العبد بعد العمل بما علم .

أقول : و المعانی متقاربة و الیها یرجع تفاسیره المختلفة ، فقد یفسّر بأنه معرفة اللّه و طاعته ، و قد یفسّر بأنه العلم الذی یرفع الانسان عن فعل القبیح ، و فسّر فی قوله تعالى بالحكمة و الموعظة الحسنة بالنبوّة و فی قوله : و یعلّمه الكتاب و الحكمة بالفقه و المعرفة ، و فی قوله : و یعلّمهم الكتاب و الحكمة بالقرآن و الشریعة ،

و فی قوله : یؤتى الحكمة من یشاء من عباده و من یؤتی الحكمة فقد أُوتى خیراً كثیراً و ما یذكّر إلاّ أُولوا الألباب بتحقیق العلم و إتقان العمل و فی الصافی من الكافی و تفسیر العیاشی عن الصّادق علیه السّلام فی تفسیر هذه الآیة قال : طاعة اللّه و معرفة الامام .

و عنه علیه السّلام معرفة الامام و اجتناب الكبائر التی أوجب اللّه علیها النار .

و عن العیاشی عنه علیه السّلام : الحكمة المعرفة و الفقه فی الدّین و من فقه منكم فهو حكیم .

و عن مصباح الشریعة عنه علیه السّلام الحكمة ضیاء المعرفة و میراث التقوى و ثمرة الصدق و لو قلت ما أنعم اللّه على عباده بنعمة أنعم و أعظم و أرفع و أجزل و أبهى من الحكمة لقلت ، قال اللّه یؤتى الحكمة من یشاء و من یؤت الحكمة فقد أُوتى خیراً كثیراً و ما یذكّر إلاّ أُولوا الألباب أى لا یعلم ما أودعت و هیأت فی الحكمة إلاّ من استخلصته لنفسی و خصصته بها و الحكمة هی الكتاب و صفة الحكیم الثبات عند أوائل الأمور و الوقوف عند عواقبها و هو هادى خلق اللّه إلى اللّه .

و عن الخصال عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله رأس الحكمة مخافة اللّه .

و عنه و عن الكافی عنه صلّى اللّه علیه و آله أنه كان ذات یوم فی بعض أسفاره اذ لقاه ركب فقالوا : السّلام علیك یا رسول اللّه ، فالتفت إلیهم و قال : ما أنتم ؟ فقالوا : مؤمنون ،

[ 353 ]

قال : فما حقیقة ایمانكم ؟ قالوا : الرّضا بقضاء اللّه و التسلیم لأمر اللّه و التفویض إلى اللّه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : علماء حكماء كادوا أن یكونوا من الحكمة أنبیاء فان كنتم صادقین فلا تبنوا ما لا تسكنون ، و لا تجمعوا ما لا تأكلون ، و اتّقوا اللّه الّذی إلیه ترجعون .

إذا عرفت ذلك فأقول : قوله : قد لبس للحكمة جنّتها الظاهر أنه أراد بجنّة الحكمة مخافة اللّه كما أنّ النبیّ جعلها رأسها فی روایة الخصال المتقدّمة ،

فاستعار لفظ الجنّة لها باعتبار أنّ مخافته سبحانه و وجود وصف التّقوى الموجب لقمع النفس عن الشهوات و قلعها عن العلایق و الامنیات مانع عن كون الحكمة غرضا عن الهام الهوى و عن وقوع الحكیم فی الهلاكة و الرّدى ، كما أنّ الجنّة و هو ما یستتر به السّلاح كالدّرع و نحوه مانعة للابسها عن اصابة سهام الأعداء .

فیكون محصّل المعنى أنّ ذلك الحكیم قد اتّصف بمخافة اللّه سبحانه و خشیته التی هی بمنزلة الجنّة للحكمة لأجل حفظ حكمته و كونها وقایة لها عما یصادمها كما أنّ الجنّة تحفظ الانسان عن صدمات الأعداء .

و بما ذكرنا یظهر ما فی كلام الشارح البحرانی ، فانّه قال : لفظ الجنّة مستعار فی الاستعداد للحكمة بالزهد و العبادة الحقیقین و المواظبة على العمل بأوامر اللّه ، و وجه الاستعارة أنّ بذلك الاستعداد یأمن إصابة سهام الهوى و ثوران دواعى الشهوات القائدة إلى النار كما یأمن لابس الجنّة من أذى الضرب و الجرح ، انتهى فانّ مفاده كما ترى هو أنّ لفظ الجنّة مستعار للاستعداد الحاصل من الزهد و العبادة و المواظبة على التكالیف الشرعیّة .

فیتوجّه علیه حینئذ أوّلا أنّ الاستعداد المذكور لا یكون جنّة للحكمة على ما ذكره ، إنّما یكون جنّة للانسان من الوقوع فی النار ، و ظاهر كلام الامام یفید تلبسه بجنّة الحكمة لأجل الحكمة لا لأجل نفسه .

و ثانیا أنّ الاستعداد و التهیّوء للشی‏ء قبل وجود الشی‏ء ، فلو جعل الجنّة استعارة للاستعداد للحكمة لكان مفاد كلامه علیه السّلام عدم اتّصاف الرّجل الموصوف

[ 354 ]

بالحكمة فعلا .

و بعبارة اخرى یدلّ على تلبسه و اتّصافه بالاستعداد فقط لا بالحكمة نفسها مع أنّ الغرض من الكلام الوارد فی مقام المدح إفادة اتّصافه بها و كونها حاصلا له بالفعل لا بالقوّة ، إذ كمال المدح إنما هو فی ذلك .

و یدلّ على ذلك أیضا أى على الاتّصاف بالفعل صریح قوله ( و أخذها بجمیع أدبها ) أى أخذ الحكمة على وجه الكمال و قام بآدابها ( من الاقبال علیها و المعرفة بها و التفرّغ لها ) یعنی أنّه لما علم أنه لا خصلة أعظم و أشرف و أرفع و أبهى من الحكمة و عرف أنه من یؤتها فقد أوتى خیرا كثیرا أقبل الكلّیة علیها و قصر همّته و نهمته فیها و عرف شرفها و قدرها و نفاستها و تفرّغ لها و تخلّى عن جمیع العلایق الدنیویة التی تضادّها و تنحّى عن كلّ ما سواها .

( فهى عند نفسه ضالّته الّتی یطلبها و حاجته الّتی یسأل عنها ) ذلك مثل قوله علیه السّلام فی أواخر الكتاب : الحكمة ضالّة المؤمن .

فان قلت : قوله یطلبها و یسأل عنها صریحان فی عدم حصولها له فعلا فینافی ما استظهرت آنفا من كلامه علیه السّلام السابق .

قلت : لا منافاة بینهما لأنه علیه السّلام استعار لها لفظ الضالّة و جملة یطلبها وصف للمستعار منه لا للمستعار له ، إذ من شأن الضلالة أن تطلب فهى استعارة مرشّحة لا استعارة مجرّدة ، و الجامع شدّة الشوق و فرط الرغبة و المحبّة لا الطلب كما زعمه الشارح البحرانی حیث قال استعار لها لفظ الضالّة لمكان انشاده لها و طلبه كما تطلب الضالّة من الابل ، نعم قوله علیه السّلام : یسأل عنها ظهوره فیما أفاده الشارح ، لكن تأویله على وجه یوافق ما ذكرناه سهل فتأمل ، هذا .

و لا یخفى علیك أنّ جعل الكلام من باب الاستعارة إنّما هو جریا على مذاق الشارح البحرانی ، و إلاّ فقد علمت فی دیباجة الشرح أنه من باب التشبیه البلیغ حیث ذكر المشبّه و المشبّه به و حذف الأداة فیكون الوصف بالطلب ترشیحا للتشبیه لا للاستعارة .

[ 355 ]

( فهو مغترب ) یعنی هذا الشخص یخفى نفسه و یختار العزلة ، و هو إشارة إلى غیبة القائم علیه السّلام ( إذا اغترب الاسلام ) أى إذا ظهر الجور و الفساد و صار الاسلام غریبا ضعیفا بسبب اغتراب الصلاح و السداد كما قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : بدء الاسلام غریبا و سیعود غریبا كما بدء .

ثمّ شبّه الاسلام بالبعیر البارك فی قلّة النفع و الضعف على سبیل الاستعارة بالكنایة فأثبت له لوازم المشبّه به و قال : ( و ضرب بعسیب ذنبه ) لأنّ البعیر إذا أعیى و تأذّى ضرب بذنبه ( و ألصق الأرض بجرانه ) أى مقدّم عنقه فلا یكون له تصرّف و لا نهوض ، و قلّ أن یكون له نفع حال بروكه ، هذا .

و لما وصفه علیه السّلام بلبسه لجنّة الحكمة و ایثاره العزلة و الغیبة عرّفه بأنه ( بقیّة من بقایا حجّته ) على عباده و ( خلیفة من خلائف أنبیائه ) فی بلاده ، و هذان الوصفان یقویان الظنّ بكون نظره علیه السّلام بما أورده فی هذا الفصل إلى القائم المنتظر علیه السّلام و آبائه الطاهرین علیهم السّلام .

قال الشارح المعتزلی : فان قلت : ألیس لفظ الحجّة و الخلیفة مشعرا بما یقوله الامامیّة أى كون المراد بها الامام القائم علیه السّلام .

قلت : لا لأنّ أهل التصوّف یسمّون صاحبهم حجّة و خلیفة و كذلك الفلاسفة و أصحابنا لا یمتنعون من إطلاق هذه الألفاظ على العلماء المؤمنین فی كلّ عصر لأنّهم حجج اللّه أى إجماعهم حجّة و قد استخلفهم اللّه فی أرضه لیحكموا بحكمه .

أقول : فیه أوّلا منع صحّة اطلاق حجّة اللّه و خلیفته على غیر الأنبیاء و الأوصیاء إذ العصمة منحصرة فیهم فیختصّ الحجیّة و الخلافة بهم لمكان العصمة الّتی فیهم ،

و أما غیرهم فلیس بمعصوم بالاتّفاق فلا یكون قوله و فعله حجّة ، و حجّیة إجماع العلماء أیضا باعتبار دخول قول المعصوم فی جملة أقوالهم لا من حیث إنّ كلاّ من العلماء من حیث إنّه عالم قوله حجّة .

[ 356 ]

و ثانیا على فرض التنزّل و التسلیم لصحّة اطلاقه على غیرهم انّ أمیر المؤمنین علیه السّلام لیس بمعتزلی المذهب و لا صوفی المذاق و لا فلسفى المسلك ، فلا یحمل لفظ الحجّة و الخلیفة فی كلامه علیه السّلام على اصطلاحاتهم و إنما یحمل على المعنى الغالب إرادته من هذه اللفظة فی كلماتهم علیهم السّلام ، و غیر خفىّ على المتتبّع بأحادیثهم و كثیر الانس بأخبارهم أنّهم كثیرا ما یطلقون لفظ الحجج و یریدون به الأئمة الاثنى عشر ، و قد یطلقونه و یریدن به سایر المعصومین من الأنبیاء و الأوصیاء و یطلقون لفظ الحجّة أیضا احیانا بالقراین على العقل و القرآن ، و لم نر إلى الآن أن یطلق هذا اللفظ فی كلامهم على العارف أو العالم غیر المعصوم أو أحد الأبدال المصطلح فی لسان الفلاسفة و المعتزلة و المتصوّفة .

و على ذلك فحیث ما اطلق لفظ حجّة اللّه فی كلامهم خالیا عن القراین فلا بدّ من حمله على المعنى الكثیر الدوران فی ألسنتهم و هو الامام ، لأنّ الظنّ یلحق الشی‏ء بالأعمّ الأغلب .

و من هذا كلّه ظهر ما فی كلام الشارح البحرانی أیضا فانّه بعد ما جعل قوله علیه السّلام قد لبس للحكمة جنّتها إشارة إلى العارف مطلقا و نفى ظهور كونه إشارة إلى الامام المنتظر علیه السّلام قال فی شرح هذا المقام : قوله : بقیّة من بقایا حججه ، أى على خلقه إذ العلماء و العارفون حجج اللّه فی الأرض على عباده ، و ظاهر كونه خلیفة من خلفاء أنبیائه لقوله صلّى اللّه علیه و آله العلماء ورثة الأنبیاء ، انتهى .

و یرد علیه مضافا إلى ما مرّ أنّ استدلاله على خلافة العلماء و العرفاء بقوله :

العلماء ورثة الأنبیاء و استظهاره من ذلك كون المراد بالخلیفة فی كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام هؤلاء لا وجه له .

أمّا أوّلا فلأنّ الدّلیل أخصّ من الدّعوى لافادته وراثة العلماء فقط دون العرفاء مع أنّ المدّعى أعمّ .

و ثانیا إنّ قوله علیه السّلام العلماء ورثة الأنبیاء لم یرد به الوراثة الحقیقیة قطعا و إنما هو من باب التشبیه و المجاز یعنی أنّ علومهم انتقل إلیهم كما أنّ أموال المورث ینتقل

[ 357 ]

إلى الوارث فكانوا بمنزلة الورثة .

و على ذلك فأقول : إنّ وراثة العلماء للأنبیاء و خلافتهم عنهم على سبیل المجاز و الاستعارة ، و وراثة الامام المنتظر علیه السّلام و خلافته على سبیل الحقیقة ، فلا بدّ من حمل لفظ الخلیفة فی كلامه علیه السّلام علیه لا على العالم ، لأنّ اللّفظ إذا دار بین أن یراد منه معناه الحقیقی و معناه المجازی فالأصل الحقیقة كما برهن فی علم الاصول .

( ثمّ ) أخذ علیه السّلام فی نصح المخاطبین و موعظتهم و تذكیرهم و توبیخهم و ( قال علیه السّلام أیّها النّاس إنّی قد بثثت ) أى نشرت و فرّقت ( لكم المواعظ الّتی وعظ بها الأنبیاء أممهم ) و هی المواعظ الجاذبة لهم إلى اللّه و معرفته و طاعته و القائدة إلى النهج القویم و الصّراط المستقیم ( و أدّیت إلیكم ما أدّت الأوصیاء إلى من بعدهم ) من الأسرار الالهیّة و التكالیف الشرعیّة .

قال الشارح المعتزلی : و الأوصیاء الذین یأتمنهم الأنبیاء على الأسرار الالهیّة و قد یمكن أن لا یكونوا خلفاء بمعنى الامارة و الولایة ، فانّ مرتبتهم أعلى من مراتب الخلفاء ، انتهى .

أقول : غرض الشارح من هذا الكلام اصلاح مذهبه الفاسد ، فانّ كلامه علیه السّلام لما كان ظاهرا فی وصایته المساوقة للخلافة و الولایة كما هو مذهب الشیعة الامامیّة أراد الشارح صرفه عن ظاهره و أوّله بما یوافق مذهب الاعتزال .

و محصّل تأویله أنّ الوصایة عبارة عن الائتمان على الأسرار الالهیّة و هو غیر ملازم للخلافة و الولایة ، فلا یكون فی الكلام دلالة على خلافته علیه السّلام و كونه أولى بالتصرّف ، و انما یدلّ على كونه وصیّا مؤتمنا على الأسرار فقط .

و فیه أوّلا أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله إذا ائتمن الوصیّ على الأسرار و الأحكام و علّمه إیّاها ،

فإمّا أن یكون غرضه من ذلك أداء وصیّة تلك الأسرار و الأحكام إلى أمّته و إبلاغها الیهم .

أو یكون غرضه منه كونه فقط عالما بها و مكلّفا فی نفسه على العمل بتلك

[ 358 ]

الأحكام و القیام بوظایف هذه الأسرار من دون أن یكون مأذونا فی الأداء إلیهم .

و ظاهر كلامه علیه السّلام بل صریحه كون وصایته على الوجه الأوّل و إلاّ لما جاز أن یؤدّى ما أوصى به إلى المكلّفین فحیث أدّاه إلیهم علم منه كونه مأذونا فی الأداء و مكلّفا به ، و حیث كان مكلّفا به وجب علیهم اطاعته و إلاّ لكان الأداء عبثا ، و لا ریب أنّ الوصیّ بهذا المعنى أى المؤتمن على الأسرار و الأحكام و المكلّف على أدائها إلى الأمة و الواجب على الامة قبول قوله و طاعته ملازم بل مرادف للخلیفة و الأمیر و الولیّ .

نعم الوصایة على الوجه الثانی غیر ملازم للخلافة و الولایة إلاّ أنّه غیر مراد فی كلامه علیه السّلام قطعا لما ذكرنا .

و ثانیا أنّ ما ذكره من أنّ الوصیّ أعلى مرتبة من الخلیفة أى الأمیر و الولیّ فغیر مفهوم المراد .

لأنه إن أراد بالخلافة و الأمارة و الولایة المعنى الّذی یقول به الشیعة و یصفون أئمّتهم به أعنى النیابة عن الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و السلطنة الالهیّة و الأولویة بالتصرّف فلا نسلّم أنّ الوصایة و هی الائتمان بالاسرار أعلى رتبة منها بل الأمر بالعكس ، لأنّ الوصایة بالمعنى المذكور من شئونات الولایة المطلقة ، و الأولیاء مضافا إلى كونهم مؤتمنین على الأسرار أولو الأمر و النّهى و أولى بالتصرّف فی أموال المؤمنین و أنفسهم .

و إن أراد بها المعنى اللّغوی أعنى الامارة على السرایا مثلا و الولایة أى كونه والیا على قوم أو بلد و نحوه فكون رتبة الوصایة أعلى من ذلك مسلّم و غنی عن البیان لأنّ الاطلاع و الائتمان على الأسرار الالهیّة لا نسبة لهما قطعا إلى أمّارة جیش و ولایة قوم إلاّ أنّ الامامیّة حیث یطلقون هذه الألفاظ فی مقام وصف الأئمة علیهم السّلام لا یریدون بها تلك المعانی قطعا ، فلا داعى إلى ما تكلّفه الشارح و لا حاجة إلیه فافهم جیّدا ، هذا .

و قد مضى فی شرح الفصل الخامس من المختار الثانی عند شرح قوله علیه السّلام :

و لهم خصایص حقّ الولایة و فیهم الوصیّة و الوراثة ، ما له مزید نفع فی هذا المقام فلیراجع ثمّة .

[ 359 ]

و قوله ( و أدّبتكم بسوطی ) الظاهر أنّه كنایة عن تأدیبه لهم بالأقوال الغیر اللینة ( فلم تستقیموا ) على نهج الحقّ ( و حدوتكم بالزّواجر ) أى بالنواهى و الابعادات ( فلم تستوسقوا ) أى لم تجتمعوا على التمكین و الطاعة ( للّه أنتم ) أى تعجّبا منكم ( أتتوقّعون إماما غیری ) استفهام على سبیل التقریر لغرض التقریع أو على سبیل الانكار و التوبیخ .

فان قلت : إنّ الاستفهام الّذی هو للانكار التوبیخی یقتضی أن یكون ما بعده واقعا مع أنهم لم یكونوا متوقّعین لامام غیره إذ قد علموا أنه لا إمام وراه .

قلت : نعم انهم كانوا عالمین بذلك إلاّ أنهم لما لم یقوموا بمقتضى علمهم و لم یمحضوا الطاعة له علیه السّلام نزّلهم منزلة الجاهل المتوقّع لامام آخر ، فأنكر ذلك علیهم و لامهم علیه .

و قوله علیه السّلام ( یطا بكم الطریق ) أى یذهب بكم فی طریق النجاة ( و یرشدكم السبیل ) أى یهدیكم إلى مستقیم الصّراط ( ألا إنّه قد أدبر من الدّنیا ما كان مقبلا ) و هو الصّلاح و الرشاد الذی كان فی أیام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أو فی أیّام خلافته علیه السّلام فیكون إشارة إلى قرب ارتحاله من دار الفناء ( و أقبل منها ما كان مدبرا ) و هو الضلال و الفساد الّذی حصل باستیلاء معاویة على البلاد ( و أزمع الترحال ) أى عزم على الرحلة إلى دار القرار ( عباد اللّه الأخیار و باعوا ) أى استبدلوا ( قلیلا من الدّنیا لا یبقى بكثیر من الآخرة لا یفنى ) .

لا یخفى ما فی هذه العبارة من اللّطافة و حسن التعبیر فی التنفیر عن الدّنیا و الترغیب إلى الأخرى ، حیث وصف الاولى مع قلّتها بالفناء ، و وصف الثانیة مع كثرتها بالبقاء و معلوم أنّ العقلاء لا یرضون الأولى بالثانیة بدلا .

و أكّد هذا المعنى بقوله ( ما ضرّ إخواننا ) المؤمنین ( الّذین سفكت دماؤهم بصفّین ألاّ یكونوا الیوم أحیاء ) مثل حیاتنا ( یسیغون الغصص ) و یتجرّعون الهموم من توارد الآلام ( و یشربون الرنق ) أى الكدر من كثرة مشاهدة المنكرات .

و لما نفى تضرّرهم بعدم الحیاة نبّه على ما حصل لهم من عظیم المنفعة بالممات

[ 360 ]

فقال و ل ( قد و اللّه لقوا اللّه فوفّاهم اجورهم ) بغیر حساب ( و أحلّهم فی دار الأمن ) مفتّحة لهم الأبواب ( بعد خوفهم ) من سوء المآل و فتن أهل الضلال .

ثمّ استفهم توجّعا و تحسّرا عن السّلف الصالحین و قال ( أین إخوانى الّذین ركبوا الطریق ) أى جادّة الشریعة ( و مضوا على الحقّ ) أى المعرفة و الولایة .

ثمّ استفهم عن بعض من مضى بعینه و سمّاه بخصوصه لكونه من أعیان الصحابة و أكابرهم فقال ( أین عمار ) و هو ابن یاسر المعروف و أبوه عربیّ قحطانیّ و امّه أمة لأبی حذیفة بن المغیرة المخزومی ولدت عمارا فاعتقه أبو حذیفة فمن هناك كان عمّار مولى لبنی مخزوم .

قال الشارح المعتزلی : و للحلف و الولاء الّذین بین بنی مخزوم و بین عمّار و أبیه یاسر كان اجتماع بنی مخزوم على عثمان حین نال من عمار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب حتّى انفتق له فتق فی بطنه زعموا و كسروا ضلعا من أضلاعه ، فاجتمعت بنو مخزوم فقالوا : و اللّه لئن مات لا قتلنا به أحدا غیر عثمان .

قال أبو عمرو بن عبد البرّ : كان عمّار بن یاسر ممّن عذّب فی اللّه ثمّ أعطاهم ما أرادوا بلسانه مع اطمینان قلبه فنزل فیه « إلاّ من أُكره و قلبه مطمئنّ بالایمان » و هذا مما أجمع علیه أهل التفسیر و هاجر إلى أرض الحبشة و صلّى القبلتین و هو من المهاجرین الأوّلین و شهد بدرا و المشاهد كلّها و أبلى بلاء حسنا ثمّ شهد الیمامة فأبلى فیها أیضا و یومئذ قطعت أذنه .

و قال ابن عبّاس فی قوله تعالى أو من كان میتاً فأَحییناه و جعلنا له نوراً یمشی به فی الناس أنه عمار بن یاسر « كمن مثله فی الظلمات لیس بخارج منها » أبو جهل ابن هشام .

و روى أبو عمرو عن عایشة أنها قالت : ما من أحد من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أشاء أن أقول فیه لقلت إلاّ عمّار بن یاسر ، فإنّی سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : إنّه ملى‏ء إیمانا إلى أخمص قدمیه .

قال أبو عمرو و من حدیث خالد بن الولید أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال : من أبغض

[ 361 ]

عمارا أبغضه اللّه .

قال : و من حدیث علیّ بن ابیطالب علیه السّلام إنّ عمارا جاء یستأذن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یوما فعرف صوته فقال : مرحبا بالطیّب المطیّب ، یعنی عمّارا .

قال : و من حدیث أنس عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله اشتاقت الجنّة إلى أربعة : علیّ علیه السّلام و عمّار ، و سلمان ، و بلال .

قال أبو عمرو : و فضایل عمّار كثیر یطول ذكرها .

أقول : و قد مضى جملة من فضائله و مجاهداته بصفیّن و كیفیّة شهادته رضى اللّه تعالى عنه هنالك فی تذییل المختار الخامس و الستّین و كان سنّه یوم قتل نیفا و تسعین .

( و أین ابن التیهان ) و اسمه مالك و اسم أبیه مالك ایضا ، و قال أبو نعیم :

أبو الهیثم بن التیهان اسمه مالك و اسم التیهان عمرو بن الحارث كان « رض » أحد النقباء لیلة العقبة و شهد بدرا و الأكثر على أنه أدرك صفّین مع أمیر المؤمنین علیه السّلام و قتل بها ، و قیل : توفّى فی حیاة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، قال أبو عمرو : و هذا القول لم یتابع علیه قائله ، و قیل : توفّى سنة عشرین أو إحدى و عشرین .

( و أین ذو الشهادتین ) و هو خزیمة بن ثابت الأنصاری یكنّى أبا عمارة شهد بدرا و ما بعدها من المشاهد و شهد صفین مع علیّ علیه السّلام فلما قتل عمّار بن یاسر قاتل « ره » حتّى قتل حسبما عرفته فی تذییل المختار الخامس و السّتین .

و انما لقّب بذو الشهادتین لما رواه الصدوق فی الفقیه بسنده عن عبد اللّه بن أحمد الذّهلی قال : حدّثنا عمارة بن خزیمة بن ثابت أنّ عمّه حدّثه و هو من أصحاب النبیّ صلّى اللّه علیه و آله أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله ابتاع فرسا من أعرابیّ فأسرع النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم المشی لیقضیه ثمن فرسه فأبطأ الأعرابی ، فطفق رجال یعترضون الأعرابی فیساومونه بالفرس و هم لا یشعرون أنّ النبیّ علیه السّلام ابتاعه ، حتّى زاد بعضهم الأعرابی فی السّوم على الثمن فنادى الأعرابی فقال : إن كنت مبتاعا لهذا الفرس فابتعه و إلاّ بعته ، فقام النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله حین سمع الأعرابی فقال : أو لیس قد ابتعته منك ، فطفق الناس یلوذون بالنبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و بالأعرابی و هما یتشاجران ، فقال الأعرابی : هلمّ شهیدا یشهد أنّى قد بایعتك ، و من جآء من المسلمین قال للاعرابی إنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لم یكن لیقول إلاّ حقّا حتّى

[ 362 ]

جاء خزیمة بن ثابت فاستمع لمراجعة النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الأعرابی فقال خزیمة إنّی أشهد أنك قد بایعته ، فأقبل النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله على خزیمة فقال : بم تشهد ؟ قال : بتصدیقك یا رسول اللّه فجعل النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم شهادة خزیمة بن ثابت شهادتین و سمّاه ذو الشهادتین و روى هذه القصّة فی الكافی بنحو آخر عن علیّ بن إبراهیم عن محمّد بن عیسى عن معاویة بن وهب قال : كان البلاط حیث یصلّى على الجنایز سوقا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یسمّى البطحاء یباع فیها الحلیب و السّمن و الأقط و أنّ أعرابیا أتى بفرس له فأوثقه فاشتراه منه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، ثمّ دخل لیأتیه بالثمن فقام ناس من المنافقین فقالوا : بكم بعت فرسك ؟ قال : بكذا و كذا ، قالوا : بئس ما بعت ، فرسك خیر من ذلك و أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم خرج إلیه بالثمن وافیا طیّبا ، فقال الأعرابی : ما بعتك و اللّه ،

فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : سبحان اللّه بلى و اللّه لقد بعتنی ، و ارتفعت الأصوات فقال الناس : رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقاول الأعرابی ، فاجتمع ناس كثیر فقال أبو عبد اللّه 1 و مع النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إذ أقبل خزیمة بن ثابت الأنصاری ففرج الناس بیده حتّى انتهى إلى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله فقال : اشهد یا رسول اللّه لقد اشتریته منه ، فقال الأعرابی : أتشهد و لم تحضرنا ، و قال له النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أشهدتنا ؟ فقال له : لا یا رسول اللّه و لكنّى علمت أنّك قد اشتریت أ فاصدّقك بما جئت به من عند اللّه و لا اصدّقك على هذا الأعرابی الخبیث ؟ قال : فعجب له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال له : یا خزیمة شهادتك شهادة رجلین .

( و أین نظراؤهم ) و أشباههم ( من إخوانهم الّذین تعاقدوا ) و تعاهدوا ( على المنیّة ) و جدّوا فى المقاتلة حتّى قتلوا بصفّین كابن بدیل و هاشم بن عتبة و غیرهما ممّن تقدّم ذكره فی تذییل المختار الخامس و الستّین ( و أبرد برؤوسهم إلى الفجرة ) أى ارسلت رؤوسهم مع البرید للبشارة بها إلى الفسقة الطغام من أمراء الشام .

-----------
( 1 ) هكذا فی نسخة الكافی و الظاهر انه وقع فیه تحریف و سقط لا بدّ من الرجوع الى نسخة صحیحة إن ساعدنا التوفیق إنشاء اللّه تعالى « منه ره » .

أقول : فى الكافى المطبوع أخیرا ص 400 و 401 ج 7 الحدیث هكذا : فقال أبو عبد اللّه ( ع ) و مع النبى « ص » أصحابه « الخ » و زاد فی أوله : عن یونس ، بعد قوله : عن محمد بن عیسى ، و ذكر فی آخره : و قال ، بدل قوله : فقال له . و فى الوافى قال : كا على عن العبیدى عن یونس عن ابن وهب ، ثمّ ذكر الحدیث . « المصحّح »

[ 363 ]

( قال ) الرّاوى ( ثمّ ضرب علیه السّلام یده إلى لحیته فأطال البكاء ) من تقلّب الزمان و فقد الاخوان و تراكم الهموم و الأحزان ( ثمّ قال ) توجّعا و تحسّرا .

( اوه على إخوانى الّذین تلوا القرآن فأحكموه ) أى أحسنوا تلاوته و مبانیه و فهموا مقاصده و معانیه و عملوا بمقتضاه و مؤدّاه ( و تدبّروا الفرض فأقاموه ) أى تفكروا فی علل الواجبات و أسرار العبادات فواظبوا علیها و قاموا بوظایفها تحصیلا للغرض الأقصى منها و هو الزلفى إلى اللّه و القربى إلى رضوان اللّه الّذی هو أشرف اللّذات و أعلى الدرجات و ( أحیوا السّنّة ) یحتمل أن یكون المراد بها المستحبّات فیكون ذكرها بعد القرآن و الفرض نظیر ما روى عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله إنما العلم ثلاثة : آیة محكمة أو فریضة عادلة أو سنّة قائمة و ما خلاهنّ فهو فضل .

أى العلم النافع آیة محكمة أى واضحة الدّلالة أو غیر منسوخة فانّ المتشابه و المنسوخ لا ینتفع بهما غالبا ، و فریضة عادلة أى الواجبات المصونة من الافراط و التفریط ، و سنّة قائمة أى المندوبات الباقیة غیر المنسوخة ، و على هذا الاحتمال فالمراد باحیاء السنّة الاتیان بها و المراقبة علیها .

إلاّ أنّ الأظهر بقرینة المقابلة بینه و بین قوله : ( و أماتوا البدعة ) أن یراد بالسنّة مقابل البدعة ، یعنی السنة الّتی سنّها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و الشریعة الّتی شرعها .

روى فی البحار من معانی الأخبار مرفوعا قال : جاء رجل إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال : أخبرنی عن السنّة و البدعة و عن الجماعة و عن الفرقة ، فقال أمیر المؤمنین السنّة ما سنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، و البدعة ما أحدث من بعده ، و الجماعة أهل الحقّ و إن كانوا قلیلا ، و الفرقة أهل الباطل و إن كانوا كثیرا .

و على هذا فالمراد باحیاء السنّة أخذ أحكام الشرع و العمل علیها .

روى فی البحار من المحاسن عن أبی جعفر عن أبیه علیهما السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من تمسّك بسنّتی فی اختلاف أمّتی كان له أجر مأة شهید .

و المراد باماتة البدعة إبطالها و تركها و الاعراض عنها و عن أهلها .

[ 364 ]

روى فی البحار من تفسیر علیّ بن إبراهیم قال فی روایة أبی الجارود عن أبی جعفر علیه السّلام فی قوله تعالى : و الّذین كسبوا السیئات جزآء سیئة بمثلها و ترهقهم ذلّة ما لهم من اللَّه من عاصم هؤلاء أهل البدع و الشبهات و الشهوات یسوّد اللّه وجوههم ثمّ یلقونه .

و فیه من ثواب الأعمال عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : من مشى إلى صاحب بدعة فوقّره فقد مشی فی هدم الاسلام .

( دعوا للجهاد فأجابوا ) و نهضوا إلیه ( و وثقوا ) أى اطمأنوا و اتّكلوا ( بالقائد ) أراد به نفسه الشریف لكونه قائدا لهم إلى سبیل الحقّ ( فاتّبعوه ) .

( ثمّ ) إنّه علیه السّلام لما رغّب المخاطبین و رهّب و وعظهم و ذكّر و بشّرهم و أنذر و توجّع من مفارقة أصحابه و تحسّر تخلّص إلى أصل غرضه .

و ( نادى بأعلا صوته : الجهاد الجهاد عباد اللّه ) أى اسرعوا إلیه و انهضوا به ( ألا و انی معسكر فی یومی هذا ) أى جامع للعساكر فی المعسكر ( فمن أراد الرواح إلى اللّه ) أى الذهاب إلى الفوز برضوانه أو إلى لقائه تعالى بالشهادة ( فلیخرج ) ( قال نوف : و عقد للحسین علیه السّلام ) رایة ( فی عشرة آلاف و لقیس بن سعد ) ابن عبادة ( فی عشرة آلاف ) و كان سعد أبو قیس رئیس الخزرج و لم یبایع أبا بكر و مات على عدم البیعة و المشهور أنّهم قتلوه لذلك و أحالوا قتله على الجنّ و افتروا شعرا من لسان الجنّ كما مرّ فی المقدّمة الثالثة من مقدّمات الخطبة الثالثة و فی التنبیه الأوّل من شرح المختار السابع و الستّین .

و قال الشّارح المعتزلی : سعد هو الّذی حاول إقامته فی الخلافة بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و لم یبایع أبا بكر حین بویع و خرج إلى حوران فمات بها ، قیل قتلته الجنّ لأنه بال قایما فی الصحراء لیلا و رووا بیتی شعر قیل إنهما سمعا لیلة قتله و لم یر قائلهما

نحن قتلنا سیّد الخزرج سعد بن عبادة
و رمیناه بسهمین فلم یخط فؤاده

و یقول قوم : إنّ أمیر الشام یومئذ كمن له من رماه لیلا و هو خارج إلى الصحراء بسهمین فقتله لخروجه عن طاعته ، و قد قال بعض المتأخّرین :

[ 365 ]

یقولون سعد شكّت الجنّ قلبه
ألا ربّما صحّحت ذنبك بالعذر

و ما ذنب سعد أنّه بال قائما
و لكنّ سعدا لم یبایع أبا بكر

و قد صبرت من لذّة العیش أنفس
و ما صبرت عن لذّة النّهى و الأمر

و كان قیس من صحابة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و كبار شیعة أمیر المؤمنین علیه السّلام ، و كان طوالا جوادا شجاعا شهد مع أمیر المؤمنین علیه السّلام حروبه كلّها ، و كان مخلصا فی اعتقاده ثابت الرأى فی التشیّع و المحبّة .

و قد مرّ فی التنبیه الثانی من شرح المختار السابع و الستّین ما یفصح عن جلالة شأنه و رفعة مقامه و أحببت أن أورد هنا روایة مفیدة لخلوص عقیدته على وجه الكمال مع تضمّنها لاعجاز غریب لأمیر المؤمنین علیه السّلام .

فأقول : روى فی البحار من كتاب إرشاد القلوب عن جابر بن عبد اللّه الأنصاری و عبد اللّه بن عباس قالا : كنّا جلوسا عند أبی بكر فی ولایته و قد أضحى النهار و إذا بخالد بن الولید المخزومی قد وافی فی جیش قام غباره و كثر صهیل أهل خیله ،

و إذا بقطب رحى ملوىّ فی عنقه قد فتل فتلا فأقبل حتّى نزل عن جواده و دخل المسجد و وقف بین یدی أبی بكر فرمقه الناس بأعینهم فهالهم منظره .

ثمّ قال : اعدل یا ابن أبی قحافة حیث جعلك الناس فی هذا الموضع الّذى لست له أنت بأهل ، و ما ارتفعت إلى هذا المكان إلاّ كما یرتفع الطافى من السّمك على الماء ، و انما یطفو و یعلو حین لا حراك به ، مالك و سیاسة الجیوش و تقدیم العساكر و أنت بحیث أنت من دنائة الحسب و منقوص النسب و ضعف القوى و قلّة التحصیل لا تحمى ذمارا و لا تضرم نارا فلا جزى اللّه أخا ثقیف و ولد صهّاك خیرا .

إنّى رجعت متكفأ من الطایف إلى جدة فى طلب المرتدّین فرأیت علىّ بن أبیطالب علیه السّلام و معه عتاة من الدّین حمالیق شزرات أعینهم من حسدك و بدرت حنقا علیك و قرحت آماقهم لمكانك ، منهم ابن یاسر و المقداد و ابن جنادة أخو غفار و ابن العوام و غلامان أعرف أحدهما بوجهه ، و غلام أسمر لعلّه من ولد عقیل أخیه .

فتبیّن لى المنكر فی وجوههم و الحسد فی احمرار أعینهم ، و قد توشّح علىّ

[ 366 ]

بدرع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و لبس ردائه السحاب و لقد اسرج له دابّته العقاب ، و لقد نزل علىّ على عین ماء اسمها رویة ، فلما رآنى اشمأزّ و بربر و أطرق موحشا یقبض على لحیته .

فبادرته بالسلام استكفاء و اتّقاء و وحشة ، فاستغنمت سعة المناخ و سهولة المنزل فنزلت و من معى بحیث نزلوا اتّقاء عن مراوغته ، فبدانى ابن یاسر بقبیح لفظه و محض عداوته فقر عنى هزؤا بما تقدّمت به إلى بسوء رأیك .

فالتفت إلىّ أصلع الرأس و قد ازدحم الكلام فى حلقه كهمهمة الأسد أو كقعقعة الرّعد فقال لی بغضب منه : أو كنت فاعلا یا با سلیمان ؟

فقلت له : إى و اللّه لو أقام على رأیه لضربت الّذی فیه عیناك ، فأغضبه قولی إذ صدقته و أخرجه إلى طبعه الذی أعرفه به عند الغضب .

فقال : یا ابن اللّخناء مثلك من یقدر على مثلی أو یجسر أو یدیر اسمى فی لهواته الّتی لا عهد لها بكلمة حكمة ، ویلك إنی لست من قتلاك و لا من قتلا صاحبك و انی لأعرف بمنیتی منك بنفسك .

ثمّ ضرب بیده إلى ترقوتی فنكسنى عن فرسی و جعل یسوقنی دعا الى رحى للحارث بن كلدة الثقفی ، فعمد إلى القطب الغلیظ فمدّ عنقى بكلتا یدیه و أداره فى عنقى ینفتل له كالعلك المسخن .

و أصحابى هؤلاء وقوف ، ما أغنوا عنّی سطوته ، و لا كفّوا عنّى شرته فلا جزاهم اللّه عنى خیرا ، فانهم لما نظروا الیه كأنما نظروا إلى ملك موتهم ، فو الّذی رفع السماء بلا اعماد لقد اجتمع على فكّ هذا القطب مأة « ألف خ » رجل أو یزیدون من أشدّ العرب فما قدروا على فكّه فدلّنى عجز الناس عن فكّه أنه سحر منه أو قوّة ملك قد ركبت فیه ، ففكّه الآن عنّى إن كنت فاكّه ، و خذ لى بحقّى إن كنت آخذه ، و إلاّ لحقت بدار عزّى و مستقرّ مكرمتى ، قد ألبسنى ابن أبى طالب من العار ما صرت به ضحكة لأهل الدّیار .

فالتفت أبو بكر إلى عمر فقال : ما ترى إلى ما یخرج من هذا الرّجل كأنّ

[ 367 ]

ولایتى ثقل على كاهله أو شجى فى صدره .

فالتفت إلیه عمر فقال : فیه دعابة لا تدعها حتّى تورده فلا تصدره « و جهل خ » و حسد قد استحكما فی خلده فجریا منه مجرى الدّماء لا یدعانه حتّى یهنا منزلته و یورطاه ورطة الهلكة .

ثمّ قال أبو بكر لمن بحضرته : ادعوا لی قیس بن سعد بن عبادة الأنصاری ،

فلیس لفكّ هذا القطب غیره .

قال : و كان قیس سیّاف النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و كان رجلا طویلا طوله ثمانیة عشر شبرا فی عرض خمسة أشبار و كان أشدّ الناس فی زمانه بعد أمیر المؤمنین علیه السّلام .

فحضر قیس فقال له : یا قیس إنك من شدّة البدن بحیث أنت ففكّ هذا القطب من عنق أخیك خالد .

فقال قیس : و لم لا یفكّه خالد عن عنقه ؟

قال : لا یقدر علیه .

قال : فما لا یقدر علیه أبو سلیمان و هو نجم عسكركم و سیفكم على أعدائكم كیف أقدر علیه أنا .

قال عمر : دعنا من هزؤك و هزلك و خذ فیما حضرت له .

فقال : لمسألة : تسألونها طوعا أو كرها تجبرونی علیه .

فقال له : إن كان طوعا و إلاّ فكرها .

قال قیس : یا ابن صحّاك خذل اللّه من یكرهه مثلك إنّ بطنك لعظیمة و إنّ كرشك لكبیرة ، فلو فعلت أنت ذلك ما كان منك .

فخجل عمر من قیس بن سعد فجعل ینكث أسنانه بأنامله .

فقال أبو بكر : و ما بذلك منه ، اقصد لما سئلت .

فقال قیس : و اللّه لو أقدر على ذلك لما فعلت ، فدونكم و حدّادى المدینة فانّهم أقدر على ذلك منّی ، فأتوا بجماعة من الحدّادین فقالوا : لا ینفتح حتّى نحمیه بالنّار .

[ 368 ]

فالتفت أبو بكر إلى قیس مغضبا ، فقال : و اللّه ما بك من ضعف من فكّه و لكنّك لا تفعل فعلا یعیبك فیه إمامك و حبیبك أبو الحسن ، و لیس هذا بأعجب من أنّ أباك رام الخلافة لیبتغى الاسلام عوجا فحدّ اللّه شوكته و أذهب نخوته و أعزّ الاسلام لولیّه و أقام دینه بأهل طاعته ، و أنت الآن فی حال كیذ و شقاق .

قال : فاستشاط قیس بن سعد غضبا و امتلأ غیظا ، فقال : یا ابن أبی قحافة إنّ لك جوابا حمیا بلسان طلق و قلب جرىّ ، لولا البیعة الّتی لك فی عنقى سمعته منّى و اللّه لان بایعتك یدی لم یبایعك قلبى و لا لسانى و لا حجّة لى فى علىّ بعد یوم الغدیر و لا كانت بیعتى لك إلاّ كالّتى نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا ، أقول قولى هذا غیر هائب منك ، و لا خائف من معرتك ، و لو سمعت هذا القول منك بدأة لما فتح لك منّى صالحا .

إن كان أبی رام الخلافة فحقیق أن یرومها بعد من ذكرته ، لأنه رجل لا یقعقع بالشنآن و لا یغمز جانبه كغمز التینة ضخم صندید و سمك منیف و عز بازخ اشوس ،

بخلافك أیّها النعجة العرجاء و الدیك النافش لا عن صمیم و لا حسب كریم و أیم اللّه لان عاودتنى فی أبى لألجمنّك بلجام من القول یمجّ فوك منه دما ، دعنا نخوض فی عمایتك و نتردّى فی غوایتك على معرفة منّا بترك الحقّ و اتّباع الباطل .

و أما قولك إنّ علیّا إمامى ما انكر إمامته و لا أعدل عن ولایته و كیف انقض و قد أعطیت اللّه عهدا بامامته و ولایته یسألنى عنه فأنا إن ألقى اللّه بنقض بیعتك أحبّ إلىّ من انقض عهده و عهد رسوله و عهد وصیّه و خلیله .

و ما أنت إلاّ أمیر قومك إن شاؤوا تركوك و إن شاؤوا عزلوك ، فتب إلى اللّه مما اجترمته و تنصّل إلیه مما ارتكبته ، سلّم الأمر إلى من هو أولى منك بنفسك ، فقد ركبت عظیما بولایتك دونه و جلوسك فی موضعه و تسمیتك باسمه ، و كأنك بالقلیل من دنیاك و قد انقشع عنك كما ینقشع السحاب و تعلم أىّ الفریقین شرّ مكانا و أضعف جندا

[ 369 ]

و أمّا تعییرك إیّاى بانّه مولاى هو و اللّه مولاى و مولاك و مولى المؤمنین أجمعین آه آه أنّى لی بثبات قدم أو تمكّن وطأ حتّى الفظك لفظ المنجنیق الحجرة و لعلّ ذلك یكون قریبا و تكتفى بالعیان عن الخبر .

ثمّ قام و نفض ثوبه و مضى ، و ندم أبو بكر عمّا أسرع إلیه من القول إلى قیس ، الحدیث .

قال نوف ( و ) عقد ( لأبی أیّوب الأنصاری ) أیضا ( فی عشرة آلاف ) و أبو أیّوب هو خالد بن زید بن كعب الخزرجی من بنى النجار شهد العقبة و بدرا و سایر المشاهد ،

و علیه نزل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حین قدم المدینة و شهد مع أمیر المؤمنین مشاهده كلّها و كان على مقدمته یوم النهروان .

( و ) عقد ( لغیرهم على اعداد اخر و هو علیه السّلام یرید الرّجعة إلى صفین فما دارت الجمعة حتّى ضربه الملعون ) أشقى الأولین و الآخرین شقیق عاقر ناقة صالح ( ابن ملجم ) المرادی ( لعنه اللّه ) حسبما عرفت تفصیل ضربته فی شرح المختار التاسع و الستّین .

( فتراجعت العساكر ) من المعسكر إلى الكوفة قال الرّاوی ( فكنّا كأغنام فقدت راعیها تختطفها الذئاب من كلّ مكان ) كما قال الفرزدق :

فلا غرو للأشراف إن ظفرت لها
ذئاب الأعادى من فصیح و أعجم

فحربة وحشىّ سقت حمزة الرّدى
و قتل علىّ من حسام مصمّم

و المراد من اختطاف الذئاب إمّا النهب و القتل و الاذلال أو الاغواء و الاضلال قال الشارح المعتزلی : یقال : إنّ هذه الخطبة آخر خطبة خطبها أمیر المؤمنین علیه السّلام قائما .

الترجمة

فصل سیّم از این خطبه اشارتست بصفات امام زمان علیه السّلام میفرماید كه بتحقیق كه پوشیده است آن بزرگوار از براى حفظ حكمت سپروزره آنرا و أخذ كرده حكمت را با جمیع آدابهاى آن كه عبارتند از اقبال كردن بر آن

[ 370 ]

و شناختن قدر و منزلت آن و فارغ شدن از براى آن ، پس آن حكمت در پیش آنحضرت بمنزله گم شده او است كه طلب مینماید آنرا ، و حاجت اوست كه سؤال میكند از آن ، پس آنحضرت اختیار غربت و غیبت كننده است زمانى كه غریب شود اسلام ،

و بزند اطراف دم خود را و بچسباند بزمین سینه خود را ، آنحضرت بقیّه ایست از باقى ماندگان حجّت خدا ، و خلیفه‏ایست از خلیفهاى پیغمبران حقتعالى .

پس فرمود آن حضرت : اى مردمان بدرستى كه من منتشر كردم از براى شما موعظهائى كه موعظه فرمودند با آنها پیغمبران امتهاى خودشان را ، و رساندم بسوى شما چیزیرا كه رساند وصیهاى پیغمبران بكسانى كه بودند بعد از ایشان ،

و ادب دادم بشما با تازیانه خودم پس مستقیم نشدید ، و راندم شما را بدلائل مانعه از راه ناصواب پس منتظم نگشتید ، تعجّب میكنم از شما آیا توقع میكنید امامى را غیر از من كه ببرد شما را بجادّه حق ، و ارشاد نماید شما را براه راست .

آگاه باشید بدرستیكه ادبار كرده است از دنیا چیزیكه اقبال نموده بود ،

و اقبال كرده است از آن چیزیكه ادبار كرده بود ، و عزم برحلت كردند بندگان پسندیده خدا و عوض كردند قلیل از دنیا را كه باقى نخواهد ماند بكثیر از آخرت كه فانى نخواهد شد ، ضرر نرساند برادران ما را كه ریخته شد خونهاى ایشان در جنگ صفین اینكه نشدند امروز زنده كه گوارا كنند غصه‏ها را و بیاشامند آب كدورت آمیز اندوه را بتحقیق قسم بذات حق كه ملاقات كردند پروردگار را پس بتمام و كمال رسانید بایشان اجرهاى ایشان را ، و فرود آورد ایشان را در سراى امن و امان بعد از خوف و هراس ایشان .

كجایند برادران من كه سوار شدند بر راه صدق ، و گذشتند بر طریق حق ،

كجا است عمار یاسر كجا است ابی الهیثم بن التیهان كجا است خزیمة بن ثابت ذو الشهادتین و كجایند امثال ایشان از برادران مؤمنین ایشان كه عهد بسته بودند با همدیگر بر مردن در راه دین ، و فرستاده شد سرهاى ایشان با قاصد بسوى فاجران پس از آن زد آن حضرت دست خود را بمحاسن شریف خود ، پس بسیار گریست بعد از آن فرمود :

[ 371 ]

آه بر برادران من كه تلاوت كردند قرآن را پس محكم ساختند آنرا ،

و تفكر كردند در واجبات پس برپا داشتند آن را ، و زنده كردند سنّت پیغمبر را و كشتند بدعت را ، خوانده شدند از براى جهاد پس اجابت كردند ، و اعتماد نمودند به پیشوا پس متابعت كردند او را .

بعد از آن ندا فرمود آن حضرت بآواز بلند و فرمود : بشتابید بسوى جهاد و قتال اى بندگان خدا ، آگاه باشید كه اردو درست كننده‏ام در همین روز پس هر كه اراده كند توجّه نمودن بسوى پروردگار خود بس باید كه خارج بشود باردوگاه .

گفت نوف بكالی : و عقد فرمود حضرت أمیر مؤمنان از براى پسر خود امام حسین علیه السّلام در ده هزار نفر ، و معین فرمود از براى قیس بن سعد بن عبادة در ده هزار ، و از براى أبو أیوب انصاری در ده هزار ، و از براى سایرین بر شمارهاى دیگر و اراده داشت كه بر گردد بسوى صفین پس بر نگردید روز جمعه همان هفته تا آنكه ضربت زد آن بزرگوار را ملعون ابن ملجم مرادی ، خدا لعنت كند او را پس بر گشتند لشگریان پس شدیم ما بمنزله گوسفندانى كه گم كرده باشند شبان خود را در حالتى كه بربایند آنها را گرگان از هر مكان .

و من خطبة له علیه السّلام

و هى المأة و الثانیة و الثمانون من المختار فى باب الخطب ألحمد للّه المعروف من غیر رؤیة ، الخالق من غیر منصبة ، خلق الخلائق بقدرته ، و استعبد الأرباب بعزّته ، و ساد العظماء بجوده ،

و هو الّذی أسكن الدّنیا خلقه ، و بعث إلى الجنّ و الإنس رسله ،

[ 372 ]

لیكشفوا لهم عن غطائها ، و لیحذّروهم من ضرائها ، و لیضربوا لهم أمثالها ، و لیبصّروهم عیوبها ، و لیهجموا علیهم بمعتبر من تصرّف مصاحّها و أسقامها ، و حلالها و حرامها ، و ما أعدّ سبحانه للمطیعین منهم و العصاة من جنّة و نار ، و كرامة و هوان ، أحمده إلى نفسه كما استحمد إلى خلقه ، جعل لكلّ شی‏ء قدرا ، و لكلّ قدر أجلا ، و لكلّ أجل كتابا .

منها : فی ذكر القرآن فالقرآن آمر زاجر ، و صامت ناطق ،

حجّة اللّه على خلقه ، أخذ علیهم میثاقه ، و ارتهن علیه أنفسهم ، أتمّ نوره ، و أكرم به دینه ، و قبض نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و قد فرغ إلى الخلق من أحكام الهدى به ، فعظّموا منه سبحانه ما عظّم من نفسه ، فإنّه لم یخف عنكم شیئا من دینه ، و لم یترك شیئا رضیه أو كرهه إلاّ و جعل له علما بادیا ، و ایة محكمة تزجر عنه أو تدعو إلیه ، فرضاه فیما بقی واحد ، و سخطه فیما بقی واحد .

و اعلموا أنّه لن یرض عنكم بشی‏ء سخطه على من كان قبلكم ،

و لن یسخط علیكم بشی‏ء رضیه ممّن كان قبلكم ، و إنّما تسیرون فی أثر بیّن ، و تتكلّمون برجع قول قد قاله الرّجال من قبلكم ، قد

[ 373 ]

كفاكم مؤنة دنیاكم ، و حثّكم على الشّكر ، و افترض من ألسنتكم الذّكر ، و أوصاكم بالتّقوى و جعلها منتهى رضاه ، و حاجته من خلقه ،

فاتّقوا اللّه الّذی أنتم بعینه ، و نواصیكم بیده ، و تقلّبكم فی قبضته ،

إن أسررتم علمه ، و إن أعلنتم كتبه ، قد وكّل بكم حفظة كراما ،

لا یسقطون حقّا ، و لا یثبتون باطلا .

و اعلموا أنّ من یتّق اللّه یجعل له مخرجا من الفتن ، و نورا من الظّلم ، و یخلّده فیما اشتهت نفسه ، و ینزّله منزلة الكرامة عنده فی دار اصطنعها لنفسه ، ظلّها عرشه ، و نورها بهجته ، و زوّارها ملائكته ، و رفقاءها رسله ، فبادروا المعاد ، و سابقوا الاجال ،

فإنّ النّاس یوشك أن ینقطع بهم الأمل ، و یرهقهم الأجل ، و یسدّ عنهم باب التّوبة ، فقد أصبحتم فی مثل ما سأل إلیه الرّجعة من كان قبلكم ، و أنتم بنو سبیل على سفر من دار لیست بداركم ، و قد أوذنتم منها بالإرتحال ، و أمرتم فیها بالزّاد .

و اعلموا أنّه لیس لهذا الجلد الرّقیق صبر على النّار ، فارحموا نفوسكم فإنّكم قد جرّبتموها فی مصائب الدّنیا أ فرأیتم جزع أحدكم من الشّوكة تصیبه ، و العثرة تدمیه ، و الرّمضآء تحرقه ، فكیف إذا

[ 374 ]

كان بین طابقین من نار ، ضجیع حجر ، و قرین شیطان ، أعلمتم أنّ مالكا إذا غضب على النّار حطم بعضها بعضا لغضبه ، و إذا زجرها توثّبت بین أبوابها جزعا من زجرته ، أیّها الیفن الكبیر الّذی قد لهزه القتیر ، كیف أنت إذا التحمت أطواق النّار بعظام الأعناق ، و نشبت الجوامع حتّى أكلت لحوم السّواعد .

فاللّه اللّه معشر العباد و أنتم سالمون فی الصّحّة قبل السّقم ،

و فی الفسحة قبل الضّیق ، فاسعوا فی فكاك رقابكم من قبل أن تغلق رهائنها ، أسهروا عیونكم ، و أضمروا بطونكم ، و استعملوا أقدامكم و أنفقوا أموالكم ، و خذوا من أجسادكم ما تجودوا بها على أنفسكم و لا تبخلوا بها عنها ، فقد قال اللّه سبحانه إِنْ تَنْصُرُوا اللّهَ یَنْصُرْكُمْ وَ یُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ و قال : مَنْ ذَا الَّذی یُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَیُضاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أََجْرٌ كَریمٌ فلم یستنصركم من ذلّ ، و لم یستقرضكم من قلّ ، استنصركم و له جنود السّموات و الأرض و هو العزیز الحكیم ، و استقرضكم و له خزائن السّموات و الأرض و هو الغنیّ الحمید ، و إنّما أراد أن یبلوكم أیّكم أحسن عملا ، فبادروا بأعمالكم ، تكونوا مع جیران اللّه فی داره ، رافق بهم رسله ، و أزارهم

[ 375 ]

ملائكته ، و أكرم أسماعهم أن تسمع حسیس نار أبدا ، و صان أجسادهم أن تلقى لغوبا و نصبا ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ یُؤْتیهِ مَنْ یَشاءُ وَ اللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظیمِ أقول ما تسمعون ، و اللّه المستعان على نفسی و أنفسكم ،

و هو حسبنا و نعم الوكیل .





نظرات() 


foot problems
دوشنبه 27 شهریور 1396 05:56 ب.ظ
This design is steller! You most certainly know how to keep a reader amused.
Between your wit and your videos, I was almost moved to start my own blog (well, almost...HaHa!) Wonderful job.

I really enjoyed what you had to say, and more than that, how you presented it.
Too cool!
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox