تبلیغات
پیام هادی - تفاسیر نهج البلاغه
 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-05:30 ب.ظ

[ 182 ]

وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ ع رُوِیَ عَنْ نَوْفٍ اَلْبَكَالِیِّ قَالَ خَطَبَنَا بِهَذِهِ اَلْخُطْبَةِ أَمِیرُ اَلْمُؤْمِنِینَ عَلِیٌّ ع بِالْكُوفَةِ وَ هُوَ قَائِمٌ عَلَى حِجَارَةٍ نَصَبَهَا لَهُ جَعْدَةُ بْنُ هُبَیْرَةَ اَلْمَخْزُومِیُّ وَ عَلَیْهِ مِدْرَعَةٌ مِنْ صُوفٍ وَ حَمَائِلُ سَیْفِهِ لِیفٌ وَ فِی رِجْلَیْهِ نَعْلاَنِ مِنْ لِیفٍ وَ كَأَنَّ جَبِینَهُ ثَفِنَةُ بَعِیرٍ فَقَالَ ع حمد اللّه و استعانته اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِی إِلَیْهِ مَصَائِرُ اَلْخَلْقِ وَ عَوَاقِبُ اَلْأَمْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِیمِ إِحْسَانِهِ وَ نَیِّرِ بُرْهَانِهِ وَ نَوَامِی فَضْلِهِ وَ اِمْتِنَانِهِ حَمْداً یَكُونُ لِحَقِّهِ قَضَاءً وَ لِشُكْرِهِ أَدَاءً وَ إِلَى ثَوَابِهِ مُقَرِّباً وَ لِحُسْنِ مَزِیدِهِ مُوجِباً وَ نَسْتَعِینُ بِهِ اِسْتِعَانَةَ رَاجٍ لِفَضْلِهِ مُؤَمِّلٍ لِنَفْعِهِ وَاثِقٍ بِدَفْعِهِ مُعْتَرِفٍ لَهُ بِالطَّوْلِ مُذْعِنٍ لَهُ بِالْعَمَلِ وَ اَلْقَوْلِ وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِیمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً وَ أَنَابَ إِلَیْهِ مُؤْمِناً وَ خَنَعَ لَهُ مُذْعِناً وَ أَخْلَصَ لَهُ مُوَحِّداً وَ عَظَّمَهُ مُمَجِّداً وَ لاَذَ بِهِ رَاغِباً مُجْتَهِداً اللّه الواحد لَمْ یُولَدْ سُبْحَانَهُ فَیَكُونَ فِی اَلْعِزِّ مُشَارَكاً وَ لَمْ یَلِدْ فَیَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً وَ لَمْ یَتَقَدَّمْهُ وَقْتٌ وَ لاَ زَمَانٌ وَ لَمْ یَتَعَاوَرْهُ زِیَادَةٌ وَ لاَ نُقْصَانٌ بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلاَمَاتِ اَلتَّدْبِیرِ اَلْمُتْقَنِ وَ اَلْقَضَاءِ اَلْمُبْرَمِ فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ اَلسَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلاَ عَمَدٍ قَائِمَاتٍ بِلاَ سَنَدٍ دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ غَیْرَ مُتَلَكِّئَاتٍ وَ لاَ مُبْطِئَاتٍ وَ لَوْ لاَ إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِیَّةِ وَ إِذْعَانُهُنَّ بِالطَّوَاعِیَةِ لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ وَ لاَ مَسْكَناً لِمَلاَئِكَتِهِ وَ لاَ مَصْعَداً لِلْكَلِمِ اَلطَّیِّبِ وَ اَلْعَمَلِ اَلصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلاَماً یَسْتَدِلُّ بِهَا اَلْحَیْرَانُ فِی مُخْتَلِفِ فِجَاجِ اَلْأَقْطَارِ لَمْ یَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا اِدْلِهْمَامُ سُجُفِ اَللَّیْلِ اَلْمُظْلِمِ وَ لاَ اِسْتَطَاعَتْ جَلاَبِیبُ سَوَادِ اَلْحَنَادِسِ أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِی اَلسَّمَاوَاتِ مِنْ تَلَأْلُؤِ نُورِ اَلْقَمَرِ فَسُبْحَانَ مَنْ لاَ یَخْفَى عَلَیْهِ سَوَادُ غَسَقٍ دَاجٍ وَ لاَ لَیْلٍ سَاجٍ فِی بِقَاعِ اَلْأَرَضِینَ اَلْمُتَطَأْطِئَاتِ وَ لاَ فِی یَفَاعِ اَلسُّفْعِ اَلْمُتَجَاوِرَاتِ وَ مَا یَتَجَلْجَلُ بِهِ اَلرَّعْدُ فِی أُفُقِ اَلسَّمَاءِ وَ مَا تَلاَشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ اَلْغَمَامِ وَ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ تُزِیلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ اَلْأَنْوَاءِ وَ اِنْهِطَالُ اَلسَّمَاءِ وَ یَعْلَمُ مَسْقَطَ اَلْقَطْرَةِ وَ مَقَرَّهَا وَ مَسْحَبَ اَلذَّرَّةِ وَ مَجَرَّهَا وَ مَا یَكْفِی اَلْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِهَا وَ مَا تَحْمِلُ اَلْأُنْثَى فِی بَطْنِهَا عود إلى الحمد وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْكَائِنِ قَبْلَ أَنْ یَكُونَ كُرْسِیٌّ أَوْ عَرْشٌ أَوْ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضٌ أَوْ جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ لاَ یُدْرَكُ بِوَهْمٍ وَ لاَ یُقَدَّرُ بِفَهْمٍ وَ لاَ یَشْغَلُهُ سَائِلٌ وَ لاَ یَنْقُصُهُ نَائِلٌ وَ لاَ یَنْظُرُ بِعَیْنٍ وَ لاَ یُحَدُّ بِأَیْنٍ وَ لاَ یُوصَفُ بِالْأَزْوَاجِ وَ لاَ یُخْلَقُ بِعِلاَجٍ وَ لاَ یُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ وَ لاَ یُقَاسُ بِالنَّاسِ اَلَّذِی كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِیماً وَ أَرَاهُ مِنْ آیَاتِهِ عَظِیماً بِلاَ جَوَارِحَ وَ لاَ أَدَوَاتٍ وَ لاَ نُطْقٍ وَ لاَ لَهَوَاتٍ بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَیُّهَا اَلْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ فَصِفْ جِبْرِیلَ وَ مِیكَائِیلَ وَ جُنُودَ اَلْمَلاَئِكَةِ اَلْمُقَرَّبِینَ فِی حُجُرَاتِ اَلْقُدُسِ مُرْجَحِنِّینَ مُتَوَلِّهَةً عُقُولُهُمْ أَنْ یَحُدُّوا أَحْسَنَ اَلْخَالِقِینَ فَإِنَّمَا یُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو اَلْهَیْئَاتِ وَ اَلْأَدَوَاتِ وَ مَنْ یَنْقَضِی إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ فَلاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلاَمٍ وَ أَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُورٍ الوصیة بالتقوى أُوصِیكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ اَلَّذِی أَلْبَسَكُمُ اَلرِّیَاشَ وَ أَسْبَغَ عَلَیْكُمُ اَلْمَعَاشَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً یَجِدُ إِلَى اَلْبَقَاءِ سُلَّماً أَوْ لِدَفْعِ اَلْمَوْتِ سَبِیلاً لَكَانَ ذَلِكَ سُلَیْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ع اَلَّذِی سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ مَعَ اَلنُّبُوَّةِ وَ عَظِیمِ اَلزُّلْفَةِ فَلَمَّا اِسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ وَ اِسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ رَمَتْهُ قِسِیُّ اَلْفَنَاءِ بِنِبَالِ اَلْمَوْتِ وَ أَصْبَحَتِ اَلدِّیَارُ مِنْهُ خَالِیَةً وَ اَلْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً وَ وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ وَ إِنَّ لَكُمْ فِی اَلْقُرُونِ اَلسَّالِفَةِ لَعِبْرَةً أَیْنَ اَلْعَمَالِقَةُ وَ أَبْنَاءُ اَلْعَمَالِقَةِ أَیْنَ اَلْفَرَاعِنَةُ وَ أَبْنَاءُ اَلْفَرَاعِنَةِ أَیْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ اَلرَّسِّ اَلَّذِینَ قَتَلُوا اَلنَّبِیِّینَ وَ أَطْفَئُوا سُنَنَ اَلْمُرْسَلِینَ وَ أَحْیَوْا سُنَنَ اَلْجَبَّارِینَ أَیْنَ اَلَّذِینَ سَارُوا بِالْجُیُوشِ وَ هَزَمُوا بِالْأُلُوفِ وَ عَسْكَرُوا اَلْعَسَاكِرَ وَ مَدَّنُوا اَلْمَدَائِنَ وَ مِنْهَا قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا وَ أَخَذَهَا بِجَمِیعِ أَدَبِهَا مِنَ اَلْإِقْبَالِ عَلَیْهَا وَ اَلْمَعْرِفَةِ بِهَا وَ اَلتَّفَرُّغِ لَهَا فَهِیَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ اَلَّتِی یَطْلُبُهَا وَ حَاجَتُهُ اَلَّتِی یَسْأَلُ عَنْهَا فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اِغْتَرَبَ اَلْإِسْلاَمُ وَ ضَرَبَ بِعَسِیبِ ذَنَبِهِ وَ أَلْصَقَ اَلْأَرْضَ بِجِرَانِهِ بَقِیَّةٌ مِنْ بَقَایَا حُجَّتِهِ خَلِیفَةٌ مِنْ خَلاَئِفِ أَنْبِیَائِهِ ثم قال علیه السلام أَیُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّی قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ اَلْمَوَاعِظَ اَلَّتِی وَعَظَ اَلْأَنْبِیَاءُ بِهَا أُمَمَهُمْ وَ أَدَّیْتُ إِلَیْكُمْ مَا أَدَّتِ اَلْأَوْصِیَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ وَ أَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِی فَلَمْ تَسْتَقِیمُوا وَ حَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا لِلَّهِ أَنْتُمْ أَ تَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَیْرِی یَطَأُ بِكُمُ اَلطَّرِیقَ وَ یُرْشِدُكُمُ اَلسَّبِیلَ أَلاَ إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ اَلدُّنْیَا مَا كَانَ مُقْبِلاً وَ أَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً وَ أَزْمَعَ اَلتَّرْحَالَ عِبَادُ اَللَّهِ اَلْأَخْیَارُ وَ بَاعُوا قَلِیلاً مِنَ اَلدُّنْیَا لاَ یَبْقَى بِكَثِیرٍ مِنَ اَلْآخِرَةِ لاَ یَفْنَى مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا اَلَّذِینَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ وَ هُمْ بِصِفِّینَ أَلاَّ یَكُونُوا اَلْیَوْمَ أَحْیَاءً یُسِیغُونَ اَلْغُصَصَ وَ یَشْرَبُونَ اَلرَّنْقَ قَدْ وَ اَللَّهِ لَقُوا اَللَّهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ وَ أَحَلَّهُمْ دَارَ اَلْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ أَیْنَ إِخْوَانِیَ اَلَّذِینَ رَكِبُوا اَلطَّرِیقَ وَ مَضَوْا عَلَى اَلْحَقِّ أَیْنَ عَمَّارٌ وَ أَیْنَ اِبْنُ اَلتَّیِّهَانِ وَ أَیْنَ ذُو اَلشَّهَادَتَیْنِ وَ أَیْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ اَلَّذِینَ تَعَاقَدُوا عَلَى اَلْمَنِیَّةِ وَ أُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى اَلْفَجَرَةِ قَالَ ثُمَّ ضَرَبَ بِیَدِهِ عَلَى لِحْیَتِهِ اَلشَّرِیفَةِ اَلْكَرِیمَةِ فَأَطَالَ اَلْبُكَاءَ ثُمَّ قَالَ ع أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِیَ اَلَّذِینَ تَلَوُا اَلْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ وَ تَدَبَّرُوا اَلْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ أَحْیَوُا اَلسُّنَّةَ وَ أَمَاتُوا اَلْبِدْعَةَ دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا وَ وَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ اَلْجِهَادَ اَلْجِهَادَ عِبَادَ اَللَّهِ أَلاَ وَ إِنِّی مُعَسْكِرٌ فِی یَومِی هَذَا فَمَنْ أَرَادَ اَلرَّوَاحَ إِلَى اَللَّهِ فَلْیَخْرُجْ قَالَ نَوْفٌ وَ عَقَدَ لِلْحُسَیْنِ ع فِی عَشَرَةِ آلاَفٍ وَ لِقَیْسِ بْنِ سَعْدٍ رَحِمَهُ اَللَّهُ فِی عَشَرَةِ آلاَفٍ وَ لِأَبِی أَیُّوبَ اَلْأَنْصَارِیِّ فِی عَشَرَةِ آلاَفٍ وَ لِغَیْرِهِمْ عَلَى أَعْدَادٍ أُخَرَ وَ هُوَ یُرِیدُ اَلرَّجْعَةَ إِلَى صِفِّینَ فَمَا دَارَتِ اَلْجُمُعَةُ حَتَّى ضَرَبَهُ اَلْمَلْعُونُ اِبْنُ مُلْجَمٍ لَعَنَهُ اَللَّهُ فَتَرَاجَعَتِ اَلْعَسَاكِرُ فَكُنَّا كَأَغْنَامٍ فَقَدَتْ رَاعِیهَا تَخْتَطِفُهَا اَلذِّئَابُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ

و من خطبة له علیه السّلام

و هى المأة و الواحدة و الثمانون من المختار فی باب الخطب و شرحها فی فصول :

الفصل الاول

روى عن نوف البكالی قال : خطبنا بهذه الخطبة بالكوفة أمیر المؤمنین علیه السّلام و هو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبیرة المخزومی و علیه مدرعة من صوف و حمایل سیفه من لیف و فی رجلیه نعلان من لیف و كأنّ جبینه ثفنة بعیر فقال علیه السّلام :

[ 299 ]

ألحمد للّه الّذی إلیه مصآئر الخلق ، و عواقب الأمر ، نحمده على عظیم إحسانه ، و نیّر برهانه ، و نوامی فضله و امتنانه ، حمدا یكون لحقّه قضآء ، و لشكره أدآء ، و إلى ثوابه مقرّبا ، و لحسن مزیده موجبا ، و نستعین به استعانة راج لفضله ، مؤمّل لنفعه ،

واثق بدفعه ، معترف له بالطّول ، مذعن له بالعمل و القول ، و نؤمن به إیمان من رجاه موقنا ، و أناب إلیه مؤمنا ، و خنع له مذعنا ،

و أخلص له موّحدا ، و عظّمه ممجّدا ، و لاذ به راغبا مجتهدا ، لم یولد سبحانه فیكون فی العزّ مشاركا ، و لم یلد فیكون موروثا هالكا ،

و لم یتقدّمه وقت و لا زمان ، و لم یتعاوره زیادة و لا نقصان ، بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التّدبیر المتقن ، و القضآء المبرم .

فمن شواهد خلقه خلق السّموات موطّدات بلا عمد ، قائمات بلا سند ، دعاهنّ فأجبن طآئعات مذعنات ، غیر متلكّئات و لا مبطئات ،

و لولا إقرارهنّ له بالرّبوبیّة ، و إذعانهنّ بالطّواعیة ، لما جعلهنّ موضعا لعرشه ، و لا مسكنا لملائكته ، و لا مصعدا للكلم الطّیّب و العمل الصّالح من خلقه ، جعل نجومها أعلاما یستدلّ بها الحیران فی مختلف فجاج الأقطار ، لم یمنع ضوء نورها ادلهمام سجف اللّیل

[ 300 ]

المظلم ، و لا استطاعت جلابیب سواد الحنادس أن تردّ ما شاع فی السّموات من تلالؤ نور القمر .

فسبحان من لا یخفى علیه سواد غسق داج ، و لا لیل ساج فی بقاع الأرضین المتطأطئات ، و لا فی یفاع السّفع المتجاورات ، و ما یتجلجل به الرّعد فی أفق السّماء ، و ما تلاشت عنه بروق الغمام ، و ما تسقط من ورقة تزیلها عن مسقطها عواصف الأنواء و انهطال السّماء ،

و یعلم مسقط القطرة و مقرّها ، و مسحب الذّرّة و مجرّها ، و ما یكفى البعوضة من قوتها ، و ما تحمل الانثى فی بطنها .

و الحمد للّه الكائن قبل أن یكون كرسیّ ، أو عرش ، أو سماء ،

أو أرض ، أو جآنّ ، أو إنس ، لا یدرك بوهم ، و لا یقدّر بفهم ،

و لا یشغله سآئل ، و لا ینقصه نائل ، و لا ینظر بعین ، و لا یحدّ بأین ، و لا یوصف بالأزواج ، و لا یخلق بعلاج ، و لا یدرك بالحواسّ ، و لا یقاس بالنّاس ، الّذی كلّم موسى تكلیما ، و أراه من آیاته عظیما ، بلا جوارح و لا أدوات ، و لا نطق و لا لهوات .

بل إن كنت صادقا أیّها المتكلّف لوصف ربّك ، فصف جبرئیل و میكائیل و جنود الملائكة المقرّبین فی حجرات القدس مرجحنّین ،

[ 301 ]

متولّهة عقولهم أن یحدّوا أحسن الخالقین ، و إنّما یدرك بالصّفات ذووا الهیئات و الأدوات ، و من ینقضی إذا بلغ أمد حدّه بالفناء ، فلا إله إلاّ هو ، أضاء بنوره كلّ ظلام ، و أظلم بظلمته كلّ نور .

اللغة

( البكالی ) بكسر الباء قال فی القاموس : و بنو بكال ككتاب بطن من حمیر منهم نوف بن فضالة التابعی و كأمیر حىّ من همدان ، و عن الجوهرى أنّه بفتح الباء ،

و عن قطب الراوندی فی شرح النهج أنّ بكال و بكیل شی‏ء واحد و هو اسم حىّ من همدان و بكیل أكثر ، و الصواب كما قاله الشارح المعتزلی ما فی القاموس .

و ( ثفنة ) البعیر بالكسر ركبته و ما مسّ الأرض من كركرته و سعداناته و اصول أفخاذه ، و ثفنت یده من باب فرح غلظت و ( العمد ) جمع عماد على خلاف القیاس قال سبحانه : فی عمد ممدّدة و ( تلكأ ) علیه اعتلّ و عنه أبطأ و ( الطواعیة ) وزان ثمانیة الطاعة و ( المختلف ) الاختلاف و التردّد أو موضعه أو من المخالفة و ( الفجّ ) الطریق الواسع بین الجبلین و ( القطر ) الجانب و الناحیة و ( السجف ) بالفتح و الكسر الستر و الجمع سجوف و أسجاف و ( الحنادس ) جمع الحندس وزان زبرج اللّیل شدید الظلمة و ( الیفاع ) و الیفع محرّكة التلّ و ( السفع ) بالضمّ جمع سفعة و هو من الألوان ما اشرب حمرة و ( المسقط ) اسم مكان كمقعد و مجلس .

و ( الأنواء ) جمع نوء و هو سقوط النجم من منازل القمر الثمانیة و العشرین فی المغرب من الفجر و طلوع رقیبه من المشرق مقابلا له من ساعته و ستعرف زیادة تحقیق له فی بیان المعنى و ( اللّهوات ) و اللّهیات جمع اللّهاة و هی اللّحمة المشرفة على الحلق أو بین منقطع اصل اللّسان و منقطع القلب من أعلى الفم و ( ارجحنّ ) یرجحنّ كاقشعرّ مال و اهتزّ و عن الجزرى أرجحنّ الشی‏ء إذا مال من ثقله و تحرّك .

[ 302 ]

الاعراب

من فی قوله : و العمل الصّالح من خلقه ، ابتدائیّة نشویّة ، و قوله : فى مختلف فجاج آه ، متعلّق بالحیران أو بقوله : یستدلّ ، قوله : لم یمنع ضوء نورها ادلهمام ،

فی أكثر النسخ برفع ادلهمام على أنّه فاعل یمنع و نصب ضوء على أنّه مفعوله ، و فی بعض النسخ بالعكس قال الشارح المعتزلی : و هذا أحسن و ستعرف وجه الحسن فی بیان المعنى .

و أو فی قوله : أو عرش و ما بعدها بمعنى الواو ، و قوله : لا یحدّ بأین قال الشارح المعتزلی : لفظة أین فی الأصل مبنیّة على الفتح فاذا نكرتها صارت اسما متمكّنا من الاعراب ، و إن شئت قلت بأنّه علیه السّلام تكلّم بالاصطلاح الحكمى و الأین عندهم حصول الجسم فی المكان و هو أحد المقولات العشر و قوله : فی حجرات القدس ، إمّا متعلّق بالمقرّبین أو بمرجحنین ، و الأوّل أقرب لفظا و الثانی معنی ، و الاضافة فی قوله :

أمد حدّه ، بیانیّة و قوله : بالفناء متعلّق بقوله : ینقضى

المعنى

قال السیّد ره ( روى عن نوف ) بن فضالة ( البكالى ) الحمیرى انّه ( قال خطبنا بهذه الخطبة أمیر المؤمنین علیه السّلام بالكوفة ) الظاهر أنّ المراد بجامع الكوفة ( و هو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبیرة المخزومى ) و هو ابن اخت أمیر المؤمنین علیه السّلام و امّه امّ هانی بنت أبی طالب بن عبد المطلب بن هاشم و أبوه كما قاله السیّد ره :

هبیرة و هو ابن أبی وهب بن عمرو بن عایذ بن عمران بن مخزوم ، و كان فارسا شجاعا فقیها والى خراسان من جانب أمیر المؤمنین علیه السّلام ، و من شعره الّذى یباهى فیه بنسبه قوله :

أبى من بنى مخزوم إن كنت سائلا
و من هاشم أمّى لخیر قبیل

فمن ذا الّذى باهی علىّ بخاله
كخالى علىّ ذى الندى و عقیل

( و علیه علیه السّلام مدرعة ) أى جبّة تدرّع بها ( من صوف و حمائل سیفه من لیف ) النخل

[ 303 ]

( و فی رجلیه نعلان من لیف ) أیضا و كفی بذلك زهدا ( و كأنّ جبینه ) من طول السجود ( ثفنة بعیر ) و كفى به عناء و عبادة و قد ورثه منه علیه السّلام ابن ابنه علىّ بن الحسین زین العابدین و سیّد الساجدین صلوات اللّه علیه و على آبائه و أبنائه أجمعین حتّى اشتهر و لقّب بالسجّاد ذى الثفنات قال دعبل الخزاعى فی قصیدته المعروفة :

دیار علىّ و الحسین و جعفر
و حمزة و السجّاد ذى الثفنات

( فقال الحمد للّه الذى إلیه مصائر الخلق و عواقب الأمر ) أى إلیه مرجع الخلایق فی المبدء و المآب و عواقب امرهم یوم الحساب كما قال تعالى : إنَّ إلینا إیابهم ثمّ إنّ علینا حسابهم ، و قال : و إلى اللّه المصیر إنما أتى علیه السّلام بلفظ الجمع مع أنّ المصدر یصحّ إطلاقه على القلیل و الكثیر باعتبار كونه أى الجمع المضاف نصّا فی العموم مفیدا لكون جمیع رجوعات المخلوقات إلیه سبحانه فی جمیع حالاتهم لافتقار الممكن الى الواجب و حاجته الیه فی الوجود و البقاء و الفناء فهو أوّل الأوّلین و آخر الآخرین و إلیه المصیر و المنقلب .

( نحمده على عظیم احسانه ) الذى أحسن إلینا به و هو معرفته و توحیده إذ لا إحسان أعظم من ذلك ، و قول الشارح المعتزلی : إنه اصول نعمه كالحیاة و القدرة و الشهوة و نحوها ، و كذا قول الشارح البحرانی إنه الخلق و الایجاد على وفق الحكمة و المنفعة فلیسا بشی‏ء و یؤیّد ما قلناه تعقیبه بقوله ( و نیّر برهانه ) فانّ المراد به الأدلّة الواضحة الّتى أقامها فی الآفاق و الأنفس و من طریق العقل و النقل للدّلالة على ذاته و صفات جماله و جلاله ( و نوامى فضله و امتنانه ) أراد بها نعمه النامیة الزاكیة الّتی أفضل بها على عباده و امتنّ بها علیهم باقتضاء ربوبیّته و حفظا لبقاء النوع .

و قوله ( حمدا یكون لحقه قضاء و لشكره أداء ) من باب المبالغة فی كمال ثنائه سبحانه كما فی قولهم حمدا ملاء السماوات و الأرض ، و إلاّ فالحمد الّذی یقضی حقّه

[ 304 ]

و یؤدّى شكره على ما هو أهل له و مستحقّه فهو خارج عن وسع البشر كما عرفت تحقیق ذلك فی شرح الفصل الأوّل من المختار الأوّل و شرح المختار السابع و السبعین أیضا ( و إلى ثوابه مقرّبا ) لأنّه سبحانه وعد الثواب للشاكر و قال : فاشكرونی أشكركم ، من باب المشاكلة أى اثیبكم على شكركم 1 و معلوم أنه سبحانه منجز لوعده و من أوفی بعهده من اللّه ( و لحسن مزیده موجبا ) لأنه أخبر عن ایجاب الشكر لزیادة النعمة و وعد به و قال : لئن شكرتم لأزیدنّكم ، و معلوم أنه صادق فی وعده لا یخلف المیعاد .

( و نستعین به استعانة ) صادرة عن صمیم القلب و كمال الرجا و الوثوق باعانته و لذلك وصفها بكونها مثل استعانة ( راج لفضله مؤمّل لنفعه واثق بدفعه ) فان المستعین المتّصف بهذه الأوصاف لا تكون استعانته إلاّ على وجه الكمال إذ رجاه للفضل و أمله لایصال المنافع و وثوقه بدفع المضارّ إنما هو فرع المعرفة بفضله و إحسانه و بقدرته و قهره على كلّ شی‏ء ، و بأنه لا رادّ لحكمه و لا دافع لقضائه و أنّ بیده خزائن الملك و الملكوت ، و معلوم أنّ من عرف اللّه تعالى بذلك یكون طلبه للاعانة آكد و أشد ، و هذه الأوصاف الثلاثة فی الحقیقة مظنّة للاعانة باعتبار صفات العظمة و الكمال فی المستعان .

ثمّ وصفها بوصفین آخرین هما مظنّة للاعانة باعتبار وصف الذّل و الاستكانة فی المستعین و هو قوله ( معترف له بالطوّل مذعن له بالعمل و القول ) فانّ من اعترف لطوله و إفضاله و أذعن أى خضع و ذلّ و انقاد على ربوبیّته و أسرع إلى طاعته قولا و عملا فحقیق على الاعانة و جدیر بالافضال .

ثمّ أردف ذلك بالاعتراف بالایمان الكامل فقال ( و نؤمن به ) ایمانا كاملا مستجمعا لصفات الكمال و انما یكون كذلك إذا كان مثل ( ایمان من رجاه ) للمطالب العالیة ( موقنا ) بأنه أهله لقدرته على إنجاح المأمول و قضاء المسئول ( و أناب إلیه مؤمنا )

-----------
( 1 ) فی هذه الجملات من الاشتباه ما لا یخفى « المصحح »

[ 305 ]

علما منه بأنّ مرجع العبد إلى سیّده و معوّله إلى مولاه ( و خنع ) أى خضع ( له مذعنا ) بأنّ نفسه ذلیل أسیر فی ربق الافتقار و الامكان و أنّ ربّه جلیل متّصف بالعزّة و العظمة و السلطان ( و أخلص له موحدا ) اى أخلص له العبودیّة حال كونه معتقدا بوحدانیّته علما منه بأنّ من كان یرجو لقاء ربّه فلیعمل عملا صالحا و لا یشرك بعبادة ربّه أحدا ( و عظّمه ممجّدا ) أى عظّمه بصفات العزّ و الكبریاء و الجلال حال التمجید له بأوصاف القدرة و العظمة و الكمال ( و لاذ به ) أى لجأ إلیه ( راغبا مجتهدا ) أى راغبا فی الالجاء مجدّا فی الرغبة و الالتجاء علما منه بأنّه الملاذ و الملجاء ، هذا و لما حمد اللّه سبحانه و استعان منه و امن به أخذ فی تنزیهه و تقدیسه باعتبارات سلبیّة و إضافیة هی غایة وصف الواصفین و منتهى درك الموحّدین فقال ( لم یولد سبحانه فیكون فی العزّ مشاركا ) أى لیس له والد حتّى یكون له شریك فی العزّ و الملك لجریان العادة بكون والد العزیز عزیزا غالبا ( و لم یلد فیكون موروثا هالكا ) أى لیس له ولد حتّى یهلك و یرثه ولده كما هو الغالب عادة من موت الوالد قبل الولد و وارثة الولد عنه و برهان تنزّهه سبحانه عنهما أنهما من لواحق الحیوانیة المستلزمة للجسمیّة فهو یفید لنفی تولّده سبحانه عن شی‏ء و نفى تولّد شی‏ء عنه بالمعنى المعروف فی الحیوان .

و یدلّ على تنزّهه سبحانه عن ذلك مطلقا ما رواه فی البحار و الصافى من كتاب التوحید للصّدوق بسنده عن وهب بن وهب القرشی قال : حدّثنى الصادق جعفر بن محمّد عن أبیه الباقر عن أبیه علیهم السّلام أنّ أهل البصرة كتبوا إلى الحسین بن علىّ علیه السّلام یسألونه عن الصّمد ، فكتب إلیهم :

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم أمّا بعد فلا تخوضوا فى القرآن و لا تجادلوا فیه و لا تتكلّموا فیه بغیر علم ، فقد سمعت جدّى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : من قال فی القرآن بغیر علم فلیتبوء مقعده فی النار ، و أنه سبحانه قد فسّر الصمد فقال اللّه أحد اللّه الصمد ثمّ فسّره فقال لم یلد و لم یولد و لم یكن له كفواً احد ، لم یلد لم یخرج منه شی‏ء كثیف كالولد و سایر الأشیاء الكثیفة الّتى تخرج من المخلوقین و لا شی‏ء لطیف كالنفس

[ 306 ]

و لا ینشعب منه البدوات كالسنّة و النوم و الخطرة و الهمّ و الحزن و البهجة و الضحك و البكاء و الخوف و الرجاء و الرغبة و السّامة و الجوع و الشبع تعالى أن یخرج منه شی‏ء و أن یتولّد منه شی‏ء كثیف ، أو لطیف ، و لم یولد لم یتولّد من شی‏ء و لم یخرج من شى‏ء كما یخرج الأشیاء الكثیفة من عناصرها كالشی‏ء من الشى‏ء و الدابّة من الدابّة ،

و النبات من الأرض ، و الماء من الینابیع ، و الثمار من الأشجار ، و لا كما تخرج الأشیاء اللطیفة من مراكزها كالبصر من العین ، و السّمع من الاذن ، و الشمّ من الانف ، و الذوق من الفم ، و الكلام من اللسان ، و المعرفة و التمیز من القلب ، و كالنار من الحجر ، لا بل هو اللّه الصّمد الّذى لا من شى‏ء و لا فی شى‏ءو لا على شی‏ء ، مبدع الأشیاء و خالقها و منشی‏ء الأشیاء بقدرته یتلاشى ما خلق للفناء بمشیّته و یبقی ما خلق للبقاء بعلمه ، فذلكم اللّه الصمد الّذى لم یلد و لم یولد عالم الغیب و الشهادة الكبیر المتعال ، و لم یكن له كفوا أحد ( و لم یتقدّمه وقت و لا زمان ) قال الشارح المعتزلی : الوقت هو الزمان و إنما خالف بین اللفظین و أتى بحرف العطف تفنّنا ، و قال الشارح البحرانی : الوقت جزء الزمان ، و قال العلاّمة المجلسی ره : و یمكن حمل أحدهما على الموجود و الآخر على الموهوم ، و على أىّ تقدیر فهو خالقهما و مبدعهما و مقدّم علیهما فكیف یتصوّر تقدّمهما علیه تعالى .

( و لم یتعاوره ) أى لم یختلف و لم یتناوب علیه ( زیادة و لا نقصان ) لاستلزامهما التغیر المستلزم للامكان المنزّه قدسه عزّ و جلّ عنه .

فان قلت : كان اللاّزم أن یقال زیادة و نقصان لأنّ التعاور یقتضی الضدّین معا كما أنّ الاختلاف كذلك تقول : لم یختلف زید و عمرو و لا تقول لم یختلف زید و لا عمرو .

قلت : أجاب عنه الشارح المعتزلی بأنّ مراتب الزیادة لما كانت مختلفة جاز أن یقال : لا یعتوره الزیادة ، و كذلك القول فی جانب النقصان و جرى كلّ واحد من النوعین مجرى أشیاء متنافیة یختلف على الموضع الموصوف بها .

[ 307 ]

( بل ظهر للعقول ) و تجلّى للبصائر ( بما أرانا من علامات التدبیر المتقن ) المحكم ( و ) آیات ( القضاء المبرم ) فی الأنفس و الآفاق فی أصناف الموجودات و أنواع المصنوعات المبدعة على أحسن نظام و أتقن انتظام على ما عرفت تفصیلا و تحقیقا فی شرح المختار التاسع و الأربعین .

و نزید علیه ایضاحا و تاكیدا ما قاله الصادق علیه السّلام للمفضل بن عمر فی حدیثه المعروف : یا مفضّل أوّل العبر و الأدلّة على البارى جلّ قدسه تهیئة هذا العالم و تألیف أجزائه و نظمها على ما هى علیه ، فانّك إذا تأمّلت العالم بفكرك و میّزته بعقلك وجدته كالبیت المبنىّ المعدّ فیه جمیع ما یحتاج إلیه عباده ، فالسّماء مرفوعة كالسّقف و الأرض ممدودة كالبساط ، و النجوم منضودة كالمصابیح ، و الجواهر مخزونة كالذخایر ، و كلّ شى‏ء فیها لشأنه معدّ ، و الانسان كالمملك ذلك البیت و المخوّل جمیع ما فیه ، و ضروب النبات مهیّأة لمآربه ، و صنوف الحیوان مصروفة فى مصالحه و منافعه ، ففی هذا دلالة واضحة على أنّ العالم مخلوق بتقدیر و حكمة و نظام و ملایمة و أنّ الخالق له واحد ، و هو الّذى ألفه و نظمه بعضا إلى بعض جلّ قدسه و تعالى جدّه و كرم وجهه و لا إله غیره ، تعالى عمّا یقول الجاحدون و جلّ و عظم عما ینتحله الملحدون ، هذا .

و لما ذكر اجمالا أنّه تعالى تجلّی للعقول بما أظهر من آیات القدرة و علامات التدّبر أراد أن یشیر إلى بعض تلك الآیات تفصیلا و هو خلق السماوات .

فقال ( فمن شواهد خلقه ) أى آیات الابداع و علامات التدبّر المحكم أو ما یشهد من الخلق بوجوده سبحانه و تدبیره و علمه أو ما حضر من خلقه أى ظهر وجوده بحیث لا یمكن لاحد إنكاره من آیات تدبیره تعالى ( خلق السماوات ) و تخصیصها من بین سایر الشواهد بالبیان لكونها من أعظم شواهد القدرة ، و أظهر دلایل الرّبوبیّة ،

و أوضح علائم التدبیر حیث خلقت ( موطدات ) أى محكمات الخلقة مثبتات فی محالها على وفق النظام و الحكمة ( بلا عمد ) ترونها و لا دسار ینتظمها ( قائمات ) فی الجوّ ( بلا سند ) یكون علیه استنادها و به اعتمادها ( دعاهنّ ) سبحانه فقال لها و للأرض ائتیا

[ 308 ]

طوعاً أو كرهاً ( فأجبن طائعات ) كما قال حكایة عنها و عن الأرض : قالتا أتینا طائعین و لفظ الدّعا و الاجابة فی كلام الامام علیه السّلام إمّا محمولان على حقایقهما نظرا إلى أنّ للسّماوات أرواحا مدبّرة عاقلة كما هو قول بعض الحكماء و المتكلّمین أو نظرا إلى أنّه تعالى خاطبها و أقدرها على الجواب .

و إمّا محمولان على المجاز و الاستعارة تشبیها لتأثیر قدرته تعالى فیها و تأثّرها عنها بأمر المطاع و إجابة المطیع الطائع كقوله : كن فیكون ، و هذا هو الأظهر و یؤیّده ما حكی عن ابن عباس فی تفسیر الآیة المتقدّمة أعنی قوله : أتینا طائعین ، أنه قال أتت السماء بما فیها من الشمس و القمر و النجوم ، و أتت الأرض بما فیها من الأنهار و الأشجار و الثمار ، و لیس هناك أمر ما بقول حقیقة و لا جواب لذلك القول بل أخبر سبحانه عن اختراعه للسماوات و الأرض و إنشائه لهما من غیر تعذّر و لا كلفة و لا مشقّة بمنزلة ما یقال افعل فیفعل من غیر تلبّث و لا توقّف و لا تأنّ و هو كقوله : إنما أمره إذا أراد شیئاً أن یقول له كن فیكون .

و من ذلك علم أنّ قوله : ( مذعنات غیر متلكّئات و لا مبطئات ) أراد به انقیادهنّ من غیر توقّف و لا إبطاء فی الاصابة و خضوعهنّ فی رقّ الامكان و الحاجة و اعترافهنّ بلسان الذّل و الافتقار بوجوب وجود مبدعها و عظمة سلطان مبدئها .

( و لولا ) اعترافهنّ و ( اقرارهنّ له بالربوبیّة ) و القدرة و العظمة و لأنفسهنّ بالامكان و الذلّ و الحاجة ( و اذعانهنّ بالطواعیة ) و الامتثال لبارئهنّ ( لما جعلهنّ موضعا لعرشه ) قال الشارح البحرانی إقرارهنّ بالرّبوبیّة راجع إلى شهادة لسان الحال الممكن بالحاجة إلى الرّب و الانقیاد لحكم قدرته ، و ظاهر أنه لو لا امكانها و انفعالها عن قدرته و تدبیره لم یكن فیها عرش و لم یكن أهلا لسكنى الملائكة و صعود الكلم الطیّب المشار الیه بقوله ( و لا مسكنا لملائكته ) و لعلّ المراد بهم المقرّبون أو الأكثر لأنّ منهم من یسكن الهواء و الأرض و الماء ( و لا مصعدا للكلم الطیّب ) و هو شهادة أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ( و العمل الصالح ) الصادر ( من خلقه ) و هو

[ 309 ]

الخیرات و الحسنات من الفرایض و المندوبات .

و المراد لصعودهما صعود الكتبة بصحایف الأعمال إلیها و إلیه الاشارة بقوله سبحانه و تعالى : إلیه یصعد الكلم الطیّب و العمل الصّالح یرفعه ، هذا و قد تقدّم فی تذییلات الفصل الثامن من الخطبة الأولى و فی شرح الفصل الرابع من الخطبة التسعین فصل واف فی عجائب خلقة السماء و ما أبدعه اللّه سبحانه فیها من دلائل القدرة و آیات التدبیر و الحكمة فانظر ماذا ترى ، و لشرافتها و كون مادّتها أقبل خصّ علیه السّلام هنا طاعتها بالذكر و إن كانت الأرض مشاركة لها فی الطاعة مذكورة معها فی الآیة .

و لما ذكر خلق السماوات و كونها من شواهد الرّبوبیّة و أدلّة التوحید استطرد إلى ذكر النجوم و الكواكب لما فیها من بدایع التدبیر و عجایب التقدیر ،

و قد مرّ فی الفصل الثامن من فصول المختار الأوّل و الفصل الرابع من المختار التسعین و شرحیهما منه علیه السّلام و منّا جملة وافیة من الكلام علیها و أشار هنا إلى بعض منافعها فقال :

( جعل نجومها أعلاما یستدلّ بها الحیران ) أى جعلها علامات یهتدى بها المتحیّرون كما قال عزّ من قائل : و علامات و بالنّجم هُم یهتدون ( فی مختلف فجاج الأقطار ) أى یستدلّ بها الحیارى فی اختلاف فجاج الأقطار و تردّدها ، أو فی محلّ اختلافها أو فی حال مخالفة الفجاج الموجودة فی أقطار الأرض و نواحیها و ذهاب كلّ منها إلى جهة غیر ما یذهب إلیه الآخر .

( لم یمنع ضوء نورها ادلهمام سجف اللیل المظلم ) أى شدّة ظلمة ستر اللّیل ذى الظلمة لم تكن مانعة من إضائة النجوم ، و على روایة ادلهمام بالنصب فالمعنى أنّ ضوء نورها لم یمنع من ظلمة اللیل .

( و لا استطاعت جلابیب سواد الحنادس ) أى أثواب سواد اللیال المظلمة شدیدة الظلمة لم تكن مستطیعة من ( أن تردّ ما شاع ) و ظهر ( فی السماوات من تلألؤ نور

[ 310 ]

القمر ) و لمعانه .

قال الشارح المعتزلی بعد روایته عن البعض نصب لفظ الادلهمام : و هذه الروایة أحسن فی صناعة الكتابة لمكان الازدواج أى لا القمر و الكواكب تمنع اللیلة من الظلمة ، و لا اللیل یمنع الكواكب و القمر من الاضاءة أقول : و محصّل مقصود الامام علیه السّلام إنّ اللّه سبحانه لما قدّر بلطیف حكمته أن یجعل اللیل سباتا و راحة للخلق جعلها مظلمة لأنّ كثیرا من الناس لو لا ظلمتها لم یكن لهم هدء و لا قرار حرصا على الكسب و الجمع و الادخار مع عظم حاجتهم إلى الهدؤ و الراحة لسكون أبدانهم و جموم حواسّهم و انبعاث القوّة الهاضمة لهضم الطعام و تنفیذ الغذاء إلى الأعضاء و لما كان شدّة ظلمتها و كونها داحیة مدلهمة مانعة عن جمیع الأعمال و ربما كان الناس محتاجین إلى العمل فیها لضیق الوقت علیهم فی تقضى الأعمال بالنهار أو شدّة الحرّ و إفراطه المانع من الزرع و الحرث و قطع الفیافی و الأسفار جعل ببدیع صنعه فیها كواكب مضیئة و قمرا منیرا و لیهتدى بها فی ظلمات البرّ و البحر و الطرق المجهولة ، و یقام بالأعمال من الزرع و الغرس و الحرث و غیرها عند مسیس الحاجة ،

و جعل نورها ناقصا من نور الشمس كیلا یمنع من الهدؤ و الراحة .

( فسبحان من ) جعل النور و الظلام على تضادّهما منقادین متظاهرین على ما فیه صلاح العالم و قوامه و سبحان من هو بكلّ شى‏ء محیط حتّى لا یعزب عنه مثقال ذرّة فی الأرض و لا فی السماء و ( لا یخفى علیه سواد غسق داج ) أى ظلمة مظلمة و العطف للمبالغة من قبیل شعر شاعر ( و لا لیل ساج ) أى ساكن و فى الاسناد توسّع باعتبار سكون الناس و هدؤهم فیها ( فی بقاع الأرضین المتطاطئات ) المنخفضات ( و لا فی یفاع السفع المتجاورات ) أى فی مرتفع الجبال المتجاورة و انما عبر عن الجبال بالسفع لأنّ لونها غالبا مشرب حمرة ، و لا یخفى ما فیما بین لفظ البقاع و الیفاع من جناس الخط و هو من محاسن البدیع حسبما عرفته فی دیباجة الشرح .

[ 311 ]

( و ) لا یخفی علیه عزّ و جلّ أیضا ( ما یتجلجل ) و یصوت ( به الرّعد فی افق السماء ) و أراد بتجلجله تسبیحه المشار إلیه فی قوله تعالى : و یسبّح الرّعد بحمده قال الطبرسى : تسبیح الرّعد دلالته على تنزیه اللّه تعالى و وجوب حمده فكأنه هو المسبّح ، و قیل : إنّ الرّعد هو الملك الّذى یسوق السحاب و یزجره بصوته فهو یسبّح اللّه و یحمده .

و قال الرازى : فی قوله تعالى و یسبّح الرعد بحمده أقوال :

الاول أنّ الرّعد اسم ملك من الملائكة و الصّوت المسموع هو صوت ذلك الملك بالتسبیح و التهلیل عن ابن عباس ، أنّ الیهود سألت النبیّ صلّى اللّه علیه و آله عن الرّعد ما هو فقال : ملك من الملائكة موكّل بالسحاب معه مخاریق من نار یسوق بها السحاب حیث شاء اللّه قالوا : فما الصّوت الّذى نسمع ؟ قال : زجره السحاب ، و عن الحسن أنّه خلق من خلق اللّه لیس بملك فعلى هذا القول الرّعد هو الملك الموكّل بالسحاب و صوته تسبیح اللّه تعالى و ذلك الصّوت أیضا یسمى بالرّعد و یؤكّد هذا ما روى عن ابن عباس كان اذا سمع الرّعد قال : سبحان الّذى سبّحت له ، و عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله قال : إنّ اللّه ینشى‏ء السحاب الثقال فینطق أحسن المنطق و یضحك أحسن الضحك ، فنطقه الرّعد و ضحكه البرق و اعلم أنّ هذا القول غیر مستبعد ، و ذلك لأنّ عند أهل السنّة البنیة لیست شرطا لحصول الحیاة ، فلا یبعد من اللّه تعالى أن یخلق الحیاة و العلم و القدرة و النطق فی أجزاء السحاب ، فیكون هذا الصوت المسموع فعلا له .

و كیف یستبعد ذلك ؟ و نحن نرى أنّ السمندر یتولّد فی النار ، و الضفادع تتولّد فی الماء البارد ، و الدودة العظیمة ربما تتولّد فی الثلوج العظیمة .

و أیضا فاذا لم یبعد تسبیح الجبال فی زمن داود علیه السّلام و لا تسبیح الحصى فی زمان محمّد صلّى اللّه علیه و آله فكیف یستبعد تسبیح السحاب .

و على هذا القول فهذا الشی‏ء المسمّى بالرّعد ملك أو لیس بملك فیه قولان :

[ 312 ]

أحدهما أنّه لیس بملك لأنّه عطف علیه الملائكة فقال : و الملائكة من خیفته .

و الثانی أنّه لا یبعد أن یكون من جنس الملائكة و إنما حسن إفراده بالذكر على سبیل التشریف كما فی قوله : و ملائكته و رسله و جبرئیل و میكائیل ، و فی قوله :

و إذ أخذنا من النّبیین میثاقهم و منك و من نوح .

القول الثانى أنّ الرّعد اسم لهذا الصوت المخصوص و مع ذلك فانّ الرّعد یسبّح اللّه سبحانه ، لأنّ التسبیح و التقدیس و ما یجرى مجراها لیس إلاّ وجود لفظ یدلّ على حصول التنزیه و التقدیس للّه سبحانه و تعالى ، فلما كان هذا الصّوت دلیلا على وجود موجود متعال عن النقص و الامكان كان ذلك فی الحقیقة تسبیحا و هو معنى قوله : و إن من شی‏ء إلاّ یسبّح بحمده .

و القول الثالث أنّ المراد من كون الرّعد مسبّحا أنّ من یسمع الرّعد فانّه یسبّح اللّه تعالى ، فلهذا المعنى اضیف هذا التسبیح إلیه .

( و ) لا یعزب عنه ( ما تلاشت ) و اضمحلّت عنه ( بروق الغمام ) یعنی أنّه سبحانه عالم بالأقطار التی یضمحلّ عنها البرق بعد ما كانت مضیئة به ، و تخصیص ما تلاشت عنه بالذكر مع اشتراك غیر المتلاشیة عنه معه فی إحاطة علمه سبحانه به كالأوّل ، لأنّ علمه بما لیس بمضیّ بالبرق أعجب و أغرب ، و أمّا ما هو مضىّ به و لم یضمحل عنه فیمكن إدراك غیره سبحانه له من اولى الأبصار الصحیحة ، هذا .

و أعجب من ذلك ما فی نفس البرق من عظیم القدرة و دلالته على عظمة بارئه .

قال الفخر الرازی : و اعلم أنّ أمر الصاعقة عجیب جدّا ، و ذلك لأنّها نار تتولّد من السحاب و إذا نزلت من السحاب فربما غاصت فی البحر و أحرقت الحیتان فی قعر البحر و الحكماء بالغوا فی وصف قوّتها ، و وجه الاستدلال أنّ النار حارّة یابسة و طبیعتها ضدّ طبیعة السحاب ، فوجب أن تكون طبیعتها فی الحرارة و الیبوسة أضعف من طبیعة النیران الحادثة عندنا ، لكنه لیس الأمر كذلك ، فانها أقوى نیران هذا العالم ، فثبت أنّ اختصاصها بمزید تلك القوّة لا بدّ و أن یكون بسبب تخصیص الفاعل

[ 313 ]

المختار ( و ) لا یغیب عنه ( ما تسقط من ورقة تزیلها عن مسقطها عواصف الأنواء و انهطال السماء ) أى الریاح الشدیدة المنسوبة إلى الأنواء و انصباب الأمطار .

و النّوء سقوط نجم من منازل القمر الثمانیة و العشرین الّتی عرفتها تفصیلا فی شرح الفصل الرابع من فصول المختار التسعین فی المغرب 1 مع الفجر و طلوع رقیبه من المشرق من ساعته مقابلا له فی كلّ لیلة إلى ثلاثة عشر یوما ، و هكذا كلّ نجم منها إلى انقضاء السنة إلاّ الجبهة فانّ لها أربعة عشر یوما .

و فى البحار من معانی الأخبار مسندا عن الباقر علیه السّلام قال : ثلاثة من عمل الجاهلیة : الفخر بالانساب ، و الطعن فی الأحساب ، و الاستسقاء بالأنواء .

قال الصّدوق ( ره ) أخبرنی محمّد بن هارون الزنجانی عن علیّ بن عبد العزیز عن أبی عبید أنّه قال : سمعت عدّة من أهل العلم یقولون : إنّ الأنواء ثمانیة و عشرون نجما معروفة المطالع فی أزمنة السنة كلّها من الصّیف و الشتاء و الرّبیع و الخریف ،

یسقط منها فی كلّ ثلاث عشرة لیلة نجم فی المغرب مع طلوع الفجر و یطلع آخر یقابله فی المشرق من ساعته ، و كلاهما معلوم مسمّى و انقضاء هذه الثمانیة و العشرین كلّها مع انقضاء السنة ، ثمّ یرجع الأمر إلى النجم الأوّل مع استیناف السنة المقبلة و كانت فی الجاهلیة إذا سقط منها نجم و طلع آخر قالوا : لا بدّ أن یكون عند ذلك ریاح و مطر ، فینسبون كلّ غیث یكون عند ذلك إلى ذلك النجم الذی یسقط حینئذ فیقولون مطرنا بنوء الثریّا و الدّبران و السماك ، و ما كان من هذه النجوم فعلى هذا فهذه هی الأنواء واحدها نوء و إنما سمّى نوء لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق بالطلوع و هو ینوء نوء ، و ذلك النهوض هو النوء فسمّى النجم به و كذلك كلّ ناهض ینتقل بابطاء فانّه ینوء عند نهوضه ، قال اللّه تبارك و تعالى :

لتنوء بالعصبة اُولی القوّة .

و فیه عن الجزرى فی النهایة قال : قد تكرّر ذكر النوء و الأنواء فی الحدیث و منه الحدیث : مطرنا بنوء كذا قال : و إنما غلّظ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله فی أمر الأنواء ، لأنّ

-----------
( 1 ) متعلق بسقوط ( منه ) .



[ 314 ]

العرب كانت تنسب المطر إلیها ، فأما من جعل المطر من فعل اللّه و أراد بقوله مطرنا بنوء كذا أى فی وقت كذا و هو هذا النوء الفلانى فانّ ذلك جایز ، أى إنّ اللّه تعالى قد أجرى العادة أن یأتى المطر فی هذه الأوقات ، انتهى .

و قال ابن العربى من انتظر المطر منها على أنها فاعلة من دون اللّه أو یجعل اللّه شریكا فیها فهو كافر . و من انتظر منها على اجراء العادة فلا شی‏ء علیه هذا و من ذلك كلّه علم أنّ إضافته علیه السّلام العواصف إلى الأنواء من جهة أنّ العرب تضیف الآثار العلویّة من الرّیاح و الأمطار و كذلك الحرّ و البرد إلیها ( و یعلم مسقط القطرة و مقرّها ) أى محلّ سقوطها و موضع قرارها ( و مسحب الذّرة و مجرّها ) أى محلّ سحب صغار النمل و جرّها ( و ما یكفى البعوضة من قوتها ) قال الدّمیرى فی حیاة الحیوان : البعوضة واحدة البعوض و البعوض على خلقة الفیل إلاّ أنّه أكثر أعضاء من الفیل ، فانّ للفیل أربع أرجل و خرطوما و ذنبا ،

و له مع هذه الأعضاء رجلان زایدتان و أربعة أجنحة ، و خرطوم الفیل مصمت و خرطومه مجوّف نافذ للجوف فأذا طعن به جسد الانسان استقى الدّم و قذف به جوفه فهو له كالبلعوم و الحلقوم و لذلك اشتدّ عضّها و قویت على خرق الجلود الغلاظ ، و مما ألهمه اللّه أنّه اذا جلس على عضو من أعضاء الانسان لا یزال یتوخّى بخرطومه المسام الّتى یخرج منها العرق لأنّها أرقّ بشرة من جلد الانسان فاذا وجدها وضع خرطومه فیها ،

و فیه من الشره أن یمصّ الدّم إلى أن ینشقّ و یموت أو إلى أن یعجز عن الطیران و ذلك سبب هلاكه .

قال : و البعوضة على صغر جرمها قد أودع اللّه فی مقدم دماغها قوّة الحفظ و فی وسطه قوّة الفكر ، و فی مؤخّره قوّة الذكر ، و خلق لها حاسّة البصر ، و حاسّة اللّمس ، و حاسّة الشم ، و خلق لها منفذا للغذاء ، و مخرجا للفضلة ، و خلق لها جوفا و أمعاء و عظاما ، فسبحان من قدّر فهدى ، و لم یخلق شیئا من المخلوقات سدى .

( و ) یعلم ( ما تحمل الانثى ) من البعوضة و من غیرها ( فی بطنها ) كما قال

[ 315 ]

عزّ من قائل : و یعلم ما فی الأرحام .

ثمّ عاد إلى حمد اللّه سبحانه باعتبار تقدّم وجوده على سایر مخلوقاته فقال ( و الحمد للّه الكائن ) أى الموجود ( قبل أن یكون كرسیّ أو عرش أو سماء أو أرض أو جانّ أو انس ) لا یخفى ما فی هذه العبارة من حسن التأدیة .

و المراد بالجانّ إما إبلیس أو أبو الجنّ ، و بهما فسّر قوله تعالى : و الجآنّ خلقناه من قبل من نار السّموم ، قال الرازى فی تفسیر هذه الآیة : اختلفوا فی أنّ الجانّ من هو قال عطا عن ابن عباس : یرید إبلیس و هو قول الحسن و مقاتل و قتادة و قال ابن عباس فی روایة اخرى : الجانّ هو أبو الجنّ و هو قول الأكثرین و سمّى جانا لتواریه عن الأعین كما سمّى الجنّ جنّا لهذا السّبب و الجنین متوار فی بطن أمّه و معنى الجانّ فی اللّغة الساتر من جنّ الشی‏ء إذا ستر فالجانّ المذكور هنا یحتمل أن یكون جانا لانه یستر نفسه عن بنی آدم ، أو یكون الفاعل یراد به المفعول كما فی ماء دافق و عیشة راضیة .

و فی البحار من العلل و العیون عن الرضا عن آبائه علیهم السّلام قال : سأل الشامیّ أمیر المؤمنین علیه السّلام عن اسم أبى الجنّ فقال شومان و هو الّذى خلق من مارج .

قال الطبرسی : من مارج من نار أى نار مختلط أحمر و أسود و أبیض عن مجاهد و قیل المارج الصافی من لهب النار الّذی لا دخان فیه .

و قال البیضاوی فی تفسیر قوله : من نار السموم ، من نار شدید الحرّ النافذ فی المسام و لا یمتنع خلق الحیاة فی الأجرام البسیط كما لا یمتنع خلقها فی الجواهر المجرّدة فضلا عن الاجساد المؤلّفة الّتی الغالب فیها الجزء النارى فانها أقبل لها من الّتی الغالب فیها الجزء الارضی ، و قوله : من نار ، باعتبار الغالب كقوله : خلقكم من تراب .

ثمّ نزهه تعالى باعتبارات سلبیّة أحدها أنّه ( لا یدرك بوهم ) كما نقل عن الباقر علیه السّلام من قوله : كلّما میّزتموه بأوهامكم فی أدقّ معانیه فهو مخلوق مثلكم مردود إلیكم .

[ 316 ]

( و ) الثانى أنه ( لا یقدّر بفهم ) أى لا یحدّ بفهم العقول ، و المراد به و بسابقه تنزیهه سبحانه عن إدراك العقول و الأوهام لذاته و قصورها عن الوصول إلى حقیقته ، و قد مرّ برهان ذلك فی شرح الفصل الثانی من الخطبة الأولى و غیره أیضا .

و أقول هنا إنّ الجملة الثّانیة یحتمل أن تكون تأكیدا للجملة الأولى ،

و یحتمل أن تكون تأسیسا .

أما التأسیس فعلى أن یراد بالجملة الاولى عدم إمكان إدراك القوّة الوهمیّة له و هى قوّة جسمانیّة للانسان محلّها آخر التجویف الأوسط من الدّماغ من شأنها إدراك المعانی الجزئیة المتعلّقة بالمحسوسات كشجاعة زید و سخاوته ، و هذه القوّة هی الّتی تحكم فی الشاة بأنّ الذئب مهروب عنه و أنّ الولد معطوف علیه ، و هى حاكمة على القوى الجسمانیة كلّها مستخدمة إیاها استخدام العقل للقوى العقلیّة ، و یراد بالجملة الثانیة عدم امكان تقدیره و تحدیده بالقوّة العقلیة .

أمّا عدم إمكان إدراك الأوهام له فلأنّ مدركاتها منحصرة على عالم المحسوسات و الأجسام و الجسمانیات ، و اللّه سبحانه متعال عن ذلك .

و أمّا عدم إمكان تحدید العقول فلأنّه 1 لا جزء له و ما لا جزء له لا حدّ له حتّى یمكن تحدیده .

و أیضا فهو سبحانه غایة الغایات فلیس لذاته حدّ و نهایة حتّى یكون له حدّ معیّن و قدر معلوم یمكن تقدیره و تحدیده كما لسایر الممكنات ، قال عزّ من قائل :

و ما قدروا اللَّه حقَّ قدره .

و قال أمیر المؤمنین علیه السّلام فی خطبة له مرویة عن التوحید لما شبهه العادلون بالخلق المبعض المحدود فی صفاته ذی الأقطار و النواحى المختلفة فی طبقاته و كان عزّ و جل الموجود بنفسه لا بأداته انتفى أن یكون قدّروه حقّ قدره فقال تنزیها لنفسه عن مشاركة الانداد و ارتفاعها عن قیاس المقدّرین له بالحدود من كفرة العباد : و ما قدروا اللّه حقَّ قدره .

-----------
( 1 ) و الا لزم التركیب المستلزم للافتقار و هو من صفات الممكن « منه ره »

[ 317 ]

فقد علم بذلك أنّه لا یقدّر بالحدود و النهایات الجسمانیّة كما أنه لا یقدّر و لا یحدّ بالحدّ العقلى المركّب من الجنس و الفصل و أما التأكید فعلى أن یراد بالوهم فی الجملة الأولى المعنى الأعمّ من القوّة الوهمیّة المتعلّقة بالمحسوسات جمیعا و القوّة العقلیّة المتعلّقة بالمعقولات و اطلاق الوهم على ذلك المعنى شایع فی الاستعمال وارد فى كثیر من الأخبار .

قال بعض المحققین : اعلم أنّ جوهر الوهم بعینه هو جوهر العقل و مدركاته بعینه هو مدركات العقل ، و الفرق بینهما بالقصور و الكمال ، فما دامت القوّة العقلیّة ناقصة كانت ذات علاقة بالموادّ الحسیّة منتكسة النظر إلیها لا تدرك المعانى إلاّ متعلّقة بالموادّ مضافة إلیها ، و ربما تذعن لأحكام الحسّ لضعفها و غلبة الحواسّ و المحسوسات علیها ، فتحكم على غیر المحسوس حكمها على المحسوس ، فما دامت فی هذا المقام اطلق علیها اسم الوهم ، فاذا استقام و قوى صار الوهم عقلا و خلص عن الزیغ و الضلال و الآفة و الوبال ، انتهى .

و على ذلك فیكون المقصود بالفهم فی الجملة الثانیة المعنى الأعمّ أیضا ،

و یكون حاصل المراد بالجملتین عجز الأوهام أى القوّة الوهمیّة و العقلیّة جمیعا عن إدراك ذاته و تعقّل حقیقته ، لأنّ تعقّله إمّا بحصول صورة مساویة لذاته تعالى ،

أو بحضور ذاته المقدّسة و شهود حقیقته ، و الأوّل محال إذ لا مثل لذاته و كلّ ما له مثل أو صورة مساویة له فهو ذو ماهیّة كلّیة و هو تعالى لا ماهیّة له ، و الثانی محال أیضا إذ كلّ ما سواه من العقول و النفوس و الذّوات و الهویّات فوجوده منقهر تحت جلاله و عظمته و سلطانه القهار عین الخفاش فی مشهد نور الشمس ، فلا یمكن للعقول لقصورها عن درجة الكمال الواجبى إدراك ذاته على وجه الاكتناه و الاحاطة بنعوت جلاله و صفات جماله .

فاتّضح من ذلك كلّه أنّه سبحانه لا یدرك بالأوهام ، و لا یقدّر بالأفهام جلّ شأنه و عظم سلطانه .

( و ) الثالث أنّه ( لا یشغله سائل ) عن سائل آخر كما یشغل السائل من المخلوق

[ 318 ]

عن توجّهه إلى سائل آخر ، و ذلك لقصور ذواتنا و قدرتنا و علمنا ، و أمّا اللّه الحیّ القیّوم فلكمال ذاته و عموم قدرته و إحاطته فلا یمنعه سؤال عن سؤال و لا یشغله شأن عن شأن .

ألا ترى أنّه یرزق الخلایق جمیعا على قدر استحقاقهم فی ساعة واحدة ، و كذا یحاسبهم یوم القیامة دفعة كما قال عزّ من قائل فی سورة النحل : و ما أمر الساعة إلاّ كلمح البصر أو هو أقرب إنَّ اللّه على كلّ شی‏ء قدیر ، أی كرجع الطرف على الحدقة إلى أسفلها أو هو أقرب لأنه یقع دفعة و قال فی سورة القمر : و ما أمرنا إلاّ واحدة كلمح بالبصر ، قال القمّى : یعنى یقول كن فیكون .

( و ) الرابع أنه ( لا ینقصه نائل ) و عطاء كملوك الدّنیا إذ مقدوراته تعالى غیر متناهیة فكرمه لا یضیق عن سؤال أحد ، و یده بالعطاء أعلى من كلّ ید ، و هو نظیر قوله فی الفصل الأوّل من المختار التسعین : لا یعزّه المنع و الجمود و لا یكدیه الإعطاء و الجود ، و قد مرّ فی شرحه روایة الحدیث القدسى و هو قوله سبحانه : یا عبادى لو أنّ أوّلكم و آخركم و انسكم و جنّكم قاموا فی صعید واحد فسألونى فأعطیت كلّ إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندى شیئا إلاّ كما ینقص المخیط إذا دخل البحر أى لا تنقصه شیئا فانّ المخیط و إن كان یرجع بشى‏ء محسوس قلیل ، لكنّه لقلّته لا یعدّ شیئا فكأنّه لم ینقص منه شى‏ء ( و ) الخامس أنّه ( لا ینظر بعین ) أى لیس إدراكه بحاسّة البصر و إن كان بصیرا لتنزّهه عن المشاعر و الحواسّ .

( و ) السادس أنه ( لا یحدّ بأین ) لأنّ الأین عبارة عن نسبة الجسم إلى المكان و هو سبحانه منزّه عن ذلك لبرائته عن التحیّز روى فی البحار من التوحید عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : أتى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یهودى یقال له شجت فقال : یا محمّد جئت أسألك عن ربّك فان أجبتنى عما أسألك عنه و إلاّ رجعت ، فقال له : سل عما شئت ، فقال : أین ربّك ؟ فقال : هو فی كلّ مكان و لیس هو فی شى‏ء من المكان بمحدود ، قال : فكیف هو ؟ فقال : و كیف أصف ربّى بالكیف

[ 319 ]

و الكیف مخلوق و اللّه لا یوصف بخلقه .

و عن أبی عبد اللّه علیه السّلام أیضا من زعم أنّ اللّه من شى‏ء فقد جعله محدثا ، و من زعم أنّه فی شى‏ء فقد جعله محصورا ، و من زعم أنه على شى‏ء فقد جعله محمولا قوله علیه السّلام : محصورا أى عاجزا ممنوعا عن الخروج عن المكان ، أو محصورا بذلك الشی‏ء و محوّیا به فیكون له انقطاع و انتهاء فیكون ذا حدود و أجزاء و قوله :

محمولا أى محتاجا إلى ما یحمله .

قال الصدوق ره : الدلیل على أنّ اللّه عزّ و جلّ لا فی مكان إنّ الأماكن كلّها حادثة و قد قام الدّلیل على أنّ اللّه عزّ و جلّ قدیم سابق للأماكن ، و لیس یجوز أن یحتاج الغنى القدیم إلى ما كان غنیّا عنه ، و لا أن یتغیّر عما لم یزل موجودا علیه فصحّ الیوم أنه لا فی مكان كما أنّه لم یزل كذلك و تصدیق ذلك ما حدّثنا به القطان عن ابن زكریا القطان عن ابن حبیب عن ابن بهلول عن أبیه عن سلیمان المروزى عن سلیمان بن مهران قال : قلت لجعفر ابن محمّد علیه السّلام : هل یجوز أن نقول إنّ اللّه عزّ و جلّ فی مكان ؟ فقال : سبحان اللّه و تعالى عن ذلك إنه لو كان فی مكان لكان محدثا ، لأنّ الكائن فی مكان محتاج إلى المكان و الاحتیاج من صفات الحدث لا القدیم .

( و ) السابع أنّه ( لا یوصف بالأزواج ) و هی نفى الكمیّة المنفصلة عنه أى لیس فیه اثنینیة و تعدّد .

و قال العلاّمة المجلسى ره : أى لا یوصف بالأمثال أو الأضداد أو بصفات الأزواج أو لیس فیه تركب و ازدواج أمرین أو بأنّ له صاحبة .

( و ) الثامن أنه ( لا یخلق بعلاج ) أى لا یحتاج فی خلقه للمخلوقات إلى مزاولة و معالجة و آلة و حیلة كسایر أرباب الصنایع ، و إنما أمره إذا أراد شیئا أن یقول له كن فیكون .

[ 320 ]

( و ) التاسع أنه ( لا یدرك بالحواسّ ) لاختصاص إدراكها بالأجسام و الجسمانیّات و اللّه سبحانه منزّه عن الجسمیّة و لواحقها .

روى فی البحار من التوحید عن عبد اللّه بن جوین العبدى عن أبی عبد اللّه علیه السّلام أنّه كان یقول : الحمد للّه الذی لا یحسّ و لا یجسّ و لا یمسّ و لا یدرك بالحواسّ الخمس و لا یقع علیه الوهم و لا تصفه الألسن و كلّ شی‏ء حسسته الحواسّ أو لمسته الأیدى فهو مخلوق .

( و ) العاشر أنه ( لا یقاس بالنّاس ) أى لا یشبه شیئا من خلقه فی جهة من الجهات كما یزعمه المشبّهة و المجسّمة .

روى فی البحار من التوحید بسنده عن المفضّل بن عمر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : من شبّه اللّه بخلقه فهو مشرك إنّ اللّه تبارك و تعالى لا یشبه شیئا و لا یشبهه شی‏ء و كلّما وقع فی الوهم فهو بخلافه .

قال الصّدوق ( ره ) الدّلیل على أنّ اللّه سبحانه لا یشبه شیئا من خلقه من جهة من الجهات أنه لا جهة لشی‏ء من أفعاله إلاّ محدثة ، و لا جهة محدثة إلاّ و هى تدلّ على حدوث من هى له ، فلو كان اللّه جلّ ثناؤه یشبه شیئا منها لدلّت على حدوثه من حیث دلّت على حدوث من هى له ، إذ المتماثلین فی العقول یقتضیان حكما واحدا من حیث تماثلا منها و قد قام الدّلیل على أنّ اللّه عزّ و جلّ قدیم ، و محال أن یكون قدیما من جهة حادثا من اخرى .

و من الدّلیل على أنّ اللّه تبارك و تعالى قدیم أنّه لو كان حادثا لوجب أن یكون له محدث ، لأنّ الفعل لا یكون إلاّ بفاعل و لكان القول فی محدثه كالقول فیه و فی هذا وجود حادث قبل حادث لا الى أوّل و هو محال ، فیصح أنّه لابدّ من صانع قدیم و إذا كان ذلك كذلك فالّذی یوجب قدم ذلك الصانع و یدلّ علیه یوجب قدم صانعنا و یدلّ علیه .

و الحادیعشر أنّه متكلّم لا كتكلّم المخلوقین و إلیه أشار بقوله ( الّذی كلّم « ج 20 »

[ 321 ]

موسى ) علیه السّلام فی شاطى‏ء الوادی الأیمن فی البقعة المباركة ( تكلیما ) أتى به تأكیدا و دفعا لتوهم السامع التجوّز فی كلامه سبحانه ، و قد عرفت تحقیق معنى كلامه و كونه متكلّما فی شرح المختار المأة و الثّامن و السبعین .

و قوله ( و أراه من آیاته عظیما ) یحتمل أن یراد بها الآیات التسع المشار إلیها فی قوله تعالى : و لقد آتینا موسى تسع آیات بیّنات ، قال الصادق علیه السّلام : هى الجراد و القمّل و الضفادع و الدّم و الطوفان و البحر و الحجر و العصا و یده ، رواه فی الصّافی من الخصال عنه علیه السّلام و من العیاشی عن الباقر علیه السّلام مثله .

و فیه من قرب الاسناد عن الكاظم علیه السّلام و قد سأله نفر من الیهود عنها فقال :

العصا و إخراجه یده من جیبه بیضاء و الجراد و القمّل و الضفادع و الدّم و رفع الطور و المنّ و السلوى آیة واحدة و فلق البحر قالوا : صدقت و أن یراد بها الآیات الّتی ظهرت عند التكلیم من سماع الصوت من الجهات السّت و من رؤیته نارا بیضاء تتقد من شجرة خضراء لا خضرویة الشجر تطفى النار و لا النار توقد الشجرة .

قال الباقر علیه السّلام فأقبل نحو النّار یقتبس فاذا شجرة و نار تلتهب علیها فلما ذهب نحو النّار یقتبس منها أهوت إلیه ففزع و عدا و رجعت النار إلى الشجرة فالتفت إلیها و قد رجعت إلى الشجرة ، فرجع الثانیة لیقتبس فأهوت إلیه فعدا و تركها ثمّ التفت و قد رجعت إلى الشجرة ، فرجع إلیها الثالثة فأهوت إلیه فعدا و لم یعقّب أى لم یرجع فناداه اللّه عزّ و جلّ أن یا موسى إنّی أنا اللّه ربّ العالمین قال موسى : فما الدّلیل على ذلك ؟ قال عزّ و جلّ : ما فی یمینك یا موسى قال : هى عصاى قال : ألقها یا موسى فألقیها فاذا هى حیّة تسعى ، ففزع منها و عدا فناداه اللّه عزّ و جلّ خذها و لا تخف انّك من الآمنین ، هذا .

و یؤیّد الاحتمال الثانی أى كون المراد من الآیات الآیات الظاهرة عند التكلّم قوله علیه السّلام ( بلا جوارح و لا أدوات و لا نطق و لا لهوات ) إذ الظاهر تعلّقه بالتكلیم و على

[ 322 ]

الاحتمال الاوّل یلزم الفصل بین المتعلّق و المتعلّق بالأجنبیّ .

و المراد به أنّ كلامه مع موسى لیس ككلام البشر صادرا عن الحنجرة و اللسان و اللهوات أى اللحمات فی سقف أقصى الفم و عن مخارج الحروف و غیرها بل كلّم معه بأن أوجد الكلام فی الشجرة كما هو صریح قوله سبحانه : فلما أتیها نودى من شاطى‏ء الوادى الأیمن فی البقعة المباركة من الشجرة أن یا موسى هذا .

و فی كلامه دلالة على عدم جواز وصفه بالنطق و لعلّه لصراحة النطق فی إخراج الحروف من المخارج ، بخلاف الكلام .

و یستفاد من خطبة له علیه السّلام آتیة فی الكتاب و مرویّة فی الاحتجاج أیضا عدم جواز وصفه باللّفظ أیضا بخلاف القول حیث قال فیها : یخبر لا بلسان و لهوات و یسمع لا بخروق و أدوات یقول و لا یلفظ و یحفظ و لا یتحفّظ .

و لعلّ السّر فیه أیضا صراحة التلفظ فی اعتماد اللفظ على مقطع الفم و استلزامه للأدوات دون القول .

ثمّ نبّه على عجز القوى البشریّة عن وصف كماله تعالى بقوله ( بل إن كنت صادقا أیّها المتكلّف ) أى المتحمّل للكلفة و المشقّة ( لوصف ربّك ) فی وصفه ( فصف ) بعض خلقه و هو ( جبرئیل و میكائیل و جنود الملائكة المقرّبین ) و الأمر للتعجیز كما فی قوله تعالى : فأتوا بسورة من مثله .

قال الشّارح البحرانی : هى صورة قیاس استثنائى متّصل نبّه به على عجز من یدّعى وصف ربّه كما هو ، و تقدیره إن كنت صادقا فی وصفه فصف بعض خلقه و ینتج باستثناء نقیض تالیه أى لكنّك لا یمكنك وصف هؤلاء بالحقیقة فلا یمكنك وصفه تعالى ، بیان الملازمة أنّ وصفه تعالى إذا كان ممكنا لك فوصف بعض آثاره أسهل علیك ، و أما بطلان التالی فانّ حقیقة جبرئیل و میكائیل و سائر الملائكة المقرّبین غیر معلومة لأحد من البشر ، و من عجز عن وصف بعض آثاره فهو عن وصفه أعجز .

أقول : و یشهد بما ذكره هنا من عدم امكان وصف الملائكة على ما هى علیه ما تقدّم منه علیه السّلام و منّا فی الفصل الخامس من فصول المختار التسعین و شرحه ، فقد

[ 323 ]

مضى هناك انموزج من وصف الملائكة یتحیّر فیه العقول و یدهش الافهام و یقشعرّ الجلود فكیف إذا أرید البلوغ إلى غایة أوصافهم .

و قوله ( فی حجرات القدس ) أى منازل الطهارة عن العلاقات العنصریّة و مقارّ التنزّه عن تعلّقات النفس الأمّارة .

و قوله ( مرجحنّین ) أى خاضعین تحت سلطانه و عظمته و قال العلاّمة المجلسی ( ره ) أى ما یلین إلى جهة التحت خضوعا لجلال البارى عزّ سلطانه ، و یحتمل أن یكون كنایة عن عظمة شأنهم و ازانة قدرهم أو عن نزولهم وقتا بعد وقت بأمره تعالى .

حالكونهم ( متولّهة عقولهم ) أى متحیّرة متشتّتة ( أن یحدّوا أحسن الخالقین ) أى یدركوا حقیقته بحدّ و یعرفوا كنه ذاته سبحانه و هو نظیر قوله علیه السّلام فی الفصل التاسع من المختار الأوّل : لا یتوهّمون ربّهم بالتصویر ، و لا یجرون علیه صفات المصنوعین ، و لا یحدّونه بالأماكن ، و لا یشیرون إلیه بالنظایر .

و لما نبّه على عجز العقول عن وصف كماله أردفه بالتنبیه على ما یدرك من جهة الوصف فقال ( و انما یدرك بالصفات ) و یعرف بالكنه ( ذوو الهیئات و الأدوات ) و الجوارح و الآلات الّتی یحیط بها الأفهام ، فیدركون و یعرفون من جهتها .

( و ) كذا یدرك ( من ینقضی إذا بلغ أمد حدّه بالفنا ) أى من ینقضی و یفنى إذا بلغ غایته ، فانه تقف الأفهام علیه و تحلّله إلى أجزائه فتطلع على كنهه ، فأمّا اللّه سبحانه فلتنزّهه عن الهیئات و الصّفات الزایدة و وجوب وجوده و عدم امكان تطرّق الفناء و العدم علیه ، فیستحیل الاطلاع على كنه ذاته و حقیقة صفاته .

ثمّ عقّب ذلك التنزیه بالتوحید و قال : ( فلا إله إلاّ هو أضاء بنوره كلّ ظلام و أظلم بظلمته كلّ نور ) لا یخفى حسن المقابلة و التطبیق بین القرینتین .

و النور و الظلام فی القرینة الاولى یحتملان المحسوس و غیره ، فان ارید به الظلام المحسوس فالمراد إضائته بأنوار الكواكب و النیرین ، و إن ارید به الظلام المعقول أعنى ظلمة الجهل فالمراد إضائته بأنوار العلم و الشرایع .

[ 324 ]

و أمّا القرینة الثانیة و المقصود بها أنّ جمیع الأنوار المحسوسة أو المعقولة مضمحلّة فی نور علمه و ظلام بالنسبة إلى نور براهینه فی جمیع مخلوقاته الكاشفة عن وجوده و كمال جوده هكذا قال الشارح البحرانی .

و فیه إنه علیه السّلام لم یقل أظلم بنوره كلّ نور بل قال : أظلم بظلمته ، و هو ینافی هذا المعنى فالأنسب أن یراد بالنور و الظلمة الوجود و العدم ، و یصحّ ذلك التأویل فی القرینة الاولى أیضا فیكون الاضاءة و الاظلام فیهما كنایتین عن الایجاد و الاعدام قیل : و یحتمل على بعد أن یكون الضمیر فی قوله : بظلمته ، راجعا إلى كلّ نور لتقدّمه رتبة فیرجع حاصل الفقرتین حینئذ إلى أنّ النور هو ما ینسب إلیه تعالى فتلك الجهة نور و أما الجهات الراجعة إلى الممكنات فكلّها ظلمة .

الترجمة

از جمله خطب شریفه آنحضرت است روایت شده از نوف بكالى كه گفته خطبه فرمود ما را باین خطبه أمیر مؤمنان سلام اللّه علیه و آله در كوفه در حالتیكه ایستاده بود آن حضرت بر سنگی كه نصب كرده بود آن سنگ را از براى او جعدة بن هبیره مخزومى پسر خواهر آنحضرت در حالتیكه در تن مبارك او درّاعه از پشم و دوالهاى شمشیر او از لیف خرما بود ، و بر دو پاى آن حضرت بود نعلینی از لیف و گویا پیشانی مبارك او از كثرت سجود مانند زانوى شتر بود پس فرمود آن بزرگوار :

حمد و ثناء معبود بحقّى را سزاست كه بسوى او است بازگشتهاى مخلوقات و عواقب امورات ، حمد میكنیم ما او را بر بزرگى احسان او و برهان نورانى او و بر افزونیهاى فضل و منت او چنان حمدى كه بشود از براى حقّ او قضا ، و از براى شكر او أداء ، و بسوى ثواب او نزدیك كننده ، و زیادتى نیكوئى او را واجب سازنده و طلب إعانت میكنیم از او مثل طلب اعانت كسیكه امید دارنده فضل او باشد ، آرزو كننده منفعت او ، اعتماد كننده بدفع او ، اعتراف كننده بافضال و كرم او ، گردن

[ 325 ]

نهنده بر او با كردار و گفتار .

و ایمان میآوریم او را مثل ایمان آوردن كسیكه امیدوار باشد باو در حالتیكه یقین كننده باشد ، و باز گردد بسوى او در حالتیكه ایمان آورنده باشد ، و خضوع خشوع كند او را در حالتیكه گردن نهنده باشد ، و اخلاص ورزد از براى او در حالتى كه موحّد باشد ، و تعظیم كند او را در حالتیكه تمجید كننده شود ، و پناه ببرد باو در حالتیكه رغبت كننده و سعى نماینده باشد .

متولد نشد حق سبحانه و تعالى تا اینكه در عزّت شریك داشته باشد ، و پسر ندارد تا اینكه میراث برده شده و هالك گردد ، و مقدّم نشده بر او هیچ وقت و زمانی و نوبه نوبه فراهم نیامده او را هیچ زیادتی و نقصانی ، بلكه آشكار شد بعقلها با آنچه نمایان كرد ما را از علامات تدبیر محكم و قضاء متقن .

پس از جمله شواهد خلق او است خلقت آسمانها در حالتیكه ثابت و محكم‏اند بى‏ستونى ، و ایستاده‏اند بدون تكیه‏گاهى دعوت فرمود آنها را پس اجابت كردند در حالتیكه اطاعت كننده بودند و انقیاد نماینده بدون اینكه توقّف داشته باشند یا تأخیر كننده باشند ، و اگر نبود اقرار آنها بربوبیّت او و انقیاد آنها بطاعت او نمیگردانید آنها را محلّ عرش خود ، و نه مسكن از براى فرشتگان ، و نه محلّ صعود كلمات طیّبات و أعمال صالحه از خلق .

گردانید ستارهاى آسمانها را علامتها تا راه بیابد با آنها شخص متحیّر سرگردان در محل اختلاف راههاى أطراف زمین ، مانع نشد از روشنى نور آن ستارها شدّت تاریكى شب تیره ، و متمكّن نشد لباسهاى سیاه ظلمتهاى با شدّت از اینكه بر گرداند آنچه كه شایع و ظاهر شده در آسمانها از درخشیدن نور ماه .

پس تنزیه میكنم آنكسى را كه پوشیده نمیشود بر او سیاهى ظلمت با شدّت و نه سیاهى شب آرمیده در بقعهاى زمینها كه منخفض و پست‏اند ، و نه در كوههاى بلند سیاه رنگ مایل بسرخى كه قریب بیكدیگرند ، و مخفى نمیشود بر او آنچه

[ 326 ]

كه آواز كند بر او رعد در افق آسمان ، و آنچه كه متلاشى و نابود میشود از او برقهاى أبر و بر آنچه كه میافتد از برگ درختان كه زایل میگرداند آن برگ را از محلّ افتادن تند بادها كه حاصل میشود بسبب سقوط نجوم ساقط از منازل قمر و بسبب ریخته شدن باران از آسمان و میداند جاى افتادن قطرهاى باران و قرارگاه آن را و محلّ كشیدن مورچهاى كوچك و مكان جرّ آنرا و چیزى را كه كفایت كند پشه را از خوراك آن و چیزى كه حمل نموده است آن را ماده در شكم خود .

ستایش مر خدایراست كه موجود بود پیش از این كه بوده باشد كرسى یا عرش یا آسمان یا زمین یا جان یا انسان درك نمیشود آن پروردگار با وهم و گمان و أندازه كرده نمیشود با فهم عقلها ، و مشغول نمیگرداند او را سائلى از سائل دیگر ،

و كم نمیگرداند بحر كرم او را هیچ عطائى ، و نگاه نمیكند با چشم ، و محدود نمیگردد بامكان ، و موصوف نمیشود با جفتها ، و نمیآفریند بمعالجه و مباشرت ، و ادراك نمیشود با حواس ظاهره و باطنه ، و قیاس كرده نمیشود بخلق آنچنان پروردگارى كه سخن گفت با جناب موسى علیه السّلام سخن گفتنی ، و نمایانید او را أز علامتهاى قدرت خود چیز بزرگى بى أعضا و جوارحى و بدون نطق و گوشت پارهائى كه در آخر دهن است و با آن نطق حاصل میشود .

بلكه أگر راست گوینده باشی تو اى مشقت كشنده در وصف پروردگار خود پس وصف كن جبرئیل و میكائیل و لشكرهاى فرشتگان را كه مقرّب درگاه اویند در منزلهاى قدس و طهارت خاضع و مایلند بزیر أز خضوع در حالتیكه متحیّر است عقلهاى ایشان در اینكه حدى قرار بدهند بهترین آفریننده‏گان را ، و جز این نیست كه ادراك میشود با صفتها صاحبان صورتها و آلتها و آنكسى كه منقضى میشود بفنا و نیستى زمانى كه برسد بغایت حد خود ، پس نیست هیچ معبود بحقّى غیر او كه روشن فرمود با نور خود هر تاریكى ، و تاریك گردانید با تاریكى خود هر روشنى را .

[ 327 ]

الفصل الثانى

أوصیكم عباد اللّه بتقوى اللّه الّذی ألبسكم الرّیاش ، و أسبغ علیكم المعاش ، و لو أنّ أحدا یجد إلى البقاء سلّما ، أو لدفع الموت سبیلا ،

لكان ذلك سلیمان بن داود علیه السّلام الّذی سخّر له ملك الجنّ و الإنس مع النّبوّة و عظیم الزّلفة ، فلمّا استوفى طعمته ، و استكمل مدّته ،

رمته قسیّ الفنآء بنبال الموت ، و أصبحت الدّیار منه خالیة ، و المساكن معطّلة ، و ورثها قوم آخرون ، و إنّ لكم فی القرون السّالفة لعبرة ،

أین العمالقة و ابنآء العمالقة ؟ أین الفراعنة و أبناء الفراعنة ؟ أین أصحاب مداین الرّسّ ؟ الّذین قتلوا النّبیّین ، و أطفؤا سنن المرسلین ، و أحیوا سنن الجبّارین ، و أین الّذین ساروا بالجیوش ، و هزموا الالوف ،

و عسكروا العساكر ، و مدّنوا المداین .






نظرات() 


best psychic medium reading
جمعه 12 آبان 1396 07:42 ب.ظ
این شرم است که شما یک دکمه اهدا ندارید! من بدون شک اهدا می کنم
به این وبلاگ فوق العاده! برای این که فکر میکنم برای نشانه گذاری و اضافه کردن خوراک RSS به حساب Google من تنظیم شده است.

من منتظر به روز رسانی های جدید هستم و این سایت را به اشتراک می گذارم
با گروه فیس بوک من به زودی صحبت می کنیم!
clash royale hack no verification
دوشنبه 8 آبان 1396 08:22 ب.ظ
آیا شما تا به حال در مورد شامل کمی بیشتر از فقط مقالات خود را در نظر گرفت؟
منظورم این است که آنچه شما می گویید مهم است و همه چیز. اما تصور کنید اگر تعدادی اضافه کردید
تصاویری عالی و یا فیلم ها برای ارسال پست های بیشتر، "پاپ"!
محتوای شما عالی است، اما با تصاویر و کلیپ ها، این
سایت مطمئنا می تواند یکی از بهترین در طاقچه خود باشد. وبلاگ بسیار معروف!
local std testing
دوشنبه 8 آبان 1396 11:16 ق.ظ
این مسئله سخت است که مردم به خوبی درباره این موضوع مطلع شوند
اما به نظر می رسد که شما می دانید در مورد چه چیزی صحبت می کنید! با تشکر
are psychics real
دوشنبه 8 آبان 1396 08:12 ق.ظ
ما یک گروه از داوطلبان هستیم و یک طرح جدید در جامعهمان ایجاد می کنیم.
وب سایت شما با اطلاعات ارزشمند ما را فراهم کرد
برای کار کردن شما یک کار قابل توجه انجام داده اید و کل جامعه ما از شما سپاسگزار خواهد بود.
myfreecams token hack
شنبه 29 مهر 1396 10:45 ب.ظ
شما در واقع به نظر شما بسیار آسان است، اما من این موضوع را واقعا چیزی می بینم
من فکر می کنم که هرگز نمی فهمم به نظر می رسد بسیار پیچیده و بسیار
برای من گسترده است. من منتظر پست بعدی شما هستم، سعی خواهم کرد
از آن آویزان شوید
real psychic
شنبه 15 مهر 1396 04:58 ب.ظ
با سپاس از پدرم که در مورد این وب سایت به من اطلاع داد، این وبلاگ واقعا عالی است.
Rolando
جمعه 16 تیر 1396 07:14 ب.ظ
I was suggested this web site by my cousin. I am not sure whether this post is written by him as nobody else know such detailed about my difficulty.
You are amazing! Thanks!
std testing centers
سه شنبه 26 اردیبهشت 1396 05:28 ق.ظ
چلیپا از خود نوشتن در حالی که صدایی دلنشین در آیا
نه نشستن کاملا با من پس از برخی از زمان.
جایی در سراسر پاراگراف شما در واقع موفق به من مؤمن متاسفانه فقط برای بسیار در حالی
که کوتاه. من این مشکل خود را
با جهش در مفروضات و یک خواهد را
سادگی به کمک پر کسانی که شکاف.
که شما که می توانید انجام من را قطعا
بود تحت تاثیر قرار داد.
Shanel
سه شنبه 26 اردیبهشت 1396 01:16 ق.ظ
Hi there, just became alert to your blog through Google, and found that it is truly informative.
I'm gonna watch out for brussels. I will appreciate if you continue this in future.
Many people will be benefited from your writing.
Cheers!
Nikole
دوشنبه 25 اردیبهشت 1396 12:09 ق.ظ
Having read this I thought it was extremely informative.

I appreciate you spending some time and effort to put this short article together.
I once again find myself spending a lot of time both reading and
leaving comments. But so what, it was still worth it!
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox