تبلیغات
پیام هادی - تفاسیر نهج البلاغه
 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-05:32 ب.ظ

[ 179 ] و من كلام له ع و قد سأله ذعلب الیمانی فقال هل رأیت ربك یا أمیر المؤمنین فقال ع أ فأعبد ما لا أرى فقال و كیف تراه فقال

لاَ تُدْرِكُهُ اَلْعُیُونُ بِمُشَاهَدَةِ اَلْعِیَانِ وَ لَكِنْ تُدْرِكُهُ اَلْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ اَلْإِیمَانِ قَرِیبٌ مِنَ اَلْأَشْیَاءِ غَیْرَ مُلاَبِسٍ بَعِیدٌ مِنْهَا غَیْرَ مُبَایِنٍ مُتَكَلِّمٌ لاَ بِرَوِیَّةٍ مُرِیدٌ لاَ بِهِمَّةٍ صَانِعٌ لاَ بِجَارِحَةٍ لَطِیفٌ لاَ یُوصَفُ بِالْخَفَاءِ كَبِیرٌ لاَ یُوصَفُ بِالْجَفَاءِ بَصِیرٌ لاَ یُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ رَحِیمٌ لاَ یُوصَفُ بِالرِّقَّةِ تَعْنُو اَلْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ وَ تَجِبُ اَلْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِهِ

و من كلام له علیه السّلام

و هو المأة و الثامن و السبعون من المختار فی باب الخطب و هو مروىّ فی الأصول المعتبرة كالكافی و التوحید و الاحتجاج و الارشاد بطرق مختلفة باجمال و تفصیل و اختلاف تطلع علیه بعد الفراغ من شرح ما أورده السیّد ( ره ) .

و قد سئله ذعلب الیمانی فقال : هل رأیت ربّك یا أمیر المؤمنین ؟

فقال علیه السّلام : أفأعبد ما لا أرى قال : و كیف تراه ؟ قال علیه السّلام :

لا تدركه العیون بمشاهدة العیان ، و لكن تدركه القلوب بحقایق

[ 258 ]

الإیمان ، قریب من الأشیاء غیر ملامس ، بعید منها غیر مبائن ،

متكلّم لا بروّیة ، مرید بلا همّة ، صانع لا بجارحة ، لطیف لا یوصف بالخفاء ، كبیر لا یوصف بالجفاء ، بصیر لا یوصف بالحاسّة ، رحیم لا یوصف بالرّقّة ، تعنو الوجوه لعظمته ، و تجب القلوب من مخافته .

اللغة

( الذعلب ) فی الأصل الناقة السریعة ثمّ صار علما للانسان كما نقلوا بكرا عن فتى الابل إلى بكر بن وابل و ( الیمانی ) منسوب إلى الیمن اقلیم معروف سمّى به لكونه على یمین الكعبة و أصله یمنیّ بتشدید الیاء ثمّ جعلوا الألف بدلا عن الیاء الثانیة فقالوا یمانی بالتخفیف فی یمنیّ و ( جفوت ) الرجل أعرضت عنه أو طردته و قد یكون مع بغض و جفا الثوب یجفو إذا غلظ فهو جاف ، و منه جفاء الید و هو غلظتهم و فظاظتهم و ( عنا ) یعنو عنوا من باب قعد ذلّ و خضع و الاسم العناء بالفتح و المدّ فهو عان و ( وجب ) الحایط و نحوه وجبة سقط و وجب القلب وجبا و وجیبا رجف .

الاعراب

قوله : أفأعبد استفهام على سبیل الانكار و الابطال و قوله : قریب خبر لمبتداء محذوف و قوله : غیر ملامس بنصب غیر كما فی أكثر النسخ حال من فاعل قریب المستتر و فی بعضها بالرّفع فیكون صفة لقریب ، و كذلك قوله غیر مباین ، و مثلهما جملة لا یوصف تحتمل أن تكون فی محلّ النصب على الحال ، و فی محلّ الرّفع على الوصف .

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام له علیه السّلام من كلماته المعروفة و قد ظهر لك فی شرح الخطبة

[ 259 ]

الثّانیة و التسعین أنّه ملتقط من كلام طویل له علیه السّلام قدّمنا روایته هناك من توحید الصّدوق كما ظهر أنّه علیه السّلام كلّم به مع ذعلب ، فانه لما قال على المنبر غیر مرّة :

سلونی قبل أن تفقدونی ، قام إلیه ذعلب و كان رجلا ذرب اللّسان بلیغا فی الخطب شجاع القلب فقال : لقد ارتقى ابن أبی طالب مرقاة صعبة لاخجلنّه الیوم لكم فی مسألتی إیّاه فقال له ( هل رأیت ربّك یا أمیر المؤمنین ) و كان هذا السؤال منه من باب التعنّت و التقریر بقصد التعجیز عن الجواب لا الاستفهام الحقیقی كما یدلّ علیه أوّل كلامه الّذى حكیناه .

( فقال علیه السّلام أفأعبد ما لا أرى ) إنكار لعبادة ما لا یدرك ، لأنّ العبادة متضمّنة للسؤال و المخاطبة و المكالمة و طلب الرحمة و المغفرة و غیر ذلك من الخضوع و الخشوع و التضرّع و التملّق و الاستكانة و هذه كلّها تستدعى حضور المعبود و إدراكه و رؤیته .

و لما توهّم السائل من كلامه علیه السّلام أنّ مراده به رؤیة البصر أعاد السؤال و ( قال و كیف تراه ) على سبیل الاستفهام التوبیخی یعنی أنّ رؤیته غیر ممكنة فكیف ادّعیتها .

فأجابه و ( قال علیه السّلام لا تدركه العیون بمشاهدة العیان ) یعنى أنّ رؤیته لیست بالعین و بمشاهدة القوّة البصریة الجسمانیة ، فانّ هذه غیر جایزة كما عرفت تحقیقه فی شرح الخطبة التاسعة و الأربعین ، و هو صریح فی بطلان مذهب الأشاعرة و المشبهة و الكرامیّة المجوّزین للرؤیة ( و لكن تدركه القلوب بحقایق الایمان ) أى تدركه العقول الصافیة عن ملابسة الأبدان و غواشی الطبایع و الأجرام بحقایق الایمان أى بأنوار العقلیّة الناشئة من الایمان و الاذعان الخالص كما مرّ تحقیقه فی شرح الخطبة التاسعة و الأربعین أیضا .

و قال الشارح البحرانی : أراد بحقایق الایمان أركانه و هى التصدیق بوجود اللّه و وحدانیّته و سایر صفاته و اعتبارات أسمائه الحسنى .

و قال العلامة المجلسى ره فی مرآت العقول : حقایق الایمان العقاید الّتى هى حقایق أى عقاید عقلیة ثابتة یقینیّة لا یتطرّق إلیها الزوال و التغیر أى أركان

[ 260 ]

الایمان أى الانوار و الآثار الّتی حصلت فی القلب من الایمان او التصدیقات و الاذعانات الّتى تحقّ أن تسمّى ایمانا .

أو المراد بحقایق الایمان ما ینتمى إلیه تلك العقاید من البراهین العقلیّة ، فانّ الحقیقة ما یصیر إلیه حقّ الأمر و وجوبه ذكره المطرزى فی الغریبین انتهى .

أقول : هذه المعانى كلّها صحیحة محتملة لكن الأظهر هو المعنى الثانى المطابق لما ذكرناه .

و یؤیّده ما فی الاحتجاج عن أبی عبد اللّه علیه السّلام أنه سأله زندیق كیف یعبد اللّه الخلق و لم یروه ؟ قال علیه السّلام : رأته القلوب بنور الایمان و أثبتته العقول بیقظها إثبات العیان ، و أبصرته الأبصار بما رأت من حسن التركیب و احكام التألیف ، ثمّ الرّسل و آیاتها و الكتب و محكماتها واقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤیته قال : ألیس هو قادر أن یظهر لهم حتّى یروه فیعرفوه فیعبد على یقین ؟ قال علیه السّلام : لیس للمحال جواب ، هذا .

و لما نبّه على كونه سبحانه مدركا بالعقول عقّبه بذكر جملة من صفات كماله التى هى جهات ادراكه فقال ( قریب من الأشیاء غیر ملامس ) یعنى أنّ قربه منها بالاحاطة و القیومیّة لا بالالتصاق و الملامسة الّتى هى من عوارض الجسمیّة ( بعید منها غیر مباین ) یعنى أنّ بعده منها بنفس ذاته المقدّسة لا بعنوان التعاند و المضادّة ، و قد مرّ تحقیق ذلك مع سابقه فی شرح الفصل السادس من الخطبة الاولى عند شرح قوله علیه السّلام :

مع كلّ شى‏ء لا بمقارنة و غیر كلّشى‏ء لا بمزایلة .

( متكلّم لا برویة ) یعنى أنّ تكلّمه تعالى لیس بالفكر و التروّى كسایر آحاد الناس فانّ كلامهم تابع للتروّى و الافكار یتفكّرون أوّلا فی نظم الألفاظ و ترتیبها و دلالتها على المعانى المقصودة ثمّ یتكلّمون و اللّه سبحانه منزّه عن ذلك .

قال الشارح البحرانی : و كلامه تعالى یعود إلى علمه بصور الأوامر و النواهى و سایر أنواع الكلام عند قوم و إلى المعنى النفسانى عند الأشعرى و إلى خلقه الكلام فی جسم النبىّ عند المعتزلة .

[ 261 ]

أقول : و ستعرف تحقیق معنى كلامه و تكلّمه سبحانه فانتظر .

( مرید بلا همّة ) أى لیست إرادته كإرادتنا مسبوقة بالعزم و الهمّة .

قال الشارح المعتزلى قوله : بلا همّة ، أى بلا عزم ، و العزم عبارة عن إرادة متقدّمة للفعل تفعل توطینا للنفس على الفعل و تمهیدا للارادة المقارنة له ، و إنما یصحّ ذلك على الجسم الّذی یتردّد فیها یدعوه إلیه الدّواعى ، فأمّا العالم لذاته فلا یصحّ ذلك فیه .

( صانع لا بجارحة ) أى لیست صنعته بالاعضاء و الجوارح الّتى هى من لواحق الجسمیّة و إنماه أمره إذا أراد شیئا أن یقول له كن فیكون ( لطیف لا یوصف بالخفاء ) قال الشارح البحرانىّ اللطیف یطلق و یراد به رقیق القوام و یراد به صغیر الجسم المستلزمین للخفاء و عدیم اللّون من الأجسام و المحكم من الصنعة ، و هو تعالى منزّه عن اطلاقه بأحد هذه المعانى لاستلزام الجسمیّة و الامكان فیبقى إطلاقها علیه باعتبارین :

أحدهما تصرّفه فی الذّوات و الصفات تصرّفا خفیّا یفعل الأسباب المعدّة لها لافاضة كمالاتها .

الثانی جلالة ذاته و تنزیهها عن قبول الادراك البصرى ، یعنى لاستحالة رؤیته شابه الأجسام اللطیفة فاطلق علیه لفظ اللّطیف بهذا الاعتبار .

أقول : و هنا اعتبار ثالث ذكره الشارح المعتزلى و غیره ، و هو أنه لطیف بعباده كما فی الكتاب العزیز أى یفعل الألطاف المقربة لهم من الطاعة المبعدة لهم عن المعصیة ، أو لطیف بهم بمعنى أنه یرحمهم و یرفق بهم .

و اعتبار رابع و هو علمه بالأشیاء اللطیف رواه فی الكافى مرفوعا عن أبى جعفر الثانى علیه السّلام قال : و كذلك سمّیناه لطیفا لعلمه بالشى‏ء اللّطیف مثل البعوضة و أخفى من ذلك و موضع النشوء منها و العقل و الشهوة للسفاد و الحدب على نسلها و اقام بعضها على بعض و نقلها الطعام و الشراب إلى أولادها فی الجبال و المفاوز و الأودیة و القفار فعلمنا أنّ خالقها لطیف بلا كیف ، و إنما الكیفیّة للمخلوق المكیّف .

و رواه أیضا فیه مع اعتبار خامس عن الفتح بن یزید الجرجانى عن أبى الحسن

[ 262 ]

علیه السّلام فی حدیث طویل سأل فیه عنه علیه السّلام عن تفسیر معنى الواحد و وحدانیّته تعالى إلى أن قال قلت : جعلت فداك فرّجت عنى فرّج اللّه عنك فقولك اللّطیف الخبیر فسّره لى كما فسّرت الواحد فانّى أعلم أنّ لطفه على خلاف لطف خلقه للفصل غیر أنّى احبّ أن تشرح لی ذلك فقال علیه السّلام : یا فتح إنما قلنا اللّطیف للخلق اللّطیف لعلمه بالشى‏ء اللّطیف أو لا ترى وفّقك اللّه و ثبّتك إلى أثر صنعه فی النّبات اللّطیف و غیر اللّطیف و من الخلق اللّطیف و من الحیوان الصّغار و من البعوض و الجرجس و ما هو أصغر منها ما لا یكاد تستبینه العیون بل لا یكاد یستبان لصغره الذكر من الانثى و الحدث المولود من القدیم ، فلمّا رأینا صغر ذلك فی لطفه و اهتدائه للسّفاد و الهرب من الموت و الجمع لما یصلحه و ما فی لجج البحار و ما فی لحاء الأشجار و المفاوز و القفار و افهام بعضها عن بعض منطقها و ما یفهم به أولادها عنها و نقلها للغذاء إلیها ثمّ تألیف ألوانها حمرة مع صفرة و بیاض مع حمرة و أنه ما لا تكاد عیوننا تستبینه لدمامة خلقها لا تراه عیوننا و لا تلمسه أیدینا علمنا أنّ خالق هذا الخلق لطیف بخلق ما سمّیناه بلا علاج و لا أداة و لا آلة ، و أنّ كلّ صانع شی‏ء فمن شى‏ء صنع و اللّه خالق اللّطیف الجلیل خلق و صنع لا من شى‏ء فقد قرّر علیه السّلام أنّ اطلاق اسم اللّطیف علیه سبحانه بوجهین .

أحدهما للخلق اللّطیف یعنى لخلقه الأشیاء اللّطیفة و الاعتبار الأوّل الّذى حكیناه عن البحرانى یعود إلى ذلك أو قریب منه .

و ثانیهما لعلمه بالأشیاء اللّطیفة ( كبیر لا یوصف بالجفاء ) یعنى أنّه موصوف بالكبریاء و العظمة لجلالة شأنه و عظمة سلطانه ، و منزّه عمّا علیه سایر الكبراء و الأعاظم من المخلوقین كالملوك و السلاطین من الفظاظة و غلظ الطبیعة و الجفاء لمن تحت ولایتهم من الرّعیة .

و قال الشارح المعتزلی : لما كان لفظ الكبیر إذا استعمل فی الجسم أفاد تباعد افكاره ثمّ وصف البارى بأنه كبیر ، أراد أن ینزّهه عمّا تدلّ لفظة كبیر علیه إذا استعمل فی الأجسام ، انتهى و الأظهر ما قلناه .

[ 263 ]

( بصیر لا یوصف بالحاسة ) أما أنه بصیر فقد مرّ تحقیقه فی شرح الفصل السادس من الخطبة الاولى ، و أمّا تنزّهه عن الحواسّ فلأنّها من صفات الجسم ( رحیم لا یوصف بالرقة ) لما كان الرحمة فی الخلق عبارة عن رقّة القلب و الانفعال النفسانی و هما من أوصاف الممكن فحیثما یطلق علیه لفظ الرحیم یراد به ما هو لازم الرحمة من الانعام و الافضال ، و كذلك سایر الأوصاف الّتی لا یصحّ اتّصافه تعالى بها باعتبار مبادیها یوصف بها باعتبار غایاتها كالغضب فی قوله : « غضب اللّه علیهم » ، فیراد به الانتقام و العقوبة لاستلزامه له ، و المكر فی قوله : « و مكر اللّه و اللّه خیر الماكرین » فیراد به جزائه سبحانه لمكرهم بالجزاء السوء .

( تعنو الوجوه لعظمته ) أى تذلّ و تخضع لأنه الإله المطلق لكلّ موجود و ممكن و العظیم الذی كلّ مقهور تحت مشیّته و إرادته و داخر تحت جلاله و جبروته و عظمته ( و تجب القلوب من مخافته ) أى ترجف و تضطرب من هیبته عند ملاحظتها لعظمة سلطانه و علوّ شأنه .

تنبیه

قد وعدناك تحقیق الكلام فی معنى متكلّمیّته تعالى و أنّ كلامه سبحانه حادث أو قدیم فنقول :

قد تواترت الأنباء عن الأنبیاء و الرّسل ، و أطبقت الشرایع و الملل على كونه عزّ و جلّ متكلّما لا خلاف لأحد فی ذلك ، و إنما الخلاف فی معنى كلامه تعالى و فی قدمه و حدوثه .

فذهب أهل الحق من الامامیة وفاقا للمعتزلة إلى أنّ كلامه تعالى مؤلّف من حروف و أصوات قائمة بجوهر الهواء ، و معنى كونه متكلّما أنه موجد للكلام فی جسم من الأجسام كالملك و الشجر و نحو ذلك ، و على مذهبهم فالكلام حادث لأنه مؤلّف من أجزاء مترتّبة متعاقبة فی الوجود ، و كلّ ما هو كذلك فهو حادث .

و قالت الحنابلة : كلامه تعالى حروف و أصوات یقومان بذاته و أنه قدیم ، و قد

[ 264 ]

بالغ بعضهم حتّى قال جهلا بقدم الجلد و الغلاف أیضا فضلا عن المصحف .

و الكرامیة وافقهم فی أنّ كلامه حروف و أصوات و أنها قائمة بذاته تعالى إلاّ أنّهم خالفوهم فی القول بقدمها و قالوا بأنها حادثة لتجویزهم قیام الحوادث بذاته تعالى .

و ذهبت الاشاعرة إلى أنّ كلامه تعالى لیس من جنس الحروف و الأصوات بل هو معنى قدیم قائم بذاته تعالى یسمّى الكلام النفسی و هو مدلول الكلام اللّفظی المركب من الحروف .

قال الشارح الجدید للتجرید : و اختلاف الأحوال مبنىّ على قیاسین متعارضین احدهما أنّ كلامه تعالى صفة له و كلّما هو صفة له فهو قدیم فكلامه قدیم و ثانیهما أنّ كلامه مؤلّف من أجزاء مترتّبة متعاقبة فی الوجود ، و كلّما هو كذلك فهو حادث فكلامه حادث ، فاضطرّوا إلى القدح فی أحد القیاسین و منع بعض المقدّمات لاستحالة حقیّة المتناقضین .

فالمعتزلة صحّحوا القیاس الثانی و قدحوا فی صغرى القیاس الأوّل و الحنابلة صحّحوا القیاس الأوّل و منعوا كبرى القیاس الثانی ، و الكرامیّة صحّحوا القیاس الثانى و قدحوا فی كبرى القیاس الأوّل ، و الأشاعرة صحّحوا القیاس الأوّل و منعوا من صغرى القیاس الثّانی .

اذا عرفت ذلك فنقول : الحقّ الموافق للتحقیق من هذه الأقوال كما قلنا هو القول الأوّل ، لأنّ المتبادر إلى الفهم عند اطلاق لفظ الكلام هو المؤلّف من الحروف و الألفاظ دون المعنى ، و التبادر علامة الحقیقة ، و اطلاق لفظ المتكلّم علیه سبحانه على ذلك لیس باعتبار قیام الكلام به ، لاستلزامه إثبات الجوارح ، بل باعتبار خلقه الكلام فی الأجسام النباتیّة و الجمادیّة و ألسن الملائكة إمّا مجازا من باب اطلاق اسم المسبّب على السّبب ، أو حقیقة كما هو الأظهر لأنّ المتكلّم مشتقّ من التكلّم أو من الكلام بمعناه المصدرى كالسّلام و نحوه ، و التكلّم و الكلام بهذا المعنى بمعنى ایجاد اللّفظ ، و لا شكّ أنّ ایجاده قائم بالموجد كما أنّ التأثیر قائم بالمؤثّر

[ 265 ]

فالمتكلّم بصیغة الفاعل عبارة عن منشی‏ء الكلام و موجده ، و إنشاء الكلام و ایجاده لا قیام له إلاّ بالفاعل ، كما أنّه بصیغة المفعول عبارة عن نفس الكلام المؤلّف و لا قیام له إلاّ بجوهر الهواء .

لا یقال : التكلّم بمعنى ایجاد الكلام لم یجى‏ء فى اللّغة .

لأنّا نقول : ذلك غیر مسلّم كیف و التكلّم اللّفظی عند الأشاعرة لیس إلاّ بهذا الاعتبار و هم قد صرّحوا بكون الكلام مشتركا لفظا بین اللّفظى و النفسى كما ستعرفه و على هذا فیكون إطلاق المتكلّم علیه بمعنى موجد الكلام حقیقة لا مجازا .

قال صدر المتألّهین فی كتاب المبدء و المعاد : المتكلّم عبارة عن محدث الكلام فی جسم من الأجسام كالهواء و غیرها ، فانّا إذا تكلّمنا أحدثنا الكلام فی بعض الأجسام الّتى لنا قدرة على تحریكها ، فالمتكلّم ما قام به التكلّم لا ما قام به الكلام كما توهّم ،

و التكلّم بمعنى ما به یحصل الكلام فینا ملكة قائمة بذواتنا بها نتمكّن من إفادة مخزوناتنا العلمیّة على غیرنا ، و فی الواجب تعالى عین ذاته من حیث انّه یخلق الأصوات و الحروف فی أىّ موضع كان من الأجسام لافادة ما فی قضائه السابق على من یشاء من عباده .

و ما أثبته المتكلّمون من الكلام النفسى فان كان له معنى محصّل فیرجع إلى خطرات الأوهام ، أو یحتمل ما یوجد من الكلام ، و لا شكّ فی برائته تعالى عنه و عن سایر ما یتخیّله العوام .

و استدل الحنابلة على أنّ كلامه مؤلّف من الحروف و الأصوات بأنّ كلامه مسموع و لا مسموع إلاّ الحروف و الصّوت فكلامه لیس إلاّ الحروف و الصّوت أما الصّغرى فلقوله تعالى : « و إن أحد من المشركین استجارك فأجره حتّى یسمع كلام اللّه » ، و أمّا الكبرى فظاهرة ، ثمّ أثبتوا كونه قدیما بأنه لو كان حادثا لكان إمّا قائما بذاته أو بغیره أو لا فی محلّ و الأقسام الثلاثة كلّها باطلة أمّا الأوّل فلاستلزامه كون الذات محلاّ للحوادث و هو حینئذ كما ستعرفه ، و أمّا الثانی فلامتناع ان یقوم صفة الشى‏ء بغیره ، و أمّا الثالث فلاستحالة قیام العرض فی الوجود بلا محلّ فثبت أنّه

[ 266 ]

صفة قدیمة .

و الجواب أنّ كونه حرفا و صوتا یستلزم حدوثه بالضرورة و تعلیل قدمه بأنّ حدوثه مستلزم لأحد الأقسام الثلاثة الباطلة فیه ان منع بطلان القسم الثانى لم لا یجوز أن یقوم بغیره و ان اشتق له منه خلقه و لا امتناع فی ذلك حسبما عرفت .

و أما الكرامیة فبطلان مذهبهم بعد بطلان جواز حلول الحوادث على الذات واضح ، و جهة بطلانه أنّ وجوب الوجود ینافی ذلك ، لأنّ حدوث الحوادث فیه یدلّ على تغیّره و انفعاله و ذلك ینافی الوجوب الذّاتی ، و لأنّ المقتضى لذلك الحادث إن كان ذاته لم یكن حادثا و إن كان غیره یلزم الافتقار ، و لأنّ الحادث إن كان صفة نقص استحال اتّصاف الذات بها و إن كان صفة كمال امتنع خلوّه عنها و المفروض أنها حادثة أى موجودة بعد العدم فحیث كانت معدومة كان الذات خالیة عنها .

و أما الاشاعرة فبیّنوا مرادهم من الكلام النفسانی أولا و استدّلوا على اثباته ثانیا و اثبتوا كونه قدیما ثالثا ، ثمّ قالوا إنه واحد مع أنه أمر و نهى و خبر و استخبار و غیرها .

قال الامدى : لیس المراد من إطلاق لفظ الكلام إلاّ المعنی القائم بالنفس ،

و هو ما یجده الانسان من نفسه إذا أمر غیره أو نهاه أو أخبره أو استخبر منه ، و هذه المعانى هی الّتی یدلّ علیها بالعبارات و ینبّه علیها بالاشارات .

و قال عمر النسفى و هو من أعاظم الأشاعرة فی عقایده : و هو أى اللّه سبحانه متكلّم بكلام هو صفة له أزلیّة لیس من جنس الحروف و الأصوات ، و اللّه متكلّم بها آمرناه مخبر و القرآن كلام اللّه غیر مخلوق ، و هو مكتوب فی مصاحفنا محفوظ فی قلوبنا مقروّ بألسنتنا مسموع بآذاننا غیر حال فیها .

و قال التفتازانى فی شرحه ما محصّله : إنّ الاجماع و التواتر قد قام على كونه تعالى متكلّما بكلام هو صفة له ، ضرورة امتناع اثبات المشتقّ من غیر قیام مأخذ الاشتقاق به ، و هذه الصفة معنى قائم بالذات و قدیمة ، ضرورة امتناع قیام الحوادث بذات اللّه سبحانه ، و لیس من جنس الحروف و الأصوات ، ضرورة حدوثها لأنّ التكلّم

[ 267 ]

ببعضها مشروط بانقضاء الآخر بل عبّر عنها بها و یسمّى المعبّر به بالقرآن المركّب من الحروف و هی صفة واحدة تتكثّر إلى الأمر و النهی و الخبر باختلاف التعلّقات كالعلم و القدرة و سایر الصفات ، فهذه الصفة الواحدة باعتبار تعلّقها بشی‏ء على وجه مخصوص یكون خبرا ، و باعتبار تعلّقها بشی‏ء آخر على وجه آخر یكون أمرا و هكذا .

و القرآن الّذى هو كلام اللّه سبحانه القائم بذاته غیر حادث و مكتوب فی مصاحفنا بأشكال الكتابة و صور الحروف الدّالة علیه محفوظ فی قلوبنا بألفاظ المخیلة ، مقروّ بألسنتنا بحروفه الملفوظة المسموعة ، مسموع بآذاننا بهذه أیضا .

و مع ذلك كلّه لیس حالا فی المصاحف و لا فی القلوب و الألسنة و الأذهان ، بل معنى قدیم قائم بذات اللّه سبحانه یلفظ و یسمع بالنظم الدالّ علیه و یحفظ بالنظم المخیل و یكتب بالنقوش و صور و أشكال موضوعة للحروف الدالّة علیه كما یقال النار جوهر مجرّد یذكر باللّفظ و تكتب بالقلم و لا یلزم منه كون حقیقة النار صوتا و حرفا .

و تحقیقه انّ للشى‏ء وجودا فی الأعیان ، و وجودا فی الأذهان و وجودا فی العبارة و وجودا فی الكتابة فالكتابة تدلّ على العبارة و هی على ما فی الأذهان و هو على ما فی الأعیان فحیث یوصف القرآن بما هو من لوازم القدیم كما فی قولنا : القرآن غیر مخلوق ، فالمراد حقیقته الموجودة فی الخارج ، و حیث یوصف بما هو من صفات المخلوقات و المحدثات یراد به الألفاظ المنطوقة المسموعة كما فی قولنا قرأت نصف القرآن أو المخیّلة كما فی قولنا حفظت القرآن أو الأشكال المنقوشة كما فی قولنا یحرم للمحدث مسّ القرآن .

و لما كان دلیل الأحكام الشرعیّة هو اللّفظ دون المعنى القدیم عرّفه أئمة الاصول بالمكتوب فی المصاحف المنقول بالتواتر و جعلوه اسما للنظم و المعنى جمیعا أى للنظم من حیث الدّلالة على المعنى لا لمجرّد المعنى .

ثمّ قال فی آخر كلامه : و التحقیق انّ كلام اللّه اسم مشترك بین الكلام النّفسى

[ 268 ]

القدیم و معنى الاضافة كونه صفة له و بین اللّفظى الحادث و معنى الاضافة أنه مخلوق اللّه تعالى لیس من تألیفات المخلوقین فلا یصحّ نفى كونه كلام اللّه .

و ما فی عبارة بعض المشایخ من أنّه مجاز فلیس معناه أنه غیر موضوع للنظم المؤلّف ، بل معناه أنّ الكلام فی التحقیق و بالذات اسم للمعنى القائم بالنفس و تسمیة اللفظ به و وضعه لذلك إنما هو باعتبار دلالته على معنى ، انتهى ما أهمّنا نقله من محصّل كلامه بعد ردّ أوّله إلى آخره ، و هذا القدر كاف فی بیان مرادهم من الكلام النفسى .

و استدلّوا على إثباته بقول الأخطل :

إنّ الكلام لفى الفؤاد و إنّما
جعل اللّسان على الفؤاد دلیلا

و قول القائل : فی نفسى كلام أرید أن أذكره لك .

و بأنّ الألفاظ الذى تتكلّم بها مدلولات قائمة بالنفس ، و هذه المدلولات هی الكلام النفسانی و هو أمر غیر العلم مدلول الخبر إذا أخبر بشى‏ء إذ ربما یخبر الرجل عما لا یعلمه بل یعلم خلافه أو یشكّ فیه ، فالخبر عن الشى‏ء غیر العلم به و غیر الارادة أیضا عندنا أمر لأنه قد یأمر بما لا یریده كالمختبر لعبده هل یطیعه أم لا و كالمعتذر من ضرب عبده بعصیانه فانه قد یأمره و هو یرید أن لا یفعل المأمور به لیظهر عذره عند من یلومه ، فانّ مقصود المتكلّم فی هذین الأمرین لیس الاتیان بالمأمور بل مجرد الاختبار و الاعتذار و غیر الكراهة أیضا إذا نهى لأنّه قد ینهى الرجل عما لا یكرهه بل یریده فی صورتى الاختبار و الاعتذار .

و اعترض على دلیلهم الأوّل بمنع كون البیت من الأخطل ، و على تسلیمه فلیس حجّة لأنّه مبنىّ على اعتقاده ثبوت الكلام النفسى تقلیدا أو على أنه لما كان ما فی الضمیر مدلولا علیه بالكلام فاطلق علیه من باب اطلاق اسم الدّال على المدلول و حصره فیه تنبیها على أنه آلة یتوصّل بها إلیه فكانّه المستحقّ لاسم تلك الآلة .

و على دلیلهم الثانى بمنع ما ذكروه من أنّ مدلول الخبر غیر العلم معلّلا بأنه قد یخبر عما لا یعلمه ، إذ لقائل إن یقول : إنّ المعنی النفسى الذى یدّعون أنه غیر العلم

[ 269 ]

هو ادراك مدلول الخبر أعنى حصوله فی الذّهن مطلقا یقینیّا كان أو مشكوكا فلا یكون مغایرا للعلم و بعبارة اخرى انّ هذا إنما یدلّ على مغایرته للعلم الیقینى لا للعلم المطلق ، ضرورة أن كلّ عاقل تصدّى للاخبار یحصل فی ذهنه صورة ما اخبر به و منع انه مغایر للارادة و الكراهة عند الأمر أو النهى ، إذ ما تشبّثوا به من صورتى الاختبار و الاعتذار فیه إنّ الموجود فی هاتین الصّورتین صیغة الأمر و النهى لا حقیقتها إذ لا طلب فیهما أصلا و لا إرادة و لا كراهة قطعا ، و بالجملة فما یدّعونه غیر معقول لأنه لیس له تعالى صفة زایدة على الذات أصلا و لو كان عین الذات فمرجعه الى العلم أو الارادة أو الكراهة أو سایر الصفات .

توضیح ذلك أنه اذا صدر عن المتكلّم خبر فهناك ثلاثة أشیاء احدها العبارة الصادرة و الثانى علمه بثبوت النسبة أو انتفائها بین طرفى القضیّة و الثالث ثبوت تلك النسبة أو انتفائها فی الواقع ، و الأخیران لیسا كلاما حقیقیّا اتفاقا ، فتعیّن الأوّل و إذا صدر عنه أمر أو نهى فهناك شیآن احدهما لفظ صادر عنه و الثانى إرادة أو كراهة قائمة بنفسه متعلّقة بالمأمور به أو بالمنهىّ عنه و لیستا أیضا كلاما حقیقیّا اتّفاقا فتعیّن الأوّل .

و استدلّوا على قدمه بمثل ما استدلّ به الحنابلة من الدّلیل الّذى قدّمناه و الجواب الجواب .

و استدلّوا على اتّحاده بأنه اذا ثبت الكلام النفسى كان كسایر الصفات مثل العلم و القدرة فكما أنّ العلم صفة واحدة تتعلّق بمعلومات متعدّدة و كذا القدرة كذلك الكلام صفة واحدة تنقسم إلى الأمر و النهى و الخبر و الاستفهام و النداء و هذا بحسب التعلّق فذلك الكلام باعتبار تعلّقه بشی‏ء على وجه مخصوص یكون خبرا ، و باعتبار تعلّقه بشی‏ء آخر أو على وجه آخر یكون أمرا و كذا البواقی .

و فیه انّ وحدته متفرّعة على ثبوت أصله و حیث عرفت فساد الأصل ففساد الفرع ظاهر .

قال العلاّمة الحلّی قدّس اللّه روحه : المعقول من الكلام على ما تقدّم أنّه

[ 270 ]

الحروف و الأصوات المسموعة و هذه الحروف المسموعة إنّما تتمّ كلاما مفهوما إذا كان الانتظام على أحد الوجوه الّتى یحصل لها الافهام ، و ذلك بأن یكون خبرا أو مرا أو نهیا أو استفهاما أو تنبیها و هو الشامل للتمنّى و الترجّى و التعجّب و القسم و النداء ، و لا وجود له إلاّ فی هذه الجزئیات .

و الّذین اثبتوا قدم الكلام اختلفوا فذهب بعضهم إلى أنّ كلامه تعالى واحد مغایر لهذه المعانی ، و ذهب آخرون إلى تعدّده ، و الّذین أثبتوا وحدته خالفوا جمیع العقلاء فی اثبات شی‏ء لا یتصوّرونه هم و لا خصومهم ، و من أثبت للّه وصفا لا یعقله لا یتصوّره هو و لا غیره كیف یجوز أن یجعل إماما یقتدى به و یناط بكلامه لأحكام .

تكملة

قد اشرنا إلى أنّ هذا الكلام مروىّ عنه علیه السّلام فی غیر واحد من الأصول المعتبرة من ؟ ؟ طرق مختلفة مع اختلاف فی متنه ، و ینبغی أن نروى ما فیها على ما جرى علیه دیدننا ؟ ؟ ؟ فی هذا الشرح فأقول :

روى ثقة الاسلام محمّد بن یعقوب الكلینیّ قدّس اللّه روحه فی باب جوامع التوحید عن محمّد بن أبی عبد اللّه رفعه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : بینا أمیر المؤمنین علیه السّلام یخطب على منبر الكوفة إذ قام إلیه رجل یقال له ذعلب ذو لسان بلیغ فی الخطب شجاع القلب فقال :

أمیر المؤمنین هل رأیت ربّك ؟ فقال علیه السّلام : ویلك یا ذعلب ما كنت أعبد ربّا لم أره ، فقال : یا أمیر المؤمنین كیف رأیته ؟ فقال : ویلك یا ذعلب لم تره العیون بمشاهدة ؟ ؟ ؟ الأبصار و لكن رأته القلوب بحقایق الایمان ، ویلك یا ذعلب إنّ ربّی لطیف الطافة ؟ ؟ لا یوصف باللّطف ، عظیم العظمة لا یوصف بالعظم ، كبیر الكبریاء لا یوصف بالكبر ، جلیل الجلالة لا یوصف بالغلظ ، قبل كلّ شی‏ء لا یقال شی‏ء قبله ، و بعد كلّ شی‏ء لا یقال له بعد ، شاء الأشیاء لا بهمّة ، درّاك لا بخدیعة ، فی الأشیاء كلّها غیر متمازج

[ 271 ]

بها و لا باین منها ، ظاهر لا بتأویل المباشرة ، متجلّ لا باستهلال رؤیة ، ناء لا بمسافة قریب لا بمداناة ، لطیف لا بتجسّم ، موجود لا بعد عدم ، فاعل لا باضطرار ، مقدّر لا بحركة ، مرید لا بهمامة ، سمیع لا بآلة ، بصیر لا بأداة ، لا تحویه الأماكن ، و لا تضمنه الأوقات ، و لا تحدّه الصّفات ، و لا تأخذه السّنات ، سبق الأوقات كونه ، و العدم وجوده ، و الابتداء أزله ، بتشعیره المشاعر عرف أن لا مشعر له ، و بتجهیره الجواهر عرف أن لا جوهر له ، و بمضادّته بین الأشیاء عرف أن لا ضدّ له ، و بمقارنته بین الأشیاء عرف أن لا قرین له ، ضادّ النّور بالظلمة ، و الیبس بالبلل ، و الخشن باللّین ، و الصرد بالحرور ، مؤلّف بین متعادیاتها ، مفرّق بین متدانیاتها ، دالّة بتفریقها على مفرّقها و بتألیفها على مؤلّفها ، و ذلك قوله تعالى : « و من كلّ شی‏ء خلقنا زوجین لعلّكم تذكّرون » ، ففرّق بین قبل و بعد لیعلم أن لا قبل له و لا بعد له ، شاهدة بغرایزها أن لا غریزة لمغرزها ، مخبرة بتوقیتها أن لا وقت لموقتها ، حجب بعضها عن بعض لیعلم أن لا حجاب بینه و بین خلقه ، كان ربّا إذ لا مربوب ، و إلها إذ لا مألوه ، و عالما إذ لا معلوم ، و سمیعا إذ لا مسموع .

و فی الاحتجاج روى أهل السیر أنّ رجلا جاء إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال :

یا أمیر المؤمنین أخبرنی عن اللّه أرأیته حین عبدته ؟ فقال أمیر المؤمنین : لم أك بالذى أعبد من لم أره فقال له : كیف رأیته یا أمیر المؤمنین ؟ فقال له : ویحك لم تره العیون بمشاهدة العیان و لكن رأته العقول بحقایق الایمان ، معروف بالدّلالات منعوت بالعلامات ، لا یقاس بالناس ، و لا یدرك بالحواسّ .

فانصرف الرّجل و هو یقول : اللّه أعلم حیث یجعل رسالته .

و فی الارشاد للمفید روى أهل السیرة و علماء النقلة أنّ رجلا جآء و ساق الحدیث إلى قوله حیث یجعل رسالته نحو ما رویناه عن الاحتجاج .

و فی الكافی فی باب إبطال الرؤیة عن عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن خالد عن أحمد بن محمّد بن أبی نصر عن أبی الحسن الموصلیّ عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال :

[ 272 ]

جاء حبر إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال یا أمیر المؤمنین هل رأیت ربّك حین عبدته ؟

قال : فقال : ویلك ما كنت أعبد ربّا لم أره ، قال : و كیف رأیته ؟ قال : ویلك لا تدركه العیون فی مشاهدة الأبصار و لكن رأته القلوب بحقایق الایمان .

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن مقتداى أنام علیه الصّلاة و السّلام است كه فرموده است آن را در حالتیكه سؤال كرد از آن بزرگوار ذعلب یمانی پس گفت آیا دیده پروردگار خود را اى أمیر مؤمنان ؟ پس فرمود آنحضرت : آیا عبادت میكنم چیزیرا كه نمى‏بینم ؟ گفت ذعلب : چطور میبینی او را ؟ فرمود :

درك نمیتواند بكند او را چشمها با مشاهده معاینه و لكن درك میكند او را قلبها با نورهاى ایمان ، نزدیك است پروردگار عالمین از أشیاء در حالتیكه چسبان نیست بآنها ، دور است أز آنها در حالتیكه جدا نیست ، صاحب تكلّم است نه با فكر و رویه ، اراده كننده است بدون عزم و همّت صاحب صنعت است نه با اعضا و جوارح ،

لطیف است كه متّصف نیست به پنهانی ، بزرگ است كه متّصف نمیشود با غلظت و خشونت طبیعت ، بیننده است متّصف نمیشود با حاسه بصر ، رحیم است موصوف نمیشود با رقّت قلب ، ذلیل میشود رویهاى مخلوقات از براى عظمت او ، و مضطرب میشود قلبهاى خلق از ترس او .

[ 180 ] و من خطبة له ع فی ذم العاصین من أصحابه

أَحْمَدُ اَللَّهَ عَلَى مَا قَضَى مِنْ أَمْرٍ وَ قَدَّرَ مِنْ فِعْلٍ وَ عَلَى اِبْتِلاَئِی بِكُمْ أَیَّتُهَا اَلْفِرْقَةُ اَلَّتِی إِذَا أَمَرْتُ لَمْ تُطِعْ وَ إِذَا دَعَوْتُ لَمْ تُجِبْ إِنْ أُمْهِلْتُمْ خُضْتُمْ وَ إِنْ حُورِبْتُمْ خُرْتُمْ وَ إِنِ اِجْتَمَعَ اَلنَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَنْتُمْ وَ إِنْ أُجِئْتُمْ إِلَى مُشَاقَّةٍ نَكَصْتُمْ لاَ أَبَا لِغَیْرِكُمْ مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ وَ اَلْجِهَادِ عَلَى حَقِّكُمْ اَلْمَوْتَ أَوِ اَلذُّلَّ لَكُمْ فَوَاللَّهِ لَئِنْ جَاءَ یَومِی وَ لَیَأْتِیَنِّی لَیُفَرِّقَنَّ بَیْنِی وَ بَیْنِكُمْ وَ أَنَا لِصُحْبَتِكُمْ قَالٍ وَ بِكُمْ غَیْرُ كَثِیرٍ لِلَّهِ أَنْتُمْ أَ مَا دِینٌ یَجْمَعُكُمْ وَ لاَ حَمِیَّةٌ تَشْحَذُكُمْ أَ وَ لَیْسَ عَجَباً أَنَّ مُعَاوِیَةَ یَدْعُو اَلْجُفَاةَ اَلطَّغَامَ فَیَتَّبِعُونَهُ عَلَى غَیْرِ مَعُونَةٍ وَ لاَ عَطَاءٍ وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ وَ أَنْتُمْ تَرِیكَةُ اَلْإِسْلاَمِ وَ بَقِیَّةُ اَلنَّاسِ إِلَى اَلْمَعُونَةِ أَوْ طَائِفَةٍ مِنَ اَلْعَطَاءِ فَتَفَرَّقُونَ عَنِّی وَ تَخْتَلِفُونَ عَلَیَّ إِنَّهُ لاَ یَخْرُجُ إِلَیْكُمْ مِنْ أَمْرِی رِضًى فَتَرْضَوْنَهُ وَ لاَ سُخْطٌ فَتَجْتَمِعُونَ عَلَیْهِ وَ إِنَّ أَحَبَّ مَا أَنَا لاَقٍ إِلَیَّ اَلْمَوْتُ قَدْ دَارَسْتُكُمُ اَلْكِتَابَ وَ فَاتَحْتُكُمُ اَلْحِجَاجَ وَ عَرَّفْتُكُمْ مَا أَنْكَرْتُمْ وَ سَوَّغْتُكُمْ مَا مَجَجْتُمْ لَوْ كَانَ اَلْأَعْمَى یَلْحَظُ أَوِ اَلنَّائِمُ یَسْتَیْقِظُ وَ أَقْرِبْ بِقَوْمٍ مِنَ اَلْجَهْلِ بِاللَّهِ قَائِدُهُمْ مُعَاوِیَةُ وَ مُؤَدِّبُهُمُ اِبْنُ اَلنَّابِغَةِ


و من خطبة له علیه السّلام فی ذمّ أصحابه

و هى المأة و التاسعة و السبعون من المختار فی باب الخطب أحمد اللّه على ما قضى من أمر ، و قدّر من فعل ، و على ابتلائی بكم أیّتها الفرقة الّتی إذا أمرت لم تطع ، و إذا دعوت لم تجب ، إن

[ 273 ]

أمهلتم خضتم ، و إن حوربتم خرتم ، و إن اجتمع النّاس على إمام طعنتم ، و إن أجبتم إلى مشآقّة نكصتم ، لا أبا لغیركم ، ما تنتظرون بنصركم ، و الجهاد على حقّكم ، ألموت أو الذّلّ لكم ، فو اللّه لئن جآء یومی و لیأتینیّ لیفرّقنّ بینی و بینكم و أنا لصحبتكم قال ، و بكم غیر كثیر ، للّه أنتم أما دین یجمعكم ، و لا حمیّة تشحذكم ، أو لیس عجبا أنّ معاویة یدعو الجفاة الطّغام فیتّبعونه على غیر معونة و لا عطاء ،

و أنا أدعوكم و أنتم تریكة الإسلام و بقیّة النّاس إلى المعونة أو طائفة من العطاء فتفرّقون عنّی و تختلفون علیّ ، إنّه لا یخرج إلیكم من أمری رضا فترضونه ، و لا سخط فتجتمعون علیه ، و إنّ أحبّ ما أنّا لاق إلىّ الموت ، قد دارستكم الكتاب ، و فاتحتكم الحجاج ،

و عرّفتكم ما أنكرتم ، و سوّغتكم ما مججتم لو كان الأعمى یلحظ ،

أو النّائم یستیقظ ، و أقرب بقوم من الجهل باللّه قائدهم معاویة ،

و مؤدّبهم ابن النّابغة .

اللغة

( أمهله ) اى رفق به و أخّره و فی بعض النسخ أهملتم أى تركتم و ( خرتم ) بالخاء المعجمة و الراء المهملة من الخور بمعنى الضعف أو من خوار الثور و هو صیاحه قال تعالى : « عجلا جسداً له خوار » ، و عن بعض النسخ جرتم بالجیم من جار أى عدل

[ 274 ]

عن الحقّ و ( طعنتم ) فی بعض النسخ بالظاء المعجمة ارتحلتم و فارقتم و ( أجبتم ) بالجیم و الباء المعجمة على البناء على المعلوم من أجاب إجابة ، و فی نسخة الشارح المعتزلی اجئتم بالهمزة الساكنة بعد الجیم المكسورة و البناء على المجهول أى الجئتم قال تعالى : « فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة » .

و ( النكوص ) الرجوع إلى ما وراء قال تعالى : « فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبیه » و ( شحذت ) النصل و السكین حدّتهما و ( الجفاة ) جمع الجافی و هو الغلیظ من الناس و ( الطغام ) بالطاء المهملة و الغین المعجمة أراذل الناس و أوغادهم الواحد و الجمع سواء و ( التریكة ) بیضة النعامة یتركها فی مجثمها و ( درس ) الكتاب قرأ و ( ساغ ) الشراب دخل فی الحلق بسهولة قال الشاعر :

فساغ لی الشراب و كنت قبلا
أكاد أغصّ بالماء الفرات

و ( مججته ) من فمى أى رمیت به .

الاعراب

یحتمل أن یكون ما فی قوله : على ما قضا ، مصدریّة و موصولة فیكون العاید محذوفا .

و قوله : لا أبا لغیركم قال الشارح البحرانی : أصله لا أب و الالف زایدة إمّا لاستثقال توالى أربع فتحات ، أو لانّهم قصدوا الاضافة و أتوا باللاّم للتأكید .

أقول : و یؤیّد الثانی ما حكاه نجم الأئمة عن سیبویه من زیادة اللاّم فی لا أبالك و قال الشارح المعتزلی : الأفصح لا أب بحذف الألف ، و أمّا قولهم لا أبالك باثباته فدون الأوّل فی الفصاحة ، كأنّهم قصدوا الاضافة و أقحموا اللاّم مزیدة مؤكدة

[ 275 ]

كما قالوا : یا تیم تیم عدىّ 1 و هو غریب لأنّ حكم لا أن تعمل فی النكرة فقط و حكم الألف أن تثبت مع الاضافة و الاضافة تعرف فاجتمع حكمان متنافیان فصار من الشواذ و قال أبو البقاء یجوز فیها وجهان آخران : أحدهما أنه أشبع فتحة الباء فنشأت الالف و الاسم باق على تنكیره و الثانى أن یكون أبا لغة من قال لها أبا فی جمیع أحوالها ، مثل عصا و منه : إنّ أباها و أبا أباها .

و قوله : الموت أو الذّل لكم ، فی أكثر النسخ برفعهما و فی بعضها بالنّصب أمّا الرفع فعلى الابتداء و لكم خبر و الجملة دعائیّة لا محلّ لها من الاعراب ، و أمّا النصب فبتقدیر أرجو و أطلب فتكون دعائیة أیضا ، و تحتمل الاستفهام أى أ تنتظرون .

و قوله : فو اللّه لئن جاء یومى و لیأتیّنى لیفرقنّ آه ، جملة لیفرقنّ جواب للقسم و استغنى بها عن جواب الشرط ، و جملة و لیأتینّى معترضة بین القسم و الشرط و جوابیهما المذكور و المحذوف و تعرف نكتة الاعتراض فی بیان المعنى و جملة : و أنا لصحبتكم قال ، منصوبة المحلّ على الحال ، و بكم متعلّق بغیر كثیر قدّم علیه للتوسّع .

و قوله : للّه أنتم ، قال الشارح المعتزلى : للّه فی موضع رفع لأنّه خبر عن المبتدا

-----------
( 1 ) قال نجم الائمة المنادى المفرد اذا تكرّر لفظه و ولى الاسم الثانى اسم مجرور بالاضافة فالثانى واجب النصب ، و لك فی الأوّل الضمّ و النصب قال :

یا تیم تیم عدىّ لا أبا لكم
لا یلقینكم فی سوءة عمر

و قال :

یا زید زید الیعملات الذبل
تطاول اللّیل علیك فانزل

أما الضم فی الأوّل فواضح لأنه منادى مفرد معرفة ، و الثانى عطف بیان و هو البدل على ما یأتى فی بابه ، و أمّا نصب الأوّل فقال سیبویه تیم الثانى مقحم بین المضاف و المضاف الیه ، و هو تأكید لفظى لتیم الأوّل و قد مرّ فی توابع المنادى المبنى أنّ التأكید اللفظى فی الاغلب حكمه حكم الأوّل ،

و حركته حركته اعرابیة كانت أو بنائیة فكما أنّ الأوّل محذوف التنوین للاضافة فكذلك الثانی ،

مع أنه لیس بمضاف ، و شبهه سیبویه باللام المقحمة بین المضاف و المضاف الیه فی لا ابالك لتأكید اللام المقدّرة ( منه )

[ 276 ]

الذى هو أنتم ، و مثله للّه درّ فلان ، و للّه بلاد فلان ، و للّه أبوك ، و اللاّم ههنا فیها معنى التعجّب ، و المراد بقوله للّه أنتم للّه سعیكم أو للّه عملكم كما قالوا : للّه درّك ، أى عملك فحذف المضاف و أقام الضمیر المنفصل المضاف الیه مقامه قال الشارح : و لا یجى‏ء هذه اللاّم بمعنى التعجّب فی غیر لفظ اللّه كما أنّ تاء القسم لم تأت إلاّ فی اسم اللّه ، انتهى و قال نجم الأئمة الرّضی : قولهم إنّ لام القسم یستعمل فی مقام التعجّب یعنون الأمر العظیم الّذى یستحقّ أن یتعجّب منه فلا یقال للّه لقد قام زید ، بل یستعمل فی الأمور العظام نحو للّه لتبعثنّ ، و قیل إنّ اللاّم فی لایلاف قریش ، و للفقراء الّذین أُحصروا » ، للتعجّب ، و الأولى أن یقال إنّها للاختصاص إذ لم یثبت لام التعجّب الاّ فی القسم انتهى كلامه رفع مقامه .

أقول : المستفاد من نصّ كلام الشارح أنّ لام التعجّب مختصّة بالدّخول على لفظ الجلالة ، و من ظاهر كلام الرّضی أنّها ملازمة للقسم ، و یشكل ذلك فی نحو للّه درّه و للّه أبوك و للّه أنتم و ما ضاهاها ، لأنهم اتّفقوا على أنّها فی هذه الأمثلة للتعجّب مع أنّه لا معنى للقسم بل لا تصویر له فیها إذ لو كانت للقسم لاحتاجت إلى الجواب و لیس فلیس .

و قد صرّح الرضىّ نفسه فی مبحث التمیز من شرح مختصر ابن الحاجب بأنّ معنی للّه درّه فارسا ، عجبا من زید فارسا و هو یعطى أنّها فیه للتعجّب فقط لا للتعجّب و القسم على أنها لو جعلت للقسم لا یكون للّه خبرا مقدّما و درّه مبتدء و لا یكون للدّرّ عامل رفع كما هو ظاهر لا یخفى .

و بعد اللّتیا و اللّتی فالتحقیق أن یقال : إنّ اللاّم قد تكون للتعجّب مجرّدة عن القسم و لا یلزم دخولها على لفظ الجلالة كما زعمه الشارح المعتزلی بل قد تدخل علیه كما فی للّه درّه فارسا و للّه أنت و قوله :

شباب و شیب و افتقار و ثروة
فللّه هذا الدّهر كیف تردّدا

و قد تدخل على غیره كما فی « لایلاف قریش » أى اعجبوا لایلاف قریش كما حكاه فی الكشّاف عن بعضهم و فی قوله :

[ 277 ]

فیا لك من لیل كأنّ نجومه
بكلّ مغار القتل بشدّت بیذبل

و قد تكون للتعجّب و القسم معا ، و هذه مختصّة بالدّخول على لفظ الجلالة كما فی للّه لا یؤخّر الأجل ، و قوله تعالى : « للّه لتبعثنّ » و قول الشاعر :

للّه یبقى على الأیّام ذو حید
بمسمخرّ به الظبیان و الآس

فقد ظهر من ذلك أنّ لام القسم ملازم للتعجّب و لام التعجّب غیر ملازم للقسم كما زعمه الرّضى و لا للدّخول على لفظ الجلالة كما زعمه الشارح المعتزلی هذا .

و أما تحقیق معنى التعجّب فی هذه الموارد فهو ما أشار إلیه الرّضی فیما حكى عنه بقوله : و أمّا معنى قولهم للّه درّك ، فالدّر فی الأصل ما یدرّ أى ینزل من الضّرع من اللّبن و من الغیم من المطر و هو هنا كنایة عن فعل الممدوح و الصادر عنه ، و إنما نسب فعله إلیه قصدا للتعجّب منه لأنّ اللّه تعالى منشی‏ء العجائب ، فكلّ شی‏ء عظیم یریدون التعجّب منه ینسبونه إلیه تعالى و یضیفونه إلیه نحو قولهم : للّه أنت ، و للّه أبوك ، فمعنى للّه درّه ما أعجب فعله .

و قال عز الدّین الزنجانی فی محكىّ كلامه من شرح الهادى : للّه درّه كلام معناه التعجّب ، و العرب إذا أعظموا الشی‏ء غایة الاعظام أضافوه إلى اللّه تعالى ایذانا بأنّ هذا الشی‏ء لا یقدر على ایجاده إلاّ اللّه تعالى و بأنّ هذا جدیر بأن یتعجّب منه لأنّه صادر عن فاعل قادر مصدر للأشیاء العجیبة هذا .

و قوله علیه السّلام : أما دین یجمعكم ، قال الشارح المعتزلی ارتفاع دین على أنه فاعل فعل مقدّر أى ما یجمعكم دین یجمعكم ، اللّفظ الثانی مفسّر للأوّل كما قدرناه بعد إذا فی قوله : « إذا السّماء انشقّت » ، و یجوز أن یكون حمیة مبتدء و الخبر محذوف تقدیره أما لكم حمیة ، انتهى .

أقول : لزوم تقدیر الفعل بعد أما إنما هو مسلم إن جعل أما مركبة حرف عرض بمنزلة لو لا ، لاختصاصها بالدّخول على الفعل كما أنّ اذا مختصّة بالدّخول علیه ، و لذلك احتیج الى تقدیره فی الآیة الشریفة ، و أما إذا جعلنا الهمزة للاستفهام على سبیل الانكار التوبیخى أو على سبیل التقریر و ما حرف نفى فلا حاجة إلى تقدیر

[ 278 ]

الفعل لأنّ ما على ذلك ماء حجازیة بمعنى لیس و دین اسمها و یجمعكم خبرها .

و الظاهر من قول الشارح : أى ما یجمعكم أنه لا یجعلها حرف عرض و حینئذ فتقدیره للفعل باطل ، ثمّ إنّ تجویزه كون حمیة مبتدء و الخبر محذوفا فیه أنّ الأصل عدم الحذف مع وجود الجملة الصّالحة للخبریّة ، و إن أراد بالتجویز مجرّد الصحّة بالقواعد الأدبیّة فلا بأس به .

و قوله : أو لیس عجبا استفهام تقریرى ، و على فی قوله علیه السّلام : على غیر معونة ،

بمعنى مع كما فی قوله تعالى : « و آتى المال على حبّه » ، « و إنّ ربّك لذو مغفرة للناس على ظلمهم » ، و إلى فی قوله : إلى المعونة ، متعلّق بقوله ادعوكم ، و جملة : و انتم تریكة الاسلام آه ، معترضة بینهما فلیس لها محلّ من الاعراب ، و یحتمل كونها فی محلّ النّصب على الحالیة من مفعول أدعوكم و لكن الأوّل أظهر .

و الضمیر فی قوله : إنه للشأن ، و جواب لو فی قوله لو كان الأعمى یلحظ أو النائم یستیقظ محذوف بدلالة الكلام كما فی قوله تعالى : « و لو أنّ قرآنا سیّرت به الجبال أو قطّعت به الأَرض أو كلّم به الموتى » ، أى لكان هذا القرآن .

و قوله علیه السّلام : و أقرب بقوم من الجهل باللّه ، فعل تعجّب و البآء زایدة كما فی أحسن بزید قال سیبویه افعل صورته أمر و معناه الماضی من افعل أى صار ذا فعل كألحم أى صار ذا لحم ، و الباء بعده زایدة فی الفاعل لازمة ، و قد یحذف إن كان المتعجّب منه أن وصلتها نحو أحسن أن یقوم أى أن یقوم على ما هو القیاس .

و ضعّف قوله بأنّ الأمر بمعنى الماضى مما لم یعهد بل الماضی یجی‏ء بمعنى الأمر مثل اتّقى امرؤ ربّه ، و بأنّ افعل بمعنى صار ذا فعل قلیل و لو كان منه لجاز ألحم بزید و أشحم به ، و بأنّ زیادة الباء فی الفاعل قلیل و المطرد زیادتها فی المفعول .

و قال الفراء و تبعه الزمخشری و غیره ان احسن امر لكل احد بأن یجعل زیدا حسنا ، و انما یجعله كذلك بأن یصفه بالحسن فكأنه قیل : صفه بالحسن كیف شئت فانّ فیه منه كلّ ما یمكن أن یكون فی شخص كما قال الشاعر :

و قد وجدت مكان القول ذا سعة
فان وجدت لسانا قائلا فعل

[ 279 ]

و هذا معنى مناسب للتعجّب بخلاف تقدیر سیبویه و أیضا همزة الجعل أكثر من همزة صار كذا و ان لم یكن شی‏ء منهما قیاسا مطردا ، و على ذلك فهمزة أحسن به للجعل كهمزة ما أحسن و الباء مزیدة فی المفعول و هو كثیر مطرد هذا .

و إنما لم یجمع لفظ أقرب مع كون المقصود بالخطاب غیر مفرد ، لأنّ فعل التعجّب لا یتصرّف فیه فلا یقال أحسنا و أحسنوا و أحسنى و إن خوطب به مثنّى أو مجموع أو مؤنّث ، و سهل ذلك انمحاء معنى الأمر فیه ارید به محض انشاء التعجّب و لم یبق فیه معنى الخطاب حتّى یثنّى أو یجمع أو یؤنّث .

ثمّ إنّه یجب أن یكون المتعجّب منه مختصّا فلا یقال ما أحسن رجلا ، لعدم الفائدة فان خصّصته بوصف نحو رجلا رأیناه فی موضع كذا جاز ، و لذلك أتى بالجملة الوصفیة أعنى قوله قائدهم معاویة بعد قوله بقوم ، لئلاّ یخلو عن الفائدة ، فالجملة على ذلك فی محلّ الجرّ على الصفة فافهم ذلك كلّه و اغتنم .





نظرات() 


Buy cialis
جمعه 17 فروردین 1397 10:45 ب.ظ

Truly tons of valuable material!
generic cialis tadalafil buy cialis cheap 10 mg cialis australian price cialis 5 effetti collaterali estudios de cialis genricos generic cialis in vietnam cialis et insomni low cost cialis 20mg cialis for bph price cialis best
Cialis prices
دوشنبه 28 اسفند 1396 02:09 ق.ظ

Kudos! A lot of knowledge!

we like it cialis soft gel cialis authentique suisse cialis bula cialis 5 mg effetti collateral cialis generique 5 mg cialis super kamagra the best choice cialis woman canadian cialis prix cialis once a da cialis for sale
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox