تبلیغات
پیام هادی - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-06:35 ب.ظ

[ 219 ]

القلب و مترتّبة علیها لا بالعكس .

و بعد اللّتیا و الّتی فالّذی یخطر بالبال فی حلّ الاشكال السابق أنّ معنى الحدیث أنّه لا یعرف استقامة ایمان عبد إلاّ بأن یعرف استقامة قلبه ، و لا یعرف استقامة قلبه إلاّ باستقامة لسانه ، فیستدلّ باستقامة اللّسان على الحقّ أى بتنطقه على كلمة التوحید و النبوّة و الولایة ، و بامساكه عن الغیبة و النمیمة و الكذب و غیرها من هفوات اللّسان على استقامة القلب أى على إذعانه بما ذكر و على خلوّه عن الأمراض النفسانیة و یستدلّ باستقامته على استقامة الایمان أى على أنّ العبد مؤمن كامل .

و یقرب هذا التوجیه أنّه علیه السّلام لما ذكر أنّ لسان المؤمن من وراء قلبه و أنّ قلب المنافق من وراء لسانه عقّبه بهذا الحدیث لیمیّز بین المؤمن و المنافق ، و یحصل لك المعرفة بها حقّ المعرفة فیسهل علیك التشخیص إذا بینهما إذ تعرف بعد ذلك البیان أنّ مستقیم اللّسان مؤمن و غیر مستقیمه منافق .

قال الشارح الفقیر الغریق فی بحر الذّنب و التقصیر : إنّی قد أطلت فكرى و أتعبت نظری فی توجیه معنى الحدیث و أسهرت لیلتی هذه و هی اللّیلة الثالثة عشر من شهر اللّه المبارك فی حلّ إشكاله حتّى مضت من أوّل اللّیل ثمانی ساعات و أثبتّ ما سنح بالخاطر و أدّى إلیه النّظر القاصر ، ثمّ تجلّى بحمد اللّه سبحانه و منّته نور العرفان من ألطاف صاحب الولایة المطلقة على القلب القاسى فأسفر عنه الظلام و اهتدى إلى وجه المرام فسنح بالبال توجیه وجیه هو أعذب و أحلى ، و معنى لطیف هو أمتن و أصفى و هو أن یقال :

إنه علیه السّلام كنّى باستقامة الایمان و القلب و اللّسان عن كمالها و أنّ مراده أنّ من أراد أن یكون ایمانه كاملا أى ایمانا نافعا فی العقبى لا بدّ من أن یكمل قلبه أى یكون بریئا سالما من الأمراض النفسانیّة ، و من أراد كمال قلبه فلا بدّ له من أن یكمل لسانه أى یكون محفوظا من العثرات مختزنا إلاّ عن خیر ، ففى الحقیقة الغرض من الحدیث التّنبیه و الارشاد إلى تكمیل القلب و اللّسان لتحصیل كمال الایمان .

[ 220 ]

و نظیره ما رواه عن الحلبی رفعه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : أمسك لسانك فانّها صدقة تصدق به على نفسك ثمّ قال : و لا یعرف عبد حقیقة الایمان حتّى یخزن من لسانه .

و على هذا التوجیه التأم أجزاء كلام الامام على أحسن ایتلاف و انسجام إذ یكون الحدیث حینئذ أشدّ ارتباطا بسابقه ، لأنه علیه السّلام لما أمر بأن یختزن الرجل لسانه و أكّده بأن خزن اللّسان من وظایف المؤمن لكون لسانه من وراء قلبه ، عقّبه بهذا الحدیث تأییدا و تقویة و استشهادا على ما أمر به من اختزان اللّسان و یكون مناسبته للاحقه أیضا أكثر و هو قوله :

( فمن استطاع منكم أن یلقى اللّه سبحانه و هو نقىّ الراحة ) و الكفّ ( من دمآء المسلمین ) أى سالما من قتلهم ( و أموالهم سلیم اللّسان من اعراضهم ) أى متجنّبا من الغیبة و الفحش و النمیمة و الهجاء و نحوها ( فلیفعل ) لأنّ ذلك من شرایط الاسلام و لوازم الایمان فانّ المسلم من سلم المسلمون من لسانه و یده .

قال الشارح البحرانی و شرط ذلك أى الكفّ عن دماء المسلمین و أموالهم و أعراضهم بالاستطاعة لعسره و شدّته و إن كان واجب الترك على كلّ حال و أشدّها الكفّ عن الغیبة فانّه یكاد أن لا یستطاع انتهى .

أقول : الظاهر من قوله : و إن كان واجب الترك على كلّ حال ، وجوب تركها حتّى مع عدم الاستطاعة و هو باطل ، أو الاستطاعة مساوق للقدرة و هى شرط فی جمیع التكالیف الشرعیة قال اللّه تعالى « لا یكلّف اللَّه نفسا إلاّ وسعها » و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إذا أمرتكم بشى‏ء فائتوا منه ما استطعتم .

ثمّ إنّه علیه السّلام نبّه على بطلان العمل بالرأى و المقاییس و نهى عن متابعة البدع فقال :

( و اعلموا عباد اللّه أنّ المؤمن یستحلّ العام ما استحلّ عاما أوّل و یحرّم العام ما حرّم عاما أوّل ) یعنی أنّ المؤمن إذا ثبت عنده سابقا حلّیة شی‏ء بالكتاب أو السنّة و حكم بحلّیته عن نصّ فیحكم بحلیّته الآن ، و لا ینقض الحكم الثابت بالنّص برأیه و اجتهاده و كذلك إذا ثبت عنده سابقا حرمة شی‏ء بهما و حكم بحرمته عن دلیل فیحكم بحرمته

[ 221 ]

الآن ، و لا یخالف الحكم الثّابت و لا یتعدّى عنه بالرأى و القیاس و هكذا سایر الأحكام الشرعیة .

( و انّ ما أحدث الناس ) من البدع بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم :

مثل ما صدر عن أبی بكر من طلب البیّنة من فاطمة سلام اللّه علیها فی باب فدك مع كون البیّنة على المدّعی ، و غصب فدك عنها مع مخالفته لنصّ الكتاب و الرّسول صلّى اللّه علیه و آله .

و ما أحدثه عمر من صلاة التراویح ، و من وضع الخراج على أرض السواد ،

و ازدیاده أى أخذه الزیادة الجزیة عما قرّرها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله .

و ما أبدعه عثمان من التفضیل فی العطاء و إحداثه الأذان یوم الجمعة زایدا عمّا سنّه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و تقدیمه الخطبتین فی العیدین مع كون الصّلاة مقدّمة علیها فی زمان الرسول صلّى اللّه علیه و آله ، و إتمامه الصّلاة بمنى مع كونه مسافرا ، و إعطائه من بیت المال الصّدقة المقاتلة و غیرها ، و حمایته لحمى المسلمین مع أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله جعلهم شرعا سواء فی الماء و الكلاء إلى غیر هذه من البدعات الّتی أحدثوها فی الدّین و فصّلها أصحابنا رضوان اللّه علیهم فی ذیل مطاعنهم .

فانّ شیئا من ذلك ( لا یحلّ لكم شیئا مما حرّم علیكم ) و لا یحرّم شیئا علیكم مما أحلّ لكم ، یعنی قول هؤلاء المبدعین المغیّرین للأحكام لا یوجب تغییرها فی الواقع ، فلا یجوز الاعتماد على أقوالهم و الاعتقاد بآرائهم ، و قد ذمّ اللّه الیهود و النّصارى بأنّهم اتّخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون اللّه ، فالآخذون بقول هؤلاء المبدعین یكونون مثل الیهود و النّصارى .

روى فی الوسائل عن تفسیر العیّاشی عن جابر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : سألته عن قول اللّه « اتّخذوا أحبارهم و رهبانهم أرباباً من دون اللَّه » قال علیه السّلام أما أنّهم لم یتّخذوهم آلهة إلاّ أنّهم أحلّوا لهم حلالا فأخذوا به ، و حرّموا حراما فأخذوا به ،

فكانوا أربابا لهم من دون اللّه .

و عن حذیفة قال : سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ : « اتّخذوا » الآیة ، فقال لم یكونوا

[ 222 ]

یعبدونهم ، و لكن كانوا إذا أحلّوا لهم شیئا استحلّوها ، و إذا حرّموا علیهم حرّموها .

و فی الكافی عن أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قلت له : اتّخذوا الآیة ، فقال أما و اللّه ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم و لو دعوهم ما أجابوهم ، و لكن أحلّوا لهم حراما و حرّموا علیهم حلالا فعبدوهم من حیث لا یشعرون .

و فی تفسیر علیّ بن إبراهیم عند تفسیر قوله تعالى « و الشّعراء یتّبعهم الغاون » قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : نزلت فی الّذین غیّروا دین اللّه و خالفوا ما أمر اللّه ، هل رأیتم شاعرا قط تبعه أحد إنما عنی بذلك الّذین وضعوا دینا بآرائهم فتبعهم النّاس على ذلك .

و یؤكّد ذلك قوله « أ لم تر أنّهم فی كلّ واد یهیمون » یعنى یناظرون بالأباطیل و یجادلون بالحجج المضلّین و فى كلّ مذهب یذهبون « و أنهم یقولون ما لا یفعلون » قال علیه السّلام یعظون النّاس و لا یتّعظون و ینهون عن المنكر و لا ینتهون ، و یأمرون بالمعروف و لا یعملون ، و هم الّذین قال اللّه فیهم :

« أ لم تر » فیهم « أنهم فی كلّ واد یهیمون » أى فی كلّ مذهب مذهبون « و أنّهم یقولون ما لا یفعلون » و هم الّذین غصبوا آل محمّد حقّهم .

فظهر بذلك كلّه أنّ متابعة هؤلاء حرام ، و استحلالهم استحلال ما أحلّوه و استحرام ما حرّموه غیّ و ضلال ، إذ لیس لهم أن یغیّروا الأحكام من تلقاء أنفسهم ،

و لا أن یبدّلوا الحلال بالحرام و الحرام بالحلال .

كما أشار إلیه بقوله ( و لكن الحلال ما أحلّ اللّه و الحرام ما حرّم اللّه ) اللاّم فی لفظی الحلال و الحرام للجنس فتفید قصر المسند الیه فی المسند كما تقدّم تحقیقه فی شرح الكلام المأة و الرابع و الأربعین عند شرح قوله علیه السّلام : ان الأئمة من قریش ، و یحتمل أن تكون للعهد فتفید الحصر أیضا كما عرفته فی شرح الخطبة المأة و الثالثة و الخمسین عند شرح قوله علیه السّلام : نحن الشعار و الأصحاب ، فیكون المعنى أنّ ماهیة الحلال و الحرام و حقیقتهما إذا الحلال المعهود الثابت من الشریعة أى الّذی یجوز تناوله و الحرام المعهود الثابت منها أى الّذى لا یجوز ارتكابه هو منحصر فیما أحلّه اللّه سبحانه و حرّمه و أفصح عن حلیّته و حرمته فی كتابه الكریم و لسان نبیّه الحكیم ، فغیر ذلك مما أحلّه الناس و حرّموه لیس حلالا و لا حراما إذ حلال

[ 223 ]

محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حلال إلى یوم القیامة و حرامه حرام إلى یوم القیامة .

كما یدلّ علیه ما رواه فی الكافی عن زرارة قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن الحلال و الحرام فقال علیه السّلام : حلال محمّد حلال أبدا إلى یوم القیامة و حرام محمّد حرام أبدا إلى یوم القیامة لا یكون غیره و لا یجی‏ء غیره .

و قال : قال علیّ علیه السّلام : ما أحد یبدع بدعة إلاّ ترك بها سنّة ، هذا .

و لا یخفى علیك أنّ هذه الخطبة إن كان صدورها بعد قتل عثمان و البیعة له علیه السّلام بالخلافة كما حكیناه سابقا عن بعض الشارحین ، فالأشبه على ذلك أن یكون قوله علیه السّلام : و أنّ ما أحدث النّاس إلى آخره توطئة و تمهیدا لما كان مكنونا فی خاطره من تغییر البدعات المحدثات فی أیام خلافة الثلاثة و إجراء الأحكام الشرعیّة على وجهها بعد استقرار أمر خلافته لو كان متمكّنا منه حتّى لا یعترض علیه النّاس و لا یطعنوا علیه ، كما بان عنه فی بعض كلماته الآتیة فی الكتاب حیث قال : لو قد استوت قدماى من هذه المداحض لغیّرت أشیاء ، و لكنّه علیه السّلام لم یتمكّن من التغییر .

و قد روى فی البحار من التهذیب عن علیّ بن الحسن بن فضّال عن أحمد بن الحسن عن عمرو بن سعید المداینی عن مصدّق بن صدقة عن عمّار عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : سألته عن صلاة فی رمضان فی المساجد قال : لما قدم أمیر المؤمنین علیه السّلام الكوفة أمر الحسن بن علیّ علیهما السّلام أن ینادى فی النّاس لا صلاة 1 فی شهر رمضان فی المساجد جماعة ، فنادى فی النّاس الحسن بن علیّ علیهما السّلام بما أمره به أمیر المؤمنین علیه السّلام ، فلما سمع الناس مقالة الحسن بن علیّ علیهما السّلام ، صاحوا : وا عمراه وا عمراه فلما رجع الحسن إلى أمیر المؤمنین علیهما السّلام قال له : ما هذا الصّوت ؟ فقال : یا أمیر المؤمنین النّاس یصیحون وا عمراه وا عمراه ، فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام : قل لهم : صلّوا ، هذا .

و لما بیّن انحصار الحلال و الحرام فیما أحلّه اللّه سبحانه و حرّمه أردفه بقوله ( فقد جرّبتم الامور و ضرّستموها ) أى أحكمتموها بالتجربة و الممارسة ، و ظهر لكم جیّدها من ردیّها و حقّها من باطلها ( و وعظتم بمن كان قبلكم ) أى وعظكم اللّه

-----------
( 1 ) نهى عن فعل نافلة رمضان جماعة كما ورد التصریح به فی اخبار اخر ( منه ره )

[ 224 ]

سبحانه فی كتابه بالامم الماضیة و بما جرى منه فی حقّ المؤمنین منهم من الجزاء الجمیل و ما جرى فی حقّ العاصین منهم من العذاب الوبیل ( و ضربت ) فی الفرقان الحكیم ( الأمثال لكم ) الكثیرة الموضحة للحقّ من الباطل و الفارقة بینهما ( و دعیتم إلى الأمر الواضح ) أى إلى أمر الدّین و الاسلام الّذی أوضحه كتاب اللّه و سنّة رسوله حقّ الوضوح و لم یبق علیه سترة و لا حجاب .

و المقصود من هذه الجملات تنبیه المخاطبین على أنهم بعد ما حصل لهم هذه الأمور أعنى تجربة الأمور و أحكامها و الموعظة و ضرب الأمثال الظاهرة و الدّعوة إلى الأمر الواضح یحقّ لهم أن یعرفوا أحكام الشریعة حقّ المعرفة ، و أن یمیّزوا بین البدعات و السّنن إذ تلك الأمور معدّة لحصول المعرفة و لوضوح الفرق بین البدعة و السنّة و بین المجعولة و الحقیقة .

( فلا یصمّ عن ذلك ) أى لا یغفل عن ما ذكر من الامور أو عن الأمر الواضح الّذى دعوا إلیه ( إلاّ ) من هو ( أصمّ ) أى الغافل البالغ فی غفلته النهایة و التنوین للتفخیم و التعظیم كما فی قوله تعالى : « و على أبصارهم غشاوة » أى غشاوة عظیمة و هكذا فی قوله :

( و لا یعمى عنه إلاّ أعمى ) أى لا یضلّ عنه و لا یجهل به إلاّ من هو شدید الضلال و الجهالة .

( و من لم ینفعه اللّه بالبلاء ) أى بما بلاه به من المكاره و المصائب ( و ) ب ( التجارب ) المكتسبة من مزاولة الامور و مقاساة الشدائد ( لم ینتفع بشی‏ء من العظة ) لأنّ تأثیر البلاء و التّجارب فی النفس أشدّ و أقوى من تأثیر النصح و الموعظة ، لأنّ الموعظة احالة على الغایب ، و البلیة و التجربة مدركة بالحسّ فمن لا ینفعه الأقوى لا ینفعه الأضعف بالطریق الأولى ( و أتاه النقص من أمامه ) أى من بین یدیه .

قال الشارح البحرانی : لأنّ الكمالات الّتی یتوجّه إلیها بوجه عقله تفوته لنقصان تجربته و وقوف عقله عنها فأشبه فوتها له مع طلبه لها إتیان النقص له من أمامه .

و قوله ( حتّى یعرف ما أنكر و ینكر ما عرف ) إشارة إلى غایة نقصانه ، و هى الاختلاط و الحكم على غیر بصیرة ، فتارة یتخیّل فیما أنكره و جهله أنّه عارف بحقیقته ، و تارة

[ 225 ]

ینكر ما كان یعرفه و یحكم بصحّته لخیال یطرء علیه .

قال الشّارح المعتزلی : حتّى یتخیّل فیما أنكره أنّه قد عرفه و ینكر ما قد كان عارفا به و سمّى اعتقاد العرفان و تخیّله عرفانا على المجاز .

ثمّ فرّع على ما ذكر انقسام الناس إلى قسمین فقال علیه السّلام ( فانّ الناس رجلان متبع شرعة ) أى متشرّع آخذ بشرایع الدّین ، و سالك لمنهاج الشرع المبین ، و هو العامل بكتاب اللّه سبحانه و سنّته و المقتبس من نورهما و المنتفع بما فیهما من النصایح و المواعظ و الأمثال المضروبة ، و هو من الّذین قال اللّه فیهم « و تلك الأمثال نضربها للناس و ما یعقلها إلاّ العالمون » .

( و مبتدع بدعة ) و هو الّذی لم ینتفع بهما بل نبذ أحكامهما ورائه و اتّبع هویه و عمل بآرائه و مقایسه فأعمى اللّه قلبه عن معرفة الحقّ و أصمّه عن استماعه كما قال :

صمّ بكم عمى فهم لا یرجعون ( لیس معه من ) عند ( اللّه ) سبحانه ( برهان سنّة و لا ضیاء حجّة ) أى لیس له فیما أحدثه من البدعة دلیل علیه من سنّة و لا حجّة بیّنة واضحة من الكتاب الكریم تنجیه لوضوحها و ضیائها من ظلمة الجهل و الضلال .

قال أبو شیبة الخراسانی : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : إنّ أصحاب المقاییس طلبوا العلم بالمقاییس فلم تزدهم المقاییس من الحقّ إلاّ بعدا و انّ دین اللّه لا یصاب بالعقول ، رواه فی الكافی .

و فیه أیضا عن محمّد بن أبی عبد اللّه رفعه عن یونس بن عبد الرّحمان قال : قلت لأبی الحسن الأوّل علیه السّلام : بما اوحّد اللّه عزّ و جلّ ؟ فقال : یا یونس لا تكوننّ مبتدعا من نظر برأیه هلك ، و من ترك أهل بیت نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ضلّ ، و من ترك كتاب اللّه و قول نبیّه كفر .

و لما ذكر أنّ أصحاب البدع لیس لهم دلیل من سنّة یتمسّكون به و لا نور حجّة یستضیئون به أردفه بذكر ممادح القرآن تنبیها على كونه البرهان الحقّ و النّور المضی‏ء أحقّ بالاتباع و الاهتداء ، و أجدر أن یقتبس من أنواره و یتّعظ بمواعظه و نصایحه ، و على أنّ الراغبین عنه التابعین لأهوائهم و الآخذین بالآراء

[ 226 ]

و المقاییس تائهون فی بوادى الجهالة ، هائمون فی فیافی الضلالة فقال :

( و إنّ اللّه سبحانه لم یعظ أحدا بمثل هذا القرآن ) لأنّ الغرض من جمیع المواعظ المتضمّنة للوعد و الوعید و الترغیب و التهدید هو الجذب إلى طرف الحقّ و الارشاد إلى حظیرة القدس ، و القرآن أبلغ منها كلّها فی إفادة ذلك الغرض و أكمل فی تحصیل ذلك المقصود ( فانه حبل اللّه المتین ) من تمسّك به نجا و من تركه فقد هوى ، و وصفه بالمتانة و الاحكام لأنه حبل ممدود من الأرض إلى السماء من استمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ( و سببه الأمین ) و وصفه بالامانة لأنه لا یخون المتوصّل به فی ایصاله إلى حظایر القدس و مجالس الانس و قرب الحقّ ( و فیه ربیع القلب ) لأنّ القلوب تلتذّ و تنشط و ترتاح بتلاوة آیاته و تدبّر ما فیها من المحاسن و المزایا و تفكّر ما تضمّنته تلك الآیات من النكات البدیعة و اللطایف العجیبة ، كما أنّ النفوس تلتذّ بأزهار الربیع و أنواره .

( و ) فیه ( ینابیع العلم ) استعارة بالكنایة حیث شبّه العلم بالماء إذ به حیاة الأرواح كما أنّ بالمآء حیاة الأبدان ، و ذكر الینابیع تخییل ، و فی نسخة الشارح بدل ینابیع العلم : ینابیع العلوم و المقصود واحد ، و إنما كان ینابیع العلوم اذ جمیع العلوم خارجة منه لتضمّنه علم ما كان و ما هو كائن و ما یكون كما قال عزّ من قائل :

« و لا رطب و لا یابس إلاّ فی كتاب مبین » .

( و ما للقلب جلاء غیره ) إذ فیه منار الهدى و مصابیح الدّجى و التفكّر فیه یجلو القلوب من رین الشكوكات و یرتفع به عنها صدا الشبهات كما یجلو الصیقل المرآت .

فان قلت : لم جعل الجلاء مقصورا فیه مع حصوله بغیره من العلوم الحقّة ؟

قلت : لما كان القرآن ینابیع جمیع العلوم حسبما عرفت یؤل حصول الجلاء بها إلى الجلاء به فی الحقیقة ، أو أنّ المراد نفى الكمال أى لیس للقلب جلاء كامل غیره .

و هذا الجواب أولى مما أجاب به الشارح البحرانی من أنّ هذا الكلام صدر

[ 227 ]

عنه علیه السّلام و لم یكن فی هذا الزمان علم مدوّن و لا استفادة للمسلمین إلاّ من القرآن الكریم ، فلم یكن إذا جلاء للقلب غیره .

وجه الأولویّة أنّ الأحادیث النبویّة كانت موجودة بأیدیهم یومئذ و الاستفادة منها كانت ممكنة لمن أرادها ، و أما غیر المرید لها من الّذین على قلوبهم أقفالها فالقرآن و الحدیث بالنسبة إلیهم أیضا على حدّ سواء كما لا یخفى .

( مع أنه قد ذهب المتذكّرون ) بالقرآن المتدبّرون فی معانیه المستضیئون بضیائه المقتبسون من أنواره ( و بقى الناسون ) له حقیقة ( أو المتناسون ) المظهرون للنسیان لأغراض دنیویّة .

و ارتباط هذا الكلام أعنى قوله : مع أنه آه بما سبق أنه لما ذكر ممادح القرآن و أنه أبلغ المواعظ و أجلى للقلوب ، و كان الغرض منه حثّ المخاطبین و تحریصهم على اتّباعه و التذكّر به أتبعه بذلك أسفا على الماضین و تقریعا على الباقین بأنّهم لا یتذكّرون به و لا یتّبعونه و لا یتّعظون بمواعظه .

و محصّله إظهار الیأس من قبولهم للموعظة و استبعاد ذلك لما تفرّس منهم من فساد النیات و متابعة الهوى و الشهوات .

و یحتمل أن یكون توطئة و تمهیدا لما كان یریده من أمرهم باعانة الخیر و تجنّب الشرّ ، یعنی مع أنّ المتذكّرین و أولى البصایر قد مضوا و لم یبق إلاّ الغافلون الجاهلون و تأثیر الموعظة فیهم صعب جدا ، مع ذلك أعظكم و اذكّركم و إن لم تنفع الذكرى بقولى ( فاذا رأیتم خیرا فأعینوا علیه و إذا رأیتم شرّا فاذهبوا عنه ) لفظ الخیر و الشرّ و إن كان مطلقا شاملا باطلاقه لكلّ خیر و شرّ ، إلاّ أنّ الأشبه أن یكون نظره فیهما إلى الخیر و الشرّ المخصوصین .

بأن یكون مراده من الخیر الخیر الّذی كان یریده فی حقّهم و إن كان مكروها و كانوا لهم متنفرّین عنه بطبعهم من التسویة فی العطاء و الحمل على جادّة الوسطى و مرّ الحقّ ، و یكون المراد باعانتهم علیه تسلیمهم له فی كلّ ما یأمر و ینهى و رضاهم

[ 228 ]

بكلّ ما یفعل و یرید ، و سعیهم فی مقاصده و مآربه .

و أن یكون مراده من الشرّ ما تفرّس منهم بل شاهده من قصدهم لنكث البیعة و ثوران الفتنة ، و یكون المراد بالذّهاب عنه الاعراض عنه و الترك له .

و إنّما قلنا إنّ الأشبه ذلك لما حكیناه عن بعض الشراح من أنّ هذه الخطبة خطب بها فی أوائل البیعة فقرینة الحال و المقام تشعر بما ذكرناه .

و كیف كان فلما أمر علیه السّلام بما أمر أكّده بالحدیث النبویّ صلّى اللّه علیه و آله فقال ( فانّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله كان یقول : یا ابن آدم اعمل الخیر و دع الشرّ ) أى اتركه ( فاذا أنت جواد قاصد ) یحتمل أن یكون المراد بالقاصد الراشد الغیر المجاوز عن الحدّ فی سیره بأن لا یكون سریع السّیر فیتعب بسرعته ، و لا بطى‏ء السّیر فیفوت الغرض ببطوئه ،

و أن یكون المراد به السائر فی قصد السّبیل أى غیر الخارج عن الجادّة الوسطى ،

و تشبیه عامل الخیر و تارك الشرّ به على الأوّل من أجل اتّصافه بالعدل فی أموره و برائته من الافراط و التفریط ، و على الثانی من أجل كون سلوكه على الجادّة الوسطى و الصراط المستقیم الموصل به إلى نضرة النّعیم و الفوز العظیم .

ثمّ نبّه على أقسام الظلم تلمیحا إلى مظلومیته علیه السّلام و تنبیها على أنّ ظلامته لا تترك فقال ( ألا و انّ الظلم ثلاثة فظلم لا یغفر ، و ظلم لا یترك ، و ظلم مغفور لا یطلب ،

فأمّا الظلم الّذی لا یغفر فالشّرك باللّه ) لما ( قال اللّه سبحانه إنَّ اللّه لا یغفر أن یشرك به ) عدم الغفران بالشرك مشروط بعدم التوبة ، لأنّ الأمة أجمعت على أنّ اللّه یغفره بالتوبة و إن كان الغفران مع التوبة عند المعتزلة على وجه الوجوب و عندنا على وجه التفضّل و الانعام كما یأتی التصریح بذلك عن مجمع البیان .

( و أمّا الظلم الّذی یغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات ) لعلّ المراد بذلك البعض الصغایر لأنّ الاجتناب عن الكبایر یكون كفارة لها كما قال تعالى :

« إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سیئاتكم » .

و أمّا حمله على المغفرة بالتوبة أو الشفاعة ففیه انّ المغفرة بهما لا اختصاص لها ببعض الهنات السّیئات بل جمیع المعاصی تكون مغفورة بعد حصول التوبة و الشفاعة

[ 229 ]

على أنّ حمله على صورة التوبة یوجب عدم الفرق بینه و بین القسم الأوّل لما عرفت هناك من الاجماع على غفران الشرك أیضا بالتوبة كسایر المعاصی صغیرة أو كبیرة فلا یكون على ذلك للتفكیك بین القسمین وجه .

و الحاصل أنّ الشرك و غیره مشتركان فی الغفران بالتوبة و فی عدمه بعدمها إلاّ الصغایر فانّها تغفر مع عدمها أیضا إذا حصل الاجتناب عن الكبایر هذا .

و لكن ظاهر قوله تعالى « إنّ اللَّه لا یغفر أن یشرك به و یغفر ما دون ذلك لمن یشآء » هو غفران ما دون الشرك مطلقا صغیرا كان أو كبیرا ، بل صرّح به فی بعض الأخبار .

و هو ما رواه فی الصّافی من الكافی عن الصّادق علیه السّلام فی هذه الآیة قال :

الكبائر فما سواها .

و فیه منه و من الفقیه أنّه علیه السّلام سئل هل تدخل الكبایر فی مشیّة اللّه ؟ قال :

نعم ذاك إلیه عزّ و جلّ إن شآء عذّب و إن شاء عفى عنها .

و فی تفسیر علیّ بن إبراهیم عند تفسیر هذه الآیة قال : حدّثنی أبی عن ابن أبی عمیر عن هشام عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قلت له : دخلت الكبائر فی الاستثناء ؟

قال : نعم .

قال الطبرسیّ فی مجمع البیان فی تفسیرها : معناها أنّ اللّه لا یغفر أن یشرك به أحد و لا یغفر ذنب المشرك لأحد و یغفر ما دون الشرك من الذّنوب لمن یرید قال المحقّقون : هذه الآیة أرجى آیة فی القرآن ، لأنّ فیه إدخال ما دون الشرك من جمیع المعاصی فی مشیّة الغفران وقف اللّه المؤمنین الموحّدین بهذه الآیة بین الخوف و الرّجاء و بین العدل و الفضل ، و ذلك صفة المؤمن ، و لذلك قال الصادق علیه السّلام : لو وزن رجاء المؤمن و خوفه لاعتدلا .

قال الطبرسیّ : و وجه الاستدلال بهذه على أنّ اللّه یغفر الذّنوب من غیر توبة أنه نفى غفران الشرك و لم ینف غفرانه على كلّ حال بل نفى أن یغفر من غیر توبة لأنّ الامة اجتمعت على أنّ اللّه یغفره بالتوبة و إن كان الغفران عند المعتزلة على

[ 230 ]

وجه الوجوب و عندنا على وجه التفضّل ، و على هذا یجب أن یكون المراد بقوله :

و یغفر ما دون ذلك لمن یشاء ، أنّه یغفر ما دون الشرك من الذنوب بغیر توبة لمن یشاء من المذنبین غیر الكافرین .

و لا معنى لقول المعتزلة إنّ فی حمل الآیة على ظاهرها و إدخال ما دون الشرك فی المشیّة إغراء على المعصیة ، لأنّ الاغراء إنّما یحصل بالقطع على الغفران فأمّا إذا كان الغفران معلّقا بالمشیّة فلا إغراء فیه . بل یكون العبد به واقفا بین الخوف و الرجاء و بهذا وردت الأخبار الكثیرة من طریق الخاصّ و العامّ ، و انعقد علیه اجماع سلف أهل الاسلام .

و من قال فی غفران ذنوب البعض دون البعض میل و محاباة و لا یجوز المیل و المحاباة على اللّه .

فجوابه أنّ اللّه متفضّل بالغفران و للمتفضّل أن یتفضّل على قوم دون قوم و انسان دون انسان ، و هو عادل فی تعذیب من یعذّبه ، و لیس یمنع العقل و الشرع من الفضل و العدل .

و من قال منهم أنّ لفظة ما دون ذلك و إن كانت عامة فی الذنوب الّتی هى دون الشرك فانما نخصّها و نحملها على الصغائر أو ما یقع منه التوبة لأجل عموم ظاهر آیات الوعید .

فجوابه إنا نعكس علیكم ذلك فنقول : بل خصّصوا ظواهر تلك الآیات لعموم هذه الآیة و هذا أولى لما روى عن بعض أنّه قال إنّ هذه الآیة استثناء على جمیع القرآن یرید به و اللّه أعلم جمیع آیات الوعید .

و أیضا فان الصّغایر یرتفع عندكم محبطة و لا تجوز المؤاخذة بها ، و ما هذا حكمه فكیف تعلّق بالمشیّة فانّ أحدا لا یقول إنی أفعل الواجب إن شئت و أردّ الودیعة إن شئت ، انتهى .

و بما ذكرنا ظهر لك فساد ما توهّمه الشارح المعتزلی فانّه بعد ما ذكر أنّ الكبائر حكمها حكم الشرك عند أصحابه المعتزلة فی عدم المغفرة اعترض على

[ 231 ]

نفسه بأنّ الآیة صریحة فی التفكیك بینها و بینه ، و أجاب بما ملخّصه أنّ المراد من لفظ الغفران هو الستر فی موقف القیامة و المراد أنّ اللّه لا یستر فی موقف القیامة من مات مشركا بل یفضحه على رؤوس الأشهاد ، و أمّا من مات على كبیرة من أهل الاسلام فانّ اللّه یستره فی الموقف و لا یفضحه بین الخلایق و إن كان من أهل النار ، و قد یكون من أهل الكبائر ممّن یقرّ بالذّنوب من تعظم كبائره جدّا فیفضحه اللّه فی الموقف كما یفضح المشرك ، فهذا معنى قوله : « و یغفر ما دون ذلك لمن یشاء » انتهى .

وجه الفساد أنّ الغفر و إن كان فی اللّغة بمعنى الستر و التغطیة إلاّ أنّه فی الآیات و الأخبار حیثما یطلق یراد به التجاوز عن الخطایا و العفو عن الذنوب و الستر علیها ، فحمله على الستر المخصوص بالموقف خلاف ظاهر الاطلاق ، و الأصل عدم التقیید فلا داعی إلى المصیر إلیه .

و أقول على رغم المعتزلة أنهم لتمسّكهم بحجزة خلفائهم الضّالین المضلّین و انحرافهم عن أولیاء الدّین أساؤوا ظنّهم باللّه ربّ العالمین و حكموا فی مرتكبی الكبایر من المسلمین بكونهم فی النار معذّبین كالكفّار و المشركین ، و اللّه سبحانه مجازیهم على نیّاتهم و عقیدتهم و حاشرهم یوم القیامة مع من یتولّونه ثمّ یردّهم إلى أسفل السافلین من الجحیم مخلّدین فیها و لا هم عنها یخرجون .

و أمّا نحن فلاعتصامنا بالعروة الوثقى و الحبل المتین أعنی ولایة أمیر المؤمنین و ولایة آله المعصومین نحسن ظنّنا باللّه و نرجو غفرانه و عفوه و الحشر مع أولیائنا و إن كان فی بحار الذّنوب مغرقین ، و لا نظنّ فی حقّ ربّنا الغفور الرّحیم انّه یسمع فی النار صوت عبد مسلم سجن فیها بمخالفته و ذاق طعم عذابها بمعصیته و حبس بین أطباقها بجرمه و جریرته و هو یضجّ إلیه ضجیج مؤمّل لرحمته و ینادیه بلسان أهل توحیده و یتوسّل إلیه بربوبیّته ، فكیف یبقى فی العذاب و هو یرجو ما سلف من حلمه و رأفته ، أم كیف تؤلمه النّار و هو یأمل فضله و رحمته ، أم كیف یحرقه لهبها و هو یسمع صوته و یرى مكانه ، أم كیف یشتمل علیه زفیرها و هو یعلم ضعفه أم كیف یتغلغل بین أطباقها و هو یعلم صدقه ، أم كیف تزجره زبانیتها و هو ینادیه یا ربّه ، أم كیف یرجو فضله فی

[ 232 ]

عتقه منها فیتركه فیها هیهات ما هكذا الظنّ به و لا المعروف من فضله ، و لا مشبه لما عامل به الموحّدین من برّه و إحسانه ، فبالیقین نقطع لو لا ما حكم به من تعذیب جاحدیه و قضى به من إخلاد معاندیه لجعل النار كلّها بردا و سلاما و ما كان لأحد من شیعة أمیر المؤمنین و محبّیه مقرّا و لا مقاما . 1 و لقد روى فی الفقیه عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال : و لقد سمعت حبیبی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول : لو أنّ المؤمن خرج من الدّنیا و علیه مثل ذنوب أهل الأرض لكان الموت كفّارة لتلك الذّنوب ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله : و من قال لا إله إلاّ اللّه باخلاص فهو برى‏ء من الشرك ، و من خرج من الدّنیا لا یشرك باللّه شیئا دخل الجنّة ثمّ تلى صلّى اللّه علیه و آله هذه الآیة : « إنّ اللَّه لا یغفر أن یشرك به و یغفر ما دون ذلك لمن یشاء » من شیعتك و محبّیك یا علی قال أمیر المؤمنین علیه السّلام : فقلت : یا رسول اللّه هذا لشیعتی ؟ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم اى و ربّی هذا لشیعتك ، هذا .

( و أمّا الظلم الّذى لا یترك فظلم العباد بعضهم بعضا ) فقد روى فی الكافی عن شیخ عن النخعی قال : قلت لأبی جعفر علیه السّلام إنی لم أزل والیا منذ زمن الحجّاج إلى یومی هذا فهل لی من توبة ؟ قال : فسكت ثمّ أعدت علیه فقال : لا حتّى تؤدّى إلى كلّ ذى حقّ حقّه .

و عن هشام بن سالم عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : من ظلم مظلمة أخذ بها فی نفسه أو فی ماله أو فی ولده .

و عن أبی بصیر ، عن أبی جعفر علیه السّلام قال : قال : ما انتصر اللّه من ظالم إلاّ بظالم و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ « و كذلك نولّی بعض الظالمین بعضاً » .

و فیه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام عن رسول اللّه و عن أمیر المؤمنین صلوات اللّه علیهما و على آلهما : من خاف القصاص كفّ عن ظلم الناس .

( ف ) انّ ( القصاص هناك ) أى فی الآخرة مضافا إلى قصاص الدّنیا ( شدید ) ،

و یوم المظلوم على الظالم أشدّ من یوم الظالم على المظلوم ، لأنّ یوم الظالم الدّنیا فقط ،

-----------
( 1 ) هذه الفقرات اقتباس من دعاء كمیل رضى اللّه عنه ( منه ره )

[ 233 ]

و یوم المظلوم الدّنیا و الآخرة و المنتقم هو اللّه سبحانه و ( لیس هو ) أى قصاصه و انتقامه ( جرحا بالمدى ) و السّكاكین ( و لا ضربا بالسّیاط ) و العصا و نحو ذلك من مولمات الدّنیا ( و لكنّه ما یستصغر ذلك معه ) هو نار الجحیم و العذاب الألیم و الخزى العظیم .

قال الشارح : قد أشرت سابقا إلى أنّ فی ذكره أقسام الظلم و ما یترتّب علیها من العقوبات تلمیحا إلى مظلومیّته علیه السّلام و تنبیها على أنّ الظلم الذی وقع فی حقّه لیس بحیث یترك و یرفع الید عنه ، بل یقتصّ من ظالمیه البتّة و ینتقم بمقتضى العدل و اللّه عزیز ذو انتقام ، و حیث إنّ ظلامة آل محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أعظم ما وقع فی الأرض من المظالم حیث غصبوا خلافتهم و أحرقوا باب بیتهم و أسقطوا محسنهم و قتلوا أمیر المؤمنین و ابنیه الحسن و الحسین علیهم السّلام بالسمّ و سیف العدوان و أداروا رأسه و رأس أصحابه على الرماح و السنان ، و شهروا نساءه و بناته فی الأصقاع و البلدان إلى غیر ذلك من الظلم و الطغیان الّذی یعجز عن تقریره اللّسان و یضیق عنه البیان ، فلا بدّ أن یكون قصاص ظلاماتهم أشدّ و عقوبة ظالمیهم أعظم و أخزى و أحببت أن اورد بعض ما ورد فیه من الأخبار باقتضاء المقام .

فأقول : روى فی البحار من كتاب الاحتجاج عن سلیم بن قیس الهلالى عن سلمان الفارسی قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام فی یوم بیعة أبی بكر : لست بقائل غیر شی‏ء واحدا ذكّركم باللّه أیّها الأربعة یعنینی و الزبیر و أبا ذر و المقداد أسمعتم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : إنّ تابوتا من النار فیه اثنى عشر رجلا ، ستّة من الأوّلین و ستّة من الآخرین فی جبّ فی قعر جهنّم فی تابوت مقفل على ذلك الجبّ صخرة إذا أراد اللّه أن یسعر جهنّم كشف تلك الصخرة عن ذلك الجبّ فاستعاذت جهنّم من وهیج ذلك الجبّ .

فسألناه عنهم و أنتم شهود ، فقال النبی صلّى اللّه علیه و آله :

أمّا الأوّلین فابن آدم علیه السّلام الّذی قتل أخاه ، و فرعون الفراعنة ، و الّذی حاجّ إبراهیم فی ربّه ، و رجلان من بنی اسرائیل بدّلا كتابهما و غیّر اسنّتهما أمّا أحدهما

[ 234 ]

فهوّد الیهود و الآخر نصّر النصارى و إبلیس سادسهم و الدّجال فی الآخرین .

و هؤلاء الخمسة أصحاب الصّحیفة الّذین تعاهدوا و تعاقدوا على عداوتك یا أخى و التظاهر علیك بعدی هذا و هذا حتّى عدّهم و سمّاهم ، فقال سلمان : فقلنا صدقت نشهد أنّا سمعنا ذلك من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله .

و فی تفسیر علىّ بن إبراهیم عن الصّادق علیه السّلام فی قوله تعالى « قل أعوذ بربّ الفلق » قال علیه السّلام : الفلق جبّ فی جهنّم یتعوّذ أهل النّار من شدّة حرّه سأل اللّه أن یأذن له فیتنفّس فأذن له فتنفّس فأحرق جهنّم ، فقال علیه السّلام : و فی ذلك الجبّ صندوق من نار یتعوّذ منه أهل الجبّ من حرّ ذلك الصّندوق و هو التابوت و فی ذلك ستّة من الأوّلین و ستّة من الآخرین .

فأمّا الستّة الّتی من الأوّلین فابن آدم الّذی قتل أخاه ، و نمرود إبراهیم الّذی ألقى إبراهیم فی النار ، و فرعون موسى ، و السامرى الّذی اتّخذ العجل ، و الّذی هوّد الیهود ، و الّذی نصّر النصارى .

و أمّا الستّة من الآخرین فهو الأوّل ، و الثانی ، و الثالث ، و الرابع ، و صاحب الجوارح ، و ابن ملجم « و من شرّ غاسق إذا وقب » قال علیه السّلام : الّذی یلقى الجبّ یقب فیه .

و فی البحار من الخصال و عقاب الأعمال عن إسحاق بن عمّار عن موسى بن جعفر علیهما السّلام قال لی یا اسحاق إنّ فی النّار لوادیا یقال له سقر لم یتنفّس منذ خلق اللّه لو أذن اللّه عزّ و جلّ له فی التنفس بقدر مخیط حرق ما على وجه الأرض ، و إنّ أهل النار لیتعوّذون من حرّ ذلك الوادى و نتنه و قذره و ما أعدّ اللّه فیه لأهله ، و انّ فی ذلك الوادی جبلا یتعوّذ جمیع أهل ذلك الجبل من حرّ ذلك الشعب و نتنه و قذره و ما أعدّ اللّه فیه لأهله ، و انّ فی ذلك الشعب لقلیبا یتعوّذ جمیع أهل ذلك الشعب من حرّ ذلك القلیب و نتنه و قذره و ما أعدّ اللّه فیه لأهله ، و انّ فی ذلك القلیب لحیّة یتعوّذ أهل ذلك القلیب من خبث تلك الحیّة و نتنها و قذرها و ما أعدّ اللّه فی أنیابها من السمّ للذعها ، و انّ فی جوف تلك الحیّة سبعة صنادیق فیها خمسة من الأمم السالفة و اثنان

[ 235 ]

من هذه الأمة .

قال : قلت : جعلت فداك و من الخمسة ؟ و من الاثنان ؟

قال : فأمّا الخمسة فقابیل الّذی قتل هابیل ، و نمرود الّذی حاجّ إبراهیم فی ربّه و قال أنا أحیی و أمیت ، و فرعون الّذی قال أنا ربّكم الأعلى ، و یهود الّذی هوّد الیهود ، و بولس الّذی نصّر النصارى ، و من هذه الأمة : الأعرابیّان .

أقول : الأعرابیّان : الأوّل و الثّانی اللّذان لم یؤمنا باللّه طرفة عین .

و فیه من عقاب الأعمال عن حنّان بن سدیر قال : حدّثنی رجل من أصحاب أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : سمعته یقول إنّ أشدّ الناس عذابا یوم القیامة لسبعة نفر أوّلهم ابن آدم الّذی قتل أخاه ، و نمرود الّذی حاجّ إبراهیم فی ربّه ، و اثنان فی بنی اسرائیل هوّدا قومهما و نصّراهما ، و فرعون الّذی قال أنا ربكم الأعلى ، و اثنان فی هذه الامة أحدهما شرّهما فی تابوت من قواریر تحت الفلق فی بحار من نار .

و فیه من كتاب الاختصاص عن یحیى بن محمّد الفارسی عن أبیه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام عن أبیه عن أمیر المؤمنین صلوات اللّه علیه و آله قال : خرجت ذات یوم إلى ظهر الكوفة و بین یدىّ قنبر فقلت یا قنبر ترى ما أرى ؟ فقال : قد ضوء اللّه لك یا أمیر المؤمنین عمّا عمى عنه بصرى ، فقلت : یا أصحابنا ترون ما أرى ؟ فقالوا :

لا قد ضوء اللّه لك یا أمیر المؤمنین عمّا عمى عنه أبصارنا فقلت و الّذی فلق الحبّة و برى‏ء النسمة لترونه كما أراه و لتسمعنّ كلامه كما أسمع .

فما لبثنا أن طلع شیخ عظیم الهامة له عینان بالطول فقال : السّلام علیك یا أمیر المؤمنین و رحمة اللّه و بركاته فقلت : من أین أقبلت یا لعین ؟ قال : من الآثام ،

فقلت : و أین ترید ؟ فقال : الآثام ، فقلت . بئس الشیخ أنت ، فقال : تقول : هذا یا أمیر المؤمنین فو اللّه لأحدّثنك بحدیث عنّى عن اللّه عزّ و جلّ ما بیننا ثالث ، فقلت عنك عن اللّه عزّ و جلّ ما بینكما ثالث ؟ قال : نعم .

قال : انّه لما هبطت بخطیئتی إلى السماء الرابعة نادیت إلهى و سیّدى ما أحسبك خلقت من هو أشقى منّی ، فأوحى اللّه تبارك و تعالى بلى قد خلقت من هو

[ 236 ]

أشقى منك فانطلق إلى مالك یریكه ، فانطلقت إلى مالك فقلت : السّلام یقرئك السّلام و یقول : أرنى من هو أشقى منّى ، فانطلق بی مالك إلى النّار فرفع الطبق الأعلى فخرجت نار سوداء ظننت أنها قد أكلتنی و أكلت مالكا ، فقال لها : اهدئى ،

فهدأت ، ثمّ انطلق بى إلى الطبق الثانی فخرجت نار هی أشدّ من تلك سوادا و أشدّ حمى فقال لها : أخمدى ، فخمدت ، إلى أن انطلق بی إلى السابع و كلّ نار یخرج من طبق یخرج أشدّ من الاولى فخرجت نار ظننت أنها قد أكلتنى و أكلت مالكا و جمیع ما خلقه اللّه عزّ و جلّ فوضعت یدى على عینی و قلت : مرها یا مالك أن تخمد و إلاّ خمدت فقال : أنت لم تخمد إلى الوقت المعلوم ، فأمرها فخمدت ، فرأیت رجلین فی أعناقهما سلاسل النّیران معلّقین بها إلى فوق و على رؤوسهما قوم معهم مقامع النیران یقمعونهما بها ، فقلت : یا مالك من هذان ؟ فقال : أو ما قرئت فی ساق العرش و كنت قرأته قبل أن یخلق اللّه الدّنیا بألفی عام لا إله إلاّ اللّه محمّد رسول اللّه أیّدته و نصرته بعلىّ ، فقال :

هذان عدّوا ذلك و ظالماهم .

ثمّ إنّه حذّرهم عن التلوّن فی الدّین فقال ( فایاكم و التلوّن فی دین اللّه ) تحذیر لهم عن عدم الثبات على خلق واحد فی أمر الدّین و عن التقلّب و التذبذب فی أحكام الشرع المبین .

و الظاهر أنه راجع الى جماعة بلغه علیه السّلام من بعضهم توقّفهم فی بیعته كعبد اللّه ابن عمر و سعد بن أبی وقاص و حسّان بن ثابت و اسامة بن زید و أضرابهم ، و عن بعضهم إرادة النكث و النقض للبیعة بعد توكیدها مثل طلحة و الزبیر و أتباعهما .

و مرجع هذا التحذیر فی الحقیقة إلى التحذیر عن النّفاق ، لأنّ المنافق لا یستقیم على رأى واحد .

و قد ذمّ اللّه المنافقین على ذلك بقوله « مذبذبین بین ذلك لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء و من یضلل اللّه فلن تجد له سبیلا » و قال أیضا « إنّ الّذین آمنوا ثمّ كفروا ثمّ آمنوا ثمّ كفروا ثمّ ازدادوا كفراً لم یكن اللّه لیغفر لهم و لا لیهدیهم سبیلا بشّر المنافقین بأنّ لهم عذاباً ألیماً الّذین یتّخذون الكافرین أولیاء من دون المؤمنین »

[ 237 ]

روى فی الصّافی عن العیاشی عن الصّادق علیه السّلام فی قوله : « إنّ الّذین آمنوا » قال هما و الثالث و الرابع و عبد الرحمان و طلحة و كانوا سبعة الحدیث .

و عن الصّادق علیه السّلام نزلت فی فلان و فلان و فلان آمنوا برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی أوّل الأمر « ثمّ كفروا » حین عرضت علیهم الولایة حیث قال من كنت مولاه فعلیّ مولاه « ثمّ آمنوا » بالبیعة لأمیر المؤمنین علیه السّلام حیث قالوا له بأمر اللّه و أمر رسوله فبایعوه « ثمّ كفروا » حیث مضى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فلم یقرّوا بالبیعة « ثمّ ازدادوا كفراً » بأخذهم من بایعوه بالبیعة لهم فهؤلاء لم یبق من الایمان شی‏ء و كیف .

فلما حذّرهم عن التلوّن الملازم للنفاق و التفرّق علّله بقوله ( فانّ جماعة فیما تكرهون من الحقّ خیره من فرقة فیما تحبّون من الباطل ) یعنی الاجتماع على الحقّ خیر من الافتراق على الباطل و إن كان الأوّل مكروها لكم و الثانی محبوبا لدیكم ،

و لعلّ المراد أنّ اجتماعكم على بیعتی و ثباتكم علیه خیر لكم عاجلا و آجلا من افتراقكم عنها ابتغاء للفتنة و حبّا لها .

و أكّد ذلك بقوله ( و انّ اللّه سبحانه لم یعط أحدا بفرقة خیرا ممّا مضى و لا مما بقى ) لفظة با فی الموضعین إمّا بمعنى من و یؤیّده ما فی أكثر النسخ من لفظة من بدلها فیكون المراد أنه لم یعط أحدا من السّلف و لا من الخلف خیرا بسبب الافتراق ، و إمّا بمعناها الأصلی فیكون المعنى أنّه تعالى لم یعط أحدا بسبب الافتراق خیرا من الدّنیا و لا من العقبى .

و ذلك لأنّ الانسان مدنىّ بالطبع محتاج فی اصلاح أمر معاشه و معاده و انتظام اولاه و اخراه إلى التعاون و الاجتماع و الایتلاف .

و لذلك قال علیه السّلام فی كلامه المأة و السابع و العشرین : و الزموا السواد الأعظم فانّ ید اللّه على الجماعة و ایاكم و الفرقة فانّ الشاذّ من الناس للشیطان كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب .

و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من فارق الجماعة قدر شبر فقد خلع ربقة الاسلام عن عنقه هذا .

[ 238 ]

و لكثرة فوائد الاجتماع و الایتلاف و عظم ما یترتّب علیها من الثمرات الدّنیویّة حبّ مؤكّدا فعل الجمعة و الجماعة و الأخبار الواردة فی الحثّ و الترغیب علیهما فوق حدّ الاحصاء .

( أیّها النّاس طوبى لمن شغله عیبه ) و محاسبة نفسه ( عن عیب الناس ) و غیبتهم روى فی عقاب الأعمال عن الحسن بن زید عن جعفر عن أبیه علیهما السّلام قال :

قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّ أسرع الخیر ثوابا البرّ و إنّ أسرع الشرّ عقابا البغى ،

و كفى بالمرء عیبا أن ینظر من النّاس إلى ما یعمى عینه من نفسه ، و یعیر الناس بما لا یستطیع تركه و یؤذى جلیسه بما لا یعنیه .

قال الطریحی فی قوله تعالى « طوبى لهم و حسن مآب » أى طیب العیش ، و قیل طوبى الخیر و أقصى الامنیة ، و قیل اسم للجنّة بلغة أهل الهند ، و فی الخبر عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنها شجرة فی الجنّة أصلها فی دارى و فرعها فی دار علیّ علیه السّلام فقیل له فی ذلك فقال : داری و دار علیّ فی الجنّة بمكان واحد ، قال و فی الحدیث هی شجرة فی الجنّة أصلها فی دار النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و لیس مؤمن إلاّ و فی داره غصن منها لا یخطر على قلبه شهوة إلاّ أتاه ذلك الغصن ، و لو أنّ راكبا مجدّا سار فی ظلّها مأة عام ما خرج و لو طار من أسفلها غراب ما بلغ أعلاها حتّى سقط هرما .

( و طوبى لمن لزم بیته ) قد مرّ الكلام مشبعا فی فواید العزلة و ثمراتها فی شرح الفصل الثانی من الخطبة المأة و الثانیة .

فان قلت : أ لیس الاعتزال و ملازمة البیت ملازما للفرقة الّتی نهى عنها سابقا فكیف یجتمع النهی عن الفرقة مع الحثّ على العزلة المستفاد من هذه الجملة الخبریّة ؟

قلت : لا تنافی بینهما ، لأنّ النهى السابق محمول على الافتراق لاثارة الفتنة و طلب الباطل كما یشعر به كلامه السابق أیضا ، و هذا محمول على الاعتزال لطلب الحقّ و مناجاة الرّب و تزكیة النفس من رزائل الأخلاق .

كما یدلّ علیه قوله ( و أكل قوته و اشتغل بطاعة ربّه و بكى على ) سالف

[ 239 ]

( خطیئته ) و موبق معصیته ( فكان من نفسه فی شغل و النّاس منه فی راحة ) أى یدا و لسانا .

روى فی الكافی عن أبی البلاد رفعه قال : جاء أعرابیّ إلى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و هو یرید بعض غزواته فاخذ بغرز 1 راحلته فقال : یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله علّمنی عملا أدخل به الجنّة ، فقال صلّى اللّه علیه و آله ما أحببت أن یأتیه الناس إلیك فأته إلیهم ، و ما كرهت أن یأتیه الناس إلیك فلا تأته إلیهم ، خلّ سبیل الراحلة .

و فیه عن عثمان بن جبلة عن أبی جعفر علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ثلاث خصال من كنّ فیه أو واحدة منهنّ كان فی ظلّ عرش اللّه یوم لا ظلّ إلاّ ظلّه :

رجل أعطى النّاس من نفسه ما هو سائلهم ، و رجل لم یقدم رجلا و لم یؤخّر رجلا حتى یعلم أنّ ذلك للّه رضى ، و رجل لم یعب أخاه المسلم بعیب حتّى ینفى ذلك العیب عن نفسه فانّه لا ینفى منها عیبا إلاّ بدا له عیب و كفى بالمرء شغلا بنفسه عن الناس

الترجمة

پس از آن حذر نمائید از متفرّق ساختن خلقها و از برگرداندن آنها و بگردانید زبان را یك زبان ، و باید كه حفظ نماید مرد زبان خود را از جهة اینكه این زبان سركش است بصاحب خود ، قسم بخدا نمی‏بینم بنده را پرهیز كند پرهیز كارى كه منفعت بخشد او را تا اینكه نگه دارد زبانش را ، پس بدرستی كه زبان مؤمن از پشت قلب او است و بدرستی كه قلب منافق از پشت زبان او است ، بجهة اینكه اگر مؤمن بخواهد تكلّم بنماید بسخنی اندیشه میكند آن را در پیش نفس خود پس اگر خوب باشد آن سخن اظهار مینماید آن را ، و اگر بد باشد پنهان میسازد او را ، و بدرستیكه منافق تكلّم مینماید بهر چه زبان او میآید و نمیداند چه چیزى منفعت دارد باو و چه چیز ضرر دارد بر او .

و بتحقیق فرموده است حضرت رسالتمآب صلوات اللّه و سلامه علیه و آله كه :

-----------
( 1 ) الغرز بالفتح و السكون ركاب الراحلة من جلد و اذا كان من خشب أو حدید فركاب « منه ره »

[ 240 ]

مستقیم نشود ایمان بنده مگر اینكه مستقیم شود قلب او ، و مستقیم نشود قلب او مگر اینكه مستقیم شود زبان او ، پس هر كس قدرت داشته باشد از شما باینكه ملاقات كند پروردگار خود را در حالتیكه پاك باشد دست او از خونهاى مسلمانان و مالهاى ایشان و سالم باشد زبان او از عرضهاى ایشان پس باید كه بكند آنرا .

و بدانید اى بندگان خدا كه بدرستی مرد صاحب ایمان حلال میسازد امسال آن چیزیرا كه حلال دانسته در سال گذشته و حرام میشمارد امسال چیزى را كه حرام شمرده در سال گذشته ، و بدرستی چیزیكه تازه احداث كرده است آن را مردمان حلال نمینماید از براى شما هیچ چیز از آنچه كه حرام گردانیده شده است بر شما ، و لكن حلال منحصر است بآنچه كه خدا حلال فرموده ، و حرام منحصر است بآنچه كه خدا حرام فرموده .

پس بتحقیق كه تجربه كرده‏اید كارها را ، و محكم گردانیده‏اید آنها را ،

و نصیحت داده شده‏اید با كسانی كه بوده‏اند پیش از شما ، و زده شده از براى شما مثلها ،

و دعوت شده‏اید بسوى أمر روشن ، پس كر نمى‏شود در آن مگر كسى كه زیاد كر باشد ، و كور نمیشود از آن مگر كسى كه بغایت كور باشد ، و آنكسى كه نفع نداد او را خداى تعالى با امتحان و تجربها منتفع نشد بچیزى از موعظه و آمد او را ضرر و تقصیر از پیش او تا اینكه خیال میكند معرفت چیزیرا كه انكار داشت او را ، و انكار مینماید چیزیرا كه معرفت داشت باو .

پس بدرستى كه مردمان دو مردند : یكى آنكه پیروى كننده است شریعت را و دیگرى آنكه اختراع كننده است بدعت را در حالتى كه نیست با او از جانب خداوند دلیلی از سنّت ، و نه روشنی دلیلی .

و بدرستیكه خداى تعالى موعظه نفرموده هیچ أحدى را بمثل این قرآن ،

پس بدرستیكه قرآن ریسمان محكم خداست و ریسمانی است كه ایمن است ، و در او است بهار قلبها و چشمهاى علمها ، و نیست مر قلب را جلاء و صیقلى غیر آن با وجود « ج 15 »

[ 241 ]

اینكه رفتند صاحبان تذكّر ، و باقی مانده است صاحبان نسیان و فراموشی یا خود را بفراموشی زنندگان ، پس چون ببینید چیز نیكوئى را پس اعانت نمائید بر او ،

و چون مشاهده كنید چیز بدى را پس كناره‏جوئى كنید از آن پس بدرستی كه حضرت رسالتمآب صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مى‏فرمود كه اى پسر آدم عمل كن خیر را و ترك كن شرّ را ، پس این هنگام تو میباشی پسندیده رفتار و پسندیده كردار .

آگاه باشید بدرستیكه ظلم سه قسم است : ظلمیست كه آمرزیده نمیشود ،

و ظلمى است كه ترك كرده نمى‏شود ، و ظلمیست كه آمرزیده خواهد شد .

پس أما ظلمى كه بخشیده نخواهد شد پس عبارتست از شرك آوردن بخدا خداوند تعالى فرموده : بدرستیكه خدا نمى‏بخشد در اینكه شرك آورده باو ، و اما ظلمى كه بخشیده خواهد شد پس آن ظلم كردن بنده است بر نفس خود در بعض اعمال قبیحه و معاصی ، و أما ظلمیكه متروك نمى‏شود پس آن ظلم بندگان است بعضی بر بعضی ، و دیگر قصاص ظالم در آخرت سخت و با شدّتست نه از قبیل زخم زدن است با كاردها و نه زدن با تازیانها و لیكن عذابیست كه كوچك شمرده میشود این زخم و ضرب در جنب او پس بترسید از متلوّن شدن و دو رنگ بودن در دین خداى تعالى ، پس بدرستیكه اتفاق كردن در چیزیكه ناخوش میدارید از أمر حق بهتر است از متفرّق گشتن در چیزیكه دوست میدارید از أمر باطل ، و بدرستى كه خداى تعالى عطا نكرد أحدى را بسبب افتراق و اختلاف خیر و منفعتی نه از گذشتگان و نه از آیندگان .

اى مردمان خوشا مر آنكسى را كه مشغول سازد او را عیب او از عیبهاى مردمان ، و خوشا مر آنكسى را كه ملازم بشود خانه خود یعنی منزوى شود و بخورد قوت حلال خود را و مشغول شود بطاعت پروردگار خود و گریه كند بگناهان خود ، پس باشد از نفس خود در شغلیكه مشغول او شود و مردمان از او در راحت .





نظرات() 


feet issues
شنبه 18 شهریور 1396 07:15 ق.ظ
I like the helpful information you provide in your articles.
I'll bookmark your weblog and check again here frequently.
I'm quite sure I'll learn plenty of new stuff right
here! Good luck for the next!
https://sinceregrandeur00.wordpress.com/2015/08/14/hammer-toes-causes-treatment
دوشنبه 1 خرداد 1396 08:33 ق.ظ
Spot on with this write-up, I actually feel this
web site needs much more attention. I'll probably be returning to see more, thanks for
the info!
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox