تبلیغات
پیام هادی - تفاسیر نهج البلاغه
 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-05:36 ب.ظ

[ 176 ] و من خطبة له ع و فیها یعظ و یبین فضل القرآن و ینهى عن البدعة عظة الناس

اِنْتَفِعُوا بِبَیَانِ اَللَّهِ وَ اِتَّعِظُوا بِمَوَاعِظِ اَللَّهِ وَ اِقْبَلُوا نَصِیحَةَ اَللَّهِ فَإِنَّ اَللَّهَ قَدْ أَعْذَرَ إِلَیْكُمْ بِالْجَلِیَّةِ وَ اِتَّخَذَ عَلَیْكُمُ اَلْحُجَّةَ وَ بَیَّنَ لَكُمْ مَحَابَّهُ مِنَ اَلْأَعْمَالِ وَ مَكَارِهَهُ مِنْهَا لِتَتَّبِعُوا هَذِهِ وَ تَجْتَنِبُوا هَذِهِ فَإِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ص كَانَ یَقُولُ إِنَّ اَلْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ وَ إِنَّ اَلنَّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اَللَّهِ شَیْ‏ءٌ إِلاَّ یَأْتِی فِی كُرْهٍ وَ مَا مِنْ مَعْصِیَةِ اَللَّهِ شَیْ‏ءٌ إِلاَّ یَأْتِی فِی شَهْوَةٍ فَرَحِمَ اَللَّهُ اِمْرَأً نَزَعَ عَنْ شَهْوَتِهِ وَ قَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ فَإِنَّ هَذِهِ اَلنَّفْسَ أَبْعَدُ شَیْ‏ءٍ مَنْزِعاً وَ إِنَّهَا لاَ تَزَالُ تَنْزِعُ إِلَى مَعْصِیَةٍ فِی هَوًى وَ اِعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ اَلْمُؤْمِنَ لاَ یُصْبِحُ وَ لاَ یُمْسِی إِلاَّ وَ نَفْسُهُ ظَنُونٌ عِنْدَهُ فَلاَ یَزَالُ زَارِیاً عَلَیْهَا وَ مُسْتَزِیداً لَهَا فَكُونُوا كَالسَّابِقِینَ قَبْلَكُمْ وَ اَلْمَاضِینَ أَمَامَكُمْ قَوَّضُوا مِنَ اَلدُّنْیَا تَقْوِیضَ اَلرَّاحِلِ وَ طَوَوْهَا طَیَّ اَلْمَنَازِلِ فضل القرآن وَ اِعْلَمُوا أَنَّ هَذَا اَلْقُرْآنَ هُوَ اَلنَّاصِحُ اَلَّذِی لاَ یَغُشُّ وَ اَلْهَادِی اَلَّذِی لاَ یُضِلُّ وَ اَلْمُحَدِّثُ اَلَّذِی لاَ یَكْذِبُ وَ مَا جَالَسَ هَذَا اَلْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلاَّ قَامَ عَنْهُ بِزِیَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ زِیَادَةٍ فِی هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ لَیْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ اَلْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ وَ لاَ لِأَحَدٍ قَبْلَ اَلْقُرْآنِ مِنْ غِنًى فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ وَ اِسْتَعِینُوا بِهِ عَلَى لَأْوَائِكُمْ فَإِنَّ فِیهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ اَلدَّاءِ وَ هُوَ اَلْكُفْرُ وَ اَلنِّفَاقُ وَ اَلْغَیُّ وَ اَلضَّلاَلُ فَاسْأَلُوا اَللَّهَ بِهِ وَ تَوَجَّهُوا إِلَیْهِ بِحُبِّهِ وَ لاَ تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ اَلْعِبَادُ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَ قَائِلٌ مُصَدَّقٌ وَ أَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ اَلْقُرْآنُ یَوْمَ اَلْقِیَامَةِ شُفِّعَ فِیهِ وَ مَنْ مَحَلَ بِهِ اَلْقُرْآنُ یَوْمَ اَلْقِیَامَةِ صُدِّقَ عَلَیْهِ فَإِنَّهُ یُنَادِی مُنَادٍ یَوْمَ اَلْقِیَامَةِ أَلاَ إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِی حَرْثِهِ وَ عَاقِبَةِ عَمَلِهِ غَیْرَ حَرَثَةِ اَلْقُرْآنِ فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَ أَتْبَاعِهِ وَ اِسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ وَ اِسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ اِتَّهِمُوا عَلَیْهِ آرَاءَكُمْ وَ اِسْتَغِشُّوا فِیهِ أَهْوَاءَكُمْ الحث على العمل اَلْعَمَلَ اَلْعَمَلَ ثُمَّ اَلنِّهَایَةَ اَلنِّهَایَةَ وَ اَلاِسْتِقَامَةَ اَلاِسْتِقَامَةَ ثُمَّ اَلصَّبْرَ اَلصَّبْرَ وَ اَلْوَرَعَ اَلْوَرَعَ إِنَّ لَكُمْ نِهَایَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَایَتِكُمْ وَ إِنَّ لَكُمْ عَلَماً فَاهْتَدُوا بِعَلَمِكُمْ وَ إِنَّ لِلْإِسْلاَمِ غَایَةً فَانْتَهُوا إِلَى غَایَتِهِ وَ اُخْرُجُوا إِلَى اَللَّهِ بِمَا اِفْتَرَضَ عَلَیْكُمْ مِنْ حَقِّهِ وَ بَیَّنَ لَكُمْ مِنْ وَظَائِفِهِ أَنَا شَاهِدٌ لَكُمْ وَ حَجِیجٌ یَوْمَ اَلْقِیَامَةِ عَنْكُمْ نصائح للناس أَلاَ وَ إِنَّ اَلْقَدَرَ اَلسَّابِقَ قَدْ وَقَعَ وَ اَلْقَضَاءَ اَلْمَاضِیَ قَدْ تَوَرَّدَ وَ إِنِّی مُتَكَلِّمٌ بِعِدَةِ اَللَّهِ وَ حُجَّتِهِ قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى إِنَّ اَلَّذِینَ قالُوا رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَیْهِمُ اَلْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ اَلَّتِی كُنْتُمْ تُوعَدُونَ وَ قَدْ قُلْتُمْ رَبُّنَا اَللَّهُ فَاسْتَقِیمُوا عَلَى كِتَابِهِ وَ عَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِهِ وَ عَلَى اَلطَّرِیقَةِ اَلصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادَتِهِ ثُمَّ لاَ تَمْرُقُوا مِنْهَا وَ لاَ تَبْتَدِعُوا فِیهَا وَ لاَ تُخَالِفُوا عَنْهَا فَإِنَّ أَهْلَ اَلْمُرُوقِ مُنْقَطَعٌ بِهِمْ عِنْدَ اَللَّهِ یَوْمَ اَلْقِیَامَةِ ثُمَّ إِیَّاكُمْ وَ تَهْزِیعَ اَلْأَخْلاَقِ وَ تَصْرِیفَهَا وَ اِجْعَلُوا اَللِّسَانَ وَاحِداً وَ لْیَخْزُنِ اَلرَّجُلُ لِسَانَهُ فَإِنَّ هَذَا اَللِّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ وَ اَللَّهِ مَا أَرَى عَبْداً یَتَّقِی تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى یَخْزُنَ لِسَانَهُ وَ إِنَّ لِسَانَ اَلْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ وَ إِنَّ قَلْبَ اَلْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ لِأَنَّ اَلْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ یَتَكَلَّمَ بِكَلاَمٍ تَدَبَّرَهُ فِی نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ خَیْراً أَبْدَاهُ وَ إِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ وَ إِنَّ اَلْمُنَافِقَ یَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ لاَ یَدْرِی مَا ذَا لَهُ وَ مَا ذَا عَلَیْهِ وَ لَقَدْ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ص لاَ یَسْتَقِیمُ إِیمَانُ عَبْدٍ حَتَّى یَسْتَقِیمَ قَلْبُهُ وَ لاَ یَسْتَقِیمُ قَلْبُهُ حَتَّى یَسْتَقِیمَ لِسَانُهُ فَمَنِ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ یَلْقَى اَللَّهَ تَعَالَى وَ هُوَ نَقِیُّ اَلرَّاحَةِ مِنْ دِمَاءِ اَلْمُسْلِمِینَ وَ أَمْوَالِهِمْ سَلِیمُ اَللِّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ فَلْیَفْعَلْ تحریم البدع وَ اِعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ اَلْمُؤْمِنَ یَسْتَحِلُّ اَلْعَامَ مَا اِسْتَحَلَّ عَاماً أَوَّلَ وَ یُحَرِّمُ اَلْعَامَ مَا حَرَّمَ عَاماً أَوَّلَ وَ أَنَّ مَا أَحْدَثَ اَلنَّاسُ لاَ یُحِلُّ لَكُمْ شَیْئاً مِمَّا حُرِّمَ عَلَیْكُمْ وَ لَكِنَّ اَلْحَلاَلَ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ وَ اَلْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ فَقَدْ جَرَّبْتُمُ اَلْأُمُورَ وَ ضَرَّسْتُمُوهَا وَ وُعِظْتُمْ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ ضُرِبَتِ اَلْأَمْثَالُ لَكُمْ وَ دُعِیتُمْ إِلَى اَلْأَمْرِ اَلْوَاضِحِ فَلاَ یَصَمُّ عَنْ ذَلِكَ إِلاَّ أَصَمُّ وَ لاَ یَعْمَى عَنْ ذَلِكَ إِلاَّ أَعْمَى وَ مَنْ لَمْ یَنْفَعْهُ اَللَّهُ بِالْبَلاَءِ وَ اَلتَّجَارِبِ لَمْ یَنْتَفِعْ بِشَیْ‏ءٍ مِنَ اَلْعِظَةِ وَ أَتَاهُ اَلتَّقْصِیرُ مِنْ أَمَامِهِ حَتَّى یَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ وَ یُنْكِرَ مَا عَرَفَ وَ إِنَّمَا اَلنَّاسُ رَجُلاَنِ مُتَّبِعٌ شِرْعَةً وَ مُبْتَدِعٌ بِدْعَةً لَیْسَ مَعَهُ مِنَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ وَ لاَ ضِیَاءُ حُجَّةٍ القرآن وَ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ یَعِظْ أَحَداً بِمِثْلِ هَذَا اَلْقُرْآنِ فَإِنَّهُ حَبْلُ اَللَّهِ اَلْمَتِینُ وَ سَبَبُهُ اَلْأَمِینُ وَ فِیهِ رَبِیعُ اَلْقَلْبِ وَ یَنَابِیعُ اَلْعِلْمِ وَ مَا لِلْقَلْبِ جِلاَءٌ غَیْرُهُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ اَلْمُتَذَكِّرُونَ وَ بَقِیَ اَلنَّاسُونَ أَوِ اَلْمُتَنَاسُونَ فَإِذَا رَأَیْتُمْ خَیْراً فَأَعِینُوا عَلَیْهِ وَ إِذَا رَأَیْتُمْ شَرّاً فَاذْهَبُوا عَنْهُ فَإِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ص كَانَ یَقُولُ یَا اِبْنَ آدَمَ اِعْمَلِ اَلْخَیْرَ وَ دَعِ اَلشَّرَّ فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ قَاصِدٌ انواع الظلم أَلاَ وَ إِنَّ اَلظُّلْمَ ثَلاَثَةٌ فَظُلْمٌ لاَ یُغْفَرُ وَ ظُلْمٌ لاَ یُتْرَكُ وَ ظُلْمٌ مَغْفُورٌ لاَ یُطْلَبُ فَأَمَّا اَلظُّلْمُ اَلَّذِی لاَ یُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى إِنَّ اَللَّهَ لا یَغْفِرُ أَنْ یُشْرَكَ بِهِ وَ أَمَّا اَلظُّلْمُ اَلَّذِی یُغْفَرُ فَظُلْمُ اَلْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ اَلْهَنَاتِ وَ أَمَّا اَلظُّلْمُ اَلَّذِی لاَ یُتْرَكُ فَظُلْمُ اَلْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً اَلْقِصَاصُ هُنَاكَ شَدِیدٌ لَیْسَ هُوَ جَرْحاً بِاْلمُدَى وَ لاَ ضَرْباً بِالسِّیَاطِ وَ لَكِنَّهُ مَا یُسْتَصْغَرُ ذَلِكَ مَعَهُ فَإِیَّاكُمْ وَ اَلتَّلَوُّنَ فِی دِینِ اَللَّهِ فَإِنَّ جَمَاعَةً فِیمَا تَكْرَهُونَ مِنَ اَلْحَقِّ خَیْرٌ مِنْ فُرْقَةٍ فِیمَا تُحِبُّونَ مِنَ اَلْبَاطِلِ وَ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ یُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَیْراً مِمَّنْ مَضَى وَ لاَ مِمَّنْ بَقِیَ لزوم الطاعة یَا أَیُّهَا اَلنَّاسُ طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَیْبُهُ عَنْ عُیُوبِ اَلنَّاسِ وَ طُوبَى لِمَنْ لَزِمَ بَیْتَهُ وَ أَكَلَ قُوتَهُ وَ اِشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ وَ بَكَى عَلَى خَطِیئَتِهِ فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِی شُغُلٍ وَ اَلنَّاسُ مِنْهُ فِی رَاحَةٍ

[ 189 ]

و من خطبة له علیه السّلام

و هى المأة و الخامسة و السبعون من المختار فی باب الخطب قال الشارح البحرانی : روى انّ هذه الخطبة من أوایل الخطب التی خطب بها أیّام بویع بعد قتل عثمان ، و شرحها فی فصلین :

الفصل الاول

انتفعوا ببیان اللّه ، و اتّعظوا بمواعظ اللّه ، و اقبلوا نصیحة اللّه فإنّ اللّه قد أعذر إلیكم بالجلیّة ، و اتّخذ علیكم بالحجّة ، و بیّن لكم محآبّه من الأعمال و مكارهه منها لتتّبعوا هذه و تجتنبوا هذه ،

فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كان یقول : إنّ الجنّة حفّت بالمكاره و إنّ النّار حفّت بالشّهوات .

و اعلموا أنّه ما من طاعة اللّه شی‏ء إلاّ یأتی فی كره ، و ما من معصیة اللّه شی‏ء إلاّ یأتی فی شهوة ، فرحم اللّه رجلا نزع عن شهوته ،

و قمع هوی نفسه ، فإنّ هذه النّفس أبعد شی‏ء منزعا ، و إنّها لا تزال تنزع إلى معصیة فی هوى .

و اعلموا عباد اللّه أنّ المؤمن لا یصبح و لا یمسی إلاّ و نفسه ظنون عنده ، فلا یزال زاریا علیها و مستزیدا لها ، فكونوا كالسّابقین قبلكم ،

[ 190 ]

و الماضین أمامكم ، قوّضوا من الدّنیا تقویض الرّاحل ، و طووها طیّ المنازل .

و اعلموا أنّ هذا القرآن هو النّاصح الّذی لا یغشّ ، و الهادی الّذی لا یضلّ ، و المحدّث الّذی لا یكذب ، و ما جالس هذا القرآن أحد إلاّ قام عنه بزیادة أو نقصان ، زیادة فی هدى ، و نقصان من عمى .

و اعلموا أنّه لیس على أحد بعد القرآن من فاقة ، و لا لأحد قبل القرآن من غنى ، فاستشفوه من أدوائكم ، و استعینوا به على لاوائكم ، فإنّ فیه شفاء من أكبر الدّاء و هو الكفر و النّفاق و الغیّ و الضّلال ، فاسئلوا اللّه به ، و توجّهوا إلیه بحبّه ، و لا تسئلوا به خلقه ،

إنّه ما توجّه العباد بمثله إلى اللّه .

و اعلموا أنه شافع مشفّع ، و قائل مصدّق ، و أنّه من شفع له یوم القیمة شفّع فیه ، و من محل به القرآن یوم القیمة صدّق علیه ،

فإنّه ینادی مناد یوم القیمة : ألا و إنّ كلّ حارث مبتلى فی حرثه و عاقبة عمله ، غیر حرثة القرآن فكونوا من حرثته و أتباعه ، و استدلّوه على ربّكم ، و استنصحوه على أنفسكم ، و اتّهموا علیه آرائكم ، و استغشّوا فیه أهواءكم .

[ 191 ]

العمل العمل ، ثمّ النّهایة النّهایة ، و الإستقامة الإستقامة ، ثمّ الصّبر الصّبر ، و الورع الورع ، إنّ لكم نهایة فانتهوا إلى نهایتكم ، و إنّ لكم علما فاهتدوا بعلمكم ، و إنّ للإسلام غایة فانتهوا إلى غایته ، و اخرجوا إلى اللّه ممّا افترض علیكم من حقّه ، و بیّن لكم من وظائفه ، أنا شاهد لكم ، و حجیج یوم القیمة عنكم ، ألا و إنّ القدر السّابق قد وقع ، و القضاء الماضی قد تورّد ، و إنّی متكلّم بعدة اللّه و حجّته ، قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذینَ قالوُا رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَیْهِمُ الْمَلائِكَةُ ألاّ تَخافُوا وَ لا تَحْزَنوُا وَ أبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتی كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ، و قد قلتم : ربّنا اللّه ، فاستقیموا على كتابه ، و على منهاج أمره ، و على الطّریقة الصّالحة من عبادته ، ثمّ لا تمرقوا منها ،

و لا تبتدعوا فیها ، و لا تخالفوا عنها ، فإنّ أهل المروق منقطع بهم عند اللّه یوم القیامة .

اللغة

( نزع ) عن المعاصی نزوعا انتهى عنها و نزع عن الشی‏ء نزوعا كفّ و قلع عنه و المنزع یحتمل المصدر و المكان و نزع الى أهله نزاعة و نزاعا اشتاق إلیه ، و نازعتنی نفسى إلى كذا اشتاقت إلیه قال فی مجمع البحرین : فی الحدیث النّفس الأمّارة أبعد شی‏ء منزعا ، أى رجوعا عن المعصیة اذ هى مجبولة على محبّة الباطل ، و أمّا تفسیر الشارح المعتزلی منزعا بمذهبا فلا یخفى بعده .

[ 192 ]

و ( الظنون ) و زان صبور إمّا مبالغة من الظنّة بالكسر بمعنى التهمة یقال :

ظننت فلانا أى اتّهمته فلا یحتاج حینئذ إلى الخبر أو بمعنى الضعیف و قلیل الحیلة و جعل الشارح المعتزلی الظنون بمعنى البئر لا یدرى فیها ماء أم لا غیر مناسب للمقام و إن كان أحد معانیه .

و ( قاض ) البناء و قوضه أى هدمه أو التقویض نقض من غیر هدم أو هو نقض الأعواد و الأطناب و ( غشّه ) یغشّه كمدّ یمدّ غشّا خلاف نصحه و ( اللّأواء ) و زان صحراء الشدّة و ضیق المعیشة و فی مجمع البحرین فی الحدیث و من ( محل به ) القرآن یوم القیامة صدق أى سعى به یقال محل بفلان اذا قال علیه قولا یوقعه فی مكروه و ( تورد ) الخیل البلد دخله قلیلا قلیلا .

الاعراب

جملة قوّضوا استیناف بیانی لا محلّ لها من الاعراب ، و أو فی قوله بزیادة أو نقصان بمعنى الواو كما فی قوله : لنفسی تقاها أو علیها فجورها .

و یؤیّده قوله زیادة فی هدى ، و نقصان بالواو ، أو أنّ التردید لمنع الخلوّ و الفاء فی قوله : فاستشفوه فصیحة ، و فی قوله : فانّ فیه شفاء للتعلیل و قوله : العمل العمل و ما یتلوه من المنصوبات المكرّرة انتصابها جمیعا على الاغراء أو عامل النصب محذوف أى ألزموا العمل فحذف العامل و ناب أوّل اللّفظین المكرّرین منابه .

المعنى

اعلم أنّ مدار هذا الفصل من الخطبة الشریفة على الموعظة و النصیحة و ترغیب المخاطبین فی الطّاعات و تحذیرهم عن السّیئآت و التنبیه على جملة من فضایل كتاب الكریم و خصایص الذكر الحكیم ، و صدّر الفعل بالأمر بالانتفاع بأفضل البیانات و الاتّعاظ بأحسن المواعظ و القبول لأكمل النصایح فقال : « ج 12 »

[ 193 ]

( انتفعوا ببیان اللّه ) أى بما بیّنه فی كتابه و على لسان نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فانّه لقول فصل و ما هو بالهزل ، و فیه تذكرة و ذكری لاولى الألباب و هدى و بشرى بحسن المآب فمنفعته أتمّ المنافع ، و فایدته أعظم الفواید .

( و اتّعظوا بمواعظ اللّه ) لتفوزوا جنّة النعیم و الفوز العظیم ، و تنجوا من نار الجحیم و العذاب الألیم ( و اقبلوا نصیحة اللّه ) فانّها مؤدّیة إلى درجات الجنات منجیة من دركات الهلكات ، و الاتیان بلفظ الجلالة و التصریح باسمه سبحانه فی جمیع الجملات مع اقتضاء ظاهر المقام للاتیان بالضمیر لایهام الاستلذاذ و لإدخال الرّوع فی ضمیر المخاطبین و تربیة المهابة و تقویة داعى المأمورین لامتثال المأمور به ، و قول الشارح البحرانی بأنّ ذلك أى تعدیة الاسم صریحا للتعظیم فلیس بشی‏ء .

و لما أمر بالاتّعاظ و الانتصاح علله ( فانّ اللّه قد أعذر إلیكم بالجلیّة ) یعنی أنّه سبحانه قد أبدى العذر الیكم فی عقاب العاصین منكم بالاعذار الجلیّة و البراهین الواضحة من الآیات الكریمة لأنّه لا یكلّف نفسا إلاّ ما اتیها لیهلك من هلك عن بیّنة و یحیى من حىّ عن بیّنة .

( و اتّخذ علیكم الحجّة ) بارسال الرّسول و إنزال الكتاب یعنی أنّه أتمّ الحجّة على المكلّفین بما اتاهم و عرّفهم حتى لا یكون لهم عذر فی ترك التكالیف و لا یكون للنّاس علیه حجّة بعد الرّسل قال عزّ من قائل : و ما كنّا معذّبین حتّى نبعث رسولا ( و بیّن لكم محابّه من الأعمال و مكارهه منها ) أى بیّن فی كتاب العزیز الفرایض و الواجبات من الحجّ و الجهاد و الصوم و الصّلاة و غیرها من الأعمال الصّالحات المطلوبة له و المحبوبة عنده ، و المحظورات من الكذب و الغیبة و النمیمة و السعایة و غیرها من الأفعال القبیحة المبغوضة له المكروهة لدیه .

و انّما بیّنها ( لتتّبعوا هذه ) أى محابّ الأعمال ( و تجتنبوا هذه ) أى مكارهها ( فانّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ) تعلیل لوجوب اتّباع المحابّ و وجوب اجتناب المكاره ( كان یقول : إنّ الجنّة حفّت بالمكاره و إن النّار حفّت بالشهوات ) یعنی أنّ الجنّة محفوفة بالصبر على مشاقّ الطاعات و الكفّ عن لذائذ السیّئآت و كلاهما مكروه للنّفس ،

[ 194 ]

فمن صبر على ذلك المكروه یكون مصیره إلى الجنّة و كذلك النار محفوفة باطلاق عنان النفس و ارتكاب ما تشتهیها و تتمناها من الشهوات و المحرّمات ، فمن أقدم علیها و أتى بها یكون عاقبته إلى النار و كفى بالجنّة ثوابا و نوالا فی تسهیل تحمّل تلك المكاره ، و كفى بالنار عقابا و وبالا فی التنفیر عن هذه الشهوات .

ثمّ بعد تسهیل المكاره التی یشتمل علیها الطاعات یكون غایتها أشرف الغایات و تحقیر الشهوات الّتی یرید التنفیر عنها یكون غایتها أخسّ الغایات نبّه على أنّه لا تأتى طاعته إلاّ فی كره و لا معصیته إلاّ فی شهوة ، و هو قوله ( و اعلموا أنه ما من طاعة اللّه شی‏ء إلاّ یأتی فی كره و ما من معصیة اللّه شی‏ء إلاّ یأتی فی شهوة ) لأنّ النّفس للقوّة الشهویّة أطوع من القوّة العاقلة خصوصا فیما هو أقرب إلیها من اللّذات المحسوسة الّتی یلحقها العقاب علیها .

( فرحم اللّه رجلا نزع ) و كفّ ( عن شهوته و قمع ) أى قلع ( هوى نفسه فان هذه النفس ) الأمّارة بالسوء ( أبعد شی‏ء منزعا ) أى كفا و انتهاء عن شهوة و معصیة ( و أنها لا تزال تنزع ) أى تشتاق و تمیل ( إلى معصیة فی هوى ) نبّه على وصف المؤمنین و كیفیّة معاملتهم مع نفوسهم جذبا للسامعین إلى التأسّی بهم و تحریصا لهم على اقتفاء آثارهم و هو قوله :

( و اعلموا عباد اللّه أنّ المؤمن لا یصبح و لا یمسى إلاّ و نفسه ظنون ) أى متّهمة ( عنده ) أى أنها ضعیفة قلیلة الحیلة لا تقدر على أن تحتال و تعالج فی أن تغره و تورده موارد الهلكة بل هو غالب علیها فی كلّ حال ( فلا یزال زاریا ) أى عایبا ( علیها ) فی كلّ حین ( و مستزیدا لها ) أى مراقبا لأحوالها طالبا للزیادة لها من الأعمال الصالحة فی جمیع الأوقات .

( فكونوا كالسابقین قبلكم ) إلى الجنّة ( و الماضین أمامكم ) من المؤمنین الزاهدین فی الدّنیا و الرّاغبین فی الآخرة ( قوّضوا من الدّنیا تقویض الرّاحل ) یعنی أنهم قطعوا علایق الدّنیا و ارتحلوا إلى الآخرة كما أنّ الرّاحل إذا أراد الارتحال یقوّض متاعه و ینقض خیمته و یهدم بناءه ( و طووها طىّ المنازل ) أى طووا أیام

[ 195 ]

الدّنیا و مدّة عمرهم كما یطوى المسافر منازل طریقه .

و محصّل الجملتین أنّ السابقین الأوّلین من المقرّبین و أصحاب الیمین لما عرفوا بعین بصائرهم أنّ الدّنیا لیست لهم بدار و أن الآخرة دار قرار لا جرم كانت همّتهم مقصورة فی الوصول إلیها ، فجعلوا أنفسهم فی الدّنیا بمنزلة المسافر ، و جعلوها عندهم بمنزلة المنازل فاخذوا من ممرّهم ما یبلغهم إلى مقرّهم فلما ارتحلوا عنها لم یبق لهم علاقة فیها كما أنّ المسافر إذا ارتحل من منزل لا یبقى له شی‏ء فیه فأمر المخاطبین بأن یكونوا مثل هؤلاء فی الزّهد فی الدّنیا و ترك العلایق و الامنیّات و الرغبة فی العقبی و الجنّات العالیات و هی أحسن منزلا و مقیلا .

ثمّ شرع فی ذكر فضل القرآن و بیان ممادحه ترغیبا فی الاهتداء به و الاقتباس من ضیاء أنواره فقال علیه السّلام ( و اعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصح ) المشفق ( الّذی لا یغشّ ) فی إرشاده إلى وجوه المصالح كما أنّ الناصح الصدیق شأنه ذلك ( و الهادى الّذی لا یضلّ ) من اهتدى به .

روى فی الكافی عن طلحة بن زید عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : إنّ هذا القرآن فیه منار الهدى و مصابیح الدّجى ، فلیجل جال بصره و یفتح للضیاء نظره ، فانّ التفكّر حیاة قلب البصیر كما یمشی المستنیر فی الظّلمات بالنور .

( و المحدّث الّذی لا یكذب ) فی قصصه و أحادیثه و أخباره قال أبو عبد اللّه علیه السّلام فیما روى فی الكافی عن سماعة بن مهران عنه علیه السّلام انّ العزیز الجبّار أنزل علیكم كتابه و هو الصّادق البارّ فیه خبركم و خبر من قبلكم و خبر من بعدكم و خبر السماء و الأرض و لو أتاكم من یخبركم لذلك تعجّبتم .

( و ما جالس هذا القرآن أحد ) استعار لفظ المجالسة لمصاحبته و ملازمته و قرائته و التدبّر فی ألفاظه و معانیه ( إلاّ قام عنه ) استعار لفظ القیام لترك قرائته و الفراغ عنها و لا یخفى ما فی مقابلة الجلوس بالقیام من اللّطف و الحسن فانّ المقابلة بین الفعلین فی معنییهما الحقیقین و المجازین كلیهما على حدّ قوله تعالى : أ و من كان میّتا فأحییناه

[ 196 ]

أى ضالا فهدیناه ، فانّ الموت و الأحیاء متقابلان كتقابل الضلالة و الهدایة و ما ذكرناه أظهر و أولى مما قاله الشارح البحرانی من أنه كنّى بمجالسة القرآن عن مجالسة حملته و قرائه لاستماعه منهم و تدبّره عنهم ، لاحتیاجه إلى الحذف و التكلّف الّذی لا حاجة إلیه .

و كیف كان فالمراد أنّ من قام عن القرآن بعد قضاء وطره منه فانما یقوم ( بزیادة أو نقصان زیادة فی هدى و نقصان من عمى ) اذ فیه من الآیات البیّنات و البراهین الباهرات ما یزید فی بصیرة المستبصر ، و ینقص من جهالة الجاهل .

( و اعلموا أنه لیس لأحد بعد القرآن من ) فقر و ( فاقة و لا لأحد قبل القرآن من غنى ) و ثروة الظاهر أنّ المراد به أنّ من قرء القرآن و عرف ما فیه و تدبّر فی معانیه و عمل بأحكامه یتمّ له الحكمة النظریّة و العملیّة و لا یبقى له بعده إلى شی‏ء حاجة و لا فقر و لا فاقة و من لم یكن كذلك فهو أحوج المحتاجین .

روى فی الكافی عن معاویة بن عمار قال : قال لی أبو عبد اللّه علیه السّلام من قرء القرآن فهو عنیّ و لا فقر بعده و إلاّ ما به غنی .

قال الشاحر البحرانی فی شرح ذلك : نبّههم على أنّه لیس بعده على أحد فقر أى لیس بعد نزوله للنّاس و بیانه الواضح حاجة بالنّاس إلى بیان حكم فی إصلاح معاشهم و معادهم ، و لا لأحد قبله من غنی أى قبل نزوله لا غنی عنه للنّفوس الجاهلة انتهى ، و الأظهر ما قلناه .

( فاستشفوه من أدوائكم ) أى من أمراضكم الظاهرة و الباطنة و الرّوحانیة و الجسمانیّة ، فانّ فیه شفآء من كلّ ذلك قال سبحانه : و ننزّل من القرآن ما هو شفاء و رحمة .

و روى فی الكافی عن السّكونی عن أبی عبد اللّه عن آبائه علیهم السّلام قال : شكى رجل إلى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم وجعا فی صدره فقال : استشف بالقرآن فانّ اللّه عزّ و جلّ یقول : و شفاء لما فی الصدور .

( و استعینوا به من لأوائكم ) أى من شدائد الدّهر و محن الزمان و طوارق

[ 197 ]

البلایا و الحدثان .

روى فی الكافی عن أحمد المنقری قال : سمعت أبا إبراهیم علیه السّلام یقول من استكفى بآیة من القرآن من المشرق إلى المغرب كفى إذا كان بیقین .

و فیه عن الأصبغ بن نباتة عن أمیر المؤمنین علیه السّلام أنّه قال : و الّذی بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله بالحقّ و أكرم أهل بیته ما من شی‏ء تطلبونه من حرز من حرق أو غرق أو سرق أو إفلات دابّة من صاحبها أو ضالّة أو آبق إلاّ و هو فی القرآن فمن أراد ذلك فلیسألنی عنه الحدیث .

و أنت إذا لاحظت الروایات الواردة فی خواصّ السّور و الآیات تجد أنها كنز لا یفنى و بحر لا ینفد ، و أنّ فیها ما به نجاة من كلّ همّ و نجاة من كلّ غمّ و عوذة من كلّ لمم و سلامة من كل ألم و خلاص من كلّ شدّة و مناص من كلّ داهیة و مصیبة و فرج من ضیق المعیشة و مخرج إلى سعة العیشة إلى غیر هذه مما هو خارج عن حدّ الاحصاء و متجاوز عن طور الاستقصاء ، فلا شی‏ء أفضل منه للاستشفاء من الأسقام و الأدواء و لا للاستعانة من الشدائد و اللأواء .

( و انّ فیه شفاء من أكبر الدّاء و هو الكفر و النّفاق و الغىّ و الضلال ) قال أبو عبد اللّه علیه السّلام فی الحدیث المرویّ فی الكافی مرفوعا لا و اللّه لا یرجع الأمر و الخلافة إلى آل أبى بكر و عمر و لا إلى بنی امیّة أبدا و لا فی ولد طلحة و الزبیر أبدا و ذلك إنهم نبذوا القرآن و أبطلوا السّنن و عطّلوا الأحكام .

و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم القرآن هدى من الضلالة و تبیان من العمى و استقالة من العثرة و نور من الظلمة و ضیآء من الأحداث و عصمة من الهلكة و رشد من الغوایة و بیان من الفتن و بلاغ من الدّنیا إلى الآخرة ، و فیه كمال دینكم و ما عدل أحد عن القرآن إلاّ إلى النار .

( فاسألوا اللّه به و توجّهوا إلیه بحبّه ) یحتمل أن یكون المراد به جعله وسیلة إلیه سبحانه فی نیل المسائل لكونه أقوى الوسائل ، و أن یتوجّه إلیه بحبّه أى بحبّ السائل المتوجّه له أو بكونه محبوبا للّه تعالى فی انجاح السؤلات و قضاء

[ 198 ]

الحاجات ، و أن یكون المراد به اعداد النفوس و إكمالها بما اشتمل علیه الكتاب العزیز من الكمالات النفسانیّة ثمّ یطلب الحاجات و یستنزل الخیرات بعد حصول الكمال لها ، و على هذا فالمقصود من التوجّه إلیه بحبّه تأكید الاستكمال اذ من أحبّه استكمل بما فیه فحسن توجّهه إلیه تعالى و الأظهر هو الاحتمال الأوّل بقرینة قوله ( و لا تسألوا به خلقه ) لظهوره فی أنّ المراد به هو النهى عن جعله وسیلة للمسألة إلى الخلق .

قال أبو عبد اللّه علیه السّلام فی روایة الكافی عن یعقوب الأحمر عنه علیه السّلام : إنّ من الناس من یقرء القرآن لیقال فلان قارى‏ء ، و منهم من یقرء القرآن لیطلب به الدّنیا و لا خیر فی ذلك ، و منهم من یقرء القرآن لینتفع به فی صلاته و لیله و نهاره .

و فیه أیضا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قرّاء القرآن ثلاثة : رجل قرء القرآن فاتّخذه بضاعة و استدرّ به الملوك و استطال به على النّاس ، و رجل قرء القرآن فحفظ حروفه و ضیّع حدوده و أقامه إقامة القدح فلا كثر اللّه هؤلاء من حملة القرآن . و رجل قرء القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه فأسهر به لیله و أظمأ به نهاره و قام به فی مساجده و تجافی به عن فراشه فباولئك یدفع اللّه العزیز الجبّار البلاء ، و باولئك یدیل اللّه عزّ و جلّ من الأعداء ، و باولئك ینزل اللّه تبارك و تعالى الغیث من السماء فو اللّه لهؤلاء فی قرّاء القرآن أعزّ من الكبریت الأحمر .

و علّل الأمر بسؤال اللّه به بأنه ( ما توجّه العباد إلى اللّه بمثله ) لأنّ له كرامة عند اللّه سبحانه و مقاما یغبطه به الأوّلون و الآخرون حسبما تعرفه فی الأخبار الآتیة فهو أفضل الوسائل للسائل فی انجاح المقاصد و المسائل الدنیویّة و الأخرویّة ، فالمتوجّه به إلیه سبحانه لا یردّ دعاؤه و لا یخیب رجاؤه .

( و اعلموا أنّه شافع مشفّع و قائل مصدّق ) یعنی أنه یشفع لقرّائه و العاملین به الحاملین له یوم القیامة فیقبل شفاعته فی حقّهم ، و یقول و یشهد فی حقّ هؤلاء بخیر و فی حقّ التاركین له و النابذین به وراء ظهورهم بشرّ فیصدق فیهما كما أشار إلیه بقوله :

[ 199 ]

( و أنه من شفع له القرآن یوم القیامة شفع فیه ) أى قبلت شفاعته ( و من محل به القرآن ) أى سعى به إلى اللّه تعالى و قال فی حقّه قولا یضرّه و یوقعه فی المكروه ( یوم القیامة صدّق علیه ) .

قال الشارح البحرانی استعار علیه السّلام لفظى الشافع و المشفع و وجه الاستعارة كون تدبّره و العمل بما فیه ماحیا لما یعرض للنفس من الهیئآت الردیّة من المعاصی ، و ذلك مستلزم لمحو غضب اللّه كما یمحو الشفیع المشفّع أثر الذنب عن قلب المشفوع إلیه و كذلك لفظ القائل المصدّق و وجه الاستعارة كونه ذا ألفاظ إذا نطق بها لا یمكن تكذیبها كالقائل الصادق ، ثمّ أعاد معنى كونه شافعا مشفّعا یوم القیامة ثمّ استعار لفظ المحل للقرآن و وجه الاستعارة أنّ لسان حال القرآن شاهد فی علم اللّه و حضرة ربوبیّته على من أعرض عنه بعدم اتباعه و مخالفته لما اشتمل علیه فبالواجب أن یصدّق فأشبه السّاعی إلى السّلطان فی حقّ غیره بما یضرّه انتهى .

أقول : و الانصاف أنّ حمل الكلام على المجاز مع التمكّن من إرادة الحقیقة لا معنى له كما قلناه فی شرح الفصل السادس من الخطبة الثانیة و الثمانین ، و الحمل على الحقیقة هنا ممكن بل متعیّن لدلالة غیر واحد من الرّوایات على أنّه یأتی یوم القیامة بصورت إنسان فی أحسن صورة و یشفع فی حقّ قرّائه العاملین به ، و یسعى فی حقّ المعرضین عنه ، و على هذا فلا وجه لحمل لفظ الشفاعة و القول و المحل على معناها المجازی و لا بأس بالاشارة إلى بعض ما یدلّ على ذلك فأقول :

روى ثقة الاسلام الكلینی فی الكافی عن علیّ بن محمّد عن علیّ بن العباس عن الحسین بن عبد الرّحمان عن صفوان الحریرى عن أبیه عن سعد الخفاف عن أبیجعفر علیه السّلام قال : یا سعد تعلّموا القرآن فانّ القرآن یأتی یوم القیامة فی أحسن صورة نظر إلیها الخلق و النّاس صفوف عشرون و مأة ألف صفّ ثمانون ألف صفّ من امّة محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أربعون ألف صفّ من سایر الامم فیأتی على صفّ المسلمین فی صورة رجل فیسلم فینظرون إلیه ثمّ یقولون لا إله إلاّ اللّه الحلیم الكریم إنّ هذا الرّجل من المسلمین نعرفه بنعته و صفته غیر أنه كان أشدّ اجتهادا منّا فی القرآن فمن هناك اعطى من

[ 200 ]

[ 200 ]

البهاء و الجمال و النور ما لم نعطه .

ثمّ یجوز حتّى یأتی على صفّ الشهداء فینظر إلیه الشهداء ثم یقولون : لا إله إلاّ اللّه الرّبّ الرحیم إنّ هذا الرّجل من الشهداء نعرفه بسمته و صفته غیر أنه من شهداء البحر فمن هناك اعطى من البهاء و الفضل ما لم نعطه .

قال فیجاوز حتّى یأتى صفّ شهداء البحر فینظر إلیه شهداء البحر فیكثر تعجّبهم و یقولون : إنّ هذا من شهداء البحر نعرفه بسمته و صفته غیر أنّ الجزیرة التی أصیب فیها كانت أعظم هولا من الجزیرة التی أصبنا فیها فمن هناك أعطى من البهاء و الجمال و النور ما لم نعطه .

ثمّ یجاوز حتّى یأتی صفّ النبیّین و المرسلین فی صورة نبیّ مرسل فینظر النّبیّون و المرسلون إلیه فیشتدّ لذلك تعجّبهم و یقولون : لا إله إلاّ اللّه الحلیم الكریم إنّ هذا النبیّ « لنبیّ خ » مرسل نعرفه بصفته و سمته غیر أنه أعطى فضلا كثیرا قال : فیجتمعون فیأتون رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیسألونه و یقولون : یا محمّد من هذا ؟

فیقول صلّى اللّه علیه و آله لهم : أو ما تعرفونه ؟ فیقولون ما نعرفه هذا من لم یغضب اللّه عزّ و جلّ علیه ، فیقول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : هذا حجّة اللّه على خلقه فیسلم .

ثمّ یجاوز حتّى یأتی على صفّ الملائكة فی صورة ملك مقرّب فینظر إلیه الملائكة فیشتدّ تعجّبهم و یكبر ذلك علیهم لما رأوا من فضله و یقولون : تعالى ربّنا و تقدّس إنّ هذا العبد من الملائكة نعرفه بسمته و صفته غیر أنه كان أقرب الملائكة إلى اللّه عز و جلّ مقاما فمن هناك البس من النّور و الجمال ما لم نلبس .

ثمّ یجاوز حتّى ینتهى إلى ربّ العزّة تبارك و تعالى فیخرّ تحت العرش فینادیه تبارك و تعالى یا حجّتی فی الأرض و كلامی الصّادق و الناطق ارفع رأسك سل تعط و اشفع تشفّع ، فیرفع رأسه فیقول اللّه تبارك و تعالى : كیف رأیت عبادی ؟ فیقول :

یا ربّ منهم من صاننی و حافظ علىّ و لم یضیّع شیئا ، و منهم من ضیّعنی و استخفّ بحقّی و كذّب بی و أنا حجّتك على جمیع خلقك ، فیقول اللّه تبارك و تعالى : و عزّتی و جلالی و ارتفاع مكانی لاثیبنّ علیك الیوم أحسن الثواب ، و لاعاقبنّ علیك الیوم

[ 201 ]

ألیم العقاب .

قال : فیرفع القرآن رأسه فی صورة اخرى قال : فقلت له علیه السّلام یا أبا جعفر فی أىّ صورة یرجع ؟ قال : فی صورة رجل شاحب متغیّر یبصره « ینكره خ » أهل الجمع فیأتی الرّجل من شیعتنا الذی كان یعرفه و یجادل به أهل الخلاف فیقوم بین یدیه فیقول ما تعرفنى ؟ فینظر إلیه الرجل فیقول : ما أعرفك یا عبد اللّه .

قال : فیرجع فی صورته الّتی كانت فی الخلق الأوّل فیقول : ما تعرفنی ؟ فیقول نعم ، فیقول القرآن : أنا الّذی أسهرت لیلك و أنصبت عینك و سمعت فیّ الأذى و رجمت بالقول فیّ ألا و إنّ كلّ تاجر قد استوفی تجارته و أنا وراءك الیوم ، قال فینطلق به إلى ربّ العزّة تبارك و تعالى فیقول : یا ربّ عبدك و أنت أعلم به قد كان نصبا بی مواظبا علىّ یعادی بسببی و یحبّ فیّ و یبغض ، فیقول اللّه عزّ و جلّ ادخلوا عبدی جنّتی و اكسوه حلّة من حلل الجنّة ، و توّجوه بتاج .

فاذا فعل به ذلك عرض على القرآن فیقال له : هل رضیت بما فعل بولیّك فیقول : یا ربّ أستقلّ هذا له فزده مزید الخیر كلّه ، فیقول عزّ و جلّ : و عزّتی و جلالی و علوّى و ارتفاع مكانی لأنحلنّ له الیوم خمسة أشیاء مع المزید له و لمن كان بمنزلته : ألا إنهم شباب لا یهرمون ، و أصحّاء لا یسقمون ، و أغنیاء لا یفتقرون ، و فرحون لا یحزنون ، و أحیاء لا یموتون ، ثمّ تلى علیه السّلام هذه الآیة : لا یذوقون فیه الموت إلاّ الموتة الأولى .

قال قلت یا با جعفر و هل یتكلّم القرآن ؟ فتبسّم علیه السّلام ثمّ قال : رحم اللّه الضعفاء من شیعتنا إنّهم أهل تسلیم ، ثمّ قال : نعم یا أبا سعد و الصّلاة تتكلّم و لها صورة و خلق تأمر و تنهى ، قال سعد : فتغیّر لذلك لونی و قلت : هذا شی‏ء لا أستطیع التكلّم به فی النّاس ، فقال أبو جعفر علیه السّلام : و هل النّاس إلاّ شیعتنا فمن لم یعرف الصّلاة فقد أنكر حقنا .

ثمّ قال : یا سعد اسمعك كلام القرآن ؟ قال سعد : فقلت : بلى فقال علیه السّلام إنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر و لذكر اللّه أكبر ، فالنّهى كلام و الفحشاء و المنكر

[ 202 ]

رجال و نحن ذكر اللّه و نحن أكبر .

و فیه بسنده عن یونس بن عمّار قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام إنّ الدّواوین یوم القیامة ثلاثة : دیوان فیه النعم ، و دیوان فیه الحسنات ، و دیوان فیه السیئآت ، فیقابل بین دیوان النعم و دیوان الحسنات ، فیستغرق النعم عامّة الحسنات ،

و یبقى دیوان السیئآت فیدعى بابن آدم المؤمن للحسنات « للحساب خ » فیتقدّم القرآن أمامه فی أحسن صورة فیقول : یا ربّ أنا القرآن و هذا عبدك المؤمن قد كان یتعب نفسه بتلاوتی و یطیل لیله بترتیلی و تفیض عیناه إذا تهجّد ، فارضه كما أرضانی قال : فیقول العزیز الجبّار : عبدى ابسط یمینك ، فیملوها من رضوان اللّه العزیز الجبّار ، و یملؤ شماله من رحمة اللّه ، ثمّ یقال : هذه الجنّة مباحة لك فاقرء و اصعد فاذا قرء آیة صعد درجة .

و فیه مسندا عن إسحاق بن غالب قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : إذا جمع اللّه عزّ و جلّ الأوّلین و الآخرین إذا هم بشخص قد أقبل لم یر قط أحسن صورة منه ،

فاذا نظر إلیه المؤمنون و هو القرآن قالوا هذا منّا هذا أحسن شی‏ء رأینا ، فاذا انتهى إلیهم جازهم ، ثمّ ینظر إلیه الشهداء حتّى إذا انتهى إلى آخرهم جازهم فیقولون هذا القرآن فیجوزهم كلّهم حتّى إذا انتهى إلى المرسلین فیقولون هذا القرآن فیجوزهم حتّى ینتهى إلى الملائكة فیقولون هذا القرآن فیجوزهم ثمّ ینتهى حتّى یقف عن یمین العرش ، فیقول الجبّار و عزّتی و جلالی و ارتفاع مكانی لاكرمنّ الیوم من أكرمك و لاهیننّ من أهانك .

و فیه عن الفضیل بن یسار باسناده عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : تعلّموا القرآن فانّه یأتی یوم القیامة صاحبه فی صورة شاب جمیل شاحب اللّون فیقول له : أنا القرآن الّذی كنت أسهرت لیلك و أظمأت هواجرك و أجففت ریقك و أسلت دمعتك أؤل معك حیث ما الت ، و كلّ تاجر من وراء تجارته و أنا الیوم لك من وراء تجارة كلّ تاجر ، و سیأتیك كرامة من اللّه عزّ و جلّ فابشر .

فیؤتى بتاج فیوضع على رأسه و یعطى الأمان بیمینه و الخلد فی الجنان بیساره

[ 203 ]

و یكسى حلّتین ثمّ یقال له : اقرء و ارق ، كلّما قرء آیة صعد درجة و یكسى أبواه حلّتین إن كانا مؤمنین ثمّ یقال لهما : هذا لما علّمتماه القرآن .

إلى غیره مما لا نطیل بروایتها فقد ظهر منهم أنّه یجی‏ء یوم القیامة فی صورة انسان و له لسان یشهد للناس و علیهم و یقبل شهادته نفعا و ضرّا و شفاعته فی حقّ المراقبین له و ینتفع به الآخذون له و العاملون به .

( فانه ینادى مناد یوم القیامة ) الظاهر أنّ المنادى من الملائكة من عند ربّ العزّة ، و قول الشارحین انه لسان حال الأعمال تأویل لا داعى إلیه ( ألا ) و ( إنّ كلّ حارث ) أصل الحرث إثارة الأرض للزراعة و المراد هنا مطلق الكسب و التّجارة ( مبتلى فی حرثه و عاقبة عمله غیر حرثة القرآن ) .

قال الشارح البحرانی : الحرث كلّ عمل تطلب به غایة و تستخرج منه ثمرة و الابتلاء ههنا ما یلحق النفس على الأعمال و عواقبها من العذاب بقدر الخروج فیها عن طاعة اللّه . و ظاهر أنّ حرث القرآن و البحث عن مقاصده لغایة الاستكمال به برى‏ء من لواحق العقوبات انتهى .

أقول : و فیه أنّ كلّ عمل كان فیه الخروج عن طاعة اللّه فعامله معذّب و مبتلى سواء كان ذلك العمل مما لا یتعلّق بالقرآن أو كان متعلّقا به كقرائته و البحث عن مقاصده و الحفظ له و نحو ذلك و إذا كان على وجه الریاء أو تحصیل حطام الدّنیا و كلّ عمل ارید به وجه اللّه و كان الغایة منه الاستكمال فعامله مأجور و مثاب من دون فرق فیه أیضا بین القرآن و غیره ، و بعبارة اخرى كلّ حارث سواء كان حارث القرآن أو غیره إن لم یقصد بحرثه الخلوص فمبتلى ، و إلاّ فلا ، فتعلیل عدم ابتلاء حرثة القرآن بأنّ حرثهم للاستكمال به و ابتلاء الآخرین بأنّ فی حرثهم خروجا من الطاعة شطط من الكلام كما لا یخفى .

و الّذی عندی أن یراد بقوله علیه السّلام : كلّ حارث من كان حرثه للدّنیا فهو مبتلى أى ممتحن فی حرثه لأنه إن كان من حلال ففیه حساب و إن كان من حرام ففیه عقاب و أما حارث القرآن لأجل أنه قرآن و كلام اللّه عزّ و جلّ فلا ابتلاء له لأنّ حرثه

[ 204 ]

على ذلك إنّما هو للآخرة قال اللّه تعالى : « من كان یرید حرث الآخرة نزد له فی حرثه و من كان یرید حرث الدّنیا نؤته منها و ما له فی الآخرة من نصیب » فتأمّل .

و لما نبّه علیه السّلام على عدم ابتلاء حرثة القرآن أمر بحرثه بقوله ( فكونوا من حرثته و أتباعه ) و أردفه بقوله ( و استدلوه على ربكم ) أى اجعلوه دلیلا علیه سبحانه و قائدا إلیه تعالى لاشتماله على جمیع صفات الجمال و الجلال و أوصاف الكبریاء و العظمة و الكمال ( و استنصحوه على أنفسكم ) أى اتّخذوه ناصحا لكم رادعا لأنفسكم الأمّارة عن السّوء و الفحشاء و المنكر لتضمّنه الآیات الناهیة المحذرة و الوعیدات الزاجرة المنذرة ( و اتّهموا علیه آرائكم ) أى إذا أدت آرائكم إلى شی‏ء مخالف للقرآن فاجعلوها متّهمة عندكم ( و استغشوا فیه أهوائكم ) .

قال الشارح البحرانی : و انما قال هنا استغشوا و فی الآراء اتّهموا ، لأنّ الهوا هو میل النفس الأمّارة من غیر مراجعة العقل فاذا حكمت النفس عن متابعتها بحكم فهو غشّ صراح ، و أمّا الرأى فقد یكون بمراجعة العقل و حكمه و قد یكون بدونه ،

فجاز ان یكون حقا و جاز أن یكون باطلا فكان بالتهمة أولى .

ثمّ تخلّص من أوصاف القرآن و فضایله إلى الأمر بملازمة الأعمال فقال ( العمل العمل ) أى لازموا العمل الصّالح و رافبوا علیه ( ثمّ النهایة النهایة ) أى بعد القیام بالأعمال الصالحة لاحظوا نهایتها و خاتمتها و جدّوا فی الوصول إلیها ( و الاستقامة الاستقامة ) و هو أمر بالاستقامة على الجادّة الوسطى من العمل و الثبات على الصراط المستقیم المؤدّى إلى غایة الغایات و أشرف النهایات أعنی روضات الجنات ( ثمّ الصبر الصّبر و الورع الورع ) أى بعد مواظبة الأعمال الصالحة و ملاحظة نهایاتها و الثبات على ما یوصل إلیها من الأعمال لا بدّ من الصبر عن المعاصی و الكفّ عن الشّهوات و الورع عن محارم اللّه .

و مما ذكرناه ظهر لك نكتة العطف فی ثانی المكرّرات الخمسة و رابعها بثمّ و فی ثالثها و خامسها بالواو ، توضیح ذلك أنّ النهایة لما كانت متراخیة عن العمل عطفها بثمّ ، و الاستقامة لما كانت كیفیّة العمل عطفها بالواو ، و هذه الثلاثة أعنی العمل و النّهایة

[ 205 ]

و الاستقامة كلّها ناظرة إلى طرف العبادة ، و لما كان الصّبر متعلّقا بالمعصیة عطفه بثم لغایة الافتراق بین العبادات و المعاصی ، و لما كان بین الصّبر و الورع تلازما عطف الورع بالواو أیضا .

و هذا أولى مما قاله الشّارح البحرانی حیث قال : و إنّما عطف النهایة و الصّبر بثمّ لتأخّر نهایة العمل عنه و كون الصّبر أمرا عدمیّا و هو فی معنى المتراخی و المنفكّ عن العمل الّذى هو أمر وجودیّ ، بخلاف الاستقامة على العمل فانه كیفیة له و الورع فانه جزء منه ، انتهى هذا .

و فصّل ما أجمل لقوله و ( إنّ لكم نهایة ) و هى غرفات الجنان و رضوان من اللّه المنّان ( فانتهوا إلى نهایتكم ) و امضوا إلیها ( و إنّ لكم علما ) هادیا إلى تلك النهایة و هو الرّسول الأمین و أولیاء الدّین أو الأعم منهم و من سایر دلائل الشّرع المبین ( فاهتدوا بعلمكم ) للوصول إلیها ( و إنّ للاسلام غایة فانتهوا إلى غایته ) و هی النهایة المذكورة ( و اخرجوا إلى اللّه مما افترض علیكم من حقّه و بین لكم من وظایفه ) أى أخرجوا متوجّهین إلیه سبحانه ممّا فرضه علیكم من حقوقه الواجبة و أوضحه لكم من عباداته و تكالیفه الموظفة المقرّرة فی ساعات اللّیالی و الأیّام .

و قوله ( أنا شاهد لكم و حجیج یوم القیامة عنكم ) تأكید لأداء الفرایض و الواجبات یعنی انكم إذا خرجتم إلى اللّه من حقوقه و وظایفه فأنا أشهد لكم یوم القیامة بخروجكم منها و مقیم للحجّة عن جانبكم بأنّكم أقمتم بها ، و قد مضى تفصیل تلك الشهادة و الاحتجاج فی شرح الخطبة الحادیة و السّبعین .

( ألا و إنّ القدر السابق قد وقع و القضاء الماضی قد تورّد ) قد عرفت معنى القضاء و القدر مفصّلا فی شرح الفصل التاسع من الخطبة الاولى ، و الظاهر أنّ المراد بهما المقضىّ و المقدّر كما استظهرنا هذا المعنى منهما فیما تقدّم أیضا بالتقریب الّذی قدّمناه ثمّة ، فیكون المعنى أنّ المقدّر السابق فی علم اللّه سبحانه وقوعه قد وقع ، و المقضىّ الماضی أى المحتوم النافذ قد تورّد أى دخل فی الوجود شیئا فشیئا .

[ 206 ]

و إلى ما ذكرنا ینظر ما قاله بعض الشارحین من أنّه أراد بالقدر السابق خلافته علیه السّلام و بالقضاء الماضی الفتن و الحروب الواقعة فی زمانه أو بعده الّتی دخلت فی الوجود شیئا فشیئا و هو المعبّر عنه بالتورد ، و قوى ارادته علیه السّلام ذلك بقرینة المقام و أنه علیه السّلام خطب بهذه الخطبة فی أیّام بیعته بعد قتل عثمان .

و قوله علیه السّلام : ( و انّی متكلّم بعدة اللّه و حجّته ) المراد بعدته سبحانه ما وعد به فی الآیة الشریفة للمؤمنین المعترفین بالرّبوبیّة الموصوفین بالاستقامة من تنزّل الملائكة و بشارتهم بالجنّة و بعدم الخوف و الحزن ، و الظاهر أنّ المراد بحجّته أیضا نفس هذه الآیة نظرا إلى أنها كلام اللّه و هو حجّة اللّه على خلقه أو أنها دالّة بمنطوقها على أنّ دخول الجنّة إنما هو للموحّدین المستقیمین و بمفهومها على أنّ الكافرین و غیر المستقیمین لا یدخلونها فهى حجّة علیهم لئلاّ یقولوا یوم القیامة انّا كنّا عن هذا غافلین .

و قال الشارح البحرانی : إنّ حجّته الّتی تكلّم بها هو قوله : و قد قلتم ربّنا اللّه فاستقیموا ، إلى آخر ما یأتی ، و الأظهر ما قلناه إذا عرفت ذلك فلنعد إلى تفسیر الآیة ( قال اللّه تعالى إنّ الّذین قالوا ربّنا اللّه ) اعترافا بربوبیّته و إقرارا بوحدانیّته ( ثمّ استقاموا ) على مقتضاه .

و فی المجمع عن محمّد بن الفضیل قال : سألت أبا الحسن الرّضا علیه السّلام عن الاستقامة فقال : هی و اللّه ما أنتم علیه .

و فی الكافی عن الصادق علیه السّلام على الأئمّة واحدا بعد واحد « تتنزّل علیهم الملائكة » عند الموت رواه فی المجمع عن الصّادق علیه السّلام « ألاّ تخافوا » ما تقدمون علیه « و لا تحزنوا » ما خلّفتم « و ابشروا بالجنّة الّتی كنتم توعدون » فی الدّنیا .

روى فی الصّافی عن تفسیر الامام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : لا یزال المؤمن خائفا من سوء العاقبة و لا یتیقّن الوصول إلى رضوان اللّه حتّى یكون وقت نزع روحه و ظهور ملك الموت له ، و ذلك إنّ ملك الموت یرد على المؤمن و هو فی شدّة علّته و عظیم ضیق صدره بما یخلفه من أمواله و بما هو علیه من اضطراب أحواله من معاملیه

[ 207 ]

و عیاله قد بقیت فی نفسه حسراتها اقتطع دون أمانیّه فلم ینلها ، فیقول له ملك الموت ما لك تجرع غصصك قال : لاضطراب أحوالی و اقتطاعك لی دون آمالی ، فیقول له ملك الموت : و هل یحزن عاقل لفقد درهم زائف و اعتیاض ألف ألف ضعف الدّنیا ؟ فیقول : لا ، فیقول ملك الموت : فانظر فوقك ، فینظر فیرى درجات الجنان و قصورها التی یقصر دونها الأمانی فیقول ملك الموت : تلك منازلك و نعمك و أموالك و أهلك و عیالك و من كان من أهلك ههنا و ذرّیتك صالحا فهم هنالك معك أفترضى بهم بدلا مما ههنا ؟ فیقول : بلى و اللّه ، ثمّ یقول : انظر ، فینظر فیرى محمّدا و علیّا و الطیّبین من آلهما سلام اللّه علیهم أجمعین فی أعلا علّیین فیقول : أو تراهم هؤلاء ساداتك و أئمتك هم هنالك جلاسك و اناسك أفما ترضى بهم بدلا مما تفارق هنا ؟ فیقول : بلى و ربّی فذلك ما قال اللّه عزّ و جلّ : انّ الّذین قالوا ربّنا اللَّه ثمّ استقاموا تتنزّل علیهم الملائكة ألاّ تخافوا و لا تحزنوا فیما أمامكم من الأهوال فقد كفیتموها و لا تحزنوا على ما تخلفونه من الذراری و العیال فهذا الّذی شاهدتموه فی الجنان بدلا منهم ،

« و ابشروا بالجنّة الّتی كنتم توعدون » هذه منازلكم و هؤلاء ساداتكم اناسكم و جلاسكم هذا .

و لما تكلّم علیه السّلام بالآیة الشریفة المتضمّنة للعدة و الحجّة أمر المخاطبین بالقیام على مفادها و العمل على مقتضاها بقوله ( و قد قلتم ربّنا اللّه ) و لا بدّ لكم من اكمال هذا الاقرار بالاستقامة لاستحقاق انجاز الوعد و البشارة ( فاستقیموا على كتابه ) باجلاله و اعظامه و العمل بتكالیفه و أحكامه ( و على منهاج أمره ) بسلوكه و اتباعه ( و على الطریقة الصّالحة من عبادته ) باتیانها على وجه الخلوص جامعة لشرایطها المقرّرة و حدودها الموظفة ( ثمّ لا تمرقوا ) أى لا تخرجوا ( منها ) و لا تتعدّوا عنها ( و لا تبتدعوا فیها ) أى لا تحدثوا فیها بدعة ( و لا تخالفوا عنها ) أى لا تعرضوا عنها یمینا و شمالا مخالفین لها ، فانكم إذا أقمتم على ذلك كلّه حصل لكم شرط الاستحقاق فینجز اللّه لكم وعده و تبشّركم الملائكة و تدخلون الجنّة البتّة ، و ان لم تقیموا علیه فقدتم الشرط و بفقدانه و انتفائه ینتفى المشروط لا محالة .

[ 208 ]

و هو معنى قوله : ( فانّ أهل المروق منقطع بهم عند اللّه یوم القیامة ) یعنی أنّهم لا یجدون بلاغا یوصلهم إلى المقصد ، روى فی مجمع البیان عن أنس قال : قرء علینا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله هذه الآیة أى الآیة المتقدّمة قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : قد قالها ناس ثمّ كفر أكثرهم فمن قالها حتّى یموت فهو ممّن استقام علیها .

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن امام مبین و ولیّ مؤمنین است در نصیحت مخاطبین میفرماید :

منتفع باشید با بیان خدا و متّعظ باشید با موعظهاى خدا و قبول نمائید نصیحت خدا را ، پس بدرستیكه خدا اظهار فرموده عذر خود را بشما با آیه‏هاى واضحه ،

و اخذ فرمود بر شما حجّت را و بیان كرد از براى شما محبوب داشته شده‏هاى خود را از عملها و مكروهها داشته شدهاى خود را از آنها تا اینكه متابعت نمائید بآن عملهاى محبوبه و اجتناب نمائید از این عملهاى مكروهه .

پس بدرستى كه حضرت رسول صلوات اللّه و سلامه علیه و آله میفرمود كه بهشت محفوف شده است با دشواریها و آتش محفوف شده است با شهوتها ،

و بدانید كه بدرستیكه نیست از اطاعت خدا چیزى مگر اینكه میآید با كراهت طبیعت ، و نیست در معصیت خدا چیزى مگر اینكه میآید با شهوت و رغبت ، پس رحمت خدا مردى را كه بر كند از شهوت خود ، و قلع كند خواهشات نفس خود را پس بدرستى كه این نفس دورترین چیزیست از حیثیّت كنده شدن از شهوت ،

بدرستیكه این نفس همیشه اشتیاق دارد و میل كند بسوى معصیت در آرزو و خواهش نفسانى .

و بدانید اى بندگان خدا بدرستیكه مؤمن نه روز را بشب میآورد و نه شب را بروز مگر اینكه نفس او متّهمست نزد او ، پس همیشه آن مؤمن ایراد كننده

[ 209 ]

است بر نفس خود ، و طلب كننده است از براى او زیادة خیرات و مبرّات را ، پس باشید مثل سابقانى كه پیش از شما بودند و مثل گذشتگان در پیش از شما بر كندند از دنیاى فانی همچو بر كندن كوچ كننده ، و درنوردیدند دنیا را مثل درنوردیدن منزلها .

و بدانید كه این قرآن كریم او نصیحت كننده‏ایست كه خیانت نمى‏كند ،

و هدایت كننده‏ایست كه گمراه نمیسازد ، و خبر دهنده‏ایست كه دروغ نمیگوید ،

و همنشین نشد این قرآن را أحدى از شما مگر اینكه برخاست از آن با زیادتی یا كمى ، زیادتی در هدایت و كمى از كورى و ضلالت .

و بدانید نیست بر أحدى بعد از قرآن حاجتى ، و نه مر أحدیرا پیش از قرآن از دولتی ، پس طلب شفا نمائید از او از دردهاى ظاهرى و باطنی خودتان ، و طلب یارى كنید با او بر شدّتهاى خودتان ، پس بدرستى كه در او است شفا از بزرگترین دردها و آن كفر است و نفاق و گمراهى است و ضلالت ، پس مسألت نمائید از خدا بوسیله قرآن . و متوجّه باشید بوسى پروردگار با محبت قرآن ، و سؤال ننمائید بوساطت قرآن از مخلوقی ، بدرستیكه متوجّه نشد بندگان بسوى خدا با مثل قرآن .

و بدانید كه بدرستیكه قرآن شفاعت كننده است و مقبول الشفاعة ، و گوینده است تصدیق شده ، و بدرستیكه كسیكه شفاعت نماید مر او را قرآن در روز قیامت شفاعت او قبول میشود در حق آن ، و كسیكه بدگوئی نماید از او قرآن در روز قیامت تصدیق شده میشود بر ضرر آن .

پس بدرستیكه ندا كند ندا كننده در روز قیامت اینكه آگاه باشید بدرستیكه هر كشت كار امتحان خواهد شد در كشت خود و در عاقبت عمل خود غیر از كشت كنندگان قرآن پس باشید از كشت‏كاران قرآن و تبعیّت كنندگان او و دلیل أخذ نمائید او را بر پروردگار خود ، و طلب نصیحت كنید از او بر نفسهاى خود ، و متّهم دارید رأیهاى خود را كه بر خلاف او است ، و مغشوش شمارید در مقابل قرآن خواهشات خود را .

[ 210 ]

مواظبت نمائید بر عملها و مسارعت نمائید بنهایت و عاقبت كار ، و ملازمت نمائید براستكارى پس از آن و منصف باشید با صبر و تحمل ، و ترك نكنید ورع و پرهیزكارى را ، بدرستى كه شما راست نهایت و عاقبتی پس منتهى شوید بسوى نهایت خود ، و بدرستى كه شما راست علم و نشانه پس هدایت یابید با علم خود ،

و بدرستیكه مر اسلام راست غایت و نهایتی پس منتهى شوید بسوى غایت او ، و خارج بشوید بسوى خداوند تعالى از چیزى كه واجب نموده بر شما از حق خود و بیان نموده است شما را از وظیفهاى خود ، من شاهد هستم از براى شما و حجّت آورنده‏ام در روز قیامت از جانب شما .

آگاه باشید بدرستیكه آنچه مقدّر شده بود سابقا بتحقیق واقع گردید ،

و قضاى الهى كه نافذ و ممضى است تدریجا بوجود درآید ، و بدرستیكه من تكلّم كننده‏ام بوعده خدا و بحجّت او فرموده است خدا در كتاب عزیز خود : بدرستى كه آنكسانى كه گفتند كه پروردگار ما خداست پس در آن مستقیم شدند نازل میشود بر ایشان ملائكه كه نترسید و محزون نباشید و بشارت دهید ببهشت عنبر سرشت كه در دنیا وعده داده شده بودید .

و بتحقیق كه گفتید شما پروردگار ما خداست پس مستقیم باشید بر كتاب كریم او ، و بر راه روشن امر او و بر طریقه شایسته از عبادت و بندگی او ، پس از آن خارج نشوید و بیرون مروید از آن طریقه و احداث بدعت نكنید در آن و مخالفت نكنید در آن پس بدرستیكه أهل خروج از عبادت بهم بریده شده‏اند از ثواب دائمی نزد خداى تعالى در روز قیامت .

[ 211 ]

الفصل الثانی منها

ثمّ إیّاكم و تهزیع الأخلاق و تصریفها ، و اجعلوا اللّسان واحدا ،

و لیختزن الرّجل لسانه فإنّ هذا اللّسان جموح بصاحبه ، و اللّه ما أرى عبدا یتّقی تقوى تنفعه حتّى یختزن لسانه ، و إنّ لسان المؤمن من وراء قلبه ، و إنّ قلب المنافق من وراء لسانه ، لأنّ المؤمن إذا أراد أن یتكلّم بكلام تدبّره فی نفسه فإن كان خیرا أبداه و إن كان شرّا واراه ، و إنّ المنافق یتكلّم بما أتى على لسانه لا یدری ماذا له و ما ذا علیه ، و لقد قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : لا یستقیم إیمان عبد حتّى یستقیم قلبه ، و لا یستقیم قلبه حتّى یستقیم لسانه ، فمن استطاع منكم أن یلقى اللّه سبحانه و هو نقیّ الرّاحة من دماء المسلمین و أموالهم ، سلیم اللّسان من أعراضهم فلیفعل .

و اعلموا عباد اللّه إنّ المؤمن یستحلّ العام ما استحلّ عاما أوّل ،

و یحرّم العام ما حرّم عاما أوّل ، و إنّ ما أحدث النّاس لا یحلّ لكم شیئا ممّا حرّم علیكم ، و لكنّ الحلال ما أحلّ اللّه ، و الحرام ما حرّم اللّه ،

فقد جرّبتم الأمور و ضرّستموها و وعظتم بمن كان قبلكم ، و ضربت

[ 212 ]

الأمثال لكم ، و دعیتم إلى الأمر الواضح ، فلا یصمّ عن ذلك إلاّ أصمّ ، و لا یعمى عنه إلاّ أعمى ، و من لم ینفعه اللّه بالبلاء و التّجارب لم ینتفع بشی‏ء من العظة ، و أتاه التّقصیر من أمامه حتّى یعرف ما أنكر ،

و ینكر ما عرف ، فإنّ النّاس رجلان : متّبع شرعة ، و مبتدع بدعة ،

لیس معه من اللّه برهان سنّة ، و لا ضیاء حجّة .

و إنّ اللّه سبحانه لم یعظ أحدا بمثل هذا القرآن ، فانّه حبل اللّه المتین ، و سببه الأمین ، و فیه ربیع القلب ، و ینابیع العلم ، و ما للقلب جلاء غیره ، مع أنّه قد ذهب المتذكّرون ، و بقی النّاسون أو المتناسون ، فإذا رأیتم خیرا فأعینوا علیه ، و إذا رأیتم شرّا فاذهبوا عنه ، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كان یقول : یا ابن آدم إعمل الخیر و دع الشّرّ فإذا أنت جواد قاصد .

ألا و إنّ الظّلم ثلاثة : فظلم لا یغفر ، و ظلم لا یترك ، و ظلم مغفور لا یطلب ، فأمّا الظّلم الّذی لا یغفر الشّرك باللّه سبحانه قال اللّه سبحانه : إِنَّ اللَّهَ لا یَغْفِرُ أَنْ یُشْرَكَ بِه ، و أمّا الظّلم الّذی یغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات ، و أمّا الظّلم الّذی لا یترك فظلم العباد بعضهم بعضا ، القصاص هناك شدید ، لیس هو جرحا بالمدى ،

[ 213 ]

و لا ضربا بالسّیاط ، و لكنّه ما یستصغر ذلك معه ، فإیّاكم و التّلوّن فی دین اللّه ، فإنّ جماعة فیما تكرهون من الحقّ خیر من فرقة فیما تحبّون من الباطل ، و إنّ اللّه سبحانه لم یعط أحدا بفرقة خیرا ممّا مضى و لا ممّا بقی .

یا أیّها النّاس طوبى لمن شغله عیبه عن عیوب النّاس ، و طوبى لمن لزم بیته و أكل قوته و اشتغل بطاعة ربّه و بكى على خطیئته ،

فكان من نفسه فی شغل و النّاس منه فی راحة .

اللغة

( هزعت ) الشجر تهزیعا كسّرته و فرّقته و ( خزن ) المال و اختزنه أحرزه و ( ضرّسته ) الحروب أى جرّبته و أحكمته و ( صمّت ) الاذن صمما من باب تعب بطل سمعها هكذا فسّره الأزهرى و غیره ، و یسند الفعل إلى الشخص أیضا فیقال : صمّ یصمّ صمما ، فالذكر أصمّ و الأنثى صمّاء و الجمع صمّ مثل أحمر و حمراء و حمر ، و یتعدّى بالهمزة فیقال أصمّه اللّه و ربما استعمل الرباعی لازما على قلّة و لا یستعمل الثلاثی متعدّیا فلا یقال صمّ اللّه الاذن و لا یبنى للمفعول فلا یقال صمّت الاذن .

و ( السّبب ) الحبل و هو ما یتوصّل به إلى الاستعلاء ثمّ استعیر لكلّ ما یتوصّل به إلى الامور فقیل هذا : سبب هذا و هذا مسبّب عن هذا و ( الجواد ) الفرس السابق الجید و ( هن ) بالتخفیف كأخ كنایة عن كل اسم جنس كما فی مصباح اللغة للفیومى أو عما یستقبح ذكره و لامها محذوفة ففى لغة هى ها فیصغّر على هنیهة

[ 214 ]

و منه یقال مكث هنیهة أى ساعة لطیفة ، و فی لغة هی واو فیصغّر فی المؤنّث على هنیة و الهمز خطاء إذ لا وجه له و جمعها هنوات و ربما جمعت على هنات مثل عدات هكذا فی المصباح و ضبطه الفیروزآبادى بفتح الهاء و هكذا فیما رأیته من نسخ النهج و ( طوبى ) وزان فعلى اسم من الطیب و الواو منقلبة عن یاء و قیل اسم شجرة فی الجنّة كما سنشیر إلیه فی بیان معناه .

الاعراب

قوله : و إیّاكم و تهزیع الأخلاق ، انتصاب تهزیع على التحذیر قال الشارح المعتزلی : و حقیقته تقدیر فعل و صورته جنّبوا أنفسكم تهزیع الأخلاق فایّاكم قائم مقام أنفسكم ، و الواو عوض عن الفعل المقدّر و قد جاء بغیر واو فی قول الشاعر :

إیّاك أن ترضى صحابة ناقص
فتنحط قدرا من علاك و تحقرا

قوله : عاما أوّل بدون تنوین لأنّه غیر منصرف للوصفیّة و وزن الفعل فانّ الصحیح أنّ أصله أوءل على وزن أفعل مهموز الوسط فقلبت الهمزة الثّانیة واوا و ادغمت .

قال الجوهریّ و یدلّ على ذلك قولهم : هذا أوّل منك ، و الجمع الأوائل و الاوالى أیضا على القلب ، قال الشهید فی تمهید القواعد : و له استعمالان أحدهما أن یكون اسما فیكون مصروفا و منه قولهم ماله أوّل و لا آخر ، قال فی الارتشاف : و فی محفوظى أنّ هذا یؤنث بالتاء و یصرف أیضا فیقال أولة و آخرة بالتنوین ، و الثانی أن یكون صفة أى أفعل التفضیل بمعنى الأسبق فیعطى حكم غیره من صیغ أفعل التفضیل كمنع الصرف و عدم تأنیثه بالتاء و دخول من علیه .

المعنى

اعلم أنّه علیه السّلام لما ختم الفصل السّابق بالأمر بالاستقامة و النهى عن المروق و الخروج عن جادّة الشریعة أردفه بالتحذیر عن تهزیع الأخلاق الملازم للنّفاق

[ 215 ]

فقال :

( ثمّ إیّاكم و تهزیع الأخلاق ) و تفریقها ( و تصریفها ) و تقلیبها و نقلها من حال إلى حال كما هو شأن المنافق ، فانّه لا یبقى على خلق و لا یستمرّ على حالة واحدة بل قد یكون صادقا و قد یكون كاذبا ، و تارة وفیّا و اخرى غادرا ، و مع الظالمین ظالما و مع العدول عادلا .

روى فی الكافی عن محمّد بن الفضیل قال : كتبت إلى أبی الحسن علیه السّلام أسأله عن مسألة ، فكتب إلىّ إنّ المنافقین یخادعون اللّه و هو خادعهم و إذا قاموا إلى الصّلاة قاموا كسالى یرآؤن النّاس و لا یذكرون اللّه إلاّ قلیلا مذبذبین بین ذلك لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء و من یضلل اللّه فلم تجد له سبیلا ، لیسوا من الكافرین و لیسوا من المؤمنین و لیسوا من المسلمین یظهرون الایمان و یصیرون إلى الكفر و التكذیب لعنهم اللّه .

و لما حذّر عن تصریف الأخلاق و النّفاق أمر بقوله ( و اجعلوا اللّسان واحدا ) على اتّحاد اللّسان اذ تعدّد اللّسان من وصف المنافق یقول فی السرّ غیر ما یقوله فى العلانیة ، و فی الغیاب خلاف ما یقوله فی الحضور ، و یتكلّم مع هذا غیر ما یتكلّم مع ذلك .

روى فی الكافی عن أبی جعفر علیه السّلام قال : بئس العبد عبد یكون ذا وجهین و ذا لسانین یطرى أخاه شاهدا و یأكله غایبا ، إن أعطى حسده و إن ابتلى خذله .

و فیه عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن علیّ بن أسباط عن عبد الرّحمان بن حمّاد رفعه قال : قال اللّه تبارك و تعالى لعیسى علیه السّلام : یا عیسى لیكن لسانك فی السرّ و العلانیة لسانا واحدا و كذلك قلبك إنّی احذرك نفسك و كفى بی خبیرا لا یصلح لسانان فی فم واحد و لا سیفان فی غمد واحد و لا قلبان فی صدر واحد و كذلك الأذهان .

قال بعض شرّاح الكافی : أمره اللّه تعالى بثلاث خصال هی امّهات جمیع الخصال الفاضلة و الأعمال الصالحة :

الأوّل أن یكون لسانه فی جمیع الأحوال واحدا یقول الحقّ و یتكلّم به فلا یقول فی السرّ خلاف ما یقول فی العلانیة كما هو شأن الجهال ، لأنّ ذلك خدعة

[ 216 ]

و نفاق و حیلة و تفریق بین العباد و إغراء بینهم .

الثانی أن یكون قلبه واحدا قابلا للحقّ وحده غیر متلوّث بالحیل و لا متلوّث بالمكر و الختل ، فانّ ذلك یمیت القلب و یبعده من الحقّ و یورثه أمراضا مهلكة .

الثالث أن یكون ذهنه واحدا و هو الذكاء و الفطنة ، و لعلّ المراد به هنا الفكر فی الامور الحقّة النافعة و مبادیها ، و بوحدته خلوصه عن الفكر فی الباطل و الشرور و تحصیل مبادیها و كیفیّة الوصول إلیها ، و بالجملة أمره أن یكون لسانه واحدا و قلبه واحدا و ذهنه واحدا و مطلبه واحدا هذا .

و لما أمرهم بجعل لسانهم واحدا أردفه بالأمر بحفظه و حرزه فقال ( و لیختزن الرّجل لسانه ) أى لیلازم الصّمت ( فانّ هذا اللّسان جموح بصاحبه ) یقحمه فی المعاطب و المهالك ، و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إن كان فی شی‏ء الشوم ففى اللّسان ،

و فی حدیث آخر قال صلّى اللّه علیه و آله : نجاة المؤمن من حفظ لسانه رواهما فی الكافی عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و قد تقدّم فی شرح كلماته السابعة و السّبعین فصل واف فی فوائد الصّمت و آفات اللّسان و أوردنا بعض ما ورد فیه من الأخبار و أقول هنا :

روى فی الكافی عن ابن القداح عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال لقمان لابنه :

یا بنیّ إن كنت زعمت أنّ الكلام من فضّة فانّ السكوت من ذهب .

و عن أحمد بن محمّد بن أبی نصر قال : قال أبو الحسن علیه السّلام : من علامات الفقه العلم و الحلم و الصّمت إنّ الصّمت باب من أبواب الحكمة إنّ الصّمت یكسب المحبّة إنّه دلیل على كلّ خیر .

و عن أبی بصیر قال : سمعت أبا جعفر علیه السّلام یقول : كان أبو ذر یقول : یا مبتغى العلم إنّ هذا اللّسان مفتاح خیر و مفتاح شرّ فاختم على لسانك كما تختم على ذهبك و ورقك .

و عن علیّ بن حسن بن رباط عن بعض رجاله عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : لا یزال العبد المؤمن یكتب محسنا ما دام ساكتا فاذا تكلّم كتب محسنا أو مسیئا .

فقد علم بذلك كلّه أنّ سلامة الانسان فی حفظ اللّسان و أنّ نجاته من وبال

[ 217 ]

الدّنیا و نكال الآخرة فی الامساك عن فضول الكلام ، و إلیه أشار بقوله ( و اللّه ما أرى عبدا یتقى تقوى تنفعه حتّى یختزن لسانه ) فانّ التقوى النافع هو ما یحفظه من غضب الجبّار و ینجیه من عذاب النّار ، و لا یحصّل ذلك إلاّ بالاتّقاء من جمیع المحرّمات و الموبقات الموقعة فی الجحیم و السخط العظیم ، و الكذب و الغیبة و الهجاء و السّعایة و النّمیمة و القذف و السّب و نحوها من حصائد الألسنة من أعظم تلك الموبقات ، فلا بدّ من الاتّقاء منها و اختزان اللّسان عنها .

و لما أمر باختزان اللسان و نبّه على توقّف التقوى النّافع علیه أردفه بالتنبیه على أنّ اختزانه من فضول الكلام و سقطات الألفاظ من خواصّ المؤمن و عدم اختزانه من أوصاف المنافق و ذلك قوله : ( و انّ لسان المؤمن من وراء قلبه ) یعنی أنّ لسانه تابع لقلبه ( و انّ قلب المنافق من وراء لسانه ) یعنی قلبه تابع للسانه .

بیان ذلك ما أشار بقوله ( لأنّ المؤمن إذا أراد أن یتكلّم بكلام تدبّره فی نفسه ) و تفكّر فی عاقبته ( فان كان خیرا ) و رشدا تكلّم به أى أظهره و ( أبداه و ان كان شرّا ) و غیّا اختزن لسانه عنه أى ( واراه ) و أخفاه فكان لسانه تابع قلبه حیث انه نطق به بعد حكم العقل و إجازته ( و انّ المنافق ) یسبق حذفات لسانه و فلتات كلامه مراجعة فكره و ( یتكلّم ) من دون فكر و رویّة ( بما أتى على لسانه لا یدرى ماذا له و ماذا علیه ) فكان قلبه تابع لسانه لأنه بادر إلى التكلّم من غیر ملاحظة ثمّ رجع إلى قلبه فعرف أنّ ما تكلّم به مضرّة له .

ثمّ استشهد بالحدیث النبوى صلّى اللّه علیه و آله على أنّ استقامة الایمان إنّما هو باستقامه اللسان على الحقّ و خزنه عن الباطل و هو قوله ( و لقد قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لا یستقیم ایمان عبد حتّى یستقیم قلبه و لا یستقیم قلبه حتّى یستقیم لسانه ) ظاهر هذا الحدیث یفید ترتّب استقامة الایمان على استقامة القلب و ترتّب استقامة القلب على استقامة اللّسان .

أمّا ترتّب الأوّل على الثّانی فلا غبار علیه ، لأنّ الایمان حسبما عرفت فی شرح الخطبة المأة و التاسعة عبارة عن الاعتراف باللّسان و الاذعان بالجنان فاستقامة

[ 218 ]

القلب جزء من مفهومه و هو جهة الفرق بینه و بین الاسلام كما أنه لا غبار على ترتّبه على الثالث على قول من یجعل العمل بالأركان أیضا شطرا منه .

و أمّا ترتّب الثانى على الثالث فلا یخلو من اشكال و اغلاق ، لظهور أنّ اللّسان ترجمان القلب فاستقامته موقوفة على استقامته لا بالعكس ، و بعد التنزّل عن ذلك فغایة الأمر تلازمهما و ارتباط كلّ منهما بالآخر ، و أمّا التوقّف فلا .

و وجه التلازم أنّ القلب لما كان رئیس الأعضاء و الجوارح و من جملتها اللّسان كان استقامته مستلزمة لاستقامتها و كذلك استقامتها مستلزمة لاستقامته لأنها لو لم تكن مستقیمة بأن صدر منه الذنب و الباطل یسرى عدم استقامتها أى فسادها إلى القلب فیفسد بفسادها .

و یدلّ على ذلك ما رواه فی الكافی عن زرارة عن أبی جعفر علیه السّلام قال : ما من عبد إلاّ و فی قلبه نكتة بیضاء فاذا أذنب ذنبا خرج فی النكتة نكتة سوداء ، فان تاب ذهب ذلك السواد ، و إن تمادى فی الذّنوب زاد ذلك السواد حتّى یغطى البیاض ،

فاذا غطى البیاض لم یرجع صاحبه إلى خیر أبدا و هو قول اللّه عزّ و جلّ « كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا یكسبون » .

فانّ هذه الرّوایة و الآیة المستشهد بها كما ترى مضافة إلى الروایات الاخر تدل على اسوداد لوح القلب بكثرة الذنوب الصّادرة من الجوارح ، فیوجب عدم استقامتها لعدم استقامته و استقامتها لاستقامته .

لكنه یتوجّه علیه أنّ غایة ما یتحصّل من هذا التقریر أنّ عدم استقامتها سبب لعدم استقامته ، و أمّا أنّ استقامتها سبب لاستقامته فلا فافهم جیّدا .

مع أنّ لقائل أن یقول : إنّ مرجع صدور الذّنب عنها الموجب لعدم استقامتها فی الحقیقة إلى عدم استقامته لأنّ القلب إذا كان سالما مستقیما لا یعزم على معصیة و لا یریدها ، و مع عدم إرادتها لا یصدر ذنب عن الأعضاء حتّى یسرى ظلمته و رینه إلى القلب .

فقد علم من ذلك كلّه أنّ استقامة اللّسان كسایر الأعضاء موقوفة على استقامة





نظرات() 


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox