تبلیغات
پیام هادی - تفاسیر نهج البلاغه
 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-06:39 ب.ظ


[ 173 ] و من خطبة له ع فی رسول

اللّه صلى اللّه علیه و سلم و من هو جدیر بأن یكون للخلافة و فی هوان الدنیا رسول الله أَمِینُ وَحْیِهِ وَ خَاتَمُ رُسُلِهِ وَ بَشِیرُ رَحْمَتِهِ وَ نَذِیرُ نِقْمَتِهِ الجدیر بالخلافة أَیُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ أَحَقَّ اَلنَّاسِ بِهَذَا اَلْأَمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَیْهِ وَ أَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اَللَّهِ فِیهِ فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبٌ اُسْتُعْتِبَ فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ وَ لَعَمْرِی لَئِنْ كَانَتِ اَلْإِمَامَةُ لاَ تَنْعَقِدُ حَتَّى یَحْضُرَهَا عَامَّةُ اَلنَّاسِ فَمَا إِلَى ذَلِكَ سَبِیلٌ وَ لَكِنْ أَهْلُهَا یَحْكُمُونَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا ثُمَّ لَیْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ یَرْجِعَ وَ لاَ لِلْغَائِبِ أَنْ یَخْتَارَ أَلاَ وَ إِنِّی أُقَاتِلُ رَجُلَیْنِ رَجُلاً اِدَّعَى مَا لَیْسَ لَهُ وَ آخَرَ مَنَعَ اَلَّذِی عَلَیْهِ أُوصِیكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ فَإِنَّهَا خَیْرُ مَا تَوَاصَى اَلْعِبَادُ بِهِ وَ خَیْرُ عَوَاقِبِ اَلْأُمُورِ عِنْدَ اَللَّهِ وَ قَدْ فُتِحَ بَابُ اَلْحَرْبِ بَیْنَكُمْ وَ بَیْنَ أَهْلِ اَلْقِبْلَةِ وَ لاَ یَحْمِلُ هَذَا اَلْعَلَمَ إِلاَّ أَهْلُ اَلْبَصَرِ وَ اَلصَّبْرِ وَ اَلْعِلْمِ بِمَوَاضِعِ اَلْحَقِّ فَامْضُوا لِمَا تُؤْمَرُونَ بِهِ وَ قِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ وَ لاَ تَعْجَلُوا فِی أَمْرٍ حَتَّى تَتَبَیَّنُوا فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِیَراً هوان الدنیا أَلاَ وَ إِنَّ هَذِهِ اَلدُّنْیَا اَلَّتِی أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا وَ تَرْغَبُونَ فِیهَا وَ أَصْبَحَتْ تُغْضِبُكُمْ وَ تُرْضِیكُمْ لَیْسَتْ بِدَارِكُمْ وَ لاَ مَنْزِلِكُمُ اَلَّذِی خُلِقْتُمْ لَهُ وَ لاَ اَلَّذِی دُعِیتُمْ إِلَیْهِ أَلاَ وَ إِنَّهَا لَیْسَتْ بِبَاقِیَةٍ لَكُمْ وَ لاَ تَبْقَوْنَ عَلَیْهَا وَ هِیَ وَ إِنْ غَرَّتْكُمْ مِنْهَا فَقَدْ حَذَّرَتْكُمْ شَرَّهَا فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِیرِهَا وَ أَطْمَاعَهَا لِتَخْوِیفِهَا وَ سَابِقُوا فِیهَا إِلَى اَلدَّارِ اَلَّتِی دُعِیتُمْ إِلَیْهَا وَ اِنْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا وَ لاَ یَخِنَّنَّ أَحَدُكُمْ خَنِینَ اَلْأَمَةِ عَلَى مَا زُوِیَ عَنْهُ مِنْهَا وَ اِسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اَللَّهِ عَلَیْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اَللَّهِ وَ اَلْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا اِسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ أَلاَ وَ إِنَّهُ لاَ یَضُرُّكُمْ تَضْیِیعُ شَیْ‏ءٍ مِنْ دُنْیَاكُمْ بَعْدَ حِفْظِكُمْ قَائِمَةَ دِینِكُمْ أَلاَ وَ إِنَّهُ لاَ یَنْفَعُكُمْ بَعْدَ تَضْیِیعِ دِینِكُمْ شَیْ‏ءٌ حَافَظْتُمْ عَلَیْهِ مِنْ أَمْرِ دُنْیَاكُمْ أَخَذَ اَللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَ قُلُوبِكُمْ إِلَى اَلْحَقِّ وَ أَلْهَمَنَا وَ إِیَّاكُمُ اَلصَّبْرَ

[ 156 ]

و من خطبة له علیه السّلام

و هى المأة و الثانیة و السبعون من المختار فی باب الخطب أمین وحیه ، و خاتم رسله ، و بشیر رحمته ، و نذیر نقمته ، أیّها النّاس إنّ أحقّ النّاس بهذا الأمر أقوایهم علیه و أعلمهم بأمر اللّه فیه فإن شغب شاغب أستعتب و إن أبى قوتل و لعمری لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتّى تحضرها عآمّة النّاس ما إلى ذلك سبیل و لكن أهلها یحكمون على من غاب عنها ثمّ لیس للشاهد أن یرجع و لا للغائب أن یختار .

ألا و إنّی أقاتل رجلین : رجلا ادّعى ما لیس له و آخر منع الّذی علیه .

أوصیكم عباد اللّه بتقوى اللّه فإنّها خیر ما تواصى العباد به ، و خیر عواقب الأمور عند اللّه ، و قد فتح باب الحرب بینكم و بین أهل القبلة و لا یحمل هذا العلم إلاّ أهل البصر و الصّبر ، و العلم بمواقع الحقّ ، فامضوا لما تؤمرون به ، و قفوا عند ما تنهون عنه ، و لا تعجلوا فی أمر حتّى تتبیّنوا فإنّ لنا مع كلّ أمر تنكرونه غیرا .

ألا و إنّ هذه الدّنیا الّتی أصبحتم تتمنّونها و ترغبون فیها و أصبحت تغضبكم و ترضیكم ، لیست بداركم و لا منزلكم الّذی خلقتم له ، و لا

[ 157 ]

الّذی دعیتم إلیه ، ألا و إنّها لیست بباقیة لكم ، و لا تبقون علیها ، و هی و إن غرّتكم منها فقد حذّرتكم شرّها .

فدعوا غرورها لتحذیرها ، و إطماعها لتخویفها ، و سابقوا فیها إلى الدّار الّتی دعیتم إلیها ، و انصرفوا بقلوبكم عنها و لا یحنّن أحدكم حنین الأمة على ما زوی عنه منها ، و استتمّوا نعمة اللّه علیكم بالصّبر على طاعة اللّه ، و المحافظة على ما استحفظكم من كتابه .

ألا و إنّه لا یضرّكم شی‏ء من دنیاكم بعد حفظكم قآئمة دینكم .

ألا و إنّه لا ینفعكم بعد تضییع دینكم شی‏ء حافظتم علیه من أمر دنیاكم .

أخذ اللّه بقلوبنا و قلوبكم إلى الحقّ ، و ألهمنا و إیّاكم الصّبر .

اللغة

( خاتم رسله ) بفتح التآء و كسرها و ( أطمعه ) إطماعا أوقعه فی الطمع و ( حنّ ) یحنّ حنینا استطرب و الحنین الشّوق و شدّة البكاء و الطرب أو صوت الطرب عن حزن أو فرح ، و فی بعض النسخ بالخاء المعجمة قال فی القاموس و الحنین كالبكاء أو الضحك فی الأنف و قد خنّ یخنّ ، و قال علم الهدى فی كتاب الغرر و الدّرر فی قول ابن أراكة الثقفی :

فقلت لعبد اللّه إذ حنّ باكیا
تعزّ و ماء العین منهمر یجرى

تبین فان كان البكاء ردّ هالكا
على أحد فاجهد بكاك على عمرو

[ 158 ]

قوله : حنّ باكیا رفع صوته بالبكاء و قال : قال قوم الخنین بالخاء المعجمة من الأنف و الحنین من الصّدر ، و هو صوت یخرج من كلّ واحد منهما و ( زوى ) الشی‏ء زیّا و زویّا جمعه و قبضه .

الاعراب

الضمیر فی قوله زوى عنه راجع إلى أحدكم و فی بعض النسخ بدله عنها فیرجع إلى الامّة و الأوّل أظهر ، و إضافة قائمة إلى دینكم لامیّة و تحتمل أن تكون بیانیّة كما نشیر الیه فی شرح معناه .

المعنى

اعلم أنّ مدار هذه الخطبة الشریفة على فصول :

الفصل الاول فی نبذ من ممادح الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم

و هو ( أمین وحیه ) أى مأمون على ما اوحى إلیه من الكتاب الكریم و شرایع الدّین القویم من التحریف و التبدیل فیما امر بتبلیغه لمكان العصمة الموجودة فیه صلوات اللّه و سلامه علیه و آله ( و خاتم رسله ) أى آخرهم لیس بعده رسول كما قال سبحانه : ما كان محمّد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول اللّه و خاتم النبیّین قال فی الصّافی : آخرهم الذی ختمهم أو ختموا به على اختلاف القرائتین .

و فی مجمع البحرین : و محمّد خاتم النّبیّین یجوز فیه فتح التآء و كسرها فالفتح بمعنى الزینة مأخوذ من الخاتم الذی هو زینة للابسه و بالكسر اسم فاعل بمعنى الآخر ( و بشیر رحمته و نذیر نقمته ) أى مبشّر برحمته الواسعة ، و الثواب الجزیل و مخوّف من عقوبته الدّائمة و العذاب الوبیل كما قال عزّ من قائل :

إنّا أرسلناك بالحقّ بشیراً و نذیراً .

الفصل الثانی فی الاشارة إلى بعض وظایف الخلافة

و هو قوله علیه السّلام ( أیّها

[ 159 ]

النّاس إنّ أحقّ النّاس بهذا الأمر ) أى أمر الخلافة و الامامة ( أقواهم علیه ) أى أكملهم قدرة و قوّة على السیاسة المدنیّة و على كیفیّة تدبیر الحرب ( و أعلمهم بأمر اللّه فیه ) أى أكثرهم علما بأحكامه سبحانه فی هذا الأمر و فی بعض النّسخ « و أعملهم بأمر اللّه » بدله هذا و یدلّ على ذلك أعنی كون الأقوى و الأعلم أحقّ بالریاسة من غیره صریحا قوله سبحانه الم تر إلى الملاء من بنی إسرائیل من بعد موسى إذ قالوا لنبیّ لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل فی سبیل اللّه و قال لهم نبیّهم إنّ اللَّه قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنّى یكون له الملك علینا و نحن أحقّ بالملك منه و لم یؤت سعة من المال قال إنّ اللَّه اصطفیه علیكم و زاده بسطة فی العلم و الجسم و اللّه یؤتی ملكه من یشآء و اللَّه واسع علیم فقد ردّ استبعادهم لتملّكه بفقره بأنّ العمدة فی ذلك اصطفآء اللّه و قد اختاره علیكم و هو أعلم بالمصالح و بأنّ الشرط فیه وفور العلم لیتمكّن به من معرفة الامور السیاسیة ، و جسامة البدن ، لیكون أعظم وقعا فی القلوب و أقوى على مقاومة العدوّ و مكایدة الحروب ، لا ما ذكرتم .

و كیف كان فقد دلّت هذه الآیة الشریفة كقول الامام علیه السّلام على بطلان ملك المفضول و خلافته مضافین إلى قوله تعالى : افمن یهدى إلى الحقّ احقّ ان یتبع امّن لا یهدّى إلاّ ان یهدی و قوله : قل هل یستوى الّذین یعلمون و الّذین لا یعلمون .

فانقدح من ذلك فساد ما توهّمه الشارح المعتزلی من أنّ قوله علیه السّلام لا یدلّ على بطلان امامة المفضول لأنّه علیه السّلام ما قال إنّ امامة غیر الأقوى فاسدة و لكنه قال إنّ الأقوى أحقّ و أصحابنا لا ینكرون أنه علیه السّلام أحقّ ممن تقدّمه بالامامة مع قولهم بصحّة امامة المتقدّمین لأنه لا منافاة بین كونه أحقّ و بین صحّة إمامة غیره .

وجه انقداح الفساد أنّ أحقّیته و إن كانت لا تنافی بحسب الوضع اللّغوی حقیقیّة غیره كما هو مقتضى وضع أفعل التفضیل إلاّ أنّ الظاهر عدم إرادة الأفضلیّة هنا بل نفس الفضل كما فی قوله : و اوُلو الأرحام بعضهم أولى ببعض حیث یستدلّون به

[ 160 ]

على حجب الأقرب للأبعد و كذلك فی قوله أحقّ أن یتّبع و إلاّ لما استحقّ متبعو غیر الأحقّ بالتوبیخ و الملام المستفاد من ظاهر الاستفهام ، مضافا إلى تشدید التقریع بقوله عقیب الآیة فما لكم كیف تحكمون .

فان قلت : حمل أفعل على غیر معناه اللّغوی مجاز لا یصار إلیه إلاّ بقرینة تدلّ علیه فما القرینة علیه ؟

قلت : القراین المنفصلة من العقل و النقل فوق حدّ الاحصاء و أمّا القرینة المتّصلة فهی قوله : ( فان شغب شاغب ) أی أثار الشرّ و الفساد ( استعتب ) و طلب عتباه و رجوعه إلى الحقّ ( فان أبى قوتل ) فانّ جواز قتال الآبی و قتله لیس إلاّ لعدم جواز عدوله عن الأحقّ إلى غیره فیعلم منه أنّ غیره غیر حقیق للقیام بالأمر كما لا یخفى ، فافهم و تدبّر هذا .

و لما كان معاویة و أهل الشّام و أكثر من عدل عنه علیه السّلام و نكث عن بیعته قادحین فی خلافته طاعنین فی امامته بأنّه لم یكن عقد بیعته برضا العامّة و حضورها أشار إلى بطلان زعمهم و فساده بقوله : ( و لعمری لئن كانت الامامة لا تنعقد حتّى تحضرها عامّة النّاس ) كما یزعمه هؤلاء و یحتجّون به علىّ ( ما ) كان ( إلى ذلك سبیل ) لتعذّر اجتماع المسلمین على كثرتهم و انتشارهم فی مشارق الأرض و مغاربها ( و لكن أهلها ) أى أهل الامامة أو البیعة الحاضرون من أهل الحلّ و العقد یعقدون البیعة و ( یحكمون على من غاب عنها ثمّ لیس للشاهد أن یرجع ) عن بیعته كما رجع زبیر و طلحة ( و لا للغائب ) كمعاویة و أتباعه ( أن یختار ) أى یكون لهم اختیار بین التسلیم و الامتناع .

قال الشّارح المعتزلی و هذا الكلام أعنى قوله علیه السّلام و لعمرى إلى آخره تصریح بمذهب أصحابنا من أنّ الاختیار طریق إلى الامامة و مبطل لما یقوله الامامیة من دعوى النّص علیه و من قولهم لا طریق الى الامامة سوی النصّ أو المعجز انتهى .

و فیه نظر أمّا أوّلا فلأنّه علیه السّلام إنّما احتجّ علیهم بالاجماع إلزاما لهم لاتّفاقهم على العمل به فی خلافة أبی بكر و أخویه و عدم تمسّكه علیه السّلام بالنصّ لعلمه بعدم « ج 10 »

[ 161 ]

التفاتهم إلیه كیف و قد أعرضوا عنه فی أوّل الأمر مع قرب العهد بالرسول صلّى اللّه علیه و آله و سماعهم منه علیه السّلام و أمّا ثانیا فلأنّه علیه السّلام لم یتعرّض للنصّ نفیا و لا إثباتا فكیف یكون مبطلا لما ادّعاه الامامیّة من النصّ .

و العجب أنّه جعل هذا تصریحا بكون الاختیار طریقا إلى الامامة و نفى الدلالة فی قوله علیه السّلام : إنّ أحقّ النّاس بهذا الأمر اه ، على نفى إمامة المفضول مع أنّه لم یصرّح بأنّ الامامة تنعقد بالاختیار بل قال لا یشترط فی انعقاد الامامة حضور العامة و لا ریب فی ذلك نعم یدلّ بمفهومه على ذلك و هذا تقیّة منه علیه السّلام .

و لا یخفى على من تتبّع سیره أنّه لم یكن یمكنه إنكار خلافتهم و القدح فیها صریحا فی المحافل فلذا عبّر بكلام موهم لذلك و قوله علیه السّلام : و أهلها یحكمون و إن كان موهما له أیضا لكن یمكن أن یكون المراد بالأهل الأحقّآء بالامامة و یكون الضمیر فیه راجعا إلیهم .

و لا یخفى أنّ ما مهدّه علیه السّلام أولا بقوله : إنّ أحقّ النّاس أقواهم یشعر بأنّ عدم صحّة رجوع الشاهد و اختیار الغایب إنّما هو فی صورة الاتفاق على الأحقّ دون غیره فتأمل .

ثمّ ذكر من یسوغ له علیه السّلام قتاله فقال : ( ألا و إنّی اقاتل رجلین رجلا ادّعى ما لیس له و آخر منع الّذی علیه ) یحتمل أن یكون الأوّل إشارة إلى أصحاب الجمل و الثانی إلى معاویة و أتباعه و یحتمل العكس .

فعلى الأوّل فالمراد من ادّعائهم ما لیس لهم الخلافة أو المطالبة بدم عثمان فانه لم یكن لهم ذلك و إنما كان ذلك حقّا لوارثه و من منعهم بما وجب علیهم هو البیعة و بذل الطاعة .

و على الثانی فالمراد من ما لیس له أیضا الخلافة أو دعوى الولایة لدم عثمان و المطالبة به و من منع ما وجب علیه هو المضیّ على البیعة و الاستمرار علیه أو سایر الحقوق الواجبة علیهم .

الفصل الثالث فی الوصیّة بما لا یزال یوصى به و الاشارة إلى أحكام البغاة

[ 162 ]

إجمالا و هو قوله علیه السّلام ( اوصیكم عباد اللّه بتقوى اللّه ) الّتی هی الزاد و بها المعاد ( فانّها خیر ما تواصى العباد به و خیر عواقب الامور عند اللّه ) یعنی أنّها خیر أواخر الامور لكونها خیر ما ختم به العمل فی دار الدّنیا أو أنّ عاقبتها خیر العواقب ( و قد فتح باب الحرب بینكم و بین أهل القبلة ) أى الآخذین بظاهر الاسلام ( و لا یحمل هذا العلم ) أى العلم بوجوب قتال أهل القبلة و بشرایطه و فی بعض النّسخ هذا العلم محرّكة فیكون إشارة إلى حرب أهل القبلة و القیام به أى لا یحمل علم الحرب و لا یحارب ( إلاّ أهل البصر و الصبر ) أى أهل البصیرة و العقل و أهل الصّبر و التحمّل على المكاره ( و العلم بمواقع الحقّ ) و ذلك لأنّ المسلمین كانوا یستعظمون حرب أهل القبلة و من أقدم منهم علیه أقدم على خوف و حذر ، فقال علیه السّلام إنّ هذا العلم لیس یدركه كلّ أحد و إنّما له قوم مخصّصون .

قال الشّافعی : لولا علیّ علیه السّلام لما علم شی‏ء من أحكام أهل البغى و هو كما قال ( فامضوا لما تؤمرون به و قفوا عند ما تنهون عنه و لا تعجلوا فی أمر ) و لا تسرعوا فی إنكاره و ردّه إذا استبعدتموه بأوهامكم ( حتّى تتبیّنوا ) و تثبّتوا و تسألوا عن فایدته و علّته ( فانّ لنا مع كلّ أمر تنكرونه ) و تستبعدونه ( غیرا ) .

قال الشّارح المعتزلی أى لست كعثمان اصرّ على ارتكاب ما أنهى عنه بل أغیر كلّ ما ینكره المسلمون و یقتضى الحال و الشرع تغییره .

و قال الشارح البحرانى : أى إنّ لنا مع كلّ أمر تنكرونه قوّة على التغییر إن لم یكن فی ذلك الأمر مصلحة فی نفس الأمر فلا تسرعوا إلى إنكار أمر لفعله حتى تسألوا عن فائدته فانه یمكن أن یكون انكاركم لعدم علمكم بوجهه .

قال العلاّمة المجلسیّ « ره » و یمكن أن یكون المعنى أنّ لنا مع كلّ أمر تنكرونه تغییرا أى ما یغیّر إنكاركم ، و یمنعكم عنه من البراهین السّاطعة أو الأعم منها و من السّیوف القاطعة إن لم ینفعكم البراهین .

أقول : و ذلك مثل ما وقع منه فی أمر الخوارج فانّهم لمّا نقموا علیه ما نقموا روّعهم عن الانكار علیه بالبیانات الشافیة و الحجج الوافیة حتّى ارتدع منهم ثمانیة

[ 163 ]

آلاف و كانوا اثنى عشر ألفا و لمّا أصرّ الباقون و هم أربعة آلاف على اللّجاج ، و لم ینفعهم الاحتجاج ، قطع دابرهم بسیف یفلق الهام ، و یطیح السواعد و الأقدام .

تذر الجماجم ضاحیا هاماتها
بله الأكفّ . كأنّها لم تخلق

حسب ما عرفته تفصیلا فى شرح الخطبة السادسة و الثلاثین و غیرها .

ثمّ أخذ فی التنفیر عن الدّنیا و التّزهید فیها بقوله ( ألا و إنّ هذه الدّنیا ) الاتیان باسم الاشارة للتحقیر كما فی قوله تعالى : أ هذا الّذی یذكر آلهتكم ، و فی الاتیان بالموصول أعنی قوله : ( الّتی أصبحتم تتمنّونها و ترغبون فیها و أصبحت تغضبكم و ترضیكم ) تنبیه على خطاء المخاطبین ، و توبیخ لهم بأنّهم یرغبون فی شی‏ء یخلصون المحبّة له و هو لا یراعی حقّهم بل یغضبهم تارة ، و یرضیهم اخرى و نظیر هذا الموصول المسوق للتنبیه على الخطاء ما فی قوله :

إنّ الّذین ترونهم إخوانكم
یشفى غلیل صدورهم أن تصرعوا

یعنی أنّ هذه الدّنیا مع تمنّیكم لها و فرط رغبتكم فیها و مع عدم إخلاصها المحبّة لكم ( لیست بداركم ) الّتی یحقّ أن تسكنوا فیها ( و لا منزلكم الذی خلقتم له ) و للاقامة فیه ( و لا الّذی دعیتم إلیه ) و إلى التوطن فیه ( ألا و إنّها لیست بباقیة لكم و لا تبقون علیها ) و إلى هذا ینظر قوله علیه السّلام :

أرى الدّنیا ستؤذن بانطلاق
مشمّرة على قدم و ساق

فلا الدّنیا بباقیة لحیّ
و لا حىّ على الدّنیا بباق

یعنی أنّها دار فناء لا تدوم لأحد و لا یدوم أحد فیها ( و هى و إن غرّتكم منها ) بما زینتكم من زخارفها و إغفالكم عن فنائها ( فقد حذّرتكم شرّها ) بما أرتكم من آفاتها و فنائها و ما ابتلیتم فیها من فراق الأحبّة و الأولاد و نحوها ( فدعوا غرورها ) الیسیر ( لتحذیرها ) الكثیر ( و أطماعها ) الكاذب ( لتخویفها ) الصّادق .

( و سابقوا فیها ) بالخیرات و الأعمال الصّالحات ( إلى الدّار الّتی دعیتم إلیها ) و هی الجنّة الّتی عرضها الأرض و السّماوات ( و انصرفوا بقلوبكم عنها ) إلى ما لم یخطر على قلب بشر ممّا تشتهیه الأنفس و تلذّ الأعین و جمیع الامنیّات ( و لا یحنن أحدكم حنین الأمة على ما زوی ) و صرف ( عنه منها ) و هو نهى عن الأسف على الدّنیا

[ 164 ]

و الحزن و البكاء على ما فاته منها ، و قبض عنه من قیناتها و زخارفها .

و التشبیه بحنین الأمة لأنّ الاماء كثیرا ما یضربن و یبكین و یسمع الحنین منهنّ و الحرائر یأنفن من البكاء و الحنین ( و استتمّوا نعمة اللّه علیكم بالصّبر على طاعة اللّه ) أى بالصبر و التحمّل على مشاقّ العبادات أو بالصبر على المصائب و البلایا طاعة له سبحانه ، و على أىّ حال فهو من الشكر الموجب للمزید ( و ) به یطلب تمام النعمة فی الدنیا و الآخرة كما قال عز من قائل : « إنما یوفّى الصابرون أجرهم بغیر حساب » كما یطلب تمامها ب ( المحافظة على ما استحفظكم من كتابه ) أى بالمواظبة على ما طلب منكم حفظه و المواظبة علیه من التكالیف الشرعیّة الواردة فی كتابه العزیز لأنّ المواظبة على التكالیف و الطاعات سبب عظیم لافاضة النعماء و الخیرات .

و أكّد الأمر بالمحافظة بقوله ( ألا و إنّه لا یضرّكم تضییع شی‏ء من دنیاكم بعد حفظكم قائمة دینكم ) لعلّ المراد بقائمة الدّین اصوله و ما یقرب منها و على كون الاضافة بیانیّة فالمراد بقائمته نفس الدّین إذ به قوام أمر الدّنیا و الآخرة .

ثمّ نبّه على عدم المنفعة فی الدّنیا مع فوات الدّین فقال : ( ألا و إنّه لا ینفعكم بعد تضییع دینكم شی‏ء حافظتم علیه من أمر دنیاكم ) و ذلك واضح لأنّ أمور الدّنیاویّة مع تضییع الدّین لا تنتفع بشی‏ء منها فی الآخرة البتة .

و ختم الكلام بالدّعاء لنفسه و لهم و قال : ( أخذ اللّه بقلوبنا و قلوبكم إلى الحقّ ) و هدانا إلى سلوك سبیله ( و ألهمنا و إیّاكم الصبر ) على مصیبته و طاعته و معصیته لأنّ من صبر عند المصیبة حتى یردّها بحسن عزائها كتب اللّه له ثلاثمأة درجة ما بین الدّرجة الى الدّرجة كما بین السماء و الأرض ، و من صبر على الطاعة كتب اللّه له ستمأة درجة ما بین الدّرجة الى الدّرجة كما بین تخوم الأرض إلى العرش ، و من صبر عن المعصیة كتب اللّه له تسعمأة درجة ما بین الدّرجة إلى الدّرجة كما بین تخوم الأرض إلى منتهى العرش .

رواه فی الوسائل من الكافی عن أمیر المؤمنین علیه السّلام عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قد تقدّم روایته مع أخبار اخر فی فضل الصبر فی شرح الخطبة الخامسة و السّبعین و وعدنا هناك إشباع الكلام فیه أى فی الصبر و فضله و أقسامه فها نحن الآن نفی بما وعدناك بتوفیق من اللّه سبحانه و من منّه .

[ 165 ]

فاقول : إنّ الصبر على ما عرفت فیما تقدّم عبارة عن ملكة راسخة فی النفس یقتدر معها على تحمّل المكاره و قد أكثر اللّه سبحانه من مدحه فی كتابه العزیز ، و بشّر الصّابرین و ذكّرهم فی آیات تنیف على سبعین قال سبحانه : إنّما یوفّى الصابرون أجرهم بغیر حساب ، و قال : و بشّر الصّابرین الّذین إذا أصابتهم مصیبة قالوا إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون ، و قال : و جعلنا منهم أئمّة یهدون بأمرنا لمّا صبروا ، و قال :

و جزیهم ربّهم بما صبروا جنّة و حریراً ، إلى غیر هذه مما لا نطیل بذكرها .

و أما الأخبار فی فضله و فضل الصّابرین فهى فوق حدّ الاحصاء منها ما فی الكافی عن العلاء بن الفضیل عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : الصّبر من الایمان بمنزلة الرأس من الجسد فاذا ذهب الرأس ذهب الجسد كذلك إذا ذهب الصّبر ذهب الایمان .

و عن أبی بصیر قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول إنّ الحرّ حرّ على جمیع أحواله إن نابته نائبة صبر لها و إن تداكّت علیه المصائب لم یكسره و إن اسر و قهر و استبدل بالیسر عسرا كما كان یوسف الصدیق الأمین علیه السّلام لم یضرره حریّته أن استعبد و قهر و اسر و لم یضرره ظلمة الجبّ و وحشته و ما ناله أن منّ اللّه جلّ و عزّ علیه فجعل الجبّار العاتی له عبدا بعد إذ كان مالكا فأرسله و رحم به اللّه و كذلك الصّبر یعقّب خیرا فاصبروا و وطّنوا أنفسكم على الصّبر توجروا .

و عن حمزة بن حمران عن أبی جعفر علیه السّلام قال : الجنّة محفوفة بالمكاره و الصّبر ، فمن صبر على المكاره فی الدّنیا دخل الجنّة ، و جهنّم محفوفة باللّذات و الشهوات فمن أعطى نفسه لذّتها و شهوتها دخل النّار .

و عن سماعة بن مهران عن أبی الحسن علیه السّلام قال : قال لی : ما حبسك عن الحجّ ؟

قال : قلت : جعلت فداك وقع علىّ دین كثیر و ذهب مالی ، و دینی الّذى قد لزمنی هو أعظم من ذهاب مالى فلولا أنّ رجلا من أصحابی أخرجنی ما قدرت أن أخرج فقال علیه السّلام : إن تصبر تغتبط و إلاّ تصبر ینفذ اللّه مقادیرها راضیا كنت أم كارها .

و عن أبی حمزة الثمالی قال : قال لی أبو عبد اللّه علیه السّلام من ابتلى من المؤمنین ببلاء فصبر علیه كان له مثل أجر ألف شهید .

و عن محمّد بن عجلان قال : كنت عند أبی عبد اللّه علیه السّلام فشكى إلیه رجل الحاجة

[ 166 ]

فقال : اصبر فانّ اللّه سیجعل لك فرجا قال : ثمّ سكت ساعة ثمّ أقبل على الرجل فقال : أخبرنی عن سجن الكوفة كیف هو ؟ فقال : أصلحك اللّه ضیّق منتن و أهله بأسوء حال ، قال علیه السّلام : فانّما أنت فی السجن فترید أن تكون فیه فی سعة أما علمت أنّ الدّنیا سجن المؤمن ، إلى غیر هذه ممّا لا نطیل بذكرها .

فان قلت : ما معنى قوله فی الحدیث الأوّل الصّبر من الایمان بمنزلة الرّأس من الجسد ؟

قلت : لما كان قوام الجسد و تمامه و كماله إنّما هو بالرأس و به یتمّ تصرّفاته و یتمكّن من الآثار المترتّبة علیه لا جرم شبّه علیه السّلام الصّبر بالرّأس و الایمان بالجسد لأنّ كمال الایمان و تمامه إنما هو به ، أمّا على القول بأنّ الایمان عبارة عن مجموع العقاید الحقّة و الأعمال فواضح ، و أمّا على القول بأنّ العمل لیس جزء منه بل هو شرط الكمال فلأنّ الجسد إنّما یكمل بالرأس كما أنه یوجد بوجوه ، فوجه الشّبه هو وصف الكمال فقط و لا یجب فی تشبیه شی‏ء بشی‏ء وجود جمیع أوصاف المشبّه به فی المشبّه .

و لكنّ الظاهر من قوله : كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الایمان هو كون العمل هو جزء من الایمان المستلزم ذهابه لذهابه الاّ أن یراد منه الایمان بالكمال و قد تقدّم تحقیق الكلام فیه فیما سبق .

و مما ذكرنا أیضا ظهر وجه ما روى عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله من أنّ الصبر نصف الایمان و ذلك لأنّ الایمان إذا كان عبارة عن مجموع المعارف الیقینیّة الحقّة و عن العمل بمقتضى تلك المعارف ، فیكون حینئذ مركبا منهما ، و معلوم أنّ العمل أعنى المواظبة على الطاعات و الكفّ عن المعاصی لا یحصل إلاّ بالصبر على مشاقّ الطاعة للیقین بكونها نافعة ، و ترك لذائذ المعصیة للیقین بكونها ضارّة فعلى هذا الاعتبار یصحّ كونه نصف الایمان .

و ذكر الغزالی له وجها آخر محصّله أن یجعل المراد من الایمان الأحوال المشمئزة للأعمال و جمیع ما یلاقی العبد ینقسم إلى ما ینفعه فی الدّنیا و الآخرة أو یضرّه فیهما ، و له بالاضافة إلى ما یضرّه حال الصبر ، و بالاضافة إلى ما ینفعه حال الشكر ، فیكون الصبر أحد شطرى الایمان كما أنّ الشكر شطره الآخر و لذلك

[ 167 ]

روى عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله مرفوعا الایمان نصفان : نصف صبر ، و نصف شكر .

ثم ان الصبر تختلف أسامیه باختلاف موارده و بالاضافة إلى ما یصبر عنه من مشتهیات الطبع و مقتضیات الهوى ، و ما یصبر علیه مما ینفرّ عنه الطبع من المكاره و الاذی .

فان كان صبرا عن شهوة الفرج و البطن ، سمّی عفة ، و إن كان فی مصیبة اقتصر على اسم الصّبر و تضادّه حالة تسمى الجزع ، و إن كان فی احتمال الغنى سمّى ضبط النفس و یضادّه البطر ، و إن كان فی حرب و مقاتلة سمّى شجاعة و یضادّه الجبن و إن كان فی كظم الغیظ و الغضب سمّى حلما و یضادّه التذمّر و السفه و إن كان فی نائبة من نوائب الزّمان سمّى سعة الصّدر و یضادّه الضجر و ضیق الصّدر ، و إن كان فی إخفاء كلام سمّى كتمان السرّ و إن كان عن فضول العیش سمّى زهدا ، و یضادّه الحرص و إن كان على قدر یسیر من الحظوظ سمّى قناعة و یضادّه الشّره .

و بالجملة فأكثر مكارم الایمان داخل فی الصّبر و لأجل ذلك لمّا سئل النبیّ صلّى اللّه علیه و آله مرّة عن الایمان فقال : هو الصّبر لأنه اكثر أعماله و أعزّها هذا .

و أما أقسامه فقد فصّلها أبو حامد الغزالی فی كتاب احیاء العلوم و ملخّصها أنّ جمیع ما یلقى العبد فی هذه الحیاة لا یخلو من نوعین أحدهما هو الّذی یوافق هواه و الآخر هو الّذی یخالفه ، و هو محتاج إلى الصبر فی كلّ منهما فهو إذا لا یستغنى قطّ عن الصّبر .

النوع الاول ما یوافق الهوى و هو الصّحة و السلامة و المال و الجاه و كثرة العشیرة و اتساع الاسباب و كثرة الأتباع و الأنصار و جمیع ملاذّ الدّنیا و ما أحوج العبد إلى الصبر على هذه الامور فانه إن لم یضبط نفسه عن الرّكون إلیها و الانهماك فی ملاذّها المباحة أخرجه ذلك إلى البطر و الطغیان ، فانّ الانسان لیطغى أن رآه استغنى .

النوع الثانى ما لا یوافق الهوى و هو على ثلاثة أقسام لأنه إمّا أن یرتبط باختیار العبد كالطاعات و المعاصی ، و إمّا أن لا یرتبط باختیاره كالآلام و المصائب و إمّا أن لا یرتبط باختیاره و لكن له اختیار فی إزالته كالتشفّى من المؤذی بالانتقام منه .

أما القسم الاول و هو ما یرتبط باختیار العبد فعلى ضربین .

الضرب الأول الطاعات و العبد یحتاج إلى الصبر علیها ، و التحمّل عن مشاقّها

[ 168 ]

لأنّ النفس بالطبع تنفرّ عن العبودیّة و تشتهى الرّبوبیّة ، و لذلك قال بعض العارفین ما من نفس إلاّ و هى مضمرة ما أظهره فرعون من قوله أنا ربّكم الأعلى و لكن فرعون وجد له مجالا و قبولا من قومه ، فأظهره و أطاعوه و ما من أحد إلاّ و یدعى ذلك مع عبده و خادمه و أتباعه و كلّ من هو تحت قهره و طاعته و إن كان ممتنعا من إظهاره .

ثمّ نفرة النّفس عن العبادة إمّا بسبب الكسل كالصّلاة و إمّا بسبب البخل كالزكاة أو بسببهما كالحجّ و الجهاد و العبد محتاج إلى الصّبر فی جمیعها .

الضرب الثانى المعاصی و تركها و الكفّ عنها أصعب عن النفس لرغبتها بالطبع إلیها فیحتاج إلى الصبر عنها و أشدّ أنواع الصبر عن المعاصی الصبر على المعاصی المألوفة المعتادة كحصائد الألسنة من الكذب و الغیبة و البهتان و نحوها فمن لم یتمكن من الصّبر عنها فیجب علیه العزلة و الانفراد لأنّ الصّبر على الانفراد أهون من الصّبر على السكوت مع المخالطة ، و تختلف شدّة الصّبر فی آحاد المعاصی باختلاف دواعی المعصیة قوّة و ضعفا .

و أما القسم الثانى و هو ما لا یرتبط باختیار العبد أصلا فكالمصائب و البلایا و الآلام و الأسقام من فقد الأحبّة و موت الأعزّة و ذهاب المال و تبدّل الصحّة بالمرض و الغنى بالفقر ، و البصر بالعمى ، و غیرها و الصّبر على هذه هو الذی بشّر الموصوفون به فی الآیة الكریمة بقوله سبحانه : و لنبلونّكم بشی‏ء من الخوف و الجوع و نقص من الأموال و الأنفس و الثمرات و بشّر الصّابرین ، الّذین إذا أصابتهم مصیبة قالوا إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون و أوحى سبحانه إلى داود علیه السّلام یا داود : ترید و ارید و إنّما یكون ما ارید فان سلّمت لما ارید كفیتك ما ترید و إن لم تسلم لما ارید أتعبتك فیما ترید ثمّ لا یكون إلاّ ما ارید .

و أما القسم الثالث و هو ما لا یرتبط هجومه باختیاره و له اختیار فی دفعه كما لو اوذى بفعل أو قول و جنى علیه فی نفسه أو ماله أو نحو ذلك فالصّبر على ذلك بترك المكافاة ، و الانتقام تارة یكون واجبا و تارة یكون مندوبا قال تعالى :

و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم فهو خیر للصابرین .

و عن الانجیل قال عیسى بن مریم علیه السّلام : لقد قیل لكم من قبل إنّ السنّ

[ 169 ]

بالسنّ و الأنف بالأنف و أنا أقول لكم لا تقاوموا الشرّ بالشرّ بل من ضرب خدّك الأیمن فحوّل إلیه الخدّ الأیسر و من أخذ رداءك فأعطه إزارك و من سخّرك لتسیر معه میلا فسر معه میلین ، و كلّ ذلك أمر بالصّبر على الأذى .

و فی الكافی عن حفص بن غیاث قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام یا حفص : إنّ من صبر صبر قلیلا و إنّ من جزع جزع قلیلا . ثمّ قال : علیك بالصّبر فی جمیع امورك فانّ اللّه عزّ و جلّ بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله فأمره بالصبر و الرفق فقال : « و اصبر على ما یقولون و اهجرهم هجراً جمیلا و ذرنى و المكذّبین اُولى النعمة » و قال تبارك و تعالى : ادفع بالّتی هی أحسن السّیئة فاذا الّذی بینك و بینه عداوة كأنّه ولیّ حمیم و ما یلقّیها إلاّ الذین صبروا و ما یلقّیها إلاّ ذو حظّ عظیم .

فصبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حتّى نالوه بالعظائم و رموه بها فضاق صدره فأنزل اللّه جلّ و عزّ و لقد نعلم أنّك یضیق صدرك بما یقولون فسبّح بحمد ربّك و كن من السّاجدین .

ثمّ كذّبوه و رموه فحزن لذلك صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فأنزل اللّه عزّ و جلّ : قد نعلم إنّه لیحزنك الّذی یقولون فانّهم لا یكذّبونك و لكنّ الظالمین بآیات اللَّه یجحدون و لقد كذّبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذّبوا و اُوذوا حتّى أتاهم نصرنا فألزم النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نفسه الصّبر فتعدّوا ، فذكروا اللّه عزّ و جلّ و كذبوه فقال : قد صبرت فی نفسی و أهلی و عرضی و لا صبر لی على ذكر إلهی فأنزل اللّه عزّ و جلّ :

و لقد خلقنا السّماوات و الأرض و ما بینهما فی ستّة أیّام و ما مسّنا من لغوب فاصبر على ما یقولون فصبر صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی جمیع أحواله .

ثمّ بشّر فی عترته بالأئمة و وصفوا بالصّبر فقال جلّ ثناؤه « و جعلنا منهم أئمّة یهدون بأمرنا لمّا صبروا و كانوا بآیاتنا یوقنون » فعند ذلك قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله الصبر من الایمان كالرأس من الجسد ، فشكر اللّه عزّ و جلّ له فأنزل اللّه : و تمّت كلمة ربّك الحسنى على بنی إسرائیل بما صبروا و دمّرنا ما كان یصنع فرعون و قومه و ما كانوا یعرشون فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله إنّه بشرى و انتقام .

[ 170 ]

فأباح اللّه عزّ و جلّ قتال المشركین فأنزل : اقتلوا المشركین حیث وجدتموهم و خذوهم و احصروهم و اقعدوا لهم كلّ مرصد و اقتلوهم حیث ثقفتموهم فقتلهم اللّه على یدى رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أحبائه و جعل له ثواب صبره « و عجّل اللّه الثواب خ » مع ما ادّخر له فی الآخرة فمن صبر و احتسب لم یخرج من الدّنیا حتّى یقرّ اللّه جلّ و عزّ عینه فی أعدائه مع ما یدّخر له فی الآخرة .

اللّهمّ اجعلنا صابرین على بلائك ، راضین بقضائك ، شاكرین على نعمائك ،

متمسّكین بالعروة الوثقى و الحبل المتین من ولایة أولیائك محمّد و عترته الطّاهرین صلواتك علیهم أجمعین .

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن ولی ربّ العالمین و وصیّ خاتم النبیّین است متضمّن مدایح حضرت رسالت صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و مبیّن بعض وظایف امامت و مشتمل بر فضیلت تقوى و پرهیزكارى و مذمّت بیوفائى دنیاى فانی میفرماید :

پیغمبر خدا صلّى اللّه علیه و آله امین وحى پروردگار است ، و ختم كننده پیغمبران حضرت آفریدگار ، و مژده دهنده است برحمت او ، و ترساننده است از عقوبت آن ، اى مردمان بدرستى قابل و لایق مردمان باین أمر خلافت قوى‏ترین ایشان است بر او و داناترین ایشان است بأوامر خدا در آن ، پس اگر كسى مهیّج شرّ و فساد بشود طلب مى‏شود رجوع او بسوى حق ، و اگر امتناع نماید باید مقاتله بشود .

قسم بزندگانی خودم اگر باشد امامت اینكه منعقد نباشد تا اینكه حاضر بشود عموم خلایق نیست بسوى او هیچ طریق ، و لیكن أهل امامت حكم میكنند بهر كس كه غایب بشود در مجلس بیعت پس از آن نیست حاضر را اینكه رجوع نماید از بیعتی كه نموده و نه غایب را اینكه صاحب اختیار باشد .

آگاه باشید كه بدرستیكه من مقاتله میكنم با دو كس یكى آنكه ادّعا نماید چیزى را كه حقّ او نیست و دیگرى آنكه منع نماید حقّی را كه بر ذمه او است .

[ 171 ]

وصیّت میكنم من شما را اى بندگان خدا بتقوى و پرهیزكارى خدا پس بدرستیكه آن تقوى بهترین چیزیست كه وصیت كرده‏اند بندگان بآن ، و بهترین عواقب اموراتست نزد خدا ، و بتحقیق مفتوح شد باب جنگ در میان شما و در میان أهل قبله ، و حامل نمیشود این علم بوجوب قتال أهل قبله را مگر أهل بصیرت و صبر ،

و مگر صاحب علم بمواضع حق پس امضاء بكنید هر چیزى را كه مأمور میشوید بآن و توقف نمائید نزد چیزیكه نهى كرده میشوید از آن ، و تعجیل نكنید در كارى تا اینكه درست بفهمید حقیقت آن را پس بدرستیكه ما راست با هر چیزى كه شما انكار نمائید آن را تغییر و تبدیلی .

آگاه باشید بدرستیكه این دنیا كه صباح كردید شما در حالتیكه آرزو میكنید آنرا و رغبت مینمائید در آن ، و صباح كرد آن در حالتیكه شما را گاهى بغضب میآورد و گاهى خوشنود مینماید ، نیست آن خانه شما و نه منزل شما كه خلق شده‏اید از براى آن منزل ، و نه جائیكه خوانده شده‏اید بسوى آن .

آگاه باشید كه آن دنیا باقی نخواهد ماند از براى شما ، و نه شما باقی خواهید ماند بر آن ، و آن اگر چه مغرور ساخته است شما را از طرف خود ، پس بتحقیق كه ترساننده است شما را از شرّ خود ، پس ترك نمائید فریفتن آنرا از براى ترساندن آن ، و طمع آوردن او را از براى تخویف آن ، و سبقت نمائید در آن بسوى خانه كه دعوت شده‏اید بسوى آن و رجوع نمائید با قلبهاى خودتان از آن دنیا .

و البته باید ناله نكند هیچ یك از شما مثل ناله كردن كنیز بآنچه كه بر چیده شده است از او از دنیا ، و طلب نمائید تمامیّت نعمت خدا را بر خودتان با صبر كردن بر طاعت خدا و با محافظت كردن بر چیزى كه خدا طلب كرده است از شما محافظت آنرا در كتاب عزیز خود .

آگاه باشید بدرستیكه ضرر نمیرساند بشما ضایع نمودن چیزى از دنیاى خودتان بعد از اینكه شما حفظ نموده باشید ستون دین خود را ، آگاه باشید كه بدرستیكه منفعت نمیبخشد بشما بعد از ضایع كردن دین خود چیزیكه محافظت

[ 172 ]

نمائید بآن از أمر دنیاى خود .

فرا گیرد خداى تبارك و تعالى قلبهاى ما و قلبهاى شما را بسوى حق و إلهام فرماید بما و شما صبر و بردبارى را .

[ 175 ] من خطبة له ع فی الموعظة و بیان قرباه من رسول

اللّه أَیُّهَا اَلنَّاسُ غَیْرُ اَلْمَغْفُولِ عَنْهُمْ وَ اَلتَّارِكُونَ اَلْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ مَا لِی أَرَاكُمْ عَنِ اَللَّهِ ذَاهِبِینَ وَ إِلَى غَیْرِهِ رَاغِبِینَ كَأَنَّكُمْ نَعَمٌ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إِلَى مَرْعًى وَبِیٍّ وَ مَشْرَبٍ دَوِیٍّ وَ إِنَّمَا هِیَ كَالْمَعْلُوفَةِ لِلْمُدَى لاَ تَعْرِفُ مَا ذَا یُرَادُ بِهَا إِذَا أُحْسِنَ إِلَیْهَا تَحْسَبُ یَوْمَهَا دَهْرَهَا وَ شِبَعَهَا أَمْرَهَا وَ اَللَّهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ وَ مَوْلِجِهِ وَ جَمِیعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ وَ لَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِیَّ بِرَسُولِ اَللَّهِ ص أَلاَ وَ إِنِّی مُفْضِیهِ إِلَى اَلْخَاصَّةِ مِمَّنْ یُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ وَ اَلَّذِی بَعَثَهُ بِالْحَقِّ وَ اِصْطَفَاهُ عَلَى اَلْخَلْقِ مَا أَنْطِقُ إِلاَّ صَادِقاً وَ قَدْ عَهِدَ إِلَیَّ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَ بِمَهْلِكِ مَنْ یَهْلِكُ وَ مَنْجَى مَنْ یَنْجُو وَ مَآلِ هَذَا اَلْأَمْرِ وَ مَا أَبْقَى شَیْئاً یَمُرُّ عَلَى رَأْسِی إِلاَّ أَفْرَغَهُ فِی أُذُنَیَّ وَ أَفْضَى بِهِ إِلَیَّ أَیُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّی وَ اَللَّهِ مَا أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ إِلاَّ وَ أَسْبِقُكُمْ إِلَیْهَا وَ لاَ أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِیَةٍ إِلاَّ وَ أَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا

[ 177 ]

و من خطبة له علیه السّلام

و هى المأة و الرابعة و السبعون من المختار فی باب الخطب أیّها الغافلون غیر المغفول عنهم ، و التّاركون المأخوذ منهم ،

ما لی أریكم من اللّه ذاهبین ، و إلى غیره راغبین ، كأنّكم نعم أراح بها سآئم إلى مرعی وبیّ ، و مشرب دویّ ، إنّما هی كالمعلوفة للمدى لا تعرف ما ذا یراد بها إذا أحسن إلیها ، تحسب یومها دهرها ، و شبعها أمرها ، و اللّه لو شئت أن أخبر كلّ رجل منكم بمخرجه و مولجه و جمیع شأنه لفعلت ، و لكن أخاف أن تكفروا فیّ برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ألا و إنّی مفضیه إلى الخاصّة ممّن یؤمن ذلك منه ، و الّذی بعثه بالحقّ و اصطفاه على الخلق ما أنطق إلاّ صادقا ، و لقد عهد إلیّ بذلك كلّه و بمهلك من یهلك و منجى من ینجو و مآل هذا الأمر ، و ما أبقى شیئا یمرّ على رأسی إلاّ أفرغه فی أذنیّ ، و أفضى به إلیّ ، أیّها النّاس و اللّه ما أحثّكم على طاعة إلاّ و أسبقكم إلیها ، و لا أنهیكم عن معصیة إلاّ و أتناهى قبلكم عنها .

اللغة

( النعم ) بالتحریك جمع لا واحد له من لفظه و أكثر اطلاقه على الابل

[ 178 ]

و ( أراح ) الابل ردّها إلى المراح و هو بالضمّ مأوى الماشیة باللّیل و بالفتح الموضع الّذی یروح منه القوم أو یروحون إلیه و ( سامت ) الماشیة سوما رعت بنفسها فهی سائمة و تتعدّى بالهمزة فیقال أسامها راعیها أى أرعیها و ( الوبیّ ) بالتشدید ذو الوباء و المرض و أصله الهمزة و ( الدّوى ) ذو الداء و الأصل فی الدویّ دوى بالتخفیف و لكنّه شدّد للازدواج قال الجوهری : رجل دو بكسر الواو أى فاسد الجوف من داء و ( المدى ) بالضمّ جمع مدیة و هى السكین و ( الشبع ) وزان عنب ضدّ الجوع .

الاعراب

غیر المغفول صفة للغافلون و صحّة كون غیر صفة للمعرفة مع توغّله فی النكارة و عدم قبوله للتعریف و لو اضیف إلى المعارف من حیث إنّه لم یرد بالغافلین طائفة معیّنة فكان فیه شائبة الابهام و صحّ بذلك وصفه بالنكرة كما فی قوله : صراط الّذین أنعمت علیهم غیر المغضوب علیهم على قول من یجعل غیر وصفا للّذین لا بدلا منه ، و الاستفهام فی قوله : ما لى أراكم ، للتعجّب كما فی قوله : ما لى لا أرى الهدهد و سائم فاعل أراح كما یستفاد من شرح البحرانی ، أو صفة للفاعل المحذوف كما یستفاد من شرح المعتزلی و العلاّمة المجلسیّ « ره » .

و قوله : تحسب یومها دهرها و شبعها أمرها ، الظاهر أنّ یومها ثانی مفعول تحسب و كذلك شبعها و التقدیم على الأوّل لقصد الحصر .

المعنى

اعلم أنّ مدار هذه الخطبة الشریفة على فصلین :

الفصل الاول فی ایقاظ الغافلین و تنبیه الجاهلین من رقدة الغفلة و الجهالة

و هو قوله :

( أیّها الغافلون غیر المغفول عنهم ) الظاهر أنّ الخطاب لكلّ من اتّصف

[ 179 ]

بالغفلة من المكلّفین أى الّذین غفلوا عمّا ارید منهم من المعارف الحقّة و التكالیف الشرعیة و لم یغفل عنهم و عمّا فعلوا ، لكون أعمالهم مكتوبة محفوظة فی اللّوح المحفوظ و صحائف الأعمال و كلّ ما فعلوه فی الزبر و كلّ صغیر و كبیر مستطر ( و التاركون ) لما امروا به من الفرائض و الواجبات ( المأخوذ منهم ) ما اغترّوا به من الأهل و المال و الزخارف و القینات ( مالى أراكم عن اللّه ذاهبین ) كنایة عن اعراضهم عن اللّه سبحانه و التفاتهم إلى غیره تعالى ( و إلى غیره راغبین ) إشارة إلى رغبتهم فی زهرة الحیاة الدّنیا و إعجابهم بها .

( كأنّكم نعم أراح بها سائم إلى مرعى وبىّ و مشرب دوىّ ) شبّههم بأنعام ذهب بها سائم إلى مرعى و مشرب وصفهما ما ذكر و المراد بالسائم حیوان یسوم و یرعى و هو المستفاد من الشارح المعتزلی حیث قال : شبّههم بالنّعم الّتی تتبع نعما اخرى سائمة أى راعیة ، و إنما قال ذلك لأنّها إذا تبعت أمثالها كان أبلغ فی ضرب المثل بجهلها من الابل الّتى یسمیها راعیها ، انتهى .

و فسّره الشارح البحرانی بالراعى أی الّذی یراعی النعم و یحفظها و یواظب علیها من الرعایة و هو المراعاة و الملاحظة قال : شبّههم بالنّعم الّتی أراح بها راعیها إلى مرعى كثیر الوباء و الدّاء ، و وجه الشبه أنهم لغفلتهم كالنّعم و نفوسهم الأمّارة القائدة لهم إلى المعاصى كالراعی القائد إلى المرعى الوبىّ و لذات الدّنیا و مشتهیاتها و كون تلك اللّذات و المشتهیات محلّ الآثام الّتی هی مظنّة الهلاك الاخروى و الداء الدّوىّ تشبه المرعى الوبیّ و المشرب الدویّ انتهى .

أقول : و هذا أقرب لفظا و ما قاله الشارح المعتزلی أقرب معنى ، و ذلك لأنّ لفظ السائم على قول المعتزلی بمعنى الراعى من الرعى و هذا لا غبار علیه من حیث المعنى إلاّ أنه یحتاج حینئذ إلى حذف الموصوف أى حیوان سائم و نحوه و هو خلاف الأصل ، و أمّا على قول البحرانی فلا حاجة إلى الحذف إلاّ أنّ كون السائم بمعنى الراعى من الرعایة مما لم یقل به أحد ، و كیف كان فالمقصود تشبیههم بأنعام اشتغلت بالماء و الكلاء و غفلت عمّا فی باطنهما من السمّ الناقع و دوى الدّاء .

[ 180 ]

( إنما هى كالمعلوفة للمدى ) و السكاكین ( لا تعرف ماذا یراد بها إذا احسن إلیها ) أى تزعم و تظنّ أنّ العلف إحسان إلیها على الحقیقة و لا تعرف أنّ الغرض من ذلك هو الذبح و الهلاك ( تحسب یومها دهرها ) یعنی أنها لكثرة إعجابها لعلفها فی یومها تظنّ أنّ دهرها مقصور على ذلك الیوم لیس لها وراءه یوم آخر ، و قیل معناه أنها تظنّ أنّ ذلك العلف و الاطعام كما هو حاصل لها ذلك الیوم یكون حاصلا لها أبدا .

( و شبعها أمرها ) أى تظنّ انحصار أمرها و شأنها فی الشبع مع أنّ غرض صاحبها من إطعامها و إشباعها أمر آخر .

الفصل الثانى فی الاشارة إلى بعض مناقبه الجمیلة و مقاماته الجلیلة

و هو قوله :

( و اللّه لو شئت أن اخبر كلّ رجل منكم بمخرجه و مولجه و جمیع شأنه لفعلت ) اى لو أشاء لأخبر كلّ واحد منكم بأنّه من این خرج و أین دخل و كیفیّة خروجه و ولوجه و اخبر بجمیع شأنه و شغله من أفعاله و أقواله و مطعمه و مشربه و ما أكله و ما ادّخره فی بیته و غیر ذلك مما أضمروه فی قلوبهم و أسرّوه فی ضمائرهم كما قال المسیح علیه السّلام : « اُنبّئكم بما تأكلون و تدّخرون فی بیوتكم » .

( و لكن أخاف أن تكفروا فیّ برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ) قال الشارح المعتزلی :

أى أخاف علیكم الغلوّ فی أمری و أن تفضّلونی على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، بل أخاف علیكم أن تدّعوا فیّ الإلهیّة كما ادّعت النصارى ذلك فی المسیح لمّا أخبرهم بامور الغایبة و مع أنّه قد كتم ما علمه حذرا من أن یكفروا فیه برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقد كفر كثیر منهم و ادّعوا فیه النبوّة و ادّعوا فیه أنّه شریك الرّسول فی الرّسالة و ادّعوا فیه أنّه هو كان الرسول و لكن الملك غلط فیه و ادّعوا أنّه الّذی بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله الى النّاس و ادّعوا فیه الحلول و ادّعوا فیه الاتّحاد و لم یتركوا نوعا من أنواع الضلالة فیه إلاّ و قالوه و اعتقدوه .

[ 181 ]

أقول : و یحتمل أن یكون مراده علیه السّلام بكفرهم فیه كفرهم باسناد التقصیر إلى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله فی إظهار جلالته علیه السّلام و علوّ شأنه و سموّ مقامه ، و من ذلك أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله لما أفصح عن بعض فضایله علیه السّلام نسبه المنافقون إلى الضلال و إلى أنّه ینطق عن الهوى حتّى كذّبهم اللّه تعالى فقال : و ما ینطق عن الهوى إن هو إلاّ وحى یوحى .

روى فی الصّافی من المجالس عن ابن عباس قال : صلّینا العشاء الآخرة ذات لیلة مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فلمّا سلّم أقبل علینا بوجهه ثمّ قال : إنه سینقض كوكب من السّماء مع طلوع الفجر فیسقط فی دار أحدكم فمن سقط ذلك الكوكب فی داره فهو وصیّی و خلیفتی و الامام بعدى ، فلما كان قرب الفجر جلس كلّ واحد منّا فی داره ینتظر سقوط الكوكب فی داره و كان أطمع القوم فی ذلك أبی العبّاس بن عبد المطلب ، فلما طلع الفجر انقضّ الكوكب من الهوا فسقط فی دار علیّ بن أبیطالب علیه السّلام ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لعلیّ علیه السّلام : یا علیّ و الّذی بعثنی بالنبوّة لقد وجبت لك الوصیّة و الامامة و الخلافة بعدی ، فقال المنافقون عبد اللّه بن أبیّ و أصحابه لقد ضلّ محمّد فی محبّة ابن عمّه و غوى و ما ینطق فی شأنه إلاّ بالهوى ، فأنزل اللّه تبارك و تعالى : و النّجم إذا هوى یقول عزّ و جلّ و خالق النّجم إذا هوى « ما ضلّ صاحبكم » یعنی فی محبّة علیّ بن أبیطالب علیه السّلام « و ما غوى و ما ینطق عن الهوى » یعنی فی شأنه « إن هو إلاّ وحى یوحى » .

و من هذا الباب أیضا ما فی الكافی عن أبی بصیر قال : بینا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله جالس إذ أقبل أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّ فیك شبها من عیسى بن مریم علیه السّلام لو لا أن یقول فیك طوایف من امّتی ما قالت النصارى فی عیسى بن مریم علیه السّلام لقلت فیك قولا لا تمرّ بملاء من النّاس إلاّ أخذوا التراب من تحت قدمك ، قال :

فغضب الاعرابیّان و المغیرة بن شعبة و عدّة من قریش معهم فقالوا : ما رضى أن یضرب لابن عمّه مثلا إلاّ عیسى بن مریم ، فأنزل اللّه على نبیّه « و لمّا ضرب بن مریم مثلا إذا قومك منه یصدّون و قالوا ء آلهتنا خیر أم هو ما ضربوه لك إلاّ جدلاً بل هم قوم

[ 182 ]

خصمون إن هو إلاّ عبد أنعمنا علیه و جعلناه مثلا لبنی إسرائیل و لو نشاء لجعلنا منكم » یعنی من بنی هاشم « ملائكة فی الأرض یخلفون » قال : فغضب الحارث بن عمرو الفهرى فقال : « اللّهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك » إنّ بنی هاشم یتوارثون هرقلا بعد هرقل 1 « فأمطر علینا حجارة من السّماء أو ائتنا بعذاب ألیم » فأنزل اللّه علیه مقالة الحارث و نزلت هذه الآیة « و ما كان اللّه لیعذّبهم و أنت فیهم و ما كان اللّه معذّبهم و هم یستغفرون » ثمّ قال علیه السّلام له یا بن عمرو إمّا تبت و إمّا رحلت ، فدعى براحلته فركبها فلما صار بظهر المدینة أتته جندلة فرضّت هامته فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لمن حوله من المنافقین : انطلقوا إلى صاحبكم فقد أتانا استفتح ، قال اللّه عزّ و جل « و استفتحوا و خاب كلّ جبار عنید » هذا .

و لما ذكر أنّ إخباره ببعض المغیبات مؤدّ إلى الكفر و الضلال لقصور الاستعداد و القابلیّة لاكثر النفوس البشریّة عن تحمّل الأسرار الغیبیّة استدرك ذلك بقوله ( إلا و انّی مفضیه ) أى مفض به و موصل له و مؤدّ إیاه ( إلى الخاصّة ) أى إلى خواصّ أصحابی ( ممّن یؤمن ذلك ) أى الغلوّ و الكفر ( منه ) بما له من الاستعداد ( و الّذى بعثه ) أى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ( بالحقّ و اصطفاه على الخلق ما انطق إلاّ صادقا و لقد عهد إلىّ ) رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ( بذلك كلّه ) أى بجمیع ما اخبر به ( و بمهلك من یهلك و منجى من ینجو ) أى بهلاك الهالكین و نجاة النّاجین أو بمكان هلاكهم و مكان نجاتهم أو زمانهما .

و المراد بالهلاك إمّا الهلاك الدّنیوى أى الموت أو القتل أو الهلاك الاخروى أعنى الضلال و الشقاء و كذلك النجاة ( و ) ب ( مآل هذا الأمر ) أی أمر الخلافة أو الدّین و ملك الاسلام و مآله انتهائه بظهور القائم و ما یكون فی آخر الزمان ( و ما أبقى ) أى الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ( شیئا یمرّ على رأسی ) من اغتصاب الخلافة و خروج النّاكثین و القاسطین و المارقین و قتالهم و من الشهادة بضربة ابن ملجم المرادى لعنه اللّه و غیر ذلك مما جرى علیه بعده ( إلاّ أفرغه ) أى صبّه ( فی اذنى و أفضی

-----------
( 1 ) أى ملكا بعد ملك و الهرقل ملك الروم ( منه )

[ 183 ]

به ) أى أوصله و ألقاه ( إلىّ ) و أعلمنی به و أسرّه إلىّ .

ثمّ قال : ( أیها النّاس و اللّه ما أحثّكم على طاعة إلاّ أسبقكم إلیها و لا أنهاكم عن معصیة إلاّ و أتناهی قبلكم عنها ) لأنّ الأمر بالمعروف بعد الاتیان به و النّهی عن المنكر بعد التّناهى عنه أقوى تأثّرا و أكثر ثمرا كما مرّ فی شرح الفصل الثانی من الخطبة المأة و الرّابعة ، و قد لعن الآمرین بالمعروف التاركین له و الناهین عن المنكر العاملین به فی الخطبة المأة و التاسعة و العشرین .

تبصرة

ما تضمّنه ذیل هذه الخطبة من علمه علیه السّلام بالغیب قد مرّ تحقیق الكلام فیه فی شرح الفصل الثانی من الخطبة المأة و الثّامنة و العشرین و أوردنا ثمّة بعض اخباره الغیبیّة و قدّمنا فصلا مشبعا من اخباره عن الغیوب فی شرح الكلام السادس و الخمسین و شرح الخطبة الثانیة و التسعین ، و أحببت أن أورد طرفا صالحا منها هنا مما یناسب المقام نقلا من كتاب مدینة المعاجز تألیف السّیّد السند الشارح المحدّث السیّد هاشم البحرانی قدّس سرّه فأقول :

منها ما رواه عن ابن شهر آشوب بسنده عن إسماعیل بن أبی زیاد قال : إنّ علیّا علیه السّلام قال للبراء بن عازب : یا براء یقتل ابنی الحسین علیه السّلام و أنت حیّ لا تنصره ،

فلما قتل الحسین علیه السّلام كان البراء یقول : صدق و اللّه أمیر المؤمنین علیه السّلام و جعل یتلهّف و منها ما رواه عن ابن شهر آشوب عن سفیان بن عیینة عن طاووس الیمانی أنّه قال علیّ علیه السّلام لحجر البدری : یا حجر إذا وقعت على منبر صنعاء و امرت بسبّی و البراءة منّی قال : فقلت : أعوذ باللّه من ذلك ، قال علیه السّلام و اللّه إنّه لكائن ،

فاذا كان كذلك فسبّنی و لا تتبرّء منّی فانه من تبرّء منّی فی الدّنیا تبرّأت منه فی الآخرة .

قال طاووس فأخذه الحجّاج على أن یسبّ علیّا علیه السّلام فصعد المنبر و قال :

أیّها النّاس إنّ أمیركم هذا أمرنی أن ألعن علیّا فالعنوه لعنه اللّه .

[ 184 ]

و منها ما رواه عن ابن شهر آشوب عن عبد اللّه بن أبی رافع قال : حضرت أمیر المؤمنین علیه السّلام و قد وجّه أبا موسى الأشعری فقال له احكم بكتاب اللّه و لا تجاوزه ،

فلما أدبر قال علیه السّلام و كأنّی به و قد خدع ، قلت : یا أمیر المؤمنین فلم توجهه و أنت تعلم أنّه مخدوع ؟ فقال علیه السّلام : یا بنیّ لو عمل اللّه فی خلقه بعلمه ما احتجّ علیهم بالرّسل .

و منها ما رواه عن ابن شهر آشوب أنه علیه السّلام أخبر بقتل جماعة منهم حجر بن عدىّ و رشید الهجرى و كمیل بن زیاد و میثم التّمار و محمّد بن اكثم و خالد بن مسعود و حبیب بن المظاهر و حویرثه و عمرو بن الحمق و مزرع و غیرهم ، و وصف قاتلهم و كیفیّة قتلهم . عبد العزیز بن صهیب عن أبی العالیة قال : حدّثنى مزرع بن عبد اللّه قال : سمعت أمیر المؤمنین علیه السّلام یقول أما و اللّه لیقبلنّ جیش حتى إذا كان بالبیداء خسف بهم فقلت : هذا علم غیب ، قال : و اللّه لیكوننّ ما أخبرنی به أمیر المؤمنین علیه السّلام و لیأخذنّ رجل فلیقتلنّ و لیصلبنّ بین شرفتین من شرف هذا المسجد ، فقلت :

هذا ثان ، قال حدّثنی الثقة المأمون علیّ بن أبی طالب علیه السّلام قال أبو العالیة فما أتت علینا جمعة حتى اخذ مزرع و صلب بین الشرفتین .

و منها ما رواه عن البرسی عن محمّد بن سنان و ساق الحدیث قال : سمعت أمیر المؤمنین علیه السّلام یقول لعمر 1 : یا عمر یا مغرور إنی أراك فی الدّنیا قتیلا بجراحة من عبد امّ معمر تحكم علیه جورا فیقتلك توقیعا یدخل بذلك الجنّة على رغم منك .

و منها ما رواه عن ثاقب المناقب عن إبراهیم بن محمّد الأشعری عمّن رواه قال إنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام أراد أن یبعث بمال إلى البصرة فعلم ذلك رجل من أصحابه فقال لو أتیته فسألته أن یبعث معى بهذا المال فاذا دفعه إلىّ أخذت طریق المكرجة فذهبت به ، فأتاه علیه السّلام و قال : بلغنى أنك ترید أن تبعث بمال إلى البصرة ، قال : نعم قال : فادفعه إلىّ فابلغه تجعل لی ما تجعل لمن تبعثه فقد عرفت صحبتی قال : فقال

-----------
( 1 ) أى عمر بن الخطاب .

[ 185 ]

له أمیر المؤمنین علیه السّلام : خذ طریق المكرجة .

و منها ما رواه عن الخصیبی فی هدایته باسناده عن فضیل بن الزبیر قال :

مرّ میثم التمار على فرس له فاستقبل حبیب بن مظاهر عند مجلس بنی أسد فتحدّثا حتّى التقت أعناق فرسیهما ، ثمّ قال حبیب : لكأنّى برجل أصلع ضخم البطن یبیع البطیخ عند دار الرّزق و قد صلب فی حبّ أهل بیت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و یبقر بطنه على الخشبة ،

فقال میثم : و إنّى لأعرف رجلا أحمر له ضفیرتان یخرج لنصرة ابن بنت نبیّه فیقتل و یجال برأسه بالكوفة و اجیز الّذی جاء به ثمّ افترقا ، فقال أهل المجلس : ما رأینا أعجب من أصحاب أبی تراب یقولون إنّ علیا علیه السّلام أعلمهم بالغیب ، فلم یفترق أهل المجلس حتّى أقبل رشید الهجری لیطلبهما فسأل أهل المجلس عنهما فقالوا قد افترقا و سمعناهما یقولان كذا و كذا ، قال رشید لهم : رحم اللّه میثما و حبیبا قد نسى أنّه یزاد فی عطاء الّذی یجی‏ء برأسه مأة درهم ، ثمّ ولّى ، فقال أهل المجلس : هذا و اللّه أكذبهم ، فما مرّت الأیّام حتّى رأى أصحاب المجلس میثما مصلوبا على باب عمرو بن حریث ، و جی‏ء برأس حبیب بن مظاهر من كربلا و قد قتل مع الحسین بن علیّ علیهما السّلام إلى عبید اللّه بن زیاد لعنه اللّه ، و زید فی عطاء الذی حمل رأس حبیب مأة درهم كما ذكر و رؤى كلّما قاله أصحاب أمیر المؤمنین علیه السّلام أخبرهم به أمیر المؤمنین علیه السّلام .

و منها ما رواه عن الخصیبی مسندا عن أبی حمزة الثّمالی عن جابر بن عبد اللّه الأنصاری قال : أرسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم سریة فقال : تصلون ساعة كذا و كذا من اللّیل أرضا لا تهتدون فیها سیرا فاذا وصلتم إلیها فخذوا ذات الشمال فانكم تمرّون برجل فاضل خیّر فتسترشدونه فیأبی أن یرشدكم حتّى تأكلوا من طعامه و یذبح لكم كبشا فیطعمكم ثمّ یقوم معكم فیرشدكم على الطریق فاقرءوه منّی السّلام و أعلموه أنّی قد ظهرت فی المدینة .

فمضوا فلمّا وصلوا إلى الموضع فی الوقت ضلّوا ، فقال قائل منهم : ألم یقل لكم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله خذوا ذات الشمال ، ففعلوا فمرّوا بالرجل الّذی وصفه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فاسترشدوه الطریق فقال : إنّی لا ارشدكم حتّى تأكلوا من طعامی فذبح لهم كبشا فأكلوا من طعامه و قام معهم فأرشدهم الطریق فقال : أظهر النبیّ صلوات اللّه علیه و آله

[ 186 ]

بالمدینة ؟ فقالوا : نعم ، فأبلغوه سلامه فخلّف فی شأنه من خلّف و مضى إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و هو عمرو بن الحمق الخزاعى ابن الكاهن بن حبیب بن عمرو بن القین بن درّاج بن عمرو بن سعد بن كعب ، فلبث معه علیه السّلام ما شاء اللّه .

ثمّ قال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ارجع إلى الموضع الذی هاجرت إلىّ منه فاذا نزل أخى أمیر المؤمنین علیه السّلام الكوفة و جعلها دار هجرته فآته .

فانصرف عمرو بن الحمق إلى شأنه حتّى إذا نزل أمیر المؤمنین علیه السّلام أتاه فأقام معه فی الكوفة .

فبینا أمیر المؤمنین علیه السّلام جالس و عمرو بین یدیه فقال له یا عمرو ألك دار ؟

قال : نعم ، قال : بعها و اجعلها فی الأزد فانی غدا لو قد غبت عنكم لطلبت فتتبعك الأزد حتّى تخرج من الكوفة متوجّها نحو الموصل .

فتمرّ برجل نصرانیّ فتقعد عنده فتستسقیه الماء فیسقیكه و یسألك عن شأنك فتخبره و ستصادفه مقعدا فادعه إلى الاسلام فانّه یسلم فاذا أسلم فامرر بیدك على ركبتیه فانّه ینهض صحیحا سلیما ، و یتبعك .

و تمرّ برجل محجوب جالس على الجادّة فتستسقیه الماء فیسقیك و یسألك عن قصّتك و ما الّذی أخافك و ممّن تتوقع فحدّثه بأنّ معاویة طلبك لیقتلك و یمثل بك لایمانك باللّه و رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و طاعتك لی و إخلاصك فی ولایتی و نصحك للّه تعالى فی دینك فادعه إلى الاسلام فانّه یسلم ، فامرر یدك على عینیه فانه یرجع بصیرا باذن اللّه فیتّبعانك و یكونان معك و هما اللّذان یواریان جثّتك فی الأرض .

ثمّ تصیر إلى الدّیر على نهر یدعى بالدّجلة فانّ فیه صدیقا عنده من علم المسیح علیه السّلام ما تجده لك أعون الأعوان على سرّك و ما ذاك إلاّ لیهدیه اللّه لك فاذا أحسّت بك شرطة ابن امّ الحكم و هو خلیفة معاویة بالجزیرة و یكون مسكنه بالموصل فاقصد إلى الصّدیق الذی فی الدّیر فی أعلى الموصل فناده فانه یمتنع علیك فاذكر اسم اللّه الذى علّمتك إیّاه فانّ الدّیر یتواضع لك حتّى تصیر فی ذروته فاذا رآك ذلك الراهب الصدیق قال لتلمیذ معه لیس هذا أوان المسیح هذا شخص كریم و محمّد قد

[ 187 ]

توفاه اللّه و وصیّه قد استشهد بالكوفة و هذا من حواریه ثمّ یاتیك ذلیلا خاشعا فیقول لك أیّها الشخص العظیم قد أهلتنی لما لم استحقّه فبم تأمرنی ؟ فتقول استر تلمیذی هذین عندك و تشرف على دیرك هذا فانظر ماذا ترى ، فاذا قال لك إنّى أرى خیلا غامرة نحونا .

فخلّف تلمیذیك عنده و انزل و اركب فرسك و اقصد نحو غار على شاطى‏ء الدّجلة تستتر فیه فانّه لا بدّ من أن یسترك و فیه فسقة من الجنّ و الانس ، فاذا استترت فیه عرفك فاسق من مردة الجنّ یظهر لك بصورة تنّین فینهشك نهشا یبالغ فی اضعافك فینفر فرسك فتبدر بك الخیل فیقولون هذا فرس عمرو و یقفون اثره .

فاذا أحسست بهم دون الغار فابرز إلیهم بین دجلة و الجادّة فقف لهم فی تلك البقعة فانّ اللّه جعلها حفرتك و حرمك فالقهم بسیفك فاقتل منهم ما استطعت حتّى یأتیك أمر اللّه فاذا غلبوك حزّوا رأسك و شهروه على قناة إلى معاویة و رأسك أوّل رأس یشهر فی الاسلام من بلد إلى بلد .

ثمّ بكى أمیر المؤمنین علیه السّلام و قال : بنفسى ریحانة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و ثمرة فؤاده و قرّة عینه ابنی الحسین فانّى رأیته یسیر و ذراریه بعدك یا عمرو من كربلا بغربى الفرات إلى یزید بن معاویة علیهما لعنة اللّه .

ثمّ ینزل صاحبك المحجوب و المقعد فیواریان جسدك فی موضع مصرعك و هو من الدیر و الموصل على مأة و خمسین خطوة من الدّیر .

إلى غیر هذه مما لا نطیل بروایتها ، و قد وضح و اتّضح لك مما أوردناه من الاخبار تصدیق ما ذكره علیه السّلام فی هذه الخطبة من علمه علیه السّلام بالغیب و أنه یعلم أعمال الناس و أفعالهم و یطلع على ما أعلنوه و ما أسرّوه ، و یعرف مهلك من یهلك و منجى من ینجو ، و یخبر من ذلك ما یتحمّل على من یتحمّل من خواصّه و بطانته سلام اللّه علیه و آله و شیعته .

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن برگزیده پروردگار و وصىّ رسول مختار است

[ 188 ]

در نصیحت مخاطبین و اظهار بعض مناقب خود مى‏فرماید .

اى غافلانی كه غفلت كرده نشده از رفتار و كردار ایشان ، و اى ترك كنندگان تكالیف خود كه أخذ خواهد شد از ایشان آنچه بایشان داده‏اند از متاع دنیا ،

چیست مرا كه میبینم شما از خداوند تبارك و تعالى كنار روندگانید و بسوى غیر او رغبت كنندگان ، گویا كه شما چهار پایانید كه برده باشد شبانگاه آنها را بسوى چراگاه و با آرنده و شرابگاه بیمار كننده جز این نیست كه آن چهار پایان مثل حیوانی میباشند كه علف داده شده از براى كاردها یعنی از براى كشتن كه نمیشناسند چه چیز اراده میشود بآنها چون احسان میشود بآنها ، گمان میكنند كه روزگار ایشان همین روز ایشان است و بس ، و مى‏پندارند كه كار ایشان منحصر بسیر بودن آنها است ، قسم بخدا اگر بخواهم كه خبر دهم هر مردى را از شما بمكان خروج و محلّ دخول آن و بهمه شغل و شأن آن هر اینه ممكن است بمن اینكار ، و لكن میترسم كه كافر شوید در حق من برسول مختار صلّى اللّه علیه و آله آگاه باشید بدرستیكه من رساننده‏ام این اخبار غیبی را بخواص أصحاب خود از آن اشخاصیكه أیمنی شده باشد این كفر از ایشان .

و قسم بذاتى كه مبعوث فرموده پیغمبر را براستی و برگزیده او را بجمیع خلق سخن نمى‏گویم مگر در حالت راستی و صدق و بتحقیق كه عهد فرموده حضرت رسالت صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بسوى من بهمه این اخبار و بهلاكت كسى كه هلاك میشود و بنجات یافتن كسیكه نجات خواهد یافت ، و به عاقبت این امر خلافت و باقی نگذاشت چیزى را كه خواهد گذشت بر سر من از حوادث روزگار مگر اینكه ریخت آنرا در گوشهاى من و رسانید آن را بمن ، أى مردمان بحق خدا تحریص نمى‏كنم شما را بر طاعتی مگر اینكه سبقت مى‏نمایم بشما بسوى آن طاعت ، و نهى نمیكنم شما را از معصیتی مگر اینكه خود دارى میكنم پیش از شما از آن معصیت .





نظرات() 


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox