تبلیغات
پیام هادی - تفاسیر نهج البلاغه
 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-01:28 ب.ظ

[ 194 ] و من خطبة له ع یصف فیها المنافقین

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا وَفَّقَ لَهُ مِنَ اَلطَّاعَةِ وَ ذَادَ عَنْهُ مِنَ اَلْمَعْصِیَةِ وَ نَسْأَلُهُ لِمِنَّتِهِ تَمَاماً وَ بِحَبْلِهِ اِعْتِصَاماً وَ نَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ خَاضَ إِلَى رِضْوَانِ اَللَّهِ كُلَّ غَمْرَةٍ وَ تَجَرَّعَ فِیهِ كُلَّ غُصَّةٍ وَ قَدْ تَلَوَّنَ لَهُ اَلْأَدْنَوْنَ وَ تَأَلَّبَ عَلَیْهِ اَلْأَقْصَوْنَ وَ خَلَعَتْ إِلَیْهِ اَلْعَرَبُ أَعِنَّتَهَا وَ ضَرَبَتْ إِلَى مُحَارَبَتِهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا حَتَّى أَنْزَلَتْ بِسَاحَتِهِ عَدَاوَتَهَا مِنْ أَبْعَدِ اَلدَّارِ وَ أَسْحَقِ اَلْمَزَارِ أُوصِیكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ وَ أُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ اَلنِّفَاقِ فَإِنَّهُمُ اَلضَّالُّونَ اَلْمُضِلُّونَ وَ اَلزَّالُّونَ اَلْمُزِلُّونَ یَتَلَوَّنُونَ أَلْوَاناً وَ یَفْتَنُّونَ اِفْتِنَاناً وَ یَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادٍ وَ یَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ قُلُوبُهُمْ دَوِیَّةٌ وَ صِفَاحُهُمْ نَقِیَّةٌ یَمْشُونَ اَلْخَفَاءَ وَ یَدِبُّونَ اَلضَّرَاءَ وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ وَ قَوْلُهُمْ شِفَاءٌ وَ فِعْلُهُمُ اَلدَّاءُ اَلْعَیَاءُ حَسَدَةُ اَلرَّخَاءِ وَ مُؤَكِّدُو اَلْبَلاَءِ وَ مُقْنِطُو اَلرَّجَاءِ لَهُمْ بِكُلِّ طَرِیقٍ صَرِیعٌ وَ إِلَى كُلِّ قَلْبٍ شَفِیعٌ وَ لِكُلِّ شَجْوٍ دُمُوعٌ یَتَقَارَضُونَ اَلثَّنَاءَ وَ یَتَرَاقَبُونَ اَلْجَزَاءَ إِنْ سَأَلُوا أَلْحَفُوا وَ إِنْ عَذَلُوا كَشَفُوا وَ إِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٍّ بَاطِلاً وَ لِكُلِّ قَائِمٍ مَائِلاً وَ لِكُلِّ حَیٍّ قَاتِلاً وَ لِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحاً وَ لِكُلِّ لَیْلٍ مِصْبَاحاً یَتَوَصَّلُونَ إِلَى اَلطَّمَعِ بِالْیَأْسِ لِیُقِیمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ وَ یُنْفِقُوا بِهِ أَعْلاَقَهُمْ یَقُولُونَ فَیُشَبِّهُونَ وَ یَصِفُونَ فَیُمَوِّهُونَ قَدْ هَوَّنُوا اَلطَّرِیقَ وَ أَضْلَعُوا اَلْمَضِیقَ فَهُمْ لُمَةُ اَلشَّیْطَانِ وَ حُمَةُ اَلنِّیرَانِ أُولئِكَ حِزْبُ اَلشَّیْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اَلشَّیْطانِ هُمُ اَلْخاسِرُونَ

[ 169 ]

و من خطبة له علیه السّلام یصف فیها المنافقین و هى المأة و الثالثة و التسعون من المختار فى باب الخطب

نحمده على ما وفّق له من الطّاعة ، و ذاد عنه من المعصیة ، و نسئله لمنّته تماما ، و بحبله اعتصاما ، و نشهد أنّ محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عبده و رسوله ،

خاض إلى رضوان اللّه كلّ غمرة ، و تجرّع فیه كلّ غصّة ، و قد تلوّن له الأدنون ، و تألّب علیه الأقصون ، و خلعت إلیه العرب أعنّتها ،

و ضربت إلى محاربته بطون رواحلها ، حتّى أنزلت بساحته عداوتها من أبعد الدّار ، و أسحق المزار .

أوصیكم عباد اللّه بتقوى اللّه ، و أحذّركم أهل النّفاق ، فإنّهم الضّالّون المضلّون ، و الزّالّون المزلّون ، یتلوّنون ألوانا ، و یفتنّون افتنانا ، و یعمدونكم بكلّ عماد ، و یرصدونكم بكلّ مرصاد ، قلوبهم دویّة ، و صفاحهم نقیّة ، یمشون الخفاء ، و یدبّون الضّراء ، وصفهم دوآء ،

و قولهم شفآء ، و فعلهم الدّآء العیاء ، حسدة الرّخآء ، و مؤكّدوا

[ 170 ]

البلاء ، و مقنّطوا الرّجاء ، لهم بكلّ طریق صریع ، و إلى كلّ قلب شفیع ، و لكلّ شجو دموع ، یتقارضون الثّنآء ، و یتراقبون الجزاء ،

إن سئلوا ألحفوا ، و إن عذلوا كشفوا ، و إن حكموا أسرفوا ،

قد أعدّوا لكلّ حقّ باطلا ، و لكلّ قائم مائلا ، و لكلّ حیّ قاتلا ،

و لكلّ باب مفتاحا ، و لكلّ لیل مصباحا ، یتوصّلون إلى الطمع بالیأس لیقیموا به أسواقهم ، و ینفّقوا به أعلاقهم ، یقولون فیشبّهون و یصفون فیموّهون ، قد هیّؤا الطّریق ، و أضلعوا المضیق ، فهم لمّة الشّیطان ، و حمّة النّیران ، أولئك حزب الشّیطان ألا إنّ حزب الشّیطان هم الخاسرون .

اللغة

قال فی محكیّ النهایة : قد تكرّر فی الحدیث ذكر النّفاق و ما تصرّف منه اسما و فعلا ، و هو اسم لم یعرفه العرب بالمعنى المخصوص ، و هو الّذی یستر كفره و یظهر ایمانه و ان كان أصله فی اللغة معروفا یقال نافق ینافق منافقه و نفاقا ، و هو مأخوذ من النافقاء إحد جحرتی الیربوع إذا طلب من واحد هرب إلى الآخر و خرج منه ،

و قیل من النفق و هو السّرب الّذى یستتر فیه لستره كفره انتهى .

و قال الطریحی : المنافق هو الّذی یستر الكفر و یظهر غیره من النّفق و هو السّرب فی الأرض أى یستتر بالاسلام كما یستتر فی السّرب .

و ( الذّود ) الطّرد و الدّفع و ( خاض ) فی الأمر دخل فیه و أصل الخوض دخول

[ 171 ]

القدم فیما كان مایعا من الماء و الطّین ، ثمّ كثر استعماله فی كلّ دخول فیه اذى و ( الغمرة ) الشدّة و غمرات الموت شدائده ، و فی القاموس غمرة الشی‏ء شدّته و مزدحمه و ( الغصّة ) الشجی فی الحلق و الجمع غصص و ( سحق ) المكان فهو سحیق مثل بعد فهو بعید لفظا و معنا قال تعالى فسحقاً لأَصحاب السعیر أى بعدا و ( المزار ) المكان الّذى یزار منه أو فیه ، و المراد هنا الأوّل و ( زلّ ) فلان عن الأمر أخطاه و أزلّه غیره أوقعه فی الخطاء .

و رجل ( مفنن ) ذو فنون فی القول و غیره ( و یعمدونكم بكلّ عماد ) قال الشّارح المعتزلی : أى یفدحونكم و یهدّونكم یقول عمده المرض یعمده أى هدّه بكلّ عماد أى بأمر فادح و خطب مؤلم ، انتهى .

أقول : و یجوز جعل یعمدونكم بمعنى یقصدونكم و ( رصدته ) رصدا من باب قتل إذا قعدت له على طریقه تترقبه ، و قعد فلان بالمرصد وزان جعفر و بالمرصاد بالكسر أى بطریق الارتقاب و الانتظار و ( خفى ) الشى‏ء یخفى خفاء بالفتح إذا استتر و ( دبّ ) النّمل دبیبا مشى مشیا رویدا و ( الضراء ) بالفتح و تخفیف الراء و المدّ الشّجر الملتف فى الوادى و ( الدّاء العیاء ) الّذى أعیا الأطبّاء و لم ینجع فیه الدّواء و ( نفق ) البیع نقاقا كسحاب راج و نفّق السّلعة تنفیقا روّجها كأنفقها و ( الاعلاق ) جمع علق كأحبار و حبر و هو النفیس من كلّ شی‏ء و ( التمویه ) التزیین و موّه الشی‏ء طلاه بفضّة أو ذهب و تحته نحاس لیزیّنه به .

قوله ( قد هیؤا الطریق ) فی بعض النسخ هیّؤا بالهمزة من التهیّاء ، و فی بعض بالنّون من الهیّن و هو السّهل فكانّه منقول من الواو إلى الیاء ، و الأصل هوّنوا الطریق أى سهّلوها و ( أضلع ) الشی‏ء أماله و جعله معوجا و ضلع الشی‏ء ضلعا من باب تعب أعوج و ( اللّمة ) بضمّ اللام و فتح المیم مخففة الجماعة و بالتشدید الصاحب و الاصحاب فی السّفر و المونس یستعمل فی الواحد و الجمع و ( حمّة النیران ) بالتشدید معظم حرّها و بالتّخفیف سمّ العقرب .

[ 172 ]

الاعراب

من فی قوله : من الطاعة و من المعصیة بیان لما ، و الضّمیر فی له و عنه عاید إلى ما ، و قوله : خاض إلى رضوان اللّه إلى متعلّق بمقدّر حال من فاعل خاض أى متوجّها إلى رضوانه ، و الخفاء و الضّراء منصوبان على الظّرفیّة المجازیّة .

المعنى

اعلم أنّ الخطبة السّابقة لما كانت فی وصف المتّقین عقّبها الرّضیّ « قد » بهذه الخطبة الّتی یصف علیه السّلام فیها المنافقین ملاحظة لحسن النّظم و بدیع ترتیب الكتاب ، و المنافق حسبما عرفت آنفا هو الّذى یبطن الكفر و یظهر الایمان كما قال الشاعر :

للمؤمنین أمور محزیة
و للمنافق سرّ دونه نفق

و اطلاق المنافق بهذا المعنى هو المعروف فی الكتاب و السّنة ، و المستفاد من بعض الأخبار أنّه قد یطلق على الناقص الایمان .

مثل ما رواه فی الكافی فی باب أصول الكفر و أركانه عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زیاد عن بعض أصحابه عن عبد اللّه بن سنان عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال :

قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ثلاث من كنّ فیه كان منافقا و إن صام و صلّى و زعم أنّه مسلم :

من إذا ائتمن خان ، و إذا حدّث كذب ، و إذا وعد أخلف إنّ اللّه عزّ و جلّ قال فی كتابه انّ اللَّه لا یحبّ الخائنین و قال انّ لعنة اللَّه علیه ان كان من الكاذبین و فی قوله عزّ و جلّ و اذكر فی الكتاب اسمعیل انّه كان صادق الوعد و كان رسولا نبیّا .

و فیه فی باب النفاق و المنافق باسناده عن أبی حمزة عن علیّ بن الحسین علیهما السّلام قال :

إنّ المنافق ینهى و لا ینتهى و یأمر بما لا یأتی ، و إذا قام إلى الصّلاة اعترض ، قلت :

یا ابن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ما الاعتراض ؟ قال علیه السّلام : الالتفات و إذا ركع ربض ، یمسى و همّه العشاء و هو مفطر ، و یصبح و همّه النوم و لم یسهر ، إن حدّثك كذبك و إن ائتمنته خانك ، و إن غبت اغتابك ، و إن وعدك أخلفك .

[ 173 ]

إذا عرفت ذلك فأقول : إنّه علیه السّلام قبل أن یأخذ فى وصف المنافقین افتتح كلامه بما جرى عادته على الافتتاح به فى باب الخطابة من ثناء اللّه تعالى و تعظیمه و تمجید رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال ( بحمده على ما وفق له من الطاعة و ذاد عنه من المعصیة ) أى نحمده على ما وفّقنا له من طاعاته الموصلة الى جنانه و المحصلة لرضوانه ، و على ما أبعدنا منه من سیئآته المؤدیة الى نیرانه ، و الموجبة لخذلانه .

و حصول هذا التوفیق منه عزّ و جلّ فی حقه علیه السّلام بما أفاض علیه من القوّة العاصمة و ملكة العصمة الدّاعیة إلى المعروف و الرّادعة عن المنكر .

و اما فى حقّ غیره الذین شرّكهم 1 معه فی ثنائه فبالأوامر و النواهى الواردة فى الكتاب و السّنة و اجتماع شرایط الطاعة و انقطاع أسباب المعصیة .

( و نسأله لمنّته تماما ) أى نسأل منه عزّ و جلّ أن یتمّ علینا نعمته ، فانّه المنّان الذى یبدء بالنوال قبل السؤال .

و المراد بنعمته التى سأل تمامها إما خصوص نعمة التوفیق المذكورة فى الجملة السابقة أو الأعمّ منها ، و الأوّل أولى بسبق العهد ، و الثانى أنسب بمقام السؤال فان قلت : نعم اللّه سبحانه غیر متناهیة كما قال عزّ من قائل « ان تعدّوا نعمة اللَّه لا تحصوها » فكیف سأل تمامیّتها و هى أجلّ عن أن تستقصى و أعظم من أن تستتمّ .

قلت : إن ارید بمنّته خصوص نعمة التوفیق فلا إشكال ، و یراد حینئذ بتمامیّتها كمالها و استمرارها إلى آخر العمر ، و إن ارید الأعمّ فیراد بتمامیّتها أن ینضمّ ما أنعم به علیه فى الدّنیا إلى نعمة الآخرة أى یصل نعمة الدّنیا بنعمة الآخرة كما قاله بعض المفسرین فى قوله تعالى و یتمّ نعمته علیك و على آل یعقوب كما أتمّها على ابویك من قبل إبراهیم و إسحاق من أنّ المراد بقوله یتمّ نعمته أن یصل نعمة الدّنیا بنعمة الآخرة بأن یجعلهم أنبیاء و ملوكا ثمّ ینقلهم إلى نعیم الآخرة و الدّرجات العلى من الجنّة ( و ) نسأله ( بحبله اعتصاما ) أى تمسّكا بكتابه المبین ، فانّه حبل اللّه المتین

-----------
( 1 ) حیث قال : نحمده بصیغة المتكلّم مع الغیر منه

[ 174 ]

كما وصفه علیه السّلام بذلك فى الخطبة المأة و الخامسة و السبعین و كذلك وصفه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أیضا به فى حدیث الثقلین الذى قدّمنا روایته فى شرح الخطبة السادسة و الثمانین .

و استعیر عنه أیضا فى الكتاب العزیز فى قوله « و اعتصموا بحبل اللَّه جمیعا و لا تفرّقوا » على أحد تفاسیره ، و وجه الاستعارة أنّ الاعتصام و التمسك بالحبل الوثیق المحكم كما أنه سبب النجاة من المهاوى و المهالك ، فكذلك بالتمسك بالقرآن یحصل النجاة من الكفر و الضلال الموجب للهلاك الدّائم و الخزى العظیم .

و روى الطریحى فى مجمع البحرین عن علىّ بن الحسین علیهما السّلام قال : الامام منّا لا یكون إلاّ معصوما و لیست العصمة فی ظاهر الخلقة فتعرف ، قیل : فما معنى المعصوم ؟ قال علیه السّلام : المعتصم بحبل اللّه ، و حبل اللّه هو القرآن لا یفترقان إلى یوم القیامة .

و بما ذكرناه ظهر أنّ جعل المراد بالحبل فی المتن هو القرآن أولى و أظهر من تفسیره بالدّین القویم كما فی شرح البحرانی ، هذا .

و لمّا حمد اللّه عزّ و جلّ بما هو أهله عقّبه بالشهادة بالرّسالة فقال ( و نشهد أنّ محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عبده و رسوله ) قد مرّ بیان معنى العبد و أنّ مرتبة الرّسالة فوق مرتبة العبودیّة فی شرح الخطبة الاحدى و السبعین فلیتذكر .

و لمّا شهد برسالته اتبعه بشرح حاله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حین أداء الرّسالة فقال ( خاض إلى رضوان اللّه كلّ غمرة ) استعار لفظ الغمرة عن غمرة الماء و هی معظمه و مزدحمه للشدائد و المكاره الّتى ابتلى بها حین بعثته ، و الجامع للاستعارة أنّ غمرة الماء كما تغمر و تغطى الخائض فیها من كلّ جانب فكذلك تلك المكاره و الشدائد حسبما تعرف كانت محیطة به صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من كلّ طرف ، و رشّح الاستعارة بذكر لفظ الخوض .

و محصّل المراد انّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم تحمل كلّ مكروه توجّها إلى منتهى رضاه عزّ و جلّ ( و تجرّع فیه كلّ غصّة ) أى تجرّع الغصص فی تحصیل رضوانه تعالى ، أى ابتلعها جرعة بعد جرعة و أراد بالغصص الغموم و الهموم العارضة له من مزید أذى المشركین

[ 175 ]

و سوء فعالهم .

( و قد تلوّن له الأدنون ) أى تغیّر له أقاربه من قریش ألوانا ( و تألّب علیه الأقصون ) أى تجمّع على حربه الأباعد منه نسبا من أقصى البلاد ( و خلعت ) متوجّهة ( الیه ) معاشر ( العرب أعنّتها و ضربت إلى محاربته بطون رواحلها ) قال الشارح البحرانی :

هذان مثلان كنّی بهما عن المسارعة إلى حربه لأنّ أقوى عدو الخیل إذا خلعت أعنّتها و أقوى عدوّ الرّواحل إذا ضربت بطونها و فیه ایماء إلى أنّهم أتوه فرسانا و ركبانا مسرعین إلى حربه .

( حتى انزلت بساحته ) و منزله ( عداوتها ) أى حربها و اطلاقها علیه من باب اطلاق اسم السبب على المسبب ، أى أسرعوا إلى حربه صلّى اللّه علیه و آله ( من أبعد الدّار و أسحق المزار ) و فیه إشارة إلى غایة عداوتهم ، لأنّ الظعن إلى الحرب من مكان بعید لا یكون إلاّ عن اهتمام أكید و عناد عنید و عداوة شدیدة .

قال الشارح المعتزلی : من قرء كتب السّیر علم ما لاقى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی ذات اللّه من المشقّة و استهزاء قریش به فی أوّل الدّعوة و رمیهم إیّاه بالحجارة حتى أدموا عقیبه و صیاح الصبیان به و القاء فرث الكرش على رأسه ، و فتل الثوب فى عنقه ،

و حصره و حصر أهله فی شعب بنی هاشم سنین عدیدة محرّمة معاملتهم و مبایعتهم و مناكحتهم و كلامهم حتى كادوا یموتون جوعا لو لا أنّ بعض من كان یحنو علیهم لرحم أو لسبب غیره فهو یسرق الشى‏ء القلیل من الدّقیق أو التمر فیلقیه إلیهم لیلا .

ثمّ ضربهم أصحابه و تعذیبهم بالجوع و الوثاق فی الشمس و طردهم إیاه عن شعاب مكة حتى خرج من خرج منهم إلى الحبشة و خرج صلّى اللّه علیه و آله مستجیرا منهم تارة بثقیف ، و تارة ببنى عامر ، و تارة بربیعة الفرس و بغیرهم .

ثمّ أجمعوا إلى قتله و الفتك به لیلا حتى هرب منهم لائذا بالأوس و الخزرج ،

تاركا أهله و أولاده و ما حوته یده ، ناجیا بحشاشة نفسه حتى وصل إلى المدینة ،

فناصبوه الحرب و رموه بالمناسر و الكتائب ، و ضربوا له آباط الابل .

[ 176 ]

و لم یزل منهم فی عناء شدید و حروب متصلة حتى أكرمه اللّه تعالى و أیّده و نصر دینه و أظهره ، انتهى .

و محصّل الكلام أنه صلّى اللّه علیه و آله قد كابد الشداید و قاسى الهموم و تجرّع الغصص لتأسیس أساس الاسلام و تشیید قوائم الدّین ، هذا .

و انما مهّد علیه السّلام تلك المقدّمة أعنی مقدّمة البعثة لأنّه لما كان غرضه الأصلى من هذه الخطبة التحذیر من المنافقین الذین كان همّهم فی إبطال الدّین و ترویج الباطل ، أراد أن ینبّه على مزید خبث طینتهم الموجب لمزید الحذر منهم حیث إنهم یریدون لیطفؤا نور اللّه ، و یبطلوا الدّین القویم الذى قد قوسی فیه هذه المكاره ،

و احتمل تلك المشاق الكثیرة .

و قبل التحذیر منهم أوصى المخاطبین بما لا یزال یوصى به فقال ( اوصیكم عباد اللّه بتقوى اللّه ) و التصلّب فی الدّین ( و أحذّركم ) من كید ( أهل النفاق ) و خدیعة الخائنین أى الذین أظهروا الاسلام و أبطنوا الكفر .

و الظاهر أنّ غرضه علیه السّلام منه التعریض على معاویة و عمرو بن العاص و أمثالهما من المنتحلین للاسلام ، و یشعر بذلك قوله علیه السّلام فی عهده الآتی فی المتن إلى محمّد بن أبی بكر حین قلّده مصر حیث قال فیه متعرّضا على معاویة :

فانه لا سواء إمام الهدى و إمام الرّدى ، و ولیّ النبیّ و عدوّ النبیّ ، و لقد قال لی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إنی لا أخاف على امتى مؤمنا ، و لا مشركا ، أمّا المؤمن فیمنعه اللّه بایمانه ، و أمّا المشرك فیقمعه اللّه بشركه ، و لكنّی أخاف علیكم كلّ منافق الجنان ،

عالم اللّسان ، یقول ما تعرفون ، و یفعل ما تنكرون .

و لما حذّر عن المنافقین اتبعه بذكر مذامّهم و مثالبهم تنفیرا عنهم و قال ( فانّهم الضالّون ) عن الصراط المستقیم و النهج القویم ( المضلّون ) لغیرهم عنه بالشبه و التمویه ( و الزّالون المزلّون ) أى الخاطئون الموقعون لغیرهم فى الخطاء أیضا .

( یتلوّنون ألوانا ) أى یتغیّرون فى أقوالهم و أفعالهم من حال إلى حال بحسب

[ 177 ]

تبدّل أهوائهم الفاسدة فیلاقون كلا بوجه و لسان غیر الآخر .

( و یفتنون افتنانا ) أى یتشعّبون بأنحاء مختلفة فى القول و العمل على مقتضى اختلاف آرائهم الباطلة .

( و یعمدونكم بكلّ عماد ) أى یقصدونكم بكلّ أمر فادح ثقیل و خطب مؤلم على وجه الخدعة و الحیلة .

( و یعمدونكم بكلّ عماد ) أى یقصدونكم بكلّ أمر فادح ثقیل و خطب مؤلم على وجه الخدعة و الحیلة .

( و یرصدونكم بكلّ مرصاد ) أى یترقّبونكم و یقعدون منتظرین بكلّ طریق معدّ للارتقاب ، یعنی أنّهم لا یغفلون عنكم و لا یدعون مراقبتكم و یهیّئون وجوه الحیل فی اضلالكم و إصابتكم بكلّ مكروه .

( قلوبهم دویّة ) أى فاسدة من داء أصابها و هو الدّاء النّفسانی الموجب لمرضها كالحقد و الحسد و العداوة و البخل و النّفاق و الشّك و الارتیاب ، قد وصفهم اللّه سبحانه أیضا بهذا الوصف حیث قال « فی قلوبهم مرض فزادهم اللَّه مرضا .

قال الطبرسى فى تفسیر الآیة ، إنما سمى الشك فی الدّین مرضا لأنّ المرض هو الخروج عن حدّ الاعتدال ، فالبدن ما لم تصبه آفة یكون صحیحا سویّا ، و كذلك القلب ما لم یصبه آفة من الشّكّ یكون صحیحا ، و قیل : المرض هو الفتور فهو فی القلب فتوره عن الحقّ كما أنّه فی البدن فتور الأعضاء .

( و صفاحهم نقیّة ) أى صفحات وجوههم طاهرة نظیفة ، و هو كنایة عن اتّصاف ظاهرهم بالبشر و البشاشة و المحبّة و النّصح و الصّداقة خلاف ما فی باطنهم من الشرّ و الفساد و اللّدد و العناد .

( یمشون ) فی ( الخفاء ) أى مختفیا قال الشارح البحرانی : و هو كنایة عن كون حركاتهم القولیّة و الفعلیّة فیما یریدونه فی خفاء أفهام النّاس .

( و یدبّون الضّراء ) و هو مثل یضرب لمن أراد أن یختل صاحبه یقال : فلان یدبّ له الضّراء إذا أراد بصاحبه سوء و أذى من حیث لا یعلم ، كمن یمشى فی الشّجر الملتف الساتر للاصطیاد .

( وصفهم دواء و قولهم شفاء و فعلهم الدّاء العیاء ) یعنی أنّهم یتّصفون ظاهرا

[ 178 ]

بأوصاف أهل الایمان أو أنّهم یصفون من الطاعات و الخیرات ما هو دواء الأمراض النفسانیة كالمؤمنین ، و یقولون من الأقوال الحسنة و المواعظ البالغة ما هو شفاء الصّدور كالنّاسكین و الزّاهدین ، و یفعلون فعل الفاسقین الفاجرین الّذى هو الدّاء الأكبر المعیی للأطباء من العلاح .

و محصّله أنّهم یتّصفون ظاهرا بصفات المؤمنین ، و یتكلّمون بمثل كلامهم إلاّ أنّ أفعالهم خلاف أقوالهم ، و باطنهم مناف لظاهرهم كما قال تعالى فی وصفهم « یقولون بأفواههم ما لیس فی قلوبهم و اللَّه أعلم بما یكتمون » و قال أیضا « و إذا لقوا الّذین آمنوا قالوا آمنّا و إذا خلوا إلى شیاطینهم قالوا انّا معكم انّما نحن مستهزؤن » و فی سورة آل عمران « و إذا لقوكم قالوا آمنّا و إذا خلوا عضّوا علیكم الأَنامل من الغیظ قل موتوا بغیظكم انّ اللَّه علیم بذات الصّدور » .

( حسدة الرّخاء ) أى إن رأوا لأحد سعة و رفاهیّة فی العیش و نعمة أنعم اللّه سبحانه بها علیه یحسدونه و یحزنونه به كما قال تعالى ان تمسسكم حسنة تسؤهم و إن تصبكم سیئة یفرحوا بها ( و مؤكّدوا البلاء ) یعنی إذا وقع أحد فی بلاء و مكروه یسعون فی تأكیده و تشدیده بالسّعایة و النمیمة و سایر أسباب التشدید ، و لا یسعون فی دفعه و رفعه و اصلاحه و فی بعض النّسخ و مولّدوا البلاء باللاّم و هو ظاهر .

( و مقنطوا الرّجاء ) قال البحرانی : أى إذا رجا راج أمرا ففی طباعهم أن یقنطوه و یؤیسوه ، و هكذا شأن المنافق الكذّاب أن یبعّد القریب و یقرّب البعید أقول : و یحتمل أن یكون المراد أنّهم بمقتضى خبثهم الباطنی یقنّطون الرّاجین من رحمة اللّه عزّ و جلّ و یؤیسونهم منها ، و ذلك لقنوطهم فی أنفسهم منها بما لهم من الغیّ و الضّلال كما قال تعالى و من یقنط من رحمة ربّه إلاّ الضّالّون ( لهم بكلّ طریق صریع ) الظّاهر أنّ المراد به أنّ لهم فی كلّ طریق من طرق البرّ صرعى أى هلكى لاضلالهم النّاس عنها ، و قال الشّارح البحرانی : إنّه كنایة عن كثرة من یقتلونه أو یؤذونه بخدیعتهم و كنّى بالطّریق إمّا عن كلّ مقصد

[ 179 ]

قصدوه أو عن كلّ حیلة احتالوها و مكر مكروه ، فانّه لا بدّ أن یستلزم أذى و الأظهر ما قلناه .

( و إلى كلّ قلب شفیع ) أى إلى صرف كلّ قلب نحوهم و عطفه إلیهم وسیلة و واسطة ، و هى خلابة ألسنتهم و ملقهم و ما یظهرونه من التّلطّف و التّؤدد و التّملق أو المراد أنّ لهم إلى تحریف كلّ قلب و إضلاله عن الحقّ شفیع ، و على أىّ تقدیر فالمراد به التّنبیه على شدّة استیلائهم على القلوب و تمكّنهم من التّصرّف فیها بأىّ نحو كان .

( و لكلّ شجو دموع ) یعنی أنّهم یسكبون دموعهم و یبكون ریاء عند كلّ محزون و مصاب تخییلا بأنّهم مشاركوهم فی الحزن و الأسف و قصدهم بذلك التوصّل إلى حصول أغراضهم الفاسدة .

( یتقارضون الثّناء ) أى یثنى أحدهم على الآخر لیثنى الآخر علیه كأنّه یقرض الثناء لیأخذ عوضه .

( و یتراقبون الجزاء ) أى یترقّب كلّ واحد منهم جزاء محمدته و ثنائه من صاحبه إذا أثنى علیه و ینتظر أن یجزیه بمثل ثنائه أو بغیره من وجوه الجزاء .

( إن سألوا ألحفوا ) أى أسرّوا فی سؤالهم و ألحوّا فیه ( و إن عذلوا كشفوا ) یعنی إن لاموا أحدا ببعض المعایب كشفوا عیوبه عند الأجانب و الأقارب ، و ربما یظهرونها عند من لا یرضى بالاظهار عنده ، و ذلك لعدم كون نصحهم عن وجه الصدق و الخلوص حتى یناصحوه فی الخلوة لا فى الملاء .

( و ان حكموا أسرفوا ) أى إذا ولى أحدهم ولایة أسرف فیها بالظلم و الطغیان و أفرط فی الأكل و الشرب و الانهماك فى شهوات نفسه كما فعل معاویة فی ولایة الشام .

و یحتمل أن یراد به أنهم إذا فوّض إلیهم الحكم تعدّوا فیه و تجاوزوا عن الاعتدال كما صدر عن عمرو بن العاص و أبی موسى الأشعری فی قضیّة التحكیم .

( قد أعدّوا لكلّ حقّ باطلا ) أى هیّؤا لابطال الحقّ شبهة فاسدة باطلة لیموّهوا

[ 180 ]

بها كما اعتذر المنافق الثانی فی زوى الخلافة عنه علیه السّلام بأنّ فیه دعابة ، و تبعه على ذلك عمرو بن العاص اللّعین كما حكى علیه السّلام عنه فی المختار الثالث و الثمانین بقوله : عجبا لابن النابغة یزعم لأهل الشام إنّ فیّ دعابة و إنّی امرء تلعابة .

( و لكلّ قائم مائلا ) أى أعدّوا لكلّ أمر صحیح مستقیم لیس به اعوجاج ما یوجب اعوجاجه من الشّبه و التمویهات .

( و لكلّ حىّ قاتلا ) یحتمل أن یراد به خصوص ذى الحیاة من نوع الانسان فیراد بالقاتل معناه المعروف و أن یراد به معناه المجازى أى هیؤا لكلّ ما له قوام و ثبات من امور الدّین ما یوجب فساده و إبطاله كما قال علیه السّلام فی المختار المأة و السابع و العشرین ، و انما حكم الحكمان لیحییا ما أحیى القرآن و یمیتا ما أمات القرآن و إحیاؤه الاجتماع علیه و إماتته الافتراق عنه .

( و لكلّ باب مفتاحا ) أى لكلّ باب من أبواب الضلال مفتاحا من وجوه التدبیر و الحیل یفتحونه به على الناس لاضلالهم .

( و لكلّ لیل مصباحا ) أى لكلّ أمر مظلم یعیی فیه رأیا یستضاء به فیه و یهتدى به إلیه كما دبّره ابن العاص عند ضیق الخناق على أهل الشام بصفّین من رفع المصاحف على الرّماح صبیحة لیلة الهریر ، فأنجاهم بتلك الحیلة و المكیدة عن هذه الورطة العظیمة .

( یتوصّلون إلى الطمع بالیأس ) لعلّ المراد أنهم یتزهّدون و یظهرون الیأس و الاستغناء عما فی أیدى الناس و صلة به إلى مطامعهم ، و محصله أنهم یتركون الدنیا للدّنیا و یستغنون عن الناس تزویرا .

( لیقیموا به أسواقهم و ینفقوا به أعلاقهم ) شبههم فى قصدهم إلى إضلال الناس بالتاجر الذی یجلس فی السوق و یعرض متاعه على المشترین و یرغبهم إلیه بحسن المعاملة قصدا إلى رواج متاعه ، فجعلهم بمنزلة التاجر ، و ما عندهم من متاع الضلال بمنزلة المبیع ، و من یریدون إضلاله بمنزلة المشترى ، و ما عنده من الهدى بمنزلة الثمن .

[ 181 ]

فیكون محصّل المعنى أنهم یظهرون الیأس من الناس جلبا لقلوبهم إلیهم ،

و توصلا به إلى ما یطمعونه منهم من الاضلال و الاغواء و غرضهم بذلك إقامة أسواقهم أى انتظام معاملتهم معهم و ترویج ما لدیهم من متاع الضلال الذی یزعمون أنه متاع نفیس مع أنه خبیث خسیس .

( یقولون فیشبهون ) أى یقولون قولا فاسدا فیوقعون به الشبهة فی قلوب الخلق ( و یصفون فیموّهون ) أى یصفون الباطل و یزیّنونه بصورة الحقّ .

( قد هیّنوا الطریق و أضلعوا المضیق ) لعلّ المراد به أنهم جعلوا الطریق المؤدّى إلى الضلال سهلا هینا لمن أرادوا اسلاكهم فیه بالخدع و التمویهات ، و جعلوا المسلك الضیق معوجا لمن أراد الخروج من ورطة الضلال بعد تورطه فیها ، فسهولة الطریق بالنسبة إلى الوارد ، و الضیق و الاعوجاج بالنسبة إلى الخارج .

( فهم لمة الشیطان ) أى جماعته و أصحابه و أتباعه ( وحمة النیران ) أى معظم حرّها و قال الشارح البحرانی مستعار لمعظم شرورهم ، و وجه المشابهة استلزامها للأذى البالغ و كذلك حمة التخفیف .

( اولئك حزب الشیطان ) لاضلالهم الناس عن الهدى إلى الرّدى ( ألا إنّ حزب الشیطان هم الخاسرون ) اقتباس من الآیة الشریفة فی سورة المجادلة قال تعالى استحوذ علیهم الشیطان فانسیهم ذكر اللَّه اولئك حزب الشیطان الآیة .

قال الطبرسی فی تفسیره : أى استولی علیهم یعنی المنافقین و غلب علیهم لشدّة اتباعهم ایاه فأنساهم ذكر اللّه حتى لا یخافون اللّه و لا یذكرونه ، اولئك حزب الشیطان أى جنوده ، ألا انّ حزب الشیطان هم الخاسرون ، یخسرون الجنّة و یحصل لهم بدلها النار .

أقول : و بعبارة أوضح أنهم فوّتوا على أنفسهم النعیم المؤبّد و عرضوها للعذاب المخلّد بما اتّصفوا به من صفة النفاق .

روى فی الكافی باسناده عن محمّد بن الفضیل قال : كتبت إلى أبی الحسن علیه السّلام

[ 182 ]

أسأله عن مسألة فكتب علیه السّلام إلیّ إنّ المنافقین یخادعون اللّه و هو خادعهم و إذا قاموا إلى الصّلاة قاموا كسالى یراؤن النّاس و لا یذكرون اللّه إلاّ قلیلا مذبذبین بین ذلك لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء و من یضلل اللّه فلن تجد له سبیلا ، لیسوا من الكافرین و لیسوا من المؤمنین و لیسوا من المسلمین یظهرون الایمان و یصیرون إلى الكفر و التكذیب لعنهم اللّه .

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن حضرتست كه وصف فرموده در آن منافقین را میفرماید :

حمد میكنم خدا را در مقابل آن چیزى كه توفیق داد مر آن چیز را در طاعت و فرمانبردارى ، و دفع و منع فرمود بندگان را از آن از معصیت و گردن كشى ،

و در خواست مى‏كنیم از او تمام كردن مر منّت او را ، و چنگ زدن بریسمان محكم او كه عبارتست از اسلام یا قرآن .

و گواهى میدهیم اینكه محمّد بنده پسندیده و فرستاده او است ، فرو رفت در هر شداید بجهت توجّه برضاى خدا ، و جرعه جرعه نوشید هر غصّه در تحصیل رضاى إلهى و حال آنكه متغیّر و متلوّن الحال شدند از براى او نزدیكان و خویشان ، و جمع گشتند بر عداوت او بیگانگان ، و كندند طایفه عرب بسوى حرب او لجامهاى خود را و زدند بر شكمهاى شتران باركش خودشان بجهت رفتن بسوى جنگ او تا آنكه فرود آوردند در فضاى خانه و منزل او دشمنى خودشان را از دورترین خانه و دورترین زیارتگاه وصیّت مى‏كنم شما را اى بندگان خدا به پرهیزكارى خدا و مى‏ترسانم شما را از أهل نفاق ، پس بدرستیكه منافقان گمراهان و گمراه كنندگانند ، و لغزندگان و لغزانندگانند ، رنگ برنگ و مختلف الحال مى‏شوند و خلق را تفتین مى‏كنند ،

قصد مى‏كنند شما را بهر أمر سنگین ، و انتظار شما را مى‏كشند در هر گذر گاهى ،

[ 183 ]

قلبهاى ایشان فاسد است ، و صفحه روهاى ایشان پاك و نظیف ، راه مى‏روند در پنهانى و حركت مى‏كنند در طرق اذیّت و اضرار .

صفت ایشان دواء است ، و گفتار ایشان شفاء است ، و كردار ایشان درد بى درمان حسد كنندگان رفاهیّتند ، و محكم كنندگان بلا و معصیبت ، و مأیوس كنندگان امیدند ، ایشان را است در هر راهى افتاده ، و بسوى هر قلبى واسطه ، و از براى هر اندوهى اشك چشمى ، بقرض میدهند بیكدیگر ثنا و ستایش را ، و منتظر مى‏باشند از یكدیگر جزا و احسان را .

اگر سؤال نمایند اصرار مى‏كنند ، و اگر ملامت نمایند پرده درى مى‏كنند ،

و اگر حاكم نمایند ایشان را در حكومتى اسراف مى‏نمایند ، بتحقیق كه مهیّا ساخته‏اند از براى هر حق باطلى را ، و از براى هر راست كجى را ، و از براى هر زنده قاتلى را ، و از براى هر در كلیدى را و از براى هر شب چراغى را .

یعنى صاحبان أنواع و أقسام حیله و خدعه مى‏باشند ، توصّل مى‏كنند بسوى طمع با اظهار یأس از مردم تا اینكه بر پا كنند بسبب اظهار یأس بازار كار خودشان را و رواج دهند متاع خود را ، حرف مى‏زنند پس مشتبه مى‏سازند خلق را ، و تعریف مى‏كنند پس زینت مى‏دهند و آسان مى‏گردانند راه باطل را بجهت داخلین ، و كج مى‏كنند راه تنگ را بجهت خارجین ، پس ایشان جماعت شیطانند ، و چشمه آتشند ایشان دسته شیطانند ، آگاه باش بدرستى دسته شیطان ایشانند زیانكاران .

[ 195 ] و من خطبة له ع یحمد

اللّه و یثنی على نبیه و یعظ حمد اللّه اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِی أَظْهَرَ مِنْ آثَارِ سُلْطَانِهِ وَ جَلاَلِ كِبْرِیَائِهِ مَا حَیَّرَ مُقَلَ اَلْعُقُولِ مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ وَ رَدَعَ خَطَرَاتِ هَمَاهِمِ اَلنُّفُوسِ عَنْ عِرْفَانِ كُنْهِ صِفَتِهِ الشهادتان وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ شَهَادَةَ إِیمَانٍ وَ إِیقَانٍ وَ إِخْلاَصٍ وَ إِذْعَانٍ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ أَرْسَلَهُ وَ أَعْلاَمُ اَلْهُدَى دَارِسَةٌ وَ مَنَاهِجُ اَلدِّینِ طَامِسَةٌ فَصَدَعَ بِالْحَقِّ وَ نَصَحَ لِلْخَلْقِ وَ هَدَى إِلَى اَلرُّشْدِ وَ أَمَرَ بِالْقَصْدِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ العظة وَ اِعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّهُ لَمْ یَخْلُقْكُمْ عَبَثاً وَ لَمْ یُرْسِلْكُمْ هَمَلاً عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمِهِ عَلَیْكُمْ وَ أَحْصَى إِحْسَانَهُ إِلَیْكُمْ فَاسْتَفْتِحُوهُ وَ اِسْتَنْجِحُوهُ وَ اُطْلُبُوا إِلَیْهِ وَ اِسْتَمْنِحُوهُ فَمَا قَطَعَكُمْ عَنْهُ حِجَابٌ وَ لاَ أُغْلِقَ عَنْكُمْ دُونَهُ بَابٌ وَ إِنَّهُ لَبِكُلِّ مَكَانٍ وَ فِی كُلِّ حِینٍ وَ أَوَانٍ وَ مَعَ كُلِّ إِنْسٍ وَ جَانٍّ لاَ یَثْلِمُهُ اَلْعَطَاءُ وَ لاَ یَنْقُصُهُ اَلْحِبَاءُ وَ لاَ یَسْتَنْفِدُهُ سَائِلٌ وَ لاَ یَسْتَقْصِیهِ نَائِلٌ وَ لاَ یَلْوِیهِ شَخْصٌ عَنْ شَخْصٍ وَ لاَ یُلْهِیهِ صَوْتٌ عَنْ صَوْتٍ وَ لاَ تَحْجُزُهُ هِبَةٌ عَنْ سَلْبٍ وَ لاَ یَشْغَلُهُ غَضَبٌ عَنْ رَحْمَةٍ وَ لاَ تُولِهُهُ رَحْمَةٌ عَنْ عِقَابٍ وَ لاَ یُجِنُّهُ اَلْبُطُونُ عَنِ اَلظُّهُورِ وَ لاَ یَقْطَعُهُ اَلظُّهُورُ عَنِ اَلْبُطُونِ قَرُبَ فَنَأَى وَ عَلاَ فَدَنَا وَ ظَهَرَ فَبَطَنَ وَ بَطَنَ فَعَلَنَ وَ دَانَ وَ لَمْ یُدَنْ لَمْ یَذْرَأِ اَلْخَلْقَ بِاحْتِیَالٍ وَ لاَ اِسْتَعَانَ بِهِمْ لِكَلاَلٍ أُوصِیكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ فَإِنَّهَا اَلزِّمَامُ وَ اَلْقِوَامُ فَتَمَسَّكُوا بِوَثَائِقِهَا وَ اِعْتَصِمُوا بِحَقَائِقِهَا تَؤُلْ بِكُمْ إِلَى أَكْنَانِ اَلدَّعَةِ وَ أَوْطَانِ اَلسَّعَةِ وَ مَعَاقِلِ اَلْحِرْزِ وَ مَنَازِلِ اَلْعِزِّ فِی یَوْمٍ تَشْخَصُ فِیهِ اَلْأَبْصَارُ وَ تُظْلِمُ لَهُ اَلْأَقْطَارُ وَ تُعَطَّلُ فِیهِ صُرُومُ اَلْعِشَارِ وَ یُنْفَخُ فِی اَلصُّورِ فَتَزْهَقُ كُلُّ مُهْجَةٍ وَ تَبْكَمُ كُلُّ لَهْجَةٍ وَ تَذِلُّ اَلشُّمُّ اَلشَّوَامِخُ وَ اَلصُّمُّ اَلرَّوَاسِخُ فَیَصِیرُ صَلْدُهَا سَرَاباً رَقْرَقاً وَ مَعْهَدُهَا قَاعاً سَمْلَقاً فَلاَ شَفِیعٌ یَشْفَعُ وَ لاَ حَمِیمٌ یَنْفَعُ وَ لاَ مَعْذِرَةٌ تَدْفَعُ

و من خطبة له علیه السّلام و هى المأة و الرابعة و التسعون من المختار فى باب الخطب

الحمد للّه الّذی أظهر من آثار سلطانه و جلال كبریائه ما حیّر

[ 184 ]

مقل العیون من عجآئب قدرته ، و ردع خطرات هماهم النّفوس عن عرفان كنه صفته ، و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه شهادة إیمان و إیقان ،

و إخلاص و إذعان ، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ، أرسله و أعلام الهدى دارسة ، و مناهج الدّین طامسة ، فصدع بالحقّ ، و نصح للخلق و هدى إلى الرّشد ، و أمر بالقصد صلّى اللّه علیه و آله .

و اعلموا عباد اللّه أنّه لم یخلقكم عبثا ، و لم یرسلكم هملا ، علم مبلغ نعمه علیكم ، و أحصى إحسانه إلیكم ، فاستفتحوه ، و استنجحوه ،

و اطلبوا إلیه ، و استمنحوه ، فما قطعكم عنه حجاب ، و لا أغلق عنكم دونه باب ، و إنّه لبكلّ مكان ، و فی كلّ حین و أوان « زمان خ » ،

و مع كلّ إنس و جانّ ، لا یثلمه العطاء ، و لا ینقصه الحبآء ، و لا یستنفده سائل ، و لا یستقصیه نائل ، و لا یلویه شخص عن شخص ،

و لا یلهیه صوت عن صوت ، و لا تحجزه هبة عن سلب ، و لا یشغله غضب عن رحمة ، و لا تولهه رحمة عن عقاب ، و لا یجنّه البطون عن الظّهور ، و لا یقطعه الظّهور عن البطون ، قرب فناى ، و علا فدنى ،

و ظهر فبطن ، و بطن فعلن ، و دان و لم یدن ، لم یذرء الخلق باحتیال و لا استعان بهم لكلال .

[ 185 ]

أوصیكم عباد اللّه بتقوى اللّه ، فإنّها الزّمام و القوام ، فتمسّكوا بوثائقها ، و اعتصموا بحقائقها ، تؤل بكم إلى أكنان الدّعة ، و أوطان السّعة ، و معاقل الحرز ، و منازل العزّ ، فی یوم تشخص فیه الأبصار ،

و تظلم له الأقطار ، و تعطّل فیه صروم العشار ، و ینفخ فی الصّور فتزهق كلّ مهجة ، و تبكم كلّ لهجة ، و تذلّ الشّمّ الشّوامخ ،

و الصّمّ الرّواسخ ، فیصیر صلدها سرابا رقرقا ، و معهدها قاعا سملقا ،

فلا شفیع یشفع ، و لا حمیم یدفع ، و لا معذرة تنفع .

اللغة

( المقل ) جمع مقلة كغرف و غرفة و هى شحمة العین الّتی تجمع سوادها و بیضها و ( الهمهمة ) الكلام الخفی أو صوت یسمع و لا یفهم محصوله و تردّد الزئیر فی الصّدر من الهمّ و نحوه ، قاله فی القاموس أقول : و الزئیر مأخوذ من الزئر و هو تردید الصّوت فی الجوف ثمّ مدّه ،

و یطلق الزئیر على صوت الأسد من صدره و على كلّ صوت فیه بحح كصوت الفیلة و نحوها .

و ( طمست ) الشی‏ء طمسا محوته و طمس هو یتعدّى و لا یتعدّی و طمس الطریق درست و ( الجانّ ) اسم جمع للجنّ و أبو الجنّ و ( استمنحوه ) بالنّون من المنحة و هى العطیّة و فی بعض النّسخ بالیاء یقال استمحت الرّجل طلبت عطاءه و محت الرّجل أعطیته و ( الثّلمة ) فی الحایط و غیره الخلل و الجمع ثلم كغرفة و غرف و ( نفد ) الشى‏ء ینفد من باب تعب نفادا فنى و انقطع و أنفدته أفنیته و ( النّائل )

[ 186 ]

العطاء كالنوال و النّال و ( سلبت ) ثوب زید من باب قتل أخذته و السّلب بالتحریك الاختلاس و اسم لما یسلب و منه الحدیث من قتل قتیلا فله سلبه .

و قوله ( و لا یجنه البطون عن الظهور و لا یقطعه الظهور عن البطون ) هكذا فی نسخة الشّارح المعتزلی بتذكیر الفعلین ، و علیها فالبطون و الظهور مصدر بطن و ظهر ، و فی بعض النّسخ بتأنیثهما و على ذلك فلا بدّ من جعلهما جمعا للبطن و الظهر كما هو مقتضى القواعد الأدبیّة .

و ( الدّین ) الجزاء و منه الحدیث كما تدین تدان أى كما تجازى تجازى بما فعلت و یقال أیضا على القهر و الغلبة قال ابن الأثیر : و منه الحدیث كان علیّ علیه السّلام دیّان هذه الامّة أى قاهرهم على الطّاعة و فی القاموس الدّین الحساب و القهر و الغلبة و الاستعلاء و السّلطان و الملك و الحكم .

و ( الكلال ) العجز و الاعیاء و ( الاكنان ) جمع كن و هو السّتر یستر من الحرّ و البرد قال تعالى و من الجبال أكنانا و ( المعاقل ) جمع معقل و هو الملجأ .

و ( الصّروم ) إمّا جمع صرمة بالكسر القطعة من الابل ما بین العشرة إلى الأربعین و القطعة من السّحاب و تجمع على صرم مثل سدرة و سدر و إمّا جمع صرم و هى الطّائفة المجتمعة من القوم ینزلون بابلهم ناحیة من الماء و یجمع على أصرام مثل حمل و أحمال ، أو جمع صرماء و هى النّاقة القلیلة اللّبن ، و تجمع على صرم وزان قفل و الأخیر أظهر .

و ( العشار ) من الابل النّوق أتى علیها من یوم ارسل الفحل فیها عشرة شهر فزال عنها اسم المخاض و لا یزال ذلك اسمها حتّى تضع ، و الواحدة عشراء ، و قال الفیروز آبادى و العشراء من النّوق الّتى مضى لحملها عشرة أشهر أو ثمانیة أو هى كالنّفساء من النساء و الجمع عشراوات و عشار ، أو العشار اسم یقع على النّوق حتّى تنتج بعضها و بعضها ینتظر نتاجها .

( و الشمّ ) جمع اشم یقول جبل اشم أى فیه شمم و ارتفاع و رجل اشم أى بأنفه ارتفاع قال فی القاموس و ( رقرقان ) السّراب بالضم ما ترقرق منه أى تحرّك

[ 187 ]

و الرّقراقة التى كان الماء یجرى فى وجهها و ( القاع ) الأرض السهلة المطمئنة قد انفرجت عنها الجبال و الآكام و ( السملق ) الصفصف و هى المستوى من الأرض .

الاعراب

قوله و اطلبوا إلیه ، تعدیة الطلب لتضمینة معنى التضرّع ، و قوله : تؤل ،

بالجزم لوقوعه فی جواب الأمر كما فی نسخة الشارح المعتزلی ، و فی أكثر النسخ بالرفع و الظاهر أنه على الاستیناف البیانی ، و قوله : فی یوم تشخص ، متعلّق بقوله تؤل ، و الفاء فی قوله : فتزهق ، و قوله : فیصیر ، و قوله : فلا شفیع ، كلّها فصیحة .

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشریفة مسوقة للنصح و الموعظة و الأمر بالتقوى مع التنبیه على جملة من صفات الكمال و العظمة و الجلال للّه عزّ و جلّ ، و افتتحها بحمده و الثناء علیه و الشهادة بالتوحید و الرّسالة فقال :

( الحمد للّه الذی أظهر ) فی الملك و الملكوت و الانفس و الافاق و الأرض و السماوات ( من آثار سلطانه و جلال كبریائه ما حیّر مقل العیون ) و ابصار البصایر ( من عجایب قدرته ) و بدایع صنعته و قد تقدّم الاشارة إلى بعضها فی شرح الخطب المسوقة لهذا الغرض و مرّ فصل واف منها فی الخطبة التسعین و شرحها فانظر ما ذا ترى .

و نسبة عجائب القدرة إلى سلطانه و جلال كبریائه لأنّ الاثار العظیمة و المبدعات المحكمة المتقنة إنما یناسب صدورها بالسّلطنة الالهیّة و الجلال الالهى .

( و ردع خطرات هماهم النفوس عن عرفان كنه صفته ) أى دفع و منع الافكار و الرّویات التی تخطر بالنفوس و توجب همهمتها عن معرفة كنه صفات جماله و جلاله و یحتمل أن یراد بالهماهم نفس تلك الأفكار على سبیل الاستعارة لتردّدها فی الجوف مثل تردّد الهماهم .

[ 188 ]

و كیف كان فالغرض منه التنبیه على عجز العقول و المشاعر الظاهرة و الباطنة عن إدراك حقیقته و ذاته حسبما عرفته فى شرح الفصل الثانی من الخطبة التسعین و فی تضاعیف الشّرح مرارا ، و أردف الثّناء علیه تعالى بالشّهادة بتوحیده فقال :

( و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ) و قد مضى الكلام فی تحقیق معناها و الأخبار الواردة فی فضلها بما لا مزید علیه فی شرح الفصل الثانی من الخطبة الثانیة ، و وصفها هنا بأوصاف أربعة :

أحدها كونها ( شهادة ایمان ) أى یطابق القول فیها للعقد القلبی .

( و ) ثانیها كونها شهادة ( ایقان ) أى صادرة عن علم الیقین لا عن وجه التقلید و لا تكون كذلك إلاّ باعتقاد أن لا إله إلاّ هو مع اعتقاد أنّه لا یمكن أن یكون ذلك المعتقد إلاّ كذلك .

( و ) ثالثها أن تكون عن ( اخلاص ) أى جعلها خالصا عن شوب غیره من الرّیا و نحوه و قال الشّارح البحرانی : هى أن یحذف عن ذلك المعتقد كلّ أمر عن درجة الاعتبار و لا یلاحظ معه غیره ، انتهى و قد مرّ له معنى آخر فی الأخبار المتقدّمة فی شرح الخطبة الثانیة من أنّ إخلاصها أن حجزه لا إله إلاّ اللّه عمّا حرّم اللّه .

( و ) رابعها أن تكون متلبّسة ب ( اذعان ) و انقیاد لما هو من توابعها و مقتضیاتها من التّكالیف و الأحكام .

و أردفها بالشهادة بالرّسالة لما عرفت فی الأخبار المتقدّمة فی شرح الخطبة الثّانیة من فضل المقارنة بینهما فقال :

( و أشهد أنّ محمّدا عبده ) المرتضى ( و رسوله ) المصطفى ( أرسله ) إلى الخلق بالهدى و دین الحقّ على حین فترة من الرّسل و طول هجعة من الامم و انتقاض من المبرم ( و ) الحال أنّ ( أعلام الهدى دارسة ) استعارها للأنبیاء و المرسلین و أولیاء الدّین الّذین یهتدى بأنوارهم فی سلوك سبیل اللّه كما یهتدى بالأعلام فی الطّرق ، و دروسها بما كانت من الفترة بعد عیسى إلى بعثه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ( و مناهج الدّین طامسة ) أى طرق المعارف الحقّة الالهیّة مندرسة منمحیة بطول المدّة و بعد العهد و غلبة الغفلة .

[ 189 ]

( فصدع بالحقّ ) امتثالا لما كان مامورا به بقوله عزّ و جلّ فاصدع بما تؤمر و أصل الصّدع عبارة عن كسر الزّجاجة و شقّها و تفریقها ، فاستعیر عنه للبیان الواضح و التبلیغ الكامل ، و الجامع التأثّر .

و قد قیل فی تفسیر الآیة : أنّ معناها أبن الأمر إبانة لا تنمحى كما لا یلتئم كسر الزّجاجة ، و قیل : أفرق بین الحقّ و الباطل ، و قیل : شقّ جماعاتهم بالتّوحید أو بالقرآن .

( و نصح للخلق ) بصرفهم عن الرّدى إلى الهدى و ردّهم عن الجحیم إلى النعیم ( و هدى إلى الرّشد ) أى إلى الصّواب و السّداد فی القول و العمل ( و أمر بالقصد ) أى بالعدل فی الامور المصون عن الافراط و التّفریط ، و یحتمل أن یكون المراد به قصد السبیل الموصل إلى الحقّ أى الصّراط المستقیم ( صلّى اللّه علیه و آله ) و سلّم ثمّ نبّه المخاطبین على عدم كونه تعالى فی خلقهم و ایجادهم لاغیا عابثا فقال ( و اعلموا عباد اللّه أنّه لم یخلقكم عبثا ) تعالى عن ذلك علوّا كبیرا ، و انما خلقكم للمعرفة و العبودیّة كما قال « و ما خلقت الجنّ و الانس إلاّ لیعبدون » .

( و لم یرسلكم هملا ) أى لم یترككم سدى مهملین كالبهایم و الأنعام ، و إنّما كلّفكم بالتكالیف و الأحكام ( علم مبلغ نعمه ) و مقدارها كمّا و كیفا ( علیكم و أحصى إحسانه ) و فضله ( إلیكم ) لیبلوكم أ تشكرونه أم تكفرون و من شكر فانّما یشكر لنفسه و من كفر فانّه غنىّ كریم ( فاستفتحوه ) أى اطلبوا منه فتح أبواب النّعم ( و استنجحوه ) أى اطلبوا منه نجاح عوائد المزید و القسم ( و اطلبوا ) منه متضرّعین ( إلیه ) أن یصرف عنكم ما لا یصرفه أحد غیره من عذاب النّار و سخط الجبّار .

( و استمنحوه ) أى اطلبوا منه أن یعطیكم ما لا یعطیه أحد غیره من فوز الجنان و رضى الرّحمن ، و طلب ذلك كلّه منه سبحانه إنما هو بالقیام بمراسم الحمد و الشكر و بالمواظبة على وظایف الطّاعات و القربات الّتی بها یستعدّ لافاضة الرّحمة و نزول الخیرات ، هذا .

[ 190 ]

و لمّا أمرهم بالطّلب و السّؤال أردفه بما یشوّقهم إلى ذلك و یرغّبهم إلیه بالتّنبیه على انتهاء جمیع السّؤالات و الطلبات إلیه و عدم رادع و مانع من وصولها إلیه و هو قوله :

( فما قطعكم عنه حجاب و لا اغلق عنكم دونه باب ) یعنی أنّ بابه مفتوح لمن دعاه و لیس بینه و بین خلقه حجاب مانع و لا باب مغلق یمنع من الوصول إلیه و من عرض الحوایج و المقاصد علیه كسایر الملوك و السّلاطین یأخذون لأنفسهم حجّابا و بوّابا ، لأنّ ذلك من أوصاف الأجسام و صفات النّقص و الامكان و اللّه تعالى موصوف بالعظمة و الجلال منزّه عن الحیّز و المكان فلا یتصوّر أن یكون له باب أو عنده حجاب كما أفصح عن ذلك بقوله :

( و انّه لبكلّ مكان ) بالعلم و الاحاطة لا بالتحیّز و الحوایة ، فلا یخفى علیه شی‏ء من حوائج السّائلین و إنّما منظره فى القرب و البعد سواء ، لم یبعد منه قریب و لم یقرب منه بعید ، و لا یحویه مكان و لا یحیط به مكان حتّى إذا كان فی ذلك المكان یحجب عنه أخبار سایر الأمكنة و المكانیّات .

یوضح ذلك ما رواه فی الكافی باسناده عن عیسى بن یونس قال : قال ابن أبی العوجاء لأبی عبد اللّه علیه السّلام فی بعض ما كان یحاوره : ذكرت اللّه فأحلت على غایب فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام : ویلك كیف یكون غائبا من هو مع خلقه شاهد و الیهم أقرب من حبل الورید ، یسمع كلامهم و یرى أشخاصهم و یعلم أسرارهم ، فقال ابن أبى العوجاء أ هو فی كلّ مكان أ لیس إذا كان فی السماء كیف یكون فی الأرض و إذا كان فی الأرض كیف یكون فی السماء ؟ فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام : إنما وصفت المخلوق الذی إذا انتقل عن مكان اشتغل به مكان و خلا منه مكان فلا یدرى فی المكان الذی صار إلیه ما حدث فی المكان الذى كان فیه ، فأما اللّه العظیم الشأن الملك الدّیان فلا یخلو منه مكان و لا یشتغل به مكان و لا یكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان .

و قد مرّ هذا الحدیث فی شرح الفصل السادس من الخطبة الاولى و مرّ تحقیق الكلام فی تنزّهه سبحانه من المكان فی شرح الفصل الخامس منها فلیراجع ثمّة

[ 191 ]

فانّ هناك مطالب نفیسة .

و لما نبّه على عدم خلوّ الأمكنة منه عزّ و جلّ أردفه بالتنبّه على عدم خلوّ الأزمنة منه فقال :

( و فی كلّ حین و زمان ) بالعلم و الاحاطة أیضا لا بمعنى ظرفیّته له ، لأنّ الكون فیه بمعنى الظرفیة مستلزم للحدوث المنافی للوجوب ، فالواجب الأوّل تعالى منزّه عن ذلك ، و قد تقدّم مزید تحقیق لذلك فی شرح الخطبة المأة و الخامسة و الثمانین ( و مع كلّ إنس و جانّ ) لا معیّة بالاقتران بل بمعنى كونه عالما بهم شاهدا علیهم غیر غایب عنهم كما قال عزّ من قائل « أ لم تر أنّ اللَّه یعلم ما فى السموات و ما فی الأَرض ما یكون من نجوى ثلثة إلاّ هو رابعهم و لا خمسة إلاّ هو سادسهم و لا أدنى من ذلك و لا أكثر إلاّ هو معهم أینما كانوا ثمّ ینبّئهم بما عملوا یوم القیامة انّ اللَّه بكلّ شی‏ء علیم » و قد مرّ مزید تحقیق لهذا المعنى فی شرح الفصل الخامس و السادس من الخطبة الاولى ، هذا .

و لما شوّق المخاطبین إلى الطلب و السؤال بالتنبیه على عموم علمه بحالات السائلین و حاجات الطالبین و عدم خفاء شی‏ء منها علیه أكد تشویقهم بالتنبیه على سعة جوده فقال :

( لا یثلمه العطاء و لا ینقصه الحباء ) أى لا یوجب كثرة عطائه و مزید حبائه خللا و نقصا فی خزانة كرمه و بحر جوده ، و ذلك لعدم تناهى مقدوراته .

و یوضح ذلك ما فى الحدیث المرویّ فى الكافی عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال :

إنّ اللّه عزّ و جلّ یقول : فلو أنّ أهل سماواتی و أهل أرضی أمّلوا جمیعا ثمّ أعطیت كلّ واحد منهم مثل ما أمّل الجمیع ما انتقص من ملكی مثل عضو ذرّة ، و كیف ینتقص ملك أنا قیّمه ، فیابؤسا للقانطین من رحمتی ، و یا بؤسا لمن عصانى و لم یراقبنى .

و بذلك الحدیث أیضا اتّضح معنى قوله ( لا یستنفده سائل و لا یستقصیه نائل ) أى لا ینفى جوده سائل و إن بلغ الغایة فى طلبه و سؤاله ، و كذا لا یبلغ القصوى و الغایة عطاؤه و نواله بل لو وهب ما تنفّست عنه معادن الجبال و ضحكت عنه أصداق البحار من فلزّ اللّجین و العقیان و نثارة الدّر و حصید المرجان ما أثّر ذلك فى جوده و لا

[ 192 ]

أنفد سعة ما عنده ، و لكان عنده من ذخایر الأنعام ما لا تنفده مطالب الأنام ، لأنّه الجواد الّذى لا یغیضه سؤال السّائلین ، و لا یبخّله إلحاح الملحّین حسبما مرّ فی الخطبة التّسعین .

( و لا یلویه ) أى لا یصرفه ( شخص عن شخص و لا یلهیه ) أى لا یشغله ( صوت عن صوت ) لأنّ الصّرف و اللّهو یستلزمان الغفلة عن أمر و الفطنة لغیره بعد الغفلة عنه و هما من عوارض المزاج الحیوانی و توابع الامكان .

( و لا تحجزه هبة عن سلب ) أى لا یمنعه البذل و الانعام عن سلب المال و أخذه قال الشّارح المعتزلی : أى لیس كالقادرین منّا فانّ الواحد منّا یصرفه اهتمامه بعطیّة عن سلب مال عمرو حال ما یكون مهتمّا بتلك العطیّة لأنّ اشتغال القلب بأحد الأمرین یشغله عن الآخر ، انتهى .

أقول : و محصّله أنّه تعالى لا یشغله شأن عن شأن ، و یحتمل أن یراد به أنّه تعالى لا یمنعه هبته لأحد و إنعامه علیه عن سلب نعمة اخرى عنه كالواحد منّا إذا وهب یمنعه هبته عن سلبه ، لاستلزام الهبة فینا التلطف و العطف ، و استلزام السلب فینا الغیظ و الغضب ، و هما أمران متضادّ ان لا یمكن اجتماعهما فی شخص واحد فی حالة واحدة ، فلا یكون الواهب حال ما هو واهب سالبا و بالعكس ، و أمّا الواجب تعالى فلمّا لم یكن منشأ هبته و سلبه العطف و الغضب لكونهما من عوارض المزاج الحیوانى و تنزّهه عنها جاز اتّصافه بهما معا .

و هذان الاحتمالان یأتیان فی قوله ( و لا یشغله غضب عن رحمة ) و المراد بهما غایتهما ، أى العقاب و الاحسان لا معناهما المعروف المستلزم للحدوث و النّقصان .

و أمّا قوله ( و لا تولهه رحمة عن عقاب ) فقد قال الشارح المعتزلی أى لا یحدث الرّحمة لمستحقها عنده ولها و هو التحیّر و التردّد و یصرفه عن عقاب المستحقّ ، و ذلك لأنّ الواحد منّا إذا رحم انسانا حدث عنده رقّة خصوصا إذا توالت منه الرّحمة لقوم متعدّدین فانه یصیر الرّحمة كالملكة عنده فلا یطیق فى تلك الحال أن ینتقم





نظرات() 


How do you treat Achilles tendonitis?
یکشنبه 26 شهریور 1396 01:44 ق.ظ
Hello, i feel that i noticed you visited my web site thus i got here to go back the prefer?.I'm
attempting to to find things to improve my site!I guess its good enough
to use a few of your ideas!!
simonnehenegar.blog.fc2.com
چهارشنبه 28 تیر 1396 10:55 ق.ظ
I constantly emailed this website post page to all my
associates, as if like to read it then my contacts will too.
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox