تبلیغات
پیام هادی - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-01:32 ب.ظ

[ 135 ]

ما لا یعلمون ) أى لا تؤاخذنى بتزكیة المزكین التى هى مظنة الاعجاب الموجب للسخط و المؤاخذة ، و اجعلنى أفضل مما یظنّون فى التّقوى و الورع ، و اغفر لى الهفوات و الآثام التى أنت عالم بها و هى مستورة عنهم و على ما ذكرنا فهذه الجملة الدّعائیة متمّ كلام المتّقین الذى حكاه علیه السّلام عنهم ، یعنى إذا زكی أحدهم یخاف منه و یجیب المزكّى بقوله : أنا أعلم بنفسى اه ،

و یدعو ربه بقوله : اللهمّ لا تؤاخذنی اه .

و العجب من الشارح المعتزلى حیث زعم أنّ هذه الجملة من كلام أمیر المؤمنین نفسه لا حكایة عن المتّقین قال : و قوله : اللهمّ لا تؤاخذنى بما یقولون ، إلى آخر الكلام مفرد مستقلّ بنفسه منقول عنه علیه السّلام أنه قاله لقوم مرّ علیهم و هم مختلفون فى أمره فمنهم الحامد له و منهم الذّام فقال : اللهمّ لا تؤاخذنى اه ، و معناه : اللهمّ إن كان ما ینسبه الذّامون إلىّ من الأفعال الموجبة للذمّ حقا فلا تؤاخذنى بذلك ، و اغفر لى ما لا یعلمونه من أفعالى ، و ان كان ما یقوله الحامدون حقا فاجعلنى أفضل مما یظنّونه فیّ ، انتهى .

و الأظهر ما ذكرنا كما لا یخفى ، هذا .

و لما ذكر جملة من أوصافهم الجمیلة أردفها بسایر أوصافهم التى بها یعرفون و قال : ( فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوّة فى دین ) أى تراه متصلّبا فیه لا یؤثّر فیه تشكیك المشكك و لا ینخدع بخداع الناس .

( و حزما فی لین ) أى یكون لینه عن حزم و تثبّت لا عن مهانة و قال الشارح البحرانی یكون له الحزم فی الامور الدّنیویة و التّثبّت فیها ممزوجا باللّین للخلق و عدم الفظاظة ، و هی فضیلة العدل فی المعاملة مع الخلق .

( و ایمانا فی یقین ) أى ایمانا مع یقین ، فانّ الایمان و هو معرفة الصّانع و الرّسول و التّصدیق بما جاء به من عند اللّه لما كان قابلا للشدّة و الضّعف ، فتارة یكون عن وجه التقلید و هو الاعتقاد المطابق لا لموجب ، و اخرى عن وجه العلم و هو الاعتقاد المطابق لموجب هو الدّلیل ، و ثالثة عن العلم به مع العلم بأنّه لا یكون إلاّ كذلك و هو علم الیقین ، أراد أنّ علمهم باصول العقاید علم یقین لا یتطرّق إلیه احتمال

[ 136 ]

و فى الكافی عن جابر قال : قال لی أبو عبد اللّه علیه السّلام : یا أخا جعفی انّ الایمان أفضل من الاسلام و إنّ الیقین أفضل من الایمان ، و ما من شی‏ء أعزّ من الیقین .

و عن علیّ بن إبراهیم عن محمّد بن عیسى عن یونس قال : سألت أبا الحسن الرّضا علیه السّلام عن الایمان و الاسلام فقال : قال أبو جعفر علیه السّلام : إنّما هو الاسلام و الایمان فوقه بدرجة و التقوى فوق الایمان بدرجة ، و الیقین فوق التقوى بدرجة ، و لم یقسّم بین النّاس شی‏ء أقلّ من الیقین ، قال : قلت : فأىّ شی‏ء الیقین ؟ قال : التوكّل على اللّه و التسلیم للّه ، و الرّضا بقضاء اللّه ، و التفویض إلى اللّه ، قلت : فما تفسیر ذلك ؟ قال : هكذا قال أبو جعفر علیه السّلام .

قال بعض شرّاح الكافی فی شرح هذا الحدیث : الاسلام هو الاقرار و الایمان إما التصدیق أو التّصدیق مع الاقرار ، و على التقدیرین فهو فوق الاسلام بدرجة أما على الثانی فظاهر و أمّا على الأوّل فلأنّ التصدیق القلبی أفضل و أعلى من الاقرار اللّسانی كما أنّ القلب أفضل من اللّسان ، و التقوى فوق الایمان بدرجة لأنّ التقوى هو التجنّب عمّا یضرّ فی الآخرة و إن كان ضرره یسیرا ، و الیقین فوق التقوى لأنّ التقوى قد لا یكون فی مرتبة الیقین ، و هی الّتی أشار إلیها أمیر المؤمنین علیه السّلام بقوله :

لو كشف الغطاء لما ازددت یقینا .

( و حرصا فی علم ) أى و حرصا فی طلب العلم النّافع فى الآخرة و الازدیاد منه ( و علما فى حلم ) أى علما ممزوجا بالحلم و قد مرّ توضیحه فى شرح قوله و أمّا النّهار فعلماء حلماء .

( و قصدا فى غنى ) یحتمل أن یكون المراد اقتصاده فى طلب المال و تحصیل الثروة ، یعنى أنّه لا یجاوز الحدّ فى كسب المال و تحصیل الغنى بحیث یؤدّى إلى فوات بعض ما علیه من الفرایض كما هو المشاهد فی أبناء الدّنیا ، و أن یكون المراد أنّه مع غناه مقتصد فى حركاته و سكناته و مصارف ماله بل جمیع أفعاله یعنى أنّ غناه لم یوجب طغیانه و خروجه عن القصد و تجاوزه عن الحدّ كما قال تعالى انّ الانسان لیطغى ان رآه استغنى .

[ 137 ]

( و خشوعا فى عبادة ) أى خضوعا و تذللا فى عباداته ، و قد وصف اللّه المؤمنین بذلك فى قوله « الّذین هم فى صلوتهم خاشعون » قال فى مجمع البیان أى خاضعون متواضعون متذلّلون لا یدفعون أبصارهم عن مواضع سجودهم و لا یلتفتون یمینا و شمالا .

و روى أنّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم رأى رجلا یعبث بلحیته فی صلاته فقال : أما انّه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه .

و فی هذا دلالة على أنّ الخشوع فی الصّلاة یكون بالقلب و بالجوارح ، فأمّا بالقلب فهو أن یفرغ قلبه بجمیع الهمّة لها و الاعراض عمّا سواها فلا یكون فیه غیر العبادة و المعبود ، و أمّا بالجوارح فهو غضّ البصر و الاقبال علیها و ترك الالتفات و العبث قال ابن عبّاس خشع فلا یعرف من على یمینه و من على یساره .

( و تجمّلا فی فاقة ) أى یتعفّف و یظهر الغنى فی حال فقره و یترك السّؤال و یستر ما هو علیه من الفقر ، و أصل التجمّل هو تكلّف الجمیل .

و قد مدح اللّه سبحانه أصحاب الصفة بذلك فی قوله « یحسبهم الجاهل أغنیاء من التعفّف تعرفهم بسیماهم لا یسئلون النّاس الحافا » و كانوا نحوا من أربعمأة من فقراء المهاجرین یسكنون صفّة مسجد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یستغرقون أوقاتهم بالتعلّم و العبادة و كانوا یخرجون فی كلّ سریّة یبعثها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یظنّهم الجاهل بحالهم و باطن امورهم أغنیاء من التعفّف أى من أجل التعفّف و الامتناع من السّؤال و التجمّل فى اللّباس و السّتر لما هم علیه من الفقر و سوء الحال طلبا لرضوان اللّه و جزیل ثوابه تعرفهم بسیماهم أى تعرف حالهم بما یرى فى وجوههم من علامة الفقر من رثاثة الحال و صفرة الوجه لا یسئلون النّاس أصلا فیكون إلحاح أى إصرار فى السّؤال ، فهو من قبیل السّالبة بانتفاء الموضوع مثل قولك : ما رأیت مثله و أنت ترید أنّه لا مثل له فیرى ، لا أنّ له مثلا ما رأیته .

قال فى مجمع البیان فى الحدیث : إنّ اللّه یحبّ أن یرى أثر نعمته على عبده

[ 138 ]

و یكره البؤس و التّباؤس ، و یحبّ الحلیم المتعفّف من عباده و یبغض البذى السّائل الملحف . 1 ( و صبرا فى شدّة ) أى یتحمّل على شداید الدّنیا و مكارهها و یستحقرها بجنب ما یتصوّره من الفرحة بلقاء اللّه و بما بشّر به من عظیم الأجر للصّابرین فى كتابه المبین مضافا إلى ما فیه من التّأسّی و الاتباع للسلف الصالحین من الأنبیاء و المرسلین و أولیاء الدّین .

روى فى الكافى عن حفص بن غیاث قال : قال لى أبو عبد اللّه علیه السّلام : یا حفص إنّ من صبر صبر قلیلا و انّ من جزع جزع قلیلا ، ثمّ قال : علیك بالصبر فى جمیع امورك فانّ اللّه عزّ و جلّ بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فأمره بالصبر و الرّفق فقال و اصبر على ما یقولون و اهجرهم هجراً جمیلا . و ذرنى و المكذّبین اُولى النعمة و قال تبارك و تعالى ادفع بالتى هى أحسن فاذا الذی بینك و بینه عداوة كأنّه ولىّ حمیم و ما یلقّیها إلاّ الذین صبروا و ما یلقّیها إلاّ ذو حظّ عظیم فصبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حتى نالوه بالعظایم و رموه بها ، فضاق صدره فأنزل اللّه عزّ و جلّ و لقد نعلم انك یضیق صدرك بما یقولون فسبّح بحمد ربّك و كن من الساجدین ثمّ كذّبوه و رموه فحزن لذلك فأنزل اللّه عزّ و جلّ قد نعلم انه لیحزنك الذى یقولون فانهم لا یكذبونك و لكن الظالمین بآیات اللَّه یجحدون . و لقد كذّبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذّبوا و اوذوا حتى أتیهم نصرنا فألزم النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نفسه الصبر فتعدّوا فذكروا اللّه تعالى و كذّبوه فقال : قد صبرت فى نفسى و عرضى و لا صبر لى على ذكر إلهى فأنزل اللّه عزّ و جلّ و لقد خلقنا السموات و الأَرض و ما بینهما فى ستّة أیام و ما مسّنا من لغوب . فاصبر على ما یقولون فصبر النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فى جمیع أحواله ثمّ بشر فى عترته بالأئمة و وصفوا بالصبر فقال جلّ ثناؤه « و جعلناهم أئمة یهدون بأمرنا

-----------
( 1 ) فى الحدیث : ان اللّه یحب الجمال و التجمل و یبغض البؤس و التباؤس ، كان المراد اظهار الفقر و الحاجة هكذا فى مجمع البحرین ، و قال الفیروز آبادى : التباؤس التفاقر و أن یرى تخشع الفقراء اخباتا و تضرعا ، منه .

[ 139 ]

لما صبروا و كانوا بآیاتنا یوقنون » فعند ذلك قال صلّى اللّه علیه و آله الصبر من الایمان كالرّأس من الجسد ، فشكر اللّه عزّ و جلّ ذلك له فأنزل اللّه عزّ و جلّ و تمّت كلمة ربّك الحسنى على بنى إسرائیل بما صبروا و دمّرنا ما كان یصنع فرعون و قومه و ما كانوا یعرشون فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنه بشرى و انتقام فأباح اللّه عزّ و جلّ له قتال المشركین فأنزل اقتلوا المشركین حیث وجدتموهم و خذوهم و احصروهم و اقعدوا لهم كلّ مرصد و اقتلوهم حیث ثقفتموهم فقتلهم اللّه على یدى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و أحبائه و عجّل له ثواب صبره مع ما ادّخر له فى الآخرة ، فمن صبر و احتسب لم یخرج من الدّنیا حتى یقرّ اللّه عینه فى أعدائه مع ما ادّخر له فى الآخرة .

( و طلبا فى حلال ) أى یطلب الرّزق من الحلال و یقتصر علیه و لا یطلبه من الحرام .

روى فى الوسایل عن الكلینىّ باسناده عن أبى حمزة الثمالى عن أبى جعفر علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى حجة الوداع : ألا إنّ الرّوح الأمین نفث فى روعى أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتّقوا اللّه و أجملوا فى الطلب و لا یخفنكم استبطاء شى‏ء من الرّزق أن تطلبوه بمعصیة اللّه ، فانّ اللّه تبارك و تعالى قسّم الأرزاق بین خلقه حلالا و لم یقسّمها حراما ، فمن اتّقى و صبر آتاه اللّه برزقه من حلّه و من هتك حجاب السرّ « كذا » و عجل فأخذه من غیر جلّه قصّ به من رزقه الحلال و حوسب علیه یوم القیامة و فیه عن المفید فى المقنعة قال : قال الصادق علیه السّلام الرّزق مقسوم على ضربین أحدهما واصل إلى صاحبه و ان لم یطلبه ، و الآخر معلّق بطلبه ، فالذى قسّم للعبد على كلّ حال آتیه و إن لم یسع له ، و الذى قسّم له بالسعى فینبغى أن یلتمسه من وجوهه و هو ما أحلّه اللّه له دون غیره ، فان طلبه من جهة الحرام فوجده حسب علیه برزقه و حوسب به .

( و نشاطا فى هدى ) أى خفة و اسراعا فیه ، و بعبارة اخرى أن یكون سلوكه لسبیل اللّه و اتیانه بالعبادات المشروعة الموصلة إلى رضوان اللّه سبحانه بطیب النفس

[ 140 ]

و على وجه الخفّة و السهولة لا عن الكسل و التغافل ، و ذلك ینشأ عن قوّة الیقین فیما وعد اللّه المتّقین من الجزاء الجمیل و الأجر العظیم بخلاف أهل الرّیا فانّه یكسل فى الخلوة و ینشط بین الناس .

كما روى فى الوسایل عن الكلینىّ عن السكونیّ عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال :

قال أمیر المؤمنین علیه السّلام : ثلاث علامات للمرائى : ینشط إذا رأى الناس ، و یكسل إذا كان وحده ، و یحبّ أن یحمد فى جمیع اموره .

( و تحرّجا عن طمع ) أى تجنّبا عنه أى لا یطمع فیما فی أیدى النّاس لعلمه بأنّه من الرّذایل النّفسانیّة و منشأ المفاسد العظیمة لأنّه یورث الذّل و الاستخفاف و الحقد و الحسد و العداوة و الغیبة و ظهور الفضایح و المداهنة لأهل المعاصی و النّفاق و الرّیا و سدّ باب النّهى عن المنكر و الأمر بالمعروف و ترك التّوكّل على اللّه و التّضرع إلیه و عدم الرّضا بقسمه إلى غیر ذلك ممّا لا یحصى .

روى فی الكافی عن سعدان عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال قلت له : الّذى یثبت الایمان فی العبد ؟ قال : الورع و الذى یخرجه منه قال : الطمع .

و عن الزّهری قال : قال علیّ بن الحسین علیهما السّلام : رأیت الخیر كلّه قد اجتمع فی قطع الطمع مما فی أیدى الناس .

و فیه مرفوعا عن أبی جعفر علیه السّلام قال : بئس العبد عبد له طمع یقوده و بئس العبد عبد له رغبة تذلّه .

( یعمل الأعمال الصالحة و هو على و جل ) أى على خوف من ردّها و عدم قبولها لعدم اقترانها بالشرایط المقتضیة للقبول كما قال تعالى و الّذین یؤتون ما آتوا و قلوبهم وجلة و قد مضى توضیح ذلك فی شرح قوله علیه السّلام من هذه الخطبة : و من أعمالهم مشفقون .

( یمسی و همه الشكر و یصبح و همه الذّكر ) قال الشارح البحرانی أى یكون همّه عند المساء الشكر على ما رزق بالنهار و ما لم یرزق ، و یصبح و همّه ذكر اللّه لیذكره اللّه فیرزقه من الكمالات النفسانیة و البدنیّة كما قال تعالى فاذكرونی

[ 141 ]

أذكركم و اشكروا لى و لا تكفرون أقول : ما ذكره ( ره ) قاصر عن تأدیة المراد غیر واف بافادة نكتة تقیید الاهتمام بالذكر بالصباح و الاهتمام بالشكر بالمساء ، فالأولى أن یقال :

أما كون همّه مقصورا على الذّكر فی الصباح فلتأكّد استحباب الذكر فیه و یدلّ علیه ما رواه فی الوسایل من مجالس الصدوق باسناده عن عمیر بن میمون قال : رأیت الحسن بن علیّ علیهما السّلام یقعد فی مجلسه حین یصلّى الفجر حتى تطلع الشمس ، و سمعته یقول سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : من صلّى الفجر ثمّ جلس فی مجلسه یذكر اللّه حتى تطلع الشمس ستره اللّه من النار ستره اللّه من النار ستره اللّه من النار .

و فیه أیضا من المجالس عن أنس فی حدیث قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لعثمان ابن مظعون : من صلّى الفجر فی جماعة ثمّ جلس یذكر اللّه حتى یطلع الشمس كان له فی الفردوس سبعون درجة بعد ما بین درجتین كحضر الفرس الجواد المضمر سبعین سنة .

و فیه عن الشیخ عن ابن عمر عن الحسن بن علیّ علیهما السّلام قال : سمعت أبی علیّ بن أبی طالب علیه السّلام یقول : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أیما امرء جلس فی مصلاّه الذی صلّى فیه الفجر یذكر اللّه حتى تطلع الشمس كان له من الأجر كحجاج بیت اللّه و غفر له .

و النكتة الاخرى فی ذلك أنّ اللّه سبحانه لما خلق النهار لتحصیل المعاش و طلب الرّزق و الابتغاء من فضله كما أنّه خلق اللّیل للدّعة و السّكون و الراحة و النوم و كان للذكر عند الصباح مدخل عظیم فی الرّزق لا جرم كان اهتمامهم بالذكر فیه أما أن خلق النهار للرّزق و المعاش فلقوله سبحانه و جعلنا نومكم سباتاً .

و جعلنا اللیل لباساً . و جعلنا النهار معاشاً و أما أنّ الذّكر فى الصبح جالب للرّزق .

فلما رواه فى الوسائل عن الصادق علیه السّلام قال : الجلوس بعد صلاة الغداة فی التعقیب و الدعاء حتى تطلع الشمس أبلغ فی طلب الرّزق من الضرب فی الأرض و فیه عن الكلینی عن حماد بن عثمان قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول :

لجلوس الرّجل فى دبر صلاة الفجر إلى طلوع الشمس أنفذ فی طلب الرزق من

[ 142 ]

ركوب البحر ، قلت : قد یكون للرجل الحاجة یخاف فوتها فقال علیه السّلام : یدلج فیها و لیذكر اللّه عزّ و جلّ فانه فی تعقیب ما دام على وضوئه .

و بمعناهما أخبار اخر لا نطیل بروایتها .

و اما كون همّه بالشكر عند المساء ، فلأنّ المساء ضدّ الصّباح و إذا كان طلب الرّزق و استنزال النعمة بالذّكر فى أوّل النّهار حسبما عرفت ، فناسب أن یكون الشكر على النعم النّازلة فى النّهار فى آخره كما هو واضح .

( یبیت حذرا و یصبح فرحا ) الظاهر عدم القصد إلى تخصیص الحذر بالبیات و الفرح بالصّباح ، و إنّما المراد أنّه یبیت و یصبح جامعا بین وظیفتى الخوف و الرّجا ، فعبّر عن الخوف بالحذر و عن الرّجاء بالفرح لكونه موجبا للفرح و السرور .

و أشار إلى علّتهما بقوله ( حذرا لما حذّر ) منه ( من الغفلة ) و التقصیر فى رعایة وظایف العبودیة ، لما عرفت فى شرح قوله : فهم لأنفسهم متّهمون و من أعمالهم مشفقون ، من عدم جواز إخراج النّفس من حدّ التّقصیر فى عبادته تعالى و إن بولغ فیها .

و بقوله ( و فرحا بما أصاب من الفضل و الرّحمة ) أى بما وفّق له من فضل اللّه سبحانه و ما تفضّل به علیه من دین الاسلام و موالاة محمّد و آل محمّد علیهم السّلام و ما أتى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم به من شرایع الأحكام ، فانّ ذلك كلّه فضل منه عزّ و جلّ و رحمة یوفّق له من یشاء من عباده كما قال تعالى قل انّ الفضل بید اللَّه یؤتیه من یشاء و اللَّه واسع علیم . یختصّ برحمته من یشاء و اللَّه ذو الفضل العظیم .

و یحتمل أن یكون المراد بما أصاب خصوص ما أتى به من الفروعات العملیّة و العبادات الشرعیة الموجبة لفضل اللّه و رحمته علیه فى الآخرة ، فیكون محصل المراد بهذه الجملة سروره و فرحه بحسناته ، لما فیها من رجاء الأجر و الثواب ، و بالجملة السابقة مساءته و خوفه من الغفلة لما فیها من الوزر و العقاب .

روى فى الوسائل عن الكلینى ، عن مسعدة بن صدقة عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال :

من سرّته حسنته و ساءته سیّئته فهو مؤمن .

[ 143 ]

و عن سلیمان عمّن ذكره عن أبى جعفر علیه السّلام قال : سئل النّبى صلّى اللّه علیه و آله عن خیار العباد فقال : الّذین إذا احسنوا استبشروا ، و إذا أساؤا استغفروا ، و إذا اعطوا شكروا ،

و إذا ابتلوا صبروا ، و إذا غضبوا غفروا .

( ان استصعبت علیه نفسه فیما تكره لم یعطها سؤلها فیما تحبّ ) لما كان من شأن المتّقى كراهته للمعاصى و محبّته للحسنات ، و من شأن نفسه الأمارة بالسوء عكس ذلك أى كراهته للحسنات و محبّته للمعاصى یقول علیه السّلام إنّ نفسه إن لم تطعه و لم یتمكّن له فى إتیان العبادات و الحسنات التى تكرهها و كان میلها و محبّتها فی السیئآت لم یعطها سؤلها و لا یطاوعها فیما ترید ، بل یقهرها على خلاف ما تكره و تحبّ ،

و محصّله أنّه یجاهد نفسه لعلمه بأنّها عدوّ له .

روى فى الوسائل عن الكلینى عن أحمد بن محمّد بن خالد رفعه قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام لرجل : اجعل قلبك قرینا برّا و ولدا واصلا و اجعل علمك والدا تتبعه و اجعل نفسك عدوّا تجاهده و اجعل مالك عاریة تردّها .

و فیه عن الصّدوق قال : و من ألفاظ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : الشّدید من غلب نفسه .

و عن الصّدوق عن المفضّل بن عمر قال قال الصّادق جعفر بن محمّد علیهما السّلام : من لم یكن له واعظ من قلبه و زاجر من نفسه و لم یكن له قرین مرشد استمكن عدوّه من عنقه .

و هذا الجهاد أعنى مجاهدة النفس هو الّذى سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالجهاد الأكبر كما مرّ فى الحدیث الّذى رویناه فى شرح الخطبة الخامسة و الثمانین و مضى هنالك أیضا بعض الأخبار المناسبة لهذا المقام فلینظر ثمّة .

( قرّة عینه فیما لا یزول ) أى سروره و ابتهاجه المستلزم لقرّة عینه فى الباقیات الصالحات و السعادات الاخرویّة الباقیة .

( و زهادته فیما لا یبقى ) أى زهده فى الدّنیا و زخارفها الفانیة .

( یمزج الحلم بالعلم ) قد مرّ الوصف بالحلم و العلم فى قوله : و أما النهار فحلماء علماء ، و قدّمنا هناك تفسیر معناهما و لا حاجة إلى الاعادة و إنّما أعاد علیه السّلام الوصف بهما

[ 144 ]

قصدا إلى أنّه قد خلط حلمه بعلمه یعنى قد تزیّن مع علمه بالحلم و الوقار و لیس بعالم سفیه جبّار .

كما قال أبو عبد اللّه علیه السّلام فى روایة الكافى : اطلبوا العلم و تزیّنوا معه بالحلم و الوقار و تواضعوا لمن تعلّمونه العلم و تواضعوا لمن طلبتم منه العلم ، و لا تكونوا علماء جبّارین فیذهب باطلكم بحقّكم .

و فیه باسناده عن معاویة بن وهب عن أبیعبد اللّه علیه السلام قال : كان أمیر المؤمنین علیه السّلام یقول : یا طالب العلم إنّ للعالم ثلاث علامات : العلم ، و الحلم ، و الصّمت ، و للمتكلّف ثلاث علامات : ینازع من فوقه بالمعصیة ، و یظلم من دونه بالغلبة ، و یظاهر الظّلمة .

و فیه بسند مرفوع عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال : قال علیه السّلام لا یكون السّفه و الغرّة فی قلب العالم ، هذا .

و قال بعض الشارحین : معنى قوله یمزج الحلم بالعلم أنّه یحلم مع العلم بفضیلة الحلم لا كحلم بعض الجاهلین عن ضعف النفس و عدم المبالات بما قیل له و فعل به ، و لا بأس به .

( و ) یمزج ( القول بالعمل ) أى یكون عمله موافقا لقوله بأن یأمر بالمعروف و یأتی به ، و ینهى عن المنكر و یتناهی عنه ، و یعد و یفی بوعده لا أن یقول ما لا یفعل و یعد فیخلف فیستحقّ بذلك السخط العظیم و المقت الشدید قال تعالى یا ایّها الّذین آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند اللَّه أن تقولوا ما لا تفعلون » و قال « فكبكبوا فیها هم و الغاون .

روى فی الكافی عن أبی بصیر عن أبی جعفر علیه السّلام فی هذه الآیة قال : هم قوم وصفوا عدلا بألسنتهم ثمّ خالفوه إلى غیره .

( تراه قریبا أمله ) لأنّ بعد الأمل و طوله ینشأ من حبّ الدّنیا و نسیان الآخرة ،

حسبما عرفته تحقیقا و تفصیلا فی شرح الخطبة الثانیة و الأربعین ، و المؤمن المتّقی لزهده فی الدّنیا و نفرته عنها و اشتیاقه إلى الآخرة لا یطول له الأمل البتّة كما

[ 145 ]

هو ظاهر ( قلیلا زلله ) أى خطاه و ذنبه لما له من ملكة العدالة المانعة من ارتكاب الكبائر و إصرار الصغائر .

( خاشعا قلبه ) أى خاضعا ذلیلا من تصوّر عظمة الربّ المتعال جلّ جلاله ( قانعة نفسه ) بما قدّره اللّه تعالى فی حقّه راضیة بالقسم المقسوم مستغنیة عن الناس .

روى فی الكافی باسناده عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم :

من أراد أن یكون أغنی النّاس فلیكن بما فی ید اللّه أوثق منه بما فی ید غیره .

و فیه عن عمر بن أبی المقدام عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : مكتوب فی التوراة یا ابن آدم كن كیف شئت كما تدین تدان من رضی من اللّه بالقلیل من الرّزق قبل اللّه منه الیسیر من العمل ، و من رضی بالیسیر من الحلال خفّت مؤنته و زكت مكسبته و خرج من حدّ الفجور .

و فیه عن محمّد بن عرفة عن أبی الحسن الرّضا علیه السّلام قال : من لم یقنعه من الرّزق إلاّ الكثیر لم یكفه من العمل إلاّ الكثیر ، و من كفاه من الرّزق القلیل فانّه یكفیه من العمل القلیل .

( منزورا اكله ) أى قلیلا ، فانّ الجوع و التقلیل من الطعام یورث رقّة القلب و صفاء الذّهن و انفاذ البصیرة و ایقاد القریحة و الاستعداد للذّة المناجات و التأثّر بالذّكر و الموعظة ، مضافا إلى ما فیه من المنافع الكثیرة الّتی أشرنا إلیها فی شرح الفصل الثانی من الخطبة المأة و التاسعة و الخمسین .

و كفى فی فضله أنّ فیه تأسّیا بالسّلف الصالحین من الأنبیاء و المرسلین و الأئمة المعصومین و أصحابهم الأكرمین حسبما عرفت فی شرح الخطبة المذكورة فلیراجع ثمّة .

( سهلا أمره ) أى خفیف المؤنة لا یتكلّف لأحد و لا یكلّفه فانّ شرّ الأخوان من یتكلّف له .

( حریزا دینه ) أى محرزا محفوظا من تطرّق الشكوك و الشّبه لرسوخه و كونه عن علم الیقین المانع من عروض الاحتمال و الخلل حسبما عرفت فی شرح قوله

[ 146 ]

و ایمانا فی یقین .

( میتة شهوته ) قال الشارح البحرانی لفظ الموت مستعار لخمود شهوته عما حرّم علیه و یعود إلى العفّة .

أقول روى فی الكافی عن السّكونی عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ثلاث أخافهنّ على امتى بعدی : الضلالة بعد المعرفة ، و مضلاّت الفتن ، و شهوة البطن و الفرج و فیه عن میمون القداح قال : سمعت أبا جعفر علیه السّلام : یقول : ما من عبادة أفضل من عفّة بطن و فرج .

و عن عبد اللّه بن میمون القداح عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : كان أمیر المؤمنین علیه السّلام یقول : أفضل العبادة العفاف .

و فى الوسائل عن الصّدوق باسناده عن أمیر المؤمنین علیه السّلام فى وصیّته لمحمّد ابن الحنفیّة قال : و من لم یعط نفسه شهوتها أصاب رشده .

( مكظوما غیظه ) أى محبوسا و كظم الغیظ حبسه و تكلّف الحلم عند هیاج الغضب قال تعالى و الكاظمین الغیظ و العافین عن النّاس مدحهم بهذه الصفة یعنی أنّهم یحبسون غیظهم و یتجرّعونه عند القدرة .

روى فی الكافی عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن بعض أصحابه عن مالك بن حصین السّكونی قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : ما من عبد كظم غیظا إلاّ زاده اللّه عزّ و جلّ عزّا فی الدّنیا و الآخرة و قد قال اللّه عزّ و جلّ و الكاظمین الغیظ و العافین عن النّاس و اللَّه یحبّ المحسنین و أثابه اللّه مكان غیظه ذلك .

و فیه باسناده عن أبی حمزة قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : ما من جرعة یتجرّعها العبد أحبّ إلى اللّه عزّ و جلّ من جرعة غیظ یتجرّعها عند تردّدها فی قلبه إمّا بصبر و إمّا بحلم .

و عن سیف بن عمیرة قال : حدّثنى من سمع أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : من كظم غیظا و لو شاء أن یمضیه أمضاه ملأ اللّه قلبه یوم القیامة رضاه و عن أبی حمزة عن علیّ بن الحسین علیهما السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : من أحبّ السبیل إلى اللّه عزّ و جلّ جرعتان : جرعة غیظ تردّها بحلم و جرعة مصیبة تردّها بصبر .

[ 147 ]

و الأخبار فی فضله كثیرة و قد عقد فی الكافی بابا علیه و ما أوردناها كافیة فی المقام .

( الخیر منه مأمول ) لكثرة الخیرات الصّادرة منه و غلبتها الموجبة لأن یرجى و یؤمّل منه خیره .

( و الشرّ منه مأمون ) لملكة التّقوى المانعة من إقدامه على الشرور الباعثة على الأمن من شرّه .

( ان كان فی الغافلین كتب فی الذاكرین ) قال الشّارح المعتزلی و البحرانی و غیرهما : یعنى أنّه إن كان مع الغافلین عن ذكر اللّه و فی عدادهم كتب فی الذاكرین لكونه ذاكرا للّه بقلبه و إن لم یذكره بلسانه .

أقول : و الأظهر عندى أنّ الغرض به الاشارة إلى دوام ذكره ، یعنی أنّه مع كونه بین الغافلین و فی مجلسهم لا یغفل عن ذكره عزّ و جلّ كغفلتهم عنه ، بل یداوم علیه و یكتب فی زمرة الذّاكرین لعلمه بأنّ الذّكر فی الغافلین یوجب مزید الأجر .

و یدل علیه ما فی الكافی عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن ابن أبی عمیر عن الحسین بن مختار عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : الذّاكر للّه عزّ و جلّ فی الغافلین كالمقاتل فی المحاربین .

و عنه عن أبیه عن النّوفلی عن السّكونی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام : قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ذاكر اللّه فی الغافلین كالمقاتل عن الفارّین ، و المقاتل عن الفارّین له الجنّة و فى الوسائل عن الشیخ باسناده عن أبی ذر عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : قال : یا أباذر الذاكر فی الغافلین كالمقاتل فی الفارّین فی سبیل اللّه .

و فیه من عدّة الدّاعی قال : قال النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : من ذكر اللّه فی السوق مخلصا عند غفلة الناس و شغلهم بما فیه كتب اللّه له ألف حسنة و غفر اللّه له یوم القیامة مغفرة لم تخطر على قلب بشر .

( و إن كان فی الذاكرین لم یكتب من الغافلین ) لعدم غفلته عن الذّكر ، لأنه مع عدم غفلته عنه مع كونه بین الغافلین كما عرفت آنفا فعدم غفلته عنه إذا كان فی

[ 148 ]

الذّاكرین بطریق اولى ، و یجوز أن یراد به معنی آخر و هو الاشارة إلى كون ذكره عن وجه الخلوص و القربة و عدم كتبه من الغافلین لأجل ذلك ، و أمّا غیره فربما یكتب من الغافلین و إن كان ذاكرا لعدم كون ذكره عن وجه الاخلاص بل بقصد الرّیا كما قال تعالى فی حقّ المنافقین « یخادعون اللَّه و هو خادعهم و إذا قاموا إلى الصّلاة قاموا كسالی یراؤن النّاس و لا یذكرون اللَّه إلاّ قلیلا » .

قال بعض المفسّرین : إنّما وصف الذّكر بالقلّة لأنّه سبحانه لم یقبله و كلّ ما ردّه اللّه فهو قلیل .

روى الطبرسی فی مجمع البیان عن العیاشی باسناده عن مسعدة بن زیاد عن أبیعبد اللّه علیه السّلام عن آبائه علیهم السّلام أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم سئل فیم النّجاة غدا ؟ قال :

النّجاة أن لا تخادعوا اللّه فیخدعكم فانّه من یخادع اللّه یخدعه و نفسه یخدع لو شعر ،

فقیل : إنّه فكیف یخادع اللّه ، قال : یعمل بما أمره اللّه ثمّ یرید به غیره ، فاتّقوا الرّیا فانّه شرك باللّه إنّ المرائی یدعى یوم القیامة بأربعة أسماء : یا كافر ، یا فاجر ، یا غادر ، یا خاسر ، حبط عملك و بطل أجرك و لا خلاق لك الیوم فالتمس أجرك ممّن كنت تعمل به .

فقد ظهر بذلك أنّ الذّكر المشوب بالرّیا غیر مكتوب فی صحایف الحسنات بل فی صحایف السیّئآت ، و الذّاكر كذلك مكتوب فی الخائبین الخاسرین فضلا عن الغافلین ، هذا .

و لا یخفى حسن المقابلة و المطابقة بین هذه القرینة و القرینة السابقة من كلامه علیه السّلام و هی من مقابلة الثلاثة بالثلاثة .

( یعفو عمّن ظلمه و یعطی من حرمه و یصل من قطعه ) هذه الصّفات الثلاث من مكارم الأخلاق و محامد الخصال ، فالاولى مندرجة تحت الشجاعة ، و الثانیة مندرجة تحت السخاء ، و الثالثة مندرجة تحت العفّة ، و قد ورد الأخبار فی فضلها كثیرا .

منها ما رواه فی الكافی باسناده عن عبد اللّه بن سنان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی خطبة : ألا أخبركم بخیر خلایق « أخلاق خ » الدّنیا و الآخرة : العفو عمّن ظلمك

[ 149 ]

و تصل من قطعك ، و الاحسان إلى من أساء إلیك ، و إعطاء من حرمك .

و عن أبی حمزة الثمالی عن علیّ بن الحسین علیهما السّلام قال : سمعته یقول : إذا كان یوم القیامة جمع اللّه تبارك و تعالى الأوّلین و الآخرین فی صعید واحد ثمّ ینادى مناد أین أهل الفضل ، قال : فیقوم عنق من النّاس فتلقّاهم الملائكة فیقولون : و ما كان فضلكم ؟ فیقولون : كنّا نصل من قطعنا و نعطى من حرمنا و نعفو عمن ظلمنا ، قال :

فیقال لهم : صدقتم ادخلوا الجنّة و عن جابر عن أبى جعفر علیه السّلام قال : ثلاث لا یزید اللّه بهنّ المرء إلاّ عزّا : الصّفح عمّن ظلمه ، و إعطاء من حرمه ، و الصّلة لمن قطعه .

و الأخبار فی هذا المعنى كثیرة أوردها الكلینی فی باب العفو من الكافی و لا مهمّ بنا إلى الاطالة ، هذا .

و انّما خصّ العفو بمن ظلمه لقوّة الدّاعی الى الانتقام عنه و حاجة العفو حینئذ إلى مجاهدة نفسانیّة كاملة و كذلك إعطاء من حرمه وصلة من قطعه .

قال بعض شرّاح الكافی : من صفات الكرام العفو عن الظّلم و التّجاوز عن المسی‏ء ، و من صفات اللّئام الانتقام و طلب التّشفی و المعاقبة لدفع الغیظ و هو آفة نفسانیة تغیّر الجهّال و النّاقصین من أجل تأثّر نفوسهم عن كلّ ما یخالف هواها .

و أمّا إعطاء من حرمك فالمقصود به أنّه إذا أحسنت إلى أحد و لم یقابل إحسانك باحسان أو قابلك بالاساءة و الكفران ، فلا ترغب عن احسانه بكفرانه ، فانّه إذا لم یشكرك فقد یشكرك غیره و لو لم یشكرك أحد فانّ اللّه یحبّ المحسنین كما نطق به الكتاب المبین ، و كفى شرفا و فضلا بأن تخاطب بخطاب أین أهل الفضل یوم حشر الأوّلین و الآخرین .

و أمّا صلة من قطعك فالمراد بها وصله بالمال و الید و اللّسان و مراقبة أحواله بقدر الامكان لا سیما إذا كان من الأرحام حسبما عرفت فی شرح الفصل الثانی من الخطبة الثّالثة و العشرین على بسط و تفصیل .

( بعیدا فحشه ) إن ارید بالفحش معناه الظاهر أى السبّ و بذاءة اللّسان فلا بدّ

[ 150 ]

من صرف لفظ البعید عن ظاهره و جعله كنایة عن العدم ، و إن ابقى البعد على ظاهره المفید لاقدامه على الفحش احیانا فلا بدّ من ارتكاب التأویل فی لفظ الفحش و جعل المراد به فضول الكلام و القول القبیح الغیر البالغ إلى حدّ الحرام لئلاّ ینافى ملكة العدالة و التّقوى الّتى للمتّقى .

و كیف كان فالفحش بمعناه الظاهر من الموبقات العظیمة ، و قد حذّر منه فى الأخبار الكثیرة و بشّر الفحّاش بالنّار .

مثل ما فى الكافى باسناده عن أبى بصیر عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : من علامات شرك الشّیطان الّذى لا یشكّ فیه أن یكون فحاشا لا یبالى بما قال و لا بما قیل له .

و عن عبد اللّه بن سنان عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إذا رأیتم الرّجل لا یبالى ما قال و لا ما قیل له فانّه لغیّة أو شرك شیطان .

و عن سلیم بن قیس عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّ اللّه حرّم الجنّة على كلّ فحّاش بذیّ قلیل الحیاء لا یبالى ما قال و لا ما قیل له ، فانّك إن فتّشته لم تجده إلاّ لغیّة أو شرك شیطان قیل : یا رسول اللّه و فى النّاس شرك شیطان ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أما تقرء قول اللّه عزّ و جل و شاركهم فى الأموال و الأولاد قال : و سأل رجل فقیها هل فى النّاس من لا یبالى ما قیل له ؟ قال : من تعرّض النّاس بشتمهم و هو یعلم انّهم لا یتركونه فذلك لا یبالى ما قال و لا ما قیل له .

و عن سماعة عن أبیعبد اللّه علیه السّلام : قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : إنّ من شرّ عباد اللّه من تكره مجالسته لفحشه .

و عن أبى عبیدة عن أبیعبد اللّه علیه السّلام : قال : البذاء من الجفاء و الجفاء فى النّار .

( لیّنا قوله ) أى یتكلّم بالرّفق و لا یغلظ فى كلامه ، فانّ الرّفق فى القول یوجب المحبّة و یجلب الالفة و یدعو إلى الاجابة عند الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و لذلك أمر اللّه عزّ و جل موسى و هارون علیهما السّلام عند بعثهما إلى فرعون بأن یقولا له قولا لیّنا لیكون أسرع إلى القبول و أبعد من النّفور .

و روى فى الكافى باسناده عن عمّار السّاباطى عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : كان

[ 151 ]

أمیر المؤمنین علیه السّلام یقول : لیجتمع فى قلبك الافتقار إلى النّاس و الاستغناء عنهم ،

فیكون افتقارك الیهم فى لین كلامك و حسن بشرك ، و یكون استغناؤك عنهم فى نزاهة عرضك و بقاء عزّك .

( غائبا منكره حاضراً معروفه ) أى مفقودا أعماله القبیحة المحرّمة موجودا أعماله الحسنة المتضمّنة للرّجحان الشرعى من الواجبات و المندوبات .

( مقبلا خیره مدبرا شرّه ) یعنى أنّه من الأخیار كثیر الخیر قلیل الشرّ كما وصفه سابقا بقوله : الخیر منه مأمول و الشرّ منه مأمون .

و محصّل معناه أنّ خیره فى إقبال یزید شیئا فشیئا و شرّه فى إدبار ینقص شیئا فشیئا إذ بقدر الزیادة فى طلب الخیر یحصل النّقیصة فى جانب الشرّ لأنّ كثرة أحد المتضادّین توجب بمقتضى التضّاد قلّة الآخر كما هو ظاهر .

( فی الزّلازل وقور ) یعنی أنّه فی النوازل و الشّداید و الحوادث العظیمة الموجبة لاضطراب النّاس متّصف بشدّة الوقار و الرّزانة و السّكینة و الثّبات كالجبل لا تحرّكه العواصف ، و الوقار من جنود العقل و یقابله الخفّة و هی الطیش و العجلة من جنود الجهل .

( و فی المكاره صبور و فی الرّخاء شكور ) لأنّ الایمان نصفان : نصف صبر و نصف شكر كما فی الحدیث المرفوع فی احیاء العلوم عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و المتّقی بما له من وصف التّقوى و الایمان قد أكمل بأخذهما كلا شطرى الایمان .

و إنّما كانا نصف الایمان لأنّ الایمان الكامل حسبما عرفت فیما تقدّم هو ما تضمّن العلم و العمل ، و كلّ ما یلاقیه العبد من الأعمال ینقسم الى ما ینفعه فی الدّنیا و الآخرة و إلى ما یضرّه فیهما ، و له بالاضافة إلى ما یضرّه و یكرهه طبعه حال الصبر و بالاضافة الى ما ینفعه حال الشكر .

( لا یحیف على من یبغض ) أى لا یظلمه مع قوّة الدّاعی إلى الحیف و هو البغض و العداوة ( و لا یأثم فیمن یحبّ ) مع قیام الدّاعی إلى الاثم و هو المحبّة .

و محصّل هاتین الفقرتین أنّه لا یخرجه الحبّ و البغض عن تكلیفه الشرعی

[ 152 ]

إلى ما یخالفه كما هو شأن قضاة السوء و امراء الجور و وظیفة أهل الهوى و العصبیّة .

( یعترف بالحقّ قبل أن یشهد علیه ) لأنّ مسیس الحاجة إلى الاشهاد إنّما یكون فی صورة الانكار و إنكار الحق كذب صریح مناف للتّقوى و العدالة .

( لا یضیّع ما استحفظ ) أى لا یضیّع ما أمر اللّه بمحافظته من الصلوات الخمس و نحوها من الطاعات قال سبحانه حافظوا على الصّلوات و الصلوة الوسطى و قال أیضا و الّذین یؤمنون بالاخرة یؤمنون به و هم على صلاتهم یحافظون و بشّر الحافظین لها فی سورة المؤمنین بقوله و الّذینهم على صلواتهم یحافظون . اولئك هم الوارثون الّذین یرثون الفردوس هم فیها خالدون و فی سورة المعارج بقوله و الّذینهم على صلواتهم یحافظون . اولئك فی جنّات مكرمون .

و المراد بمحافظتها محافظة أوقاتها و حدودها و مراعات آدابها و شرایطها و المداومة علیها ، و ضدّ المحافظة التّهاون و الأوّل من جنود العقل ، و الثانی من جنود الجهل كما فی حدیث الكافی ، و المراد بالتضییع هنا الأعمّ من الترك و التهاون و الاخلال بالحدود الموظفة .

( و لا ینسى ما ذكر ) التذكّر و النّسیان أمران متقابلان ، و الأول من جنود العقل و الثّانی من جنود الجهل .

و توضیح معناهما حسبما أوضحه بعض المحقّقین أنّ الادراك فینا عبارة عن حصول الصّورة العقلیّة أو الحسّیة فی قوّة من قوانا ، و تلك القوّة هى المسمّاة بالمدركة ، و الحفظ عبارة عن وجود تلك الصّورة فی قوّة اخرى فوقها هى المسمّاة بالخزانة و الحافظة ، و التّذكّر عبارة عن استحضار تلك الصّورة مرّة اخرى من الحافظة بعد اختزانها فیها ، و النّسیان عبارة عن زوالها عن المدركة و الحافظة بما هى حافظة جمیعا ، و السّهو عبارة عن زوالها من المدركة فقط لا من الحافظة .

إذا عرفت ذلك فأقول : إنّ المراد بقوله لا ینسى ما ذكر أنّه لا ینسى المتّقى ما ذكره اللّه سبحانه بآیات كتابه الكریم من الفرایض و الأحكام و العبر و الأمثال و غیرها ممّا فیه تذكرة و ذكرى لاولى الألباب ، بل یعمل بها و یداوم على ملاحظتها

[ 153 ]

و یكثر من اخطارها بباله و لا یغیبها عن نظره .

( و لا ینابز بالألقاب ) لكون النّبز منهیّا عنه فی الكتاب الحكیم قال سبحانه و لا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الایمان أى لا یدعو بعضكم بعضا باللقب السوء مثل قول الرّجل للرّجل یا كافر یا فاسق یا منافق بئس الشى‏ء تسمیته باسم الفسوق یعنی الكفر بعد الایمان ، و النكتة فى النهى عنه كونه موجبا للتباغض و العداوة و إثارة الفتن .

( و لا یضارّ بالجارّ ) لوجوب كفّ الأذى عن الجار كما صرّح به فی غیر واحد من الأخبار .

روى فی الوسائل عن الكلینی باسناده عن طلحة بن زید عن أبی عبد اللّه عن أبیه علیهما السّلام قال : قال : قرأت فی كتاب علیّ علیه السّلام انّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كتب بین المهاجرین و الأنصار و من لحق بهم من أهل یثرب : انّ الجار كالنفس غیر مضارّ و لا اثم و حرمة الجار على الجار كحرمة امه .

و عن عمرو بن عكرمة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی حدیث انّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أتاه رجل من الأنصار فقال : إنی اشتریت دارا من بنی فلان و انّ أقرب جیرانی منّى جوارا من لا أرجو خیره و لا آمن شرّه ، قال : فأمر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم علیا و سلمان و أباذر و نسیت آخر و أظنه المقداد أن ینادوا فی المسجد بأعلى صوتهم بأنه : لا ایمان لمن لم یأمن جاره بوایقه ، فنادوا بها ثلاثا ثمّ اومى بیده إلى كلّ أربعین دارا من بین یدیه و من خلفه و عن یمینه و عن شماله .

و عن أبی حمزة قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : المؤمن من آمن جاره بوایقه ، قلت : ما بوایقه ؟ قال : ظلمه و غشمه .

و فیه عن الصدوق باسناده عن شعیب بن واقد عن الحسین بن زید عن الصادق عن آبائه عن علیّ علیهم السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی حدیث المناهی قال : من أذى جاره حرّم اللّه علیه ریح الجنة و مأواه جهنّم و بئس المصیر ، و من ضیّع حقّ جاره فلیس منّا و ما زال جبرئیل یوصینی بالجار حتّى ظننت أنه سیورثه ، و ما زال یوصینی بالممالیك

[ 154 ]

حتى ظننت أنه سیجعل لهم وقتا إذا بلغوا ذلك الوقت اعتقوا ، و ما زال یوصینی بالسواك حتى ظننت أنه سیجعله فریضة ، و ما زال یوصینی بقیام اللّیل حتى ظننت أنّ خیار امتی لن یناموا .

( و لا یشمت بالمصائب ) لأنّ المصائب النازلة إنما هى بقضاء من اللّه عزّ و جلّ و قدر و الشامت بسبب نزولها بغیره فی معرض أن تصیبه مثلها فكیف یشمت و یفرح بمصیبة نزلت به .

روى فی الكافی باسناده عن أبان بن عبد الملك عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : لا تبدى الشماتة لأخیك فیرحمه اللّه و یصیّرها بك .

و قال علیه السّلام من شمت بمصیبة نزلت بأخیه لم یخرج من الدّنیا حتى یفتتن ، هذا .

مضافا إلى أنّ فى الشماتة بالمؤمن كسرا لقلبه و إدخالا للحزن علیه ، و هو خلاف غرض الشارع .

و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إذا رأیتم أهل البلا فاحمدوا اللّه و لا تسمعوهم فانّ ذلك یحزنهم رواه فى الكافی عن حفص بن عمر عن أبیعبد اللّه علیه السّلام عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ( و لا یدخل فى الباطل و لا یخرج من الحقّ ) الأولى أن یراد بالباطل كلّما یبعد من اللّه تعالى ، و بالحقّ كلّما یقرب منه عزّ و جلّ ، فالمعنى أنه لا یخرج عن سمت الهدى إلى مسلك الضلال و الرّدى .

( إن صمت لم یغمه صمته ) لأنه بمقتضى عقله و كماله یضع كلاّ من الصمت و الكلام فى موضعه اللاّیق به و مقامه المناسب له ، فلا یكون داع إلى التكلّم فى مقام مقتض للصمت حتى یكون إمساكه عن التكلّم موجبا لاغتمامه .

و بعبارة اخرى الاغتمام بالصمت إنما یكون ممن تعود لسانه بالهذر أى الهذیان و فضول الكلام و اعتاد الخوض فیما لا یعنى ، و أهل التقوى لعلمهم بما فى الصمت من الثمرات الدّنیویة و الاخرویة ، و بما فى الكلام من المفاسد و الآفات الكثیرة كالخطاء و الكذب و الغیبة و النمیمة و الرّیا و النفاق و الفحش و الجدال و تزكیة النفس و الخوض

[ 155 ]

فى الباطل و الفضول و التحریف و الزّیادة و النقصان و إیذاء الخلق و هتك العورات إلى غیر هذه من الآفات اعتادوا أن لا یزیدوا فى كلامهم على قدر الحاجة ، و التزموا الصمت إلاّ فى مقام الضرورة .

و الى ذلك ینظر قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه و أنفق الفضل من ماله .

و قال أمیر المؤمنین علیه السّلام إن كان كلامك من فضّة فأیقن أن السكوت من ذهب و قیل : ألیق شى‏ء یكون فى السجن هو اللسان ، و قیل : اللسان صغیر الجرم عظیم الجرم قال أبوبكر بن عیاش : اجتمع أربعة ملوك : ملك الهند و ملك الصین و كسرى و قیصر فقال أحدهم : أنا أندم على ما قلت و لا أندم على ما لم أقل ، و قال الثانى : إنى إذا تكلّمت بكلمة ملكتنى و لم أملكها و إذا لم أتكلّم بها ملكتها و لم تملكنى ، و قال الثالث : عجبت للمتكلّم إن رجعت علیه كلمته ضرّته و إن لم ترجع لم تنفعه ، و قال الرابع : أنا على ردّ ما لم أقل أقدر منى على ردّ ما قلت .

و قد ورد فى مدح الصمت و ذمّ التكلّم من الأخبار ما هو غیر محصور .

مثل ما فى الكافى باسناده عن أحمد بن محمّد بن أبى نصر قال : قال أبو الحسن علیه السّلام : من علامات الفقه العلم و الحلم و الصمت إنّ الصمت باب من أبواب الحكمة إنّ الصمت یكسب المحبة انه دلیل على كلّ خیر .

و عن الحلبى رفعه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : أمسك لسانك فانها صدقة تصدق بها على نفسك ثمّ قال : و لا یعرف عبد حقیقة الایمان حتى یخزن من لسانه .

و عن الحلبى أیضا رفعه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : نجاة المؤمن من حفظ لسانه .

و عن أبى بصیر قال : سمعت أبا جعفر علیه السّلام یقول : كان أبو ذر یقول : یا مبتغى العلم إنّ هذا اللسان مفتاح خیر و مفتاح شرّ فاختم على لسانك كما تختم على ذهبك و ورقك .

و عن عمر بن جمیع عن أبیعبد اللّه علیه السّلام : قال : كان المسیح یقول : لا تكثروا

[ 156 ]

الكلام فى غیر ذكر اللّه فانّ الذین یكثرون الكلام فى غیر ذكر اللّه قاسیة قلوبهم و لكن لا یعلمون .

و عن الوشا قال : سمعت الرّضا علیه السّلام یقول : كان الرّجل من بنى إسرائیل إذا أراد العبادة صمت قبل ذلك عشر سنین .

و عن منصور بن یونس عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : فى حكمة آل داود : على العاقل أن یكون عارفا بزمانه مقبلا على شأنه ، حافظا للسانه .

إلى غیر هذه ممّا لم نطل بروایتها ، و قد مضى بعضها فی شرح الخطبة السّابعة و السّبعین .

( و إن ضحك لم یعل صوته ) لأنّ ضحك المؤمن التّبسّم و القهقهة من الشیطان كما رواه فی الوسائل من الكافی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام .

و فیه أیضا من مجالس الشّیخ عن هارون بن عمرو بن عبد العزیز عن محمّد بن جعفر بن محمّد عن أبیه أبیعبد اللّه عن آبائه عن علیّ علیهم السّلام قال : كان ضحك النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم التّبسّم ، فاجتاز ذات یوم بفتیة من الأنصار و إذا هم یتحدّثون و یضحكون ملأ أفواههم ، فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : مه یا هؤلاء من غرّه منكم أمله و قصّر به فی الخیر عمله فلیطلع القبور و لیعتبر بالنّشور و اذكروا الموت فانّه هادم اللّذات و من مجالس الصّدوق بسنده عن معاویة بن عمّار عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال كان بالمدینة رجل بطّال یضحك النّاس فقال : قد أعیانى هذا الرّجل أن اضحكه یعنی علیّ بن الحسین علیهما السّلام ، الحدیث و فیه إن علیّ بن الحسین علیهما السّلام قال : قولوا له : إنّ للّه یوما یخسر فیه المبطلون .

و من عیون الأخبار عن الرّضا عن أبیه موسى بن جعفر علیهم السّلام قال : قال الصّادق علیه السّلام : كم ممّن أكثر ضحكه لاغیا یكثر یوم القیامة بكاؤه ، و كم ممّن كثر بكاؤه على ذنبه خائفا یكثر یوم القیامة فی الجنّة ضحكه و سروره .

( و إن بغی علیه صبر حتّى یكون اللّه هو الّذی ینتقم له ) یعنی إن ظلمه أحد

[ 157 ]

و تعدّى علیه صبر على ذلك و فوّض أمره إلى اللّه عزّ و جلّ حتّى ینتقم له من الباغی لأنّه تعالى قد وعد له النصرة فی كتابه العزیز بقوله « و من عاقب بمثل ما عوقب به ثمّ بغى علیه لینصرنّه اللَّه » أى من جازى الظالم بمثل ما ظلمه ثمّ ظلم علیه لینصرنّه اللّه أى المظلوم الّذی بغى علیه لا محالة ، و إنّما یصبر المتّقى على بغى الباغی و لا یجازیه عملا بقوله سبحانه و ان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لهو خیر للصّابرین یعنی إن أردتم معاقبة غیركم على وجه المجازاة و المكافاة فعاقبوا بقدر ما عوقبتم به و لا تزیدوا علیه و لئن تركتم المكافاة و القصاص و جرعتم مرارته لهو أى الصّبر خیر و أنفع للصّابرین لما فیه من جزیل الثواب .

( نفسه منه فی عناء و النّاس منه فی راحة ) أى نفسه منه فی تعب و مشقّة لمجاهدته لها و مخالفته لهواها و حمله إیّاها على ما تكره و ردعه لها عمّا تحبّ كما عرفت فی شرح قوله علیه السّلام : إن استصعبت علیه نفسه فیما تكره لم یعطها سؤلها فیما تحبّ ، كلّ ذلك لعلمه بأنّها أمّارة بالسّوء و أنّها له عدوّ مبین ، و لذلك كان النّاس منه فی راحة ، لأنّ ایذاء النّاس من هوى الأنفس فاذا كان قاهرا لها على خلاف هواها یكون النّاس مأمونین من شرّها مستریحین من أذاها ( أتعب نفسه لآخرته و أراح النّاس من نفسه ) و هذه الجملة فی الحقیقة تعلیل و توضیح للجملة السّابقة ، لأنّه لما قال هناك : نفسه منه فی عناء ، علّله هنا بأنّ إتعابه لنفسه إنّما هو لأجل آخرته .

فقد روى فی الوسائل عن الصّدوق عن شعیب العرقوفی عن الصّادق علیه السّلام :

قال : من ملك نفسه إذا رغب و إذا رهب و إذا اشتهى و إذا غضب و إذا رضی حرّم اللّه جسده على النّار .

و لمّا قال ثمّة : النّاس منه فی راحة ، أوضحه هنا بأنّ استراحتهم من شرور نفسه لمجاهدته لها .

كما روى فی الوسائل عن الصدوق عن جعفر بن محمّد عن آبائه علیهم السّلام فی وصیّة النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لعلىّ علیه السّلام : قال : یا على أفضل الجهاد من أصبح لا یهمّ بظلم أحد

[ 158 ]

( بعده عمّن تباعد عنه زهد و نزاهة ) یعنى بعده عن أهل الدّنیا و عن مجالسهم من باب الزّهد و التباعد عن مكروههم و أباطیلهم .

( و دنوّه ممّن دنا منه لین و رحمة ) أى قربه من المؤمنین من باب التعاطف و التواصل كما قال تعالى محمّد رسول اللَّه و الّذین آمنوا معه أشدّاء على الكفّار رحماء بینهم .

قال فى مجمع البیان : قال الحسن : بلغ تشدّدهم على الكفّار أن كانوا یتحرّزون من ثیاب المشركین حتّى لا یلتزق بثیابهم ، و عن أبدانهم حتّى لا تمسّ أبدانهم ،

و بلغ تراحمهم فیهما بینهم أن كان لا یرى مؤمن مؤمنا إلاّ صافحه و عانقه .

روى فى الكافى باسناده عن شعیب العقرقوفى قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول لأصحابه : اتّقوا اللّه و كونوا اخوة بررة متحابّین فى اللّه متواصلین متراحمین تزاوروا و تلاقوا و تذاكروا أمرنا و أحیوه .

و عن كلیب الصّیداوى عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : تواصلوا و تبارّوا و تراحموا و كونوا اخوة بررة كما أمركم اللّه عزّ و جلّ .

و عن أبى المعزا عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : تواصلوا و تبارّوا و تراحموا و كانوا اخوة بررة كما أمركم اللّه عزّ و جلّ .

و عن أبى المعزا عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : یحقّ على المسلمین الاجتهاد فى التواصل و التعاون على التعاطف و المواساة لأهل الحاجة و تعاطف بعضهم على بعض حتّى تكونوا كما أمركم اللّه عزّ و جلّ رحماء بینهم متراحمین مغتمین لما غاب عنكم من أمرهم على ما مضى علیه معشر الأنصار على عهد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

فقد ظهر بذلك أنّ تباعده و تدانیه عمّن تباعد عنه و دنى منه من باب المواظبة على الوظایف و الآداب الشرعیّة و أنّه ( لیس تباعده بكبر و عظمة و لا دنوّه بمكر و خدیعة ) كما هو فعل أبناء الدّنیا و ذوى الأغراض الفاسدة و من شأن أهل النفاق یخادعون اللّه و هو خادعهم ، و إذا لقوا الذین آمنوا قالوا آمنّا و اذا خلوا الى شیاطینهم قالوا إنّا معكم إنما نحن مستهزؤن .

( قال ) الرّاوى للحدیث ( فصعق همام صعقة ) أى غشى علیه غشوة من فزع ما سمع من الموعظة البالغة كما خرّ موسى علیه السّلام صعقا أى مغشیا علیه من هول ما رأى ( كانت نفسه فیها ) أى مات فى تلك الغشوة و خرج روحه من بدنه

[ 159 ]

قال الشارح المعتزلى : اعلم أنّ الوجد أمر شریف قد اختلف الناس فیه فقالت الحكماء فیه أقوالا ، و قالت الصوفیة فیه أقوالا .

أما الحكماء فقالوا : الوجد حالة تحدث للنفس عند انقطاع علایقها عن المحسوسات بغتة إذا كان قد ورد علیها وارد مشوّق ، و قال بعضهم : الوجد هو اتّصال النفس بمبادیها المجرّدة عند سماع ما یقتضی ذلك الاتّصال .

و أمّا الصّوفیّة فقد قال بعضهم : الوجد رفع الحجاب و مشاهدة المحبوب و حضور الفهم و ملاحظة الغیب و محادثة السرّ و هو فناؤك من حیث أنت أنت ، و قال بعضهم : الوجد سرّ اللّه عند العارفین و مكاشفة من الحقّ یوجب الفناء ، و الأقوال فیه متقاربة المعنى و ان اختلّ العبارة ، انتهى .

و هی كلّها مخالفة لمذاق أهل الشّرع ما فیه للأخبار .

و كیف كان ( فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام أما و اللّه لقد كنت أخافها ) أى تلك الصعقة الّتی فیها موت همّام ( علیه ثمّ قال علیه السّلام : هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها ، فقال له قائل : فما بالك یا أمیر المؤمنین ) لا تصنع موعظتك بك ما صنعت بهمّام ( فقال :

ویحك إنّ لكلّ أجل ) محتوم ( وقتا ) معیّنا ( لا یعدوه ) أى لا یتجاوزه و لا یتأخّر عنه كما قال تعالى إنّ أجل اللَّه إذا جاء لا یؤخّر ( و سببا ) أى علّة معیّنة ( لا یتجاوزه ) أى لا یتجاوز عنه إلى سبب آخر .

و محصّل الجواب أنّ كلّ انسان له أجل حتمى مقدّر و وقت معیّن لموته لا یتقدّم و لا یتأخّر و علّة معیّنة لأجله لا تتبدّل و لا تتغیّر كما قال تعالى و ما كان لنفس ان تموت الاّ باذن اللّه كتابا مؤجّلا و على ذلك فانّما مات همّام باستماع الموعظة البالغة لأنّه قد تمّ عمره و بلغت مدّة حیاته الّتى قدّرت فى حقّه غایتها مع حصول السبب المعین المكتوب فى امّ الكتاب لموته و هو الانفعال بالموعظة و أما أنا فلم یكمل أیامى بعد و لم یبلغ أجلى غایته و السبب المقدّر فى حقى غیر هذا السبب و هو ما أنتظره من ضربة ابن ملجم المرادى علیه اللّعنة و العذاب .

و الحاصل أنّ مشیة اللّه و اذنه عزّ و جلّ قد تعلّق بموت همام عن سببه الذى حصل

[ 160 ]

و لم یتعلّق بعد بموتى و لم یحصل سببه ، و ان شئت مزید توضیح لذلك فعلیك بالكلام الحادى و الستّین و شرحه ، هذا .

و لما أجاب علیه السّلام عن اعتراض القائل نهاه عن العود إلى مثل ذلك بقوله ( فمهلا لا تعد لمثلها ) أى لا ترجع إلى مثل تلك الكلمة ( فانما نفث الشیطان ) أى نفخ و تكلّم ( على لسانك ) .

تكملة

اعلم أنّ هذه الخطبة الشریفة حسبما اشرت الیه سابقا مرویّة فی الكافی باختلاف كثیر جدّا اقتضى المقام روایتها بالسّند الّذى فیه و اتباعها ببیان غرایب ألفاظها فأقول و باللّه التوفیق :

روى ثقة الاسلام محمّد بن یعقوب الكلینی قدّس اللّه روحه عن محمّد بن یحیى عن جعفر عن محمّد بن إسماعیل عن عبد اللّه بن زاهر عن الحسن بن یحیى عن قثم بن أبی قتادة الحرّانی عن عبد اللّه بن یونس عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال :

قام رجل یقال له همّام و كان عابدا ناسكا مجتهدا إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام و هو یخطب ، فقال یا أمیر المؤمنین صف لنا صفة المؤمن كأنّنا ننظر إلیه فقال علیه السّلام :

یا همام المؤمن هو الكیّس الفطن ، بشره فی وجهه ، و حزنه فی قلبه ، أوسع شی‏ء صدرا ، و أذلّ شی‏ء نفسا ، زاجر عن كلّ فان ، حاض عن كلّ حسن ، لا حقود ،

و لا حسود ، و لا وثّاب ، و لا سبّاب ، و لا عیّاب ، و لا مغتاب ، یكره الرّفعة ، و یشنأ السمعة ، طویل الغمّ ، بعید الهمّ ، كثیر الصّمت ، وقور ، ذكور ، شكور ،

مغموم بفكره ، مسرور بفقره ، سهل الخلیقة ، لین العریكة ، رصین الوفاء ، قلیل الاذى ، لا متأفّك ، و لا متهتّك ، إن ضحك لم یخرق ، و إن غضب لم ینزق ، ضحكه تبسّم ، و استفهامه تعلّم ، و مراجعته تفهّم ، كثیر علمه ، عظیم حلمه ، كثیر الرّحمة ،

لا یبخل ، و لا یعجل ، و لا یضجر ، و لا یبطر ، و لا یحیف فی حكمه ، و لا یجور فی علمه ،

أصلب من الصلد ، و مكادحته أحلى من الشهد ، لا جشع ، و لا هلع ، و لا عنف ، و لا

[ 161 ]

صلف ، و لا متكلّف ، و لا متعمّق ، جمیل المنازعة ، كریم المراجعة ، عدل إن غضب ،

رفیق إن طلب ، لا یتهوّر ، و لا یتهتّك ، و لا یتجبّر ، خالص الودّ ، وثیق العهد ، و فیّ العقد ، شفیق وصول ، حلیم خمول ، قلیل الفضول ، راض عن اللّه عزّ و جلّ ، مخالف لهواه ،

لا یغلظ على من دونه ، « یؤذیه خ » و لا یخوض فیما لا یعنیه ، ناصر للدّین ، محام عن المؤمنین كهف للمسلمین ، لا یخرق الثناء سمعه ، و لا ینكى الطمع قلبه ، و لا یصرف اللّعب حكمه ، و لا یطلع الجاهل علمه ، قوّال ، عمال ، عالم ، حازم ، لا بفحّاش ، و لا بطیّاش ،

وصول فی غیر عنف ، بذول فی غیر سرف ، لا بختّار ، و لا بغدّار ، و لا یقتفى اثرا ، و لا یحیف بشرا ، رفیق بالخلق ، ساع فى الأرض ، عون للضعیف ، غوث للملهوف ، لا یهتك سترا ، و لا یكشف سرّا ، كثیر البلوى ، قلیل الشكوى ، إن رأى خیرا ذكره ، و ان عاین شرّا ستره ، یستر العیب ، و یحفظ الغیب ، و یقیل العثرة ، و یغفر الزّلّة ، لا یطلع على نصح فیذره ، و لا یدع جنح حیف فیصلحه ، أمین ، رصین ، تقیّ ، نقیّ ، زكیّ ،

رضیّ ، یقبل العذر ، و یجمل الذّكر ، و یحسن بالنّاس الظنّ ، و یتّهم على العیب نفسه ، یحبّ فی اللّه بفقه و علم ، و یقطع فی اللّه بحزم و عزم ، لا یخرق به فرح ، و لا یطیش به مرح ،

مذكّر للعالم ، معلّم للجاهل ، لا یتوقّع له بائقة ، و لا یخاف له غائلة ، كلّ سعى أخلص عنده من سعیه ، و كلّ نفس أصلح عنده من نفسه ، عالم بعیبه ، شاغل بغمّه ،

لا یثق بغیر ربّه ، غریب « خ ل قریب » ، وحید حزین ، یحبّ فی اللّه و یجاهد فى اللّه لیتّبع رضاه ، و لا ینتقم لنفسه بنفسه ، و لا یوالى فى سخط ربّه ، مجالس لأهل الفقر ، مصادق لأهل الصّدق ، موازر لأهل الحقّ ، عون للغریب ، أب للیتیم بعل للأرملة ، حفی بأهل المسكنة ، مرجو لكلّ كریهة ، مأمول لكل شدّة ،

هشّاش ، بشّاش ، لا بعبّاس ، و لا بجسّاس ، صلیب ، كظّام ، بسّام ، دقیق النظر ،

عظیم الحذر ، لا یبخل ، و إن بخل علیه « خ ل عنه » صبر ، عقل فاستحیی ،

و قنع فاستغنى ، حیاؤه یعلو شهوته ، و ودّه یعلو حسده ، و عفوه یعلو حقده ،

لا ینطق بغیر صواب ، و لا یلبس إلاّ الاقتصاد ، مشیه التّواضع ، خاضع لربّه بطاعته ، راض عنه فی كل حالاته ، نیّته خالصة ، أعماله لیس فیها غشّ و لا خدیعة ،

[ 162 ]

نظره عبرة ، و سكوته فكرة ، و كلامه حكمة ، مناصحا ، متبادلا ، متواخیا ، ناصح فى السرّ و العلانیة ، لا یهجر أخاه ، و لا یغتابه ، و لا یمكر به ، و لا یأسف على ما فاته ، و لا یحزن على ما أصابه ، و لا یرجو ما لا یجوز له الرّجا ، و لا یفشل فی الشدّة ، و لا یبطر فی الرّخا ، یمزج العلم بالحلم ، و العقل بالصبر ، تراه بعیدا كسله ، دائما نشاطه ، قریبا أمله ، قلیلا زلله ، متوقعا لأجله ، خاشعا قلبه ، ذاكرا ربّه ، قانعة نفسه ، منفیا جهله ، سهلا أمره ، حزینا لذنبه ، میتة شهوته ، كظوما غیظه ، صافیا خلقه ، آمنا منه جاره ، ضعیفا كبره ، قانعا بالذى قدّر له ، مبینا « متینا خ » صبره ، محكما أمره كثیرا ذكره ، یخالط النّاس لیعلم ، و یصمت لیسلم ، و یسأل لیفهم ، و یتّجر لیغنم ، لا ینصب للخیر لیفخر به ، و لا یتكلّم لیتجبّر به على من سواه ، نفسه منه فی عناء ، و الناس منه فی راحة ، أتعب نفسه لآخرته فأراح النّاس من نفسه ، إن بغی علیه صبر حتى یكون اللّه الّذی ینتصر له ، بعده ممّن تباعد منه بغض و نزاهة ، و دنوّه ممّن دنا منه لین و رحمة ، لیس تباعده تكبّرا و لا عظمة ، و لا دنوّه خدیعة و لا خلابة ، بل یقتدى بمن كان قبله من أهل الخیر ، فهو إمام لمن بعده من أهل البرّ .

قال : فصاح همّام صیحة ثمّ وقع مغشیا علیه ، فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام : أما و اللّه لقد كنت أخافها علیه و قال : هكذا تصنع الموعظة « المواعظ خ » البالغة بأهلها فقال له علیه السّلام قائل : فما بالك یا أمیر المؤمنین ؟ فقال علیه السّلام : إنّ لكلّ أجلا لن « لا خ » یعدوه و سببا لا یجاوزه ، فمهلا لا تعد فانما نفث على لسانك شیطان .

بیان

« الكیس » العاقل من الكیس وزان فلس خلاف الحمق و قیل : جودة القریحة و قوله : « و لا وثاب » أى لیس بخفیف من وثب وثوبا قام بسرعة قوله : « وقور » أى كثیر الوقار فی الامور الموجبة لاضطراب النّاس .

قوله « لین العریكة » أى سلس مطیع منقاد و العریكة الطّبیعة قوله « رصین الوفاء » بالصّاد المهملة الحكم الثابت و الحفىّ بحاجة صاحبه من رصنه أى أحكمه

[ 163 ]

و أكمله قوله « إن ضحك لم یخرق » أى لم یشقّ فاه حتّى یبلغ ضحكه القهقهة قوله « إن غضب لم ینزق » أى لا یأخذه الخفّة و الطیش عند الغضب قوله « و لا بطر » من البطر و هو الطغیان عند النعمة . و قیل التّجبّر و شدّة النشاط .

قوله « أصلب من الصّلد » أى لا یدخل قلبه ریب و لا جرع ، و الصّلد الحجر الصّلب الأملس قوله « مكادحته » أى عمله و سعیه أحلى من العسل قوله « لا جشع و لا هلع » الجشع أشدّ الحرص على الطّعام و أسوئه ، و الهلع أفحش الجزع قوله « و لا عنف و لا صلف » العنف وزان كتف من لا رفق له فی قوله و فعله ، و العنیف مثله و الصّلف ككتف أیضا من لا یتكلّم بما یكرهه صاحبه و یمدح نفسه و لا خیر عنده یقال سحاب صلف أى قلیل الماء كثیر الرّعد .

قوله « لا یتهوّر و لا یتهتّك » التّهوّر الوقوع فی الأمر بقلّة مبالاة ، و التهتّك خرق السّتر و الافتضاح قوله « خمول قلیل الفضول » أى خامل الذكر و قلیل فضول كلامه قوله « لا یخرق الثّناء سمعه » لكون أعماله للّه لا للنّاس ، فلا یؤثّر فیه ثناؤهم و مدحهم .

قوله : « و لا ینكى الطمع قلبه » أى لا یجرحه و لا یؤثّر فیه تأثیر الجرح قوله « عالم حازم » فی بعض النّسخ بالحاء المهملة من الحزم و هو التثبّت فی عواقب الامور ، و فی بعضها بالجیم قوله « و لا بطیّاش » الطیش النّزق و الخفّة قوله « و لا بختّال » أى بخدّاع من الختل و هو المخادعة قوله « و لا یدع جنح حیف فیصلحه » أى لا یترك ظلام ظلم و اصلاحه قوله « لا یخرق به فرح » من الخرق بالخاء المعجمة و الرّاء المهملة و هو الحمق و الجهل و ضعف العقل قوله « و لا یطیش به مرح » المرح شدّة النّشاط و الفرح .

و « البائقة » النّازلة الشّدیدة و الشرّ و الدّاهیة و « الغائلة » الفساد و الشرّ و قوله « حفىّ بأهل المسكنة » أى بارّ معین قوله « هشّاش بشّاش » من الهشاشة و هو طلاقة الوجه قوله « لا یهجر أخاه » الهجر الهذیان و یحتمل أن یكون من الهجر أى الترك و المفارقة قوله « و یتّجر لیغنم » أى یتّجر للآخرة .

[ 164 ]

قوله « و لا دنوّه خدیعة و لا خلابة » الخلابة بكسر الخاء المعجمة و تخفیف اللاّم الخدیعة باللسان بالقول اللطیف من خلبه یخلبه من باب قتل و ضرب خدعه ،

و الاسم الخلابة و الفاعل خلوب كرسول .

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن امام دین است در وصف متقین .

روایت شده كه مصاحبى بود از براى أمیر المؤمنین علیه السّلام همام نام كه شخص عابدى بود پس گفت بآنحضرت كه یا أمیر المؤمنین وصف كن از براى من پرهیز كاران را تا اینكه گویا من نگاه مینكم بسوى ایشان ، پس سنگینى ورزیدند و درنگ كردند آنحضرت از جواب او ، و بعد از آن فرمود اى همّام بپرهیز از خدا و كار نیك بكن پس بدرستى كه خدایتعالى یار پرهیز كارانست و با نیكو كاران .

پس قناعت نكرد همام باین جواب تا اینكه سوگند داد بر حضرت در جواب گفتن پس حضرت حمد و ثناى خدا را بجا آورد و صلوات فرستاد بر پیغمبر و آل او پس گفت :

أما بعد پس بتحقیق كه خداوند سبحانه ایجاد فرمود مخلوقات را وقتى كه ایجاد فرمود ایشان را در حالتى كه بى نیاز بود از طاعت ایشان ، و ایمن بود از ضرر معصیت ایشان ، از جهت اینكه ضرر نمى‏رساند او را معصیت كسى كه معصیت نمود ،

و منفعت نمى‏بخشد او را اطاعت كسى كه اطاعت نمود ، پس قسمت فرمود در میان مخلوقات معیشتها و گذرانى ایشان را ، و گذاشت ایشانرا از دنیا در جایگاه ایشان كه لایق شأن و مناسب حال هر یكى باشد .

پس پرهیز كاران در دنیا ایشانند أهل فضیلتها ، گفتار ایشان راست و درست ،

و لباس ایشان حدّ وسط است ، و رفتار ایشان تواضع و فروتنى است ، پوشیده‏اند چشمهاى خود را از چیزى كه خدا حرام كرده برایشان ، و واداشته‏اند گوشهاى خود را بر شنیدن علم منفعت بخشنده از براى ایشان ، نازل شد نفسهاى ایشان از ایشان

[ 165 ]

در بلا و شدّت مثل نزول آنها در رفاه و فراخى یعنى ایشان رضا بقضا دارند و شاكرند بطیب نفس بآنچه كه در حقّ ایشان مقدّر شده اگر نبود أجل معیّنى كه نوشته شده است از براى ایشان هر آینه قرار نمى‏گرفت روحهاى ایشان در بدنهاى ایشان لحظه از جهت اشتیاق بثواب و ترسیدن از عقاب .

بزرگ شد خالق تعالى در پیش نفسهاى ایشان پس كوچك شد ما سواى خالق در نظر ایشان پس حال ایشان با بهشت حال كسى است با رأى العین دیده باشد او را پس در آنجا بناز و نعمت گذرانده باشد ، و حال ایشان با جهنم حال كسى است كه دیده باشد آنرا پس در آنجا معذّب باشد یعنى ایشان در امر بهشت و جهنم اعتقاد یقینی دارند بمنزله مشاهده .

قلبهاى ایشان غمگین و محزونست و مردم از شرهاى ایشان آسوده و ایمنند ،

و بدنهاى ایشان لاغر و ضعیف ، و حاجت و خاهشات ایشان سبك و خفیف ، نفسهاى ایشان با عفت است ، صبر و تحمل كردند بر زحمات چند روز كوتاه كه عاقبت آن راحت و آسایش دراز گردید ، تجارت با منفعتى است كه میسر ساخت از براى ایشان پروردگار ایشان .

خواست ایشان را دنیا پس نخواستند ایشان دنیا را ، و اسیر كرد ایشان را دنیا پس دادند نفسهاى خودشان از دنیا یعنی بمقتضاى شهوت و غضب جبلى انسانى كه در ایشان بود نزدیك بود كه ایشان مفتون دنیا باشند و أسیر شهوات نفسانیه آن شوند و لیكن ایشان بمقتضاى قوّه عقلانیه ترك لذایذ دنیویه كرده خودشان را از قید اسیرى دنیا خلاص نمودند أما حالت ایشان در شب پس صف زنندگانند بپاهاى خودشان در حالتى كه تلاوت كنندگان باشند جزئهاى قرآن را در حالتى كه نیك قرائت مى‏كنند آن را نیك قرائت كردنى ، با تأنّى و حفظ وقوف و أداء حروف ، محزون مینمایند بسبب قراءة آن نفسهاى خودشان را ، و بهیجان مى‏آورند با آن دواء درد خودشان را پس اگر بگذرند در اثناى قرائت آن بآیه كه در آن تشویقى باشد بسوى بهشت

[ 166 ]

اعتماد مى‏كنند بآن و مایل مى‏شوند بسوى آن آیه از جهت طمع آن بشارت و مطلع باشد نفسهایشان بسوى آن از روى شوق و گمان كنند كه آن آیه یعنى وعده بهشت كه مضمون آن آیه است پیش چشم ایشان است .

و اگر بگذرند بآیه كه در آن ترساندن از عذاب باشد متوجه باشند بسوى آن با گوشهاى قلبهاى خودشان ، و گمان مى‏كنند كه صداى افروخته شدن جهنم و شیون اهل آن در بیخهاى گوشهاى ایشانست ، پس ایشان خم شوندگان باشند بر كمرهاى خود ، پهن سازندگان باشند مر پیشانیهاى خود را و كفهاى دست خود را و زانوهاى خود را و سرهاى پاهاى خودشان را ، تضرّع مى‏كنند بسوى خدا در وا كردن گردنهاى ایشانرا از زنجیر عذاب .

و أما حالت ایشان در روز پس صاحبان حلم و علمند ، نیكو كارانند ، پرهیز كارانند ، بتحقیق كه باریك كرده و كاهانده است ایشان را ترس خدا مثل باریك شدن چوب تیر تراشیده شده ، نگاه مى‏كند بسوى ایشان نگاه كننده پس گمان مى‏كند كه ایشان مریصانند و حال آنكه نیست در این جماعت مرضى ، و مى‏گوید كه خبط آورده‏اند و حال آنكه هر آینه آمیخته بایشان امر بزرگى كه اشتیاق و عشق بلقاء خدا باشد .

راضى نمى‏شوند در عبادات و عملهاى خودشان بأندك ، و بسیار نمى‏شمارند بسیار را ، پس ایشان همیشه بنفسهاى خود تهمت مى‏زنند بجهت قصور در بندگى و از عبادات خود ترسنا كند ، اگر تزكیه كرده شود یكى از ایشان مى‏ترسد از آنچیزى كه در باره او گفته شده پس مى‏گوید كه : من داناترم بنفس خودم از غیر خودم و پروردگار من داناتر است از من بنفس من ، با خدایا مؤاخذه مكن مرا بسبب آنچه گفتند درباره من ، و بگردان مرا بهتر از آنچه گمان بردند در حق من ، و بیامرز از براى من گناهى را كه ایشان نمى‏دانند .

پس از علامت یكى از ایشانست این كه تو مى‏بینى از براى او قوّتى در دین ،

و احتیاطى در نرمى ، و ایمانى در كمال یقین ، و حرصى در تحصیل علم ، و علمى در

[ 167 ]

غایت حلم ، و میانه روى در بى نیازى ، و خضوع و خشوعى در عبادت ، و استغنائى در عین فقر ، و صبرى در حالت شدّت ، و طلبى در كسب حلال ، و خوشحالى در هدایت ، و كناره جوئى از طمع ، مى‏كند عملهاى نیكو را و حال آنكه ترسناك است ، روز را بشب مى‏آورد و حال آنكه همّت او مصروف بشكر است ، و شب را بصبح میرساند و حال آنكه همتش مصروف ذكر است .

بیتوته مى‏كند در حالتى كه ترسناك است ، صباح مى‏كند در حالتى كه خوشحال ، ترسناكى از جهت آنچه كه ترسانده شده از غفلت در عبادت ، و خوشحالى بجهت آنچیزى كه رسیده است از فضل و رحمت ، أگر دشوار بگیرد بر او نفس او در چیزى كه ناخوش دارد نمى‏بخشد بنفس خود خواهش او را در چیزى كه دوست دارد آنرا .

چشم روشنى او در نعیم آخرت جاودانیست ، و زهد او در لذت دنیاى فانى ،

مخلوط میكند حلم را بعلم ، و گفتار را بكردار ، مى‏بینى او را كه نزدیكست آرزوى او ، اندك است لغزش او ، ترسانست قلب او ، قانعست نفس او ، اندكست اكل او آسانست كار او ، محفوظست دین او ، مرده است شهوت او ، فرو نشانده شده است خشم او .

خیر از او امید گرفته شده است ، و شرّ از او أیمن شده ، اگر در میان غافلان باشد نوشته مى‏شود از ذكر كنندكان ، و اگر در زمره ذاكران باشد نوشته نمى‏شود از غفلت كنندگان ، عفو میكند از كسى كه ظلم نماید او را ، و عطا میكند بكسى كه محروم نماید او را ، و صله رحم بجا مى‏آورد با كسى كه قطع صله رحم او كرده است .

دور است از مردم فحش گفتن او ، نرم و ملایمست گفتار او ، غایب است از مردمان بدى او ، حاضر است از براى ایشان نیكى او ، اقبال كننده است خیر او ،

ادبار كننده است شرّ او .

و در شداید روزگار صاحب تمكین و وقار است ، و در مصایب صبر كننده و بردبار ، و در حالت وسعت شاكر ، ظلم نمى‏كند بر كسى كه دشمن دارد ، و مرتكب






نظرات() 


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox