تبلیغات
پیام هادی - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-08:46 ب.ظ

[ 286 ]

فهو طریق أوضح المسلك إلى الجنّة ( و أنور السّراج ) لا یضلّ سالكها البتّة لوضوحها و إضائتها ( فبالایمان یستدلّ على الصّالحات و بالصّالحات یستدلّ على الایمان ) قال الشارح البحرانی : و الصّالحات هى الأعمال الصّالحات من سایر العبادات و مكارم الأخلاق الّتی وردت بها الشریعة و ظاهر كونها معلولات للایمان و ثمرات له یستدلّ بوجوده فی قلب العبد على ملازمته لها استدلالا بالعلّة على المعلول ، و یستدلّ بصدورها من العبد على وجود الایمان فی قلبه استدلالا بالمعلول على العلّة ( و بالایمان یعمر العلم ) إذ من المعلوم أنّ فضل العلم و كماله إنّما هو العمل بالأركان و العمل بالأركان إمّا شرط للایمان أو شطر منه حسبما عرفته فی شرح الخطبة المأة و التاسعة فیكون فضله و كماله بالایمان ،

و هو معنى كونه معمورا به .

و یؤمى إلیه قول الصّادق علیه السّلام : لا یقبل اللّه عملا إلاّ بمعرفة و لا معرفة إلاّ بعمل فمن عرف دلّته المعرفة على العمل و من لم یعمل فلا معرفة له الا أنّ الایمان بعضه من بعض .

و قال علیّ بن الحسین علیه السّلام : مكتوب فی الانجیل : لا تطلبوا علم ما لا تعلمون و لمّا تعملوا بما علمتم ، فانّ العلم إذا لم یعمل به لم یزدد صاحبه إلاّ كفرا و لم یزدد من اللّه إلاّ بعدا .

( و بالعلم یرهب الموت ) لأنّ العلم بالمبدء و المعاد مستلزم لذكر الموت و التّوجه الیه و إلى ما یتلوه من الشداید و الأهوال ، و ذلك موجب للرّهبة منه لا محالة و أمّا الجاهل فهو غافل عن ذلك لكون همّته مقصورة على الدنیا مصروفة الیها ( و بالموت تختم الدّنیا ) و هو ظاهر إذ الموت آخر منازل الدّنیا كما هو أوّل منازل الآخرة ( و بالدّنیا تحرز الآخرة ) لأنّها دار التكلیف و فیها یقام العبادات و یقتنى الحسنات فیفاز بالجنّات و ینال السّعادات فهى محلّ الاستعداد لتحصیل الزاد لیوم المعاد ( و بالقیامة تزلف الجنّة للمتّقین و تبرز الجحیم للغاوین ) اقتباس من الآیة الشّریفة فی سورة الشّعرا قال سبحانه :

یَوْمَ لا یَنْفعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلیمٍ وَ أُزْلِفَتِ

[ 287 ]

الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقینَ وَ بُرِّزَتِ الْجَحیمُ لِلْغاوینَ .

أى قربت الجنّة و قدّمت للسّعداء بحیث یرونها من الموقف فیبجحون بأنّهم المحشورون إلیها ، و تظهر الجحیم للأشقیاء فیرونها مكشوفة بارزة فیتحسّرون على أنهم المسوقون الیها ( و أنّ الخلق لا مقصر لهم عن القیامة ) أى لا محبس و لا غایة لهم دونها و لا مانع من ورودهم علیها ( مرقلین ) أى مسرعین ( فی مضمارها ) و هو مدّة الحیاة الدّنیا ( إلى الغایة القصوى ) قال الشّارح البحرانی قوله : و إنّ الخلق لا مقصر لهم الى آخره كلام فی غایة الحسن مع غزارة الفایدة ، و هو إشارة إلى أنّه لا بدّ لهم من ورود القیامة و مضمارها مدّة الحیاة الدّنیا ، و هو لفظ مستعار ، و وجه المشابهة كون تلك المدّة محلّ استعداد النّفوس للسباق إلى حضرة اللّه كما أنّ المضمار محلّ استعداد الخیل للسباق ،

و ارقالهم كنایة عن سیرهم المتوهّم فی مدّة أعمارهم إلى الآخرة ، و سرعة حثیث الزّمان بهم فی اعداد أبدانهم للخراب و الغایة القصوى هى السّعادة و الشّقاوة الاخرویة

الفصل الثانى ( منه )

فی وصف حال أهل القبور و الحثّ على الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر و على لزوم كتاب اللّه و بیان معنى الفتنة و هو قوله علیه السّلام ( قد شخصوا من مستقرّ الأجداث ) أى ارتحل الموتى من محلّ استقرارهم و هى القبور ( و صاروا إلى مصائر الغایات ) أى انتقلوا إلى محال هى غایة منازل السّالكین و منتهى سیر السّائرین ، یعنی درجات و دركات الجحیم ( و لكلّ دار ) من هاتین الدّارین ( أهل ) من السّعداء و الأشقیاء ( لا یستبدلون بها ) غیرها ( و لا ینقلون عنها ) إلى غیرها یعنی أنّ أهل الجنّة لا یطلبون إبدالها لما هم علیه من عظیم النّعماء و ألذّ الآلاء ، و أهل النّار لا ینقلون عنها و لو طلبوا النّقل و الأبدال لكونهم مخلّدین فیها ، و هذه قرینة على أن یكون

[ 288 ]

مراده علیه السّلام بأهل النّار الكفار و المنافقین ، إذ غیرهم من أصحاب الجرائر من المسلمین المذعنین بالولایة لا یخلّدون فی النّار لو دخلوها ، بل یخرجون بعد تمحیص الذّنوب إمّا بفضل من اللّه سبحانه ، أو بشفاعة أولیاء اللّه تعالى كما دلّت علیه الاصول المحكمة .

ثمّ حثّ على الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر بالتنبیه على فضلهما بقوله ( و إنّ الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر لخلقان من خلق اللّه ) قال الشّارح البحرانی « ره » إطلاق لفظ الخلق على اللّه استعارة ، لأنّ حقیقة الخلق ملكة نفسانیة تصدر عن الانسان بها أفعال خیریّة أو شریّة ، و إذ قد تنزّه قدسه تعالى عن الكیفیّات و الهیئات لم یصدق هذا اللّفظ علیه حقیقة ، لكن لمّا كان الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر و الأفعال الخیریّة الّتی بها نظام العالم و بقاؤه كحكمته و قدرته وجوده و عنایته و عدم حاجته بما یتعارف من الأخلاق الفاضلة الّتی تصدر عنها الأفعال الخیریّة البشریّة ، فاستعیر بها لفظ الاخلاق و اطلق علیه ، انتهى .

أقول : هذا كلّه مبنیّ على التجوّز فی لفظ الخلق حسبما صرّح به ، و یجوز ابقائه على حقیقته و البناء على التجوّز فی الاضافة ، یعنی أنّهما خلقان نسبتهما إلیه سبحانه باعتبار كونهما مرضیّین عند اللّه و محبوبین له تعالى ، فصحّ بذلك الاعتبار كونهما من خلقه تعالى أى من خلق هو محبوبه و مطلوبه كما نقول : بیت اللّه تشریفا ، و روح اللّه تعظیما و تكریما و نحو ذلك ، هذا .

و لمّا كان أكثر النّاس یكفون عن الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر ، و یمسكون عن ردع الظلمة بتوهّم أن یبطش به فیقتل أو یقطع رزقه و یحرم فأشار علیه السّلام إلى دفع هذا التّوهم بقوله ( و انّهما لا یقربان من أجل و لا ینقصان من رزق ) و قد روى هذا المعنى عنه علیه السّلام فی حدیث آخر .

و هو ما رواه فی الوسایل من الكافی عن یحیى بن عقیل عن حسن علیه السّلام قال خطب أمیر المؤمنین علیه السّلام فحمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال : أمّا بعد فانّه إنّما هلك من

[ 289 ]

كان قبلكم حیثما عملوا من المعاصی و لم ینههم الرّبانیون و الأحبار عن ذلك ، و إنّهم لمّا تمادوا فی المعاصی و لم ینههم الرّبانیّون و الأحبار عن ذلك نزلت بهم العقوبات فأمروا بالمعروف و انهوا عن المنكر و اعلموا أنّ الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر لن یقربا أجلا و لن یقطعا رزقا .

و فیه عن الحسن بن علیّ بن شعبة فی تحف العقول عن الحسین علیه السّلام قال :

و یروى عن علیّ علیه السّلام اعتبروا أیها الناس بما وعظ اللّه به أولیائه من سوء ثنائه عن الأحبار إذ یقول : « لو لا ینهاهم الرّبّانیّون و الأحبار عن قولهم الاثم » و قال :

لعن الّذین كفروا من بنی إسرائیل إلى قوله لبئس ما كانوا یفعلون و إنّما عاب اللّه ذلك علیهم لأنهم كانوا یرون من الظلمة المنكر و الفساد فلا ینهونهم عن ذلك رغبة فیما كانوا ینالون منهم و رهبة ممّا یحذرون و اللّه یقول : فلا تخشوا النّاس و اخشونی و قال المؤمنون بعضهم أولیاء بعض یأمرون بالمعروف و ینهون عن المنكر » فبدء اللّه بالأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر فریضة منه لعلمه بأنّها إذا ادّیت و اقیمت استقامت الفرایض كلّها هیّنها و صعبها ، و ذلك إنّ الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر دعاء إلى الاسلام مع ردّ المظالم و مخالفة الظّالم و قسمة الفى‏ء و الغنایم و أخذ الصدّقات من مواضعها و وضعها فی حقّها ، هذا و ینبغی القیام بوظایف الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر بالشروط المقرّرة فی الكتب الفقهیّة ، و من جملتها الأمن من الضّرر على المباشر أو على بعض المؤمنین نفسا أو مالا أو عرضا ، فلو غلب على ظنّه أو قطع بأن یصیبه أو یصیبهم ضرر بهما سقط وجوبهما ، بل یحرمان كما صرّح به علماؤنا الأخیار و دلّت علیه أخبار أئمّتنا الأطهار .

روى فی الوسایل عن الكلینی عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن ابن أبی عمیر عن یحیى الطّویل صاحب المقری قال قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : إنّما یؤمر بالمعروف و ینهى عن المنكر مؤمن فیتّعظ أو جاهل فیتعلّم فأمّا صاحب سوط أو سیف فلا .

و عنه عن أبیه عن ابن أبی عمیر عن مفضّل بن یزید عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال :

[ 290 ]

قال لی : یا مفضّل من تعرّض لسلطان جائر فأصابته بلیّه لم یوجر علیها و لم یرزق الصّبر علیها .

فظهر لك بما ذكرنا أنّ قوله علیه السّلام فی المتن : و إنّهما لا یقربان من أجل و لا ینقصان من رزق ، لا بدّ أن یحمل على صورة عدم الظنّ بالضّرر فضلا عن القطع به ثمّ أمر بلزوم اتّباع الكتاب المجید معلّلا وجوب متابعته بأوصاف كمال نبّه علیها فقال ( و علیكم بكتاب اللّه فانّه الحبل المتین ) استعارة لفظ الحبل له باعتبار حصول النّجاة للمتمسّك به كما یحمل النّجاة للمتمسّك بالحبل و ذكر المتانة ترشیح .

و قد وقع نظیر تلك الاستعارة فی النّبوی المعروف المروىّ بطرق عدیدة منها ما رواه أبو سعید الخدرى قال : قال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّی تارك فیكم الثقلین أحدهما أكبر من الآخر كتاب اللّه حبل ممدود من السّماء إلى الأرض و عترتی أهل بیتی لن یفترقا حتّى یردا علىّ الحوض .

( و النّور المبین ) و هو أیضا استعارة لأنّه نور عقلیّ ینكشف به أحوال المبدء و المعاد و یهتدى به فی ظلمات برّ الأجسام و بحر النّفوس كما یهتدى بالنّور المحسوس فی الغیاهب و الظّلمات و نظیر هذه الاستعارة قوله سبحانه : قد جائكم من اللّه نور و كتاب مبین ( و الشّفاء النّافع ) إذ به یحصل البرء من الأسقام الباطنیّة و الأمراض النّفسانیّة كما قال تعالى : قل هو للّذین آمنوا هدى و شفاء و قال فی موضع آخر : و ننزّل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنین و لا یزید الظّالمین إلاّ خسارا ( و الرّى النّاقع ) أى القاطع لغلیل العطشان بماء الحیاة الأبدیّة أعنی ما تضمّنه من المعارف الحقّة و العلوم الالهیّة ( و عصمة للمتمسّك و نجاة للمتعلّق ) یعنی من تمسّك و تعلّق به و أخذ بأحكامه و عمل بها فهو یعصمه من غضب الجبّار و ینجیه من دخول النّار ( لا یعوجّ فیقام ) لأنه كلام الحقّ یصدّق بعضه بعضا « و لو كان من عند غیر اللّه لوجدوا فیه اختلافا كثیرا » و احتاج إلى إصلاح اختلافه و إقامة اعوجاجه و خلله

[ 291 ]

( و لا یزیغ فیستعتب ) أى لا یمیل و لا یعدل عن الحقّ حتّى یطلب عتباه و رجوعه إلیه ( و لا یخلقه كثرة الرّد و ولوج السّمع ) یعنی أنّ كلّ كلام نثرا كان أو نظما لو تكرّر تردّده على الألسنة و ولوجه فی الأسماع مجّه الأسماع و ملّ عنه الطّباع و اشمأزّ منه القلوب و یكون خلقا مبتذلا مرذولا ، و أمّا القرآن الكریم فلا یزال غضّا طریّا یزداد على كثرة التّكرار و طول التّلاوة فی كرور الأعصار و مرور الدّهور حسنا و بهاء و رونقا و ضیاء هو المسك ما كرّرته یتضوّع و ذلك من جملة خصایصها الّتی امتاز بها عن كلام المخلوق .

( من قال به صدق ) لأنّه كلام مطابق للواقع فالقول بما أفاده البتّة یكون صدقا و القائل به صادقا ( و من عمل به سبق ) إلى درجات الجنان و فاز أعظم الرّضوان قال السّیّد ( ره ) ( و قام إلیه رجل فقال أخبرنا عن الفتنة ) الظّاهر أنّ الّلام فیها للعهد و تكون الاشارة بها إلى فتنة معهودة سبق ذكرها فی كلام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و فی الكتاب العزیز فی الآیة الآتیة و اتّقوا فتنة لا تصیبنّ الّذین ظلموا منكم خاصّة » و غیرهما ، و الفتنة تكون لمعان شتّى من الابتلاء و الامتحان و الاضلال و العذاب و الفضیحة و الكفر و الاثم و اختلاف النّاس فی الآراء و نحوها .

و لمّا كان خطابه علیه السّلام بذلك الكلام لأهل البصرة حسبما نبّه السّیّد فی عنوانه فبقرینة مساق الكلام یحتمل أن یكون استخبار السّائل عن موضوع الفتنة لیفهم أنّ فتنة أهل البصرة هل هى داخلة فی الفتنة الّتی أخبر اللّه بها و رسوله ، و أن یكون عن حكمها .

و یشعر بالأوّل جوابه للسّائل بما ینقله عن رسول اللّه من قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یا علیّ إنّ امّتی صیفتنون من بعدی ، و قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أیضا : یا علیّ إنّ القوم سیفتنون بعدی .

و یشعر بالثّانی آخر كلامه علیه السّلام أعنی قوله : فقلت یا رسول اللّه فبأیّ المنازل انزلهم عند ذلك أبمنزلة ردّة أم بمنزلة فتنة فقال : بمنزلة فتنة .

فعلى الاحتمال الأوّل یكون معنى قوله ( و هل سألت عنها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم )

[ 292 ]

هل سألت عن معنیها لیتبیّن المراد بها .

و على الاحتمال الثّانی فالمعنى هل سألت عن حكمها عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لیعلم أنّ المفتونین مرتدّون أم لا ( فقال علیه السّلام ) فی جواب المستخبر .

( لمّا أنزل اللّه سبحانه قوله الم أ حسب النّاس أن یتركوا أن یقولوا آمنّا و هم لا یفتنون قال فی الكشّاف فی تفسیر الآیة : الفتنة الامتحان بشداید التّكالیف من مفارقة الأوطان و مجاهدة الأعداء و سایر الطّاعات الشّاقّة و هجر الشّهوات و الملاذّ ، و بالفقر و القحط و أنواع المصائب فی الأنفس و الأموال ، و بمصابرة الكفار على اذاهم و كیدهم و ضرارهم ، و المعنى أحسب الّذین أجروا كلمة الشّهادة على ألسنتهم و أظهروا القول بالایمان أنّهم یتركون لذلك غیر ممتحنین ، بل یمتحنهم اللّه بأنواع المحن و ضروب البلا حتّى یبلو صبرهم و ثبات أقدامهم و صحّة عقایدهم و خلوص نیّاتهم لیتمیّز المخلص من غیر المخلص و الرّاسخ فی الدّین من المضطرب و المتمكّن من العابد على حرف ، انتهى .

أقول : و بنحو ذلك فسّره غیر واحد من علماء التّفسیر ، و محصّله أنّ المراد بالفتنة الامتحان و الابتلاء فی النّفس و المال .

و رواه الطبرسی فی مجمع البیان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : معنى یفتنون یبتلون فی أنفسهم و أموالهم ، و المستفاد من غیر واحد من الأخبار الآتیة أنّ المراد بها خصوص الامتحان بالولایة ، و الیه یرجع ما أجاب به أمیر المؤمنین علیه السّلام هنا للسائل المستخبر ، و لا تنافی بین المعنیین إذ الأوّل تنزیله و الثانى تأویله و لا غبار علیه و إنّما الاشكال فی قوله ( علمت أنّ الفتنة لا تنزل بنا و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بین أظهرنا ) لظهور أنّ الآیة لا دلالة فیها على عدم نزول الفتنة بهم مع كون الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بینهم فمن أین علم أمیر المؤمنین علیه السّلام ذلك ، و قد تنبّه لذلك الشّارح المعتزلی و أجاب عنه بما لا یعبأ به حیث قال :

فان قلت : فلم قال علیه السّلام علمت أنّ الفتنة لا تنزل بنا و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بین أظهرنا ؟ .

[ 293 ]

قلت : لقوله تعالى : و ما كان اللّه لیعذّبهم و أنت فیهم » آه و أنت خبیر بما فیه .

أمّا أوّلا فلأنّ هذا الجواب كما ترى مبنیّ على جعل الفتنة فی الآیة بمعنى العذاب ، و قد علمت أنّ كلام أمیر المؤمنین فی هذا المقام ناظر إلى كونها بمعنى الامتحان بالولایة و التنافی بین المعنیین ظاهر .

و أمّا ثانیا فلأنّا بعد الغضّ عمّا ذكرنا نقول إنّ قوله : علمت ، جواب لما و هو یفید أنّ منشأ علمه بعدم نزول الفتنة هو قوله : الم أ حسب النّاس الآیة ، لا قوله : و ما كان اللّه لیعذّبهم ، و العلم بعدم نزول العذاب من الآیة الثّانیة لا یلازم حصول العلم من الآیة الأولى على ما هو مقتضى ظاهر كلامه علیه السّلام .

و الّذی عندی فی رفع ذلك الاشكال أنّه علیه السّلام علم ذلك حین نزول الآیة باعلام النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فقد روى فی الصّافی عنه علیه السّلام أنّه لما نزلت هذه الآیة قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لا بدّ من فتنة تبتلى به الأمّة بعد نبیّها لیتعیّن الصّادق من الكاذب ،

لأنّ الوحى قد انقطع و بقى السّیف و افتراق الكلمة إلى یوم القیامة .

فانّ هذه الرّوایة ككثیر من الرّوایات الآتیة صریحة فی أنّ نزول الفتنة إنّما یكون بعد النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فحصل بذلك العلم له علیه السّلام بأنّها لا تنزل مع كونه بین أظهرهم .

و لمّا كان ذلك الاخبار من النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حین نزول الآیة صحّ بذلك الاعتبار قوله علیه السّلام : لمّا أنزل اللّه قوله الم آه علمت إلى قوله ( فقلت یا رسول اللّه ما هذه الفتنة التیّ أخبرك اللّه بها فقال یا علیّ انّ امّتى سیفتنون من بعدى ) و هذا الجواب من النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم له علیه السّلام و إن كان مجملا لم یصرّح فیه بانّ افتتان الامّة بعده صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بما ذا إلاّ أنّه علیه السّلام قد فهم منه أنّ مراده صلّى اللّه علیه و آله و سلّم منه الافتتان به علیه السّلام و امتحانهم بولایته .

و فهمه علیه السّلام ذلك منه إمّا من باب سرّ الحبیب مع الحبیب أو بقرینة تصریحه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم به فی غیره ، فقد روى فی غایة المرام عن ابن شهر اشوب عن أبی طالب الهروی

[ 294 ]

باسناده عن علقمة و أبی أیّوب أنّه لمّا نزل ألم أحسب النّاس الآیات ، قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لعمّار : إنّه سیكون من بعدى هناة حتّى یختلف السّیف فیما بینهم و حتّى یقتل بعضهم بعضا و حتّى یتبرّء بعضهم من بعض ، فاذا رأیت ذلك فعلیك بهذا الأصلع عن یمینی علیّ بن أبیطالب ، فان سلك النّاس كلّهم وادیا فاسلك وادى علىّ و خلّ عن النّاس ، یا عمّار إنّ علیّا لا یردّك عن هدى و لا یردّك إلى ردى ،

یا عمّار طاعة علىّ طاعتی و طاعتی طاعة اللّه .

و فیه عنه من طریق العامّة أیضا فی قوله الم أ حسب النّاس أن یتركوا أن یقولوا آمنا و هم لا یفتنون قال علیّ علیه السّلام یا رسول اللّه ما هذه الفتنة ؟ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم :

یا علیّ بك و أنك المخاصم فأعدّ للخصومة .

و فیه عن محمّد بن العباس مسندا عن الحسین بن علیّ عن أبیه صلوات اللّه علیهم أجمعین قال : لما نزلت : أ لم أحسب الناس الآیة قال : قلت یا رسول اللّه ما هذه ؟

قال : یا على إنّك مبتلى بك و أنت مخاصم فأعدّ للخصومة .

و عن محمّد بن العباس قال : حدّثنا أحمد بن هودة عن إبراهیم بن إسحاق عن عبد اللّه بن حماد عن سماعة بن مهران قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ذات لیلة فی المسجد ، فلمّا كان قرب الصّبح دخل أمیر المؤمنین علیه السّلام فناداه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال یا علیّ ، فقال : لبیّك قال : هلمّ إلیّ ، فلمّا دنى منه قال : یا علیّ بت اللّیلة حیث ترانی و قد سألت ربّی ألف حاجة فقضیها لی و سألت لك ربّی أن یجمع لك امّتى من بعدی فأبى علیّ ربّی فقال : الم أ حسب النّاس أن یتركوا أن یقولوا آمنّا و هم لا یفتنون .

و هذه الرّوایات و ما بمعناها 1 ممّا لم نوردها خوف الاطالة كما ترى

-----------
( 1 ) مثل ما رواه فی غایة المرام من تفسیر العیاشى باسناده عن عبد الرحمن بن سالم عن الصادق ( ع ) فی قوله تعالى و اتّقوا فتنة لا تصیبنّ الذین ظلموا منكم خاصّة قال ( ع ) أصاب الناس فتنة بعد ما قبض اللّه نبیّه ( ص ) حتّى تركوا علیّا و بایعوا غیره ، و هى الفتنة الّتی فتنوا بها ، و قد أمرهم رسول اللّه باتباع علىّ و الأوصیاء من آل محمد ( ص ) .

و فیه عن العیاشی باسناده عن اسماعیل السرى عنه ( ع ) فی هذه الآیة قال : أخبر أنهم أصحاب الجمل .

و فیه عن تفسیر علیّ بن ابراهیم فی هذه الآیة قال : نزلت فی طلحة و الزبیر لما حاربوا أمیر المؤمنین و ظلموه ، منه .

[ 295 ]

صریحة فی الدلالة على أنّ الافتتان بعده صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّما هو بولایة أمیر المؤمنین علیه السّلام فهى رافعة للاجمال فی الجواب المرویّ فی المتن مبنیّة لكون مراد النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بقوله : إنّ امّتی سیفتنون من بعدی افتتانهم بها و امتحانهم به علیه السّلام .

و لمّا كان ذلك مبعدا لما كان ینتظره علیه السّلام و یرجوه من شهادته الّتی بشرّ بها النبیّ و موهما لعدم تنجّز ما بشّر به و مفیدا لعدم حصوله فی زمان النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و حال حیاته و كان فیه خوف فوت المطلوب لا جرم أعاد علیه السّلام السّؤال تحصیلا لاطمینان القلب كما سأل إبراهیم ربّه بقوله : كیف تحیى الموتى فقال علیه السّلام ( فقلت أ و لیس قد قلت لی یوم أحد حیث استشهد من استشهد من المسلمین و حیزت ) أى منعت ( عنّی الشهادة فشقّ ذلك علىّ فقلت لی : ابشر فانّ الشّهادة من ورائك ؟ فقال لی : إنّ ذلك كذلك ) یعنی أنّ الشهادة واقعة لا محالة و إن لم تكن فی زمانی و فی مجاهداتك الّتی بین یدیّ ، هذا .

و یجوز أن تكون الهمزة فی قوله : أو لیس قد قلت ، لم یرد بها الاستفهام و التقریر ، بل المراد بها الاستبطاء نظیر ما قاله علماء البیان فی مثل : كم دعوتك من أنّ الغرض به لیس السؤال و الاستفهام ، بل المراد الاستبطاء و هو الوصف بالبطوء أى عدّ المتكلم المخاطب بطیئا فی اجابة الدّعوة ، و الغرض من الكلام الشّكایة عن بطوء الاجابة و الحثّ علیها .

و معنى الاستبطاء فیما نحن فیه وصف ما قاله النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ما بشّر به من الشهادة بالبطوء و الشّكایة من تأخیره فانّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لما أخبر بأنّ الامة سیفتنون بعده أحبّ علیه السّلام أن لا یبقى إلى زمان تلك الفتنة فقال ذلك الكلام استبطاء للشهادة فافهم جیدا .

[ 296 ]

ثمّ أراد النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الابانة عن علوّ همّته علیه السّلام و الافصاح عن ثبات قدمه فی جنب اللّه فقال ( فكیف صبرك إذا ) یعنی إذا ظفرت بالشهادة ( فقلت یا رسول اللّه لیس هذا من مواطن الصّبر و لكن من مواطن البشرى و الشّكر ) یعنی أنّ الصبر عبارة عن تحمل المشاقّ و المكروه و هو إنّما یتصوّر فی حقّ المحجوبین عن اللّه المنهمكین فی لذّات الدّنیا و الغافلین عن لذّات الآخرة ، فانهم یكرهون الموت و یفرّون منه و یحذرون من الشّهادة ، و أمّا أولیاء الدّین و أهل الحقّ و الیقین فغایة غرضهم الخروج من هذه القریة الظّالم أهلها و الفوز بلقاء الحقّ و النّیل إلى رضوانه فالموت لمّا كان وسیلة للوصول إلیه فهو أحبّ إلیهم من كلّ شی‏ء ،

و لذلك كان علیه السّلام یقول غیر مرّة : و اللّه لابن أبیطالب آنس بالموت من الطّفل بثدى امّه ، و لمّا كان حصول الموت بالقتل و الشّهادة من أعظم القربات و أفضل الطّاعات كانوا مستبشرین به و شاكرین على وصول تلك النعمة العظیمة ، و إلیه ینظر قوله علیه السّلام فی الكلام المأة و الثّانیة و العشرین ، إنّ أكرم الموت القتل و الّذی نفس ابن أبیطالب بیده لألف ضربة بالسّیف أهون علىّ من میتة على فراش .

ثمّ عاد النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بعد الاشارة إجمالا إلى افتتان الامة من بعده إلى شرح حال المفتونین و بیان أوصافهم تفصیلا ( و قال یا علیّ إنّ الامّة سیفتنون بعدی بأموالهم ) أى بقلّتها و كثرتها و باكتسابها من حلال أو حرام و بصرفها فی مصارف الخیر أو الشّر و باخراج الحقوق الواجبة منها و البخل بها و غیر ذلك من طرق الامتحان ( و یمنّون بدینهم على ربهم ) كما منّ من قبلهم بذلك على ما حكى اللّه عنهم بقوله : یمنُّونَ عَلَیْكَ أن أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَىَّ إسْلامَكُمْ بَلِ اللّهُ یَمُنُّ عَلَیْكُمْ أنْ هَدیكُمْ لِلْإیمانَ ( و یتمنّون رحمته و یأمنون سطوته ) الأمن من سخط اللّه سبحانه كالأیاس من رحمته من الكبایر الموبقة ، و أمّا تمنّى الرّحمة مع عدم المبالاة فی الدّین فهو من صفة الجاهلین و قد روى عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال : أحمق الحمقاء من اتبع نفسه هویها و تمنّی على اللّه .

( و یستحلّون حرامه بالشّبهات الكاذبة و الأهواء السّاهیة ) أى الغافلة و وصف

[ 297 ]

الأهواء بها للمبالغة كما فی قولهم : شعر شاعر ، فانّ اتّباع الهوى لما كان موجبا للغفلة عن الحقّ صحّ اتّصافه به ، و المراد أنّ استحلالهم للحرام بسبب متابعتهم لهوى أنفسهم الصّاد لهم عن الحقّ و الشّاغل بهم إلى الدّنیا .

روى أبو حمزة عن أبی جعفر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یقول اللّه عزّ و جلّ :

و عزّتی و جلالی و كبریائی و نورى و علوّی و ارتفاع مكانی لا یؤثر عبد هواه على هواى إلاّ شتّت علیه أمره و لبّست علیه دنیاه و شغلت قلبه بها و لم اوته منها إلاّ ما قدرت له و عزّتی و جلالی و عظمتی و نوری و علوّی و ارتفاع مكانی لا یؤثر عبد هواى على هواه إلاّ استحفظته ملائكتى ، و كفّلت السّماوات و الأرضین رزقه و كنت له من وراء تجارة كلّ تاجر ، و أتته الدّنیا و هى راغمة .

و أشار إلى تفصیل ما یستحلّونه من المحرّمات بقوله ( فیستحلّون الخمر بالنّبیذ ) الغالب فی الخمر إطلاقه على الشّراب المتّخذ من العنب ، و فی النّبیذ استعمله فی الشّراب المتّخذ من التّمر ، و من ذلك نشأت شبهتهم حیث زعموا أنّ النّبیذ لیس بخمر فحكموا بحلّیته أى حلّیة النّبیذ بتوهّم اختصاص الحرمة بالخمر فأوجب ذلك استحلالهم للخمر من حیث لا یشعرون .

و قد ذمهم علیه السّلام على ذلك تنبیها على فساد ما زعموه و هو كذلك . 1 أما اولا فلمنع خروج النّبیذ من موضع الخمر ، لأنّ الخمر عبارة عن كلّ ما یخمر العقل أى یستره و یغطّیه ، فیشمل النّبیذ و غیره و إن كان استعماله فی العصیر العنبى اكثر .

و یدلّ علیه ما رواه فی الوسایل عن الكلینی بسنده عن عبد الرّحمن بن الحجّاج عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله الخمر من خمسة : العصیر من الكرم و النّقیع من الزّبیب و البتع من العسل ، و المرز من الشّعیر ، و النّبیذ من التّمر .

و عن الكلینی عن عامر بن السمط عن علیّ بن الحسین علیهما السّلام قال : الخمر من خمسة أشیاء : من التمر ، و الزبیب ، و الحنطة ، و الشّعیر ، و العسل .

-----------
( 1 ) یعنى أن ما زعموه فاسد .

[ 298 ]

و فیه أیضا عن ابن الشّیخ فی أمالیه باسناده عن النّعمان بن بشیر قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : أیّها النّاس إنّ من العنب خمرا ، و إنّ من الزبیب خمرا و إنّ من التّمر خمرا ، و إنّ من الشّعیر خمرا ، ألا أیّها النّاس أنهاكم عن كلّ مسكر .

و أما ثانیا فلمنع اختصاص حكم الحرمة بخصوص الخمر بعد تسلیم عدم شموله للنّبیذ حقیقة ، و ذلك لتعلّق الحكم بكلّ مسكر كما مرّ فی الرّوایة آنفا .

و مثله ما رواه فی الوسایل عن الكلینیّ عن عطاء بن یسار عن أبی جعفر علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : كلّ مسكر حرام و كلّ مسكر خمر .

و فیه عن علیّ بن إبراهیم القمّی فی تفسیره عن أبی الجارود عن أبیجعفر علیه السّلام فی قوله : إنّما الخمر و المیسر الآیة ، أمّا الخمر فكلّ مسكر من الشّراب إذا أخمر فهو خمر و ما أسكر كثیره فقلیله حرام و ذلك إنّ أبا بكر شرب قبل أن یحرم الخمر فسكر إلى أن قال فأنزل اللّه تحریمها بعد ذلك و إنّما كانت الخمر یوم حرمت بالمدینة فضیخ البسر و التّمر ، فلمّا نزل تحریمها خرج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقعد فی المسجد ثمّ دعا بآنیتهم الّتى كانوا ینبذون فیها فأكفاها كلّها ، و قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : هذه كلّها خمر حرّمها اللّه فكان أكثر شی‏ء أكفى فی ذلك الیوم الفضیخ و لم أعلم اكفى یومئذ من خمر العنب شی‏ء إلاّ إناء واحد كان فیه زبیب و تمر جمیعا ، فأمّا عصیر العنب فلم یكن منه یومئذ بالمدینة شی‏ء ، و حرّم اللّه الخمر قلیلها و كثیرها و بیعها و شرائها و الانتفاع بها ، هذا .

و یدلّ على حرمة النّبیذ بخصوصه ما رواه فی الوسایل عن الكلینیّ باسناده عن خضر الصّیرفی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : من شرب النّبیذ على أنّه حلال خلد فی النّار ، و من شربه على أنّه حرام عذّب فی النّار .

و عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن الحسن بن علیّ عن أبیه عن أبیعبد اللّه علیه السّلام لو أنّ رجلا كحل عینیه بمیل من نبیذ كان حقّا على اللّه عزّ و جلّ أن یكحله بمیل من نار .

[ 299 ]

و فیه عن الشّیخ باسناده عن عمّار قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن الرّجل یكون مسلما عارفا إلاّ أنّه یشرب العسكر هذا النّبیذ ، فقال لی : یا عمّار إن مات فلا تصلّ علیه .

و الأخبار فی هذا المعنى كثیرة و فیما أوردناها كفایة .

( و ) یستحلّون ( السّحت بالهدیة ) السّحت الحرام و كلّ ما لا یحلّ كسبه ،

و فی مجمع البحرین عن علیّ علیه السّلام هو الرّشوة فی الحكم و مهر البغى و كسب الحجام و عسب الفحل و ثمن الكلب و ثمن الخمر و ثمن المیتة .

و الظّاهر أنّ المراد به هنا خصوص الرّشوة كما فسّره بها الصّادق علیه السّلام فیما رواه فی الوسایل عن الشّیخ باسناده عن أحمد بن محمّد عن محمّد بن سنان عن ابن مسكان عن یزید بن فرقد قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن السّحت فقال : هو الرّشاء فی الحكم .

و المقصود أنّهم یأخذون الرّشوة إذا اهدیت إلیهم و یستحلّونها بزعم أنّها هدیّة قال الفاضل النّراقی : الفرق بین الرّشوة و الهدیّة أنّ الأولى هى المال المبذول للقاضی للتوسّل به إلى الحكم ابتداء أو إرشادا ، و الثّانیة هى العطیّة المطلقة أو لغرض آخر نحو التّودّد و التّقرّب إلیه أو إلى اللّه ، و الحاصل أنّ كلّ مال مبذول للشّخص للتّوسّل به إلى فعل صادر منه و لو مجرّد الكفّ عن شرّه لسانا أو یدا أو نحوهما فهو الرّشوة ، و لا فرق فی الفعل الذی هو غایة البذل أن یكون فعلا حاضرا أو متوقّعا كان یبذل للقاضی لأجل أنّه لو حصل له خصم یحكم للباذل و ان لم یكن له بالفعل خصم حاضر و لا خصومة حاضرة ، و كلّ مبذول لا لغرض یفعله المبذول له بل لمجرّد التقرّب أو التودّد إلیه أو یصفة محمودة أو كمال فیه فهو هدیة و إن كان الغرض من التودّد و التقرّب الاحتفاظ من شرّ شخص آخر أو التّوسل إلى فعل شخص آخر یوجبه التقرّب و التودّد إلیه .

و قد یستعمل لفظ أحدهما فی معنى الآخر تجوّزا فما كان من الأوّل فان كان الفعل المقصود الحكم فهو حرام مطلقا سواء كان الحكم لخصومة حاضرة أو فرضیّة ، و لذا حكموا بحرمة الهدیّة الغیر المعهودة قبل القضاء ، لأنه

[ 300 ]

قرینة على أنّ المقصود منه الحكم و لو فرضا و هو كذلك لصدق اسم الرّشوة عرفا فیشمله إطلاقاتها و علیه یحمل إطلاق ما ورد من طریق العامّة و الخاصّة كما فی أمالی الشیخ أنّ هدایا العمّال كما فی بعضها أو هدیّة الامراء كما فی بعض آخر غلول أو سحت و یدلّ علیه أیضا روایة أبی حمید الساعدی قال : استعمل النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم رجلا یقال له اللّثة على الصدقة ، فلما قدم قال : هذا لكم و هذا اهدى لى ، فقام النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على المنبر فقال : ما بال العامل نبعثه على أعمالنا یقول : هذا لكم و هذا اهدى لی فهلاّ جلس فی قعب بیته أو فی بیت اللّه ینظر لیهدى أم لا ، و الّذی نفسی بیده لا یأخذ أحد منها شیئا إلاّ جاء یوم القیامة یحمل على رقبته ، الحدیث .

و إن كان غیر الحكم فان كان أمرا محرّما فهو أیضا كرشوة الحكم محرّم لكونه إعانة على الاثم و اتّباعا للهوى ، و ان لم یكن محرّما فلا یحرم للأصل و اختصاص الأخبار المتقدّمة برشوة الحكم ، و ما كان من الثانی لا یحرم .

( و ) یستحلّون ( الرّبا بالبیع ) الرّبا لغة هو الزّیادة و شرعا هو الزّیادة على رأس المال من أحد المتساویین جنسا ممّا یكال أو یوزن ، و المراد أنهم یأخذون الزّیادة بواسطة البیع أى یجعلون المبایعة وسیلة إلى أخذ تلك الزیادة و یزعمون حلیّتها لأجل أنّها معاملة بتراضى الطرفین أو أنهم یستحلّون الرّبا بقیاسه على البیع كما كان علیه بناء أهل الجاهلیّة على ما أخبر اللّه سبحانه عنهم بقوله : ذلك بأنّهم قالوا إنّما البیع مثل الرّبا و أحلّ اللّه البیع و حرّم الرّبا .

قال الشیخ الطبرسیّ أى ذلك العقاب لهم بسبب قولهم إنّما البیع الّذی لا ربا فیه مثل البیع الّذی فیه الرّبا .

قال ابن عباس : كان الرّجل منهم إذا حلّ دینه على غریمه فطالبه به قال المطلوب منه له : زدنی فی الأجل و أزیدك فی المال ، فیتراضیان علیه و یعملان به ،

فاذا قیل لهم هذا ربا قالوا : هما سواء ، یعنون بذلك أنّ الزّیادة فی الثمن حال البیع و الزّیادة فیه بسبب الأجل عند حلّ الدّین سواء ، فذمّهم اللّه به و الحق الوعید بهم و خطاهم فی ذلك لقوله تعالى : و أحلّ اللّه البیع و حرّم الرّبا

[ 301 ]

و قال الفخر الرازی : اعلم أنّ الرّبا قسمان : ربا النسیئة و ربا الفضل أمّا ربا النّسیئة فهو الأمر الّذی كان متعارفا مشهورا فی الجاهلیّة ، و ذلك أنّهم كانوا یدفعون المال على أن یأخذوا كلّ شهر قدرا معیّنا و یكون رأس المال باقیا ، ثمّ إذا حلّ الدّین طالبوا المدیون برأس المال ، فاذا تعذر علیه الأداء زادوا فی الحقّ و الأجل ، فهذا هو الرّبا الّذی كانوا فی الجاهلیّة یتعاملون به ، و أمّا ربا النّقد فهو أن یباع منّ من الحنطة بمنوین منها و ما أشبه ذلك .

أما قوله تعالى ذلك بأنّهم قالوا إنّما البیع مثل الرّبا ففیه مسائل :

المسألة الاولى القوم كانوا فی تحلیل الرّبا على هذه الشّبهة ، و هى أنّ من اشترى ثوبا بعشرة ثمّ باعه بأحد عشر فهذا حلال فكذا إذا باع العشرة بأحد عشر یجب أن یكون حلالا ، لأنّه لا فرق فی العقل بین الأمرین فهذا فی ربا النقد و أمّا فی ربا النّسیئة فكذلك أیضا لأنّه لو باع الثوب الّذی یساوی عشرة فی الحال بأحد عشر إلى شهر جاز ، فكذا إذا أعطى العشرة بأحد عشر إلى شهر وجب أن یجوز ، لأنّه لا فرق فی العقل بین الصّورتین ، و ذلك لأنّه إنّما جاز هنا لأنّه حصل التّراضى فیه من الجانبین فكذا ههنا لمّا حصل التّراضی من الجانبین وجب أن یجوز أیضا ، فالبیاعات إنّما شرعت لدفع الحاجات و لعلّ الانسان أن یكون صفر الید فی الحال شدید الحاجة و یكون له فی المستقبل من الزّمان أموال كثیرة فاذا لم یجز الرّبا لم یعطه ربّ المال شیئا فیبقى الانسان فی الشّدة و الحاجة أمّا بتقدیر جواز الرّبا فیعطیه ربّ المال طمعا فی الزّیادة و المدیون یردّه عند وجدان المال مع الزّیادة و إعطاء تلك الزیادة عند وجدان المال أسهل علیه من البقاء فی الحاجة قبل وجدان المال ، فهذا یقتضى حلّ الرّبا كما حكمنا بحلّ سایر البیاعات لأجل دفع الحاجة فهذا هو شبهة القوم و اللّه تعالى أجاب عنه بحرف واحد و هو قوله : و أحلّ اللّه البیع و حرّم الرّبا .

و وجه الجواب أنّ ما ذكرتم معارضة للنّص بالقیاس و هو من عمل إبلیس فانّه تعالى لمّا أمره بالسّجود لآدم علیه السّلام عارض النّص بالقیاس فقال : أنا خیر منه

[ 302 ]

خلقتنی من نار و خلقته من طین ، و ذكر الفرق بین البابین فقال : من باع ثوبا یساوى العشرة بالعشرین فقد جعل ذات الثوب مقابلا بالعشرین ، فلمّا حصل التّراضی على هذا التّقابل صار كلّ واحد منهما مقابلا للآخر فی المالیّة عندهما فلم یكن أخذ من صاحبه شیئا بغیر عوض ، أمّا إذا باع العشرة بالعشرین فقد أخذ العشرة الزّایدة من غیر عوض .

و لا یمكن أن یقال إنّ عوضه هو الامهال فی المدّة ، لأنّ الامهال لیس مالا أو شیئا یشار إلیه حتّى یجعله عوضا من العشرة الزّایدة ، فظهر الفرق بین الصّورتین إلى أن قال :

المسألة الثالثة فی الآیة سؤال ، و هو أنّه لم لم یقل إنّما الرّبا مثل البیع و ذلك لأنّ حلّ البیع متّفق علیه فهم أرادوا أن یقیسوا علیه الرّبا ، و من حقّ القیاس أن یشبه محلّ الخلاف بمحلّ الوفاق ، فكان نظم الآیة أن یقال إنّما الرّبا مثل البیع فی الحكمة فی قلب هذه القضیّة فقال إنّما البیع مثل الرّبا و الجواب أنّه لم یكن مقصود القوم أن یتمسّكوا بنظم القیاس ، بل كان غرضهم أنّ الرّبا و البیع متماثلان من جمیع الوجوه المطلوبة فكیف یجوز تخصیص أحد المثلین بالحلّ و الثّانی بالحرمة ، و على هذا التّقدیر فایّهما قدّم أو أخّر جاز ، هذا .

و قال الرازى و ذكروا فی سبب تحریم الرّبا وجوها :

أحدها الرّبا یقتضى أخذ مال الانسان من غیر عوض لأنّ من یبیع الدّرهم بالدّرهمین نقدا أو نسیة فیحصل له زیادة درهم من غیر عوض ، و مال الانسان متعلّق حاجته و له حرمة عظیمة .

فان قیل : لم لا یجوز أن یكون إبقاء رأس المال فی یده مدّة مدیدة عوضا عن الدّرهم الزّاید ، و ذلك لأنّ رأس المال لو بقى فی یده هذه المدّة لكان یمكن المالك أن یتّجر فیه و یستفید بسبب تلك التّجارة ربحا ، فلمّا تركه فی ید المدیون و انتفع به المدیون لم یبعد أن یدفع إلى ربّ المال ذلك الدّرهم الزّاید عوضا عن انتفاعه بماله .

[ 303 ]

قلنا : إنّ هذا الانتفاع الّذی ذكرتم أمر موهوم لا ینفكّ عن نوع ضرر موهوم قد یحصل و قد لا یحصل ، و اخذ الدراهم الزائدة أمر متیقّن فتفویت المتیقّن لأجل الأمر الموهوم لا ینفكّ عن نوع ضرر و ثانیها قال بعضهم : اللّه تعالى إنّما حرّم الرّبا من حیث إنّه یمنع النّاس عن الاشتغال بالمكاسب ، و ذلك لأنّ صاحب الدّرهم إذا تمكّن بواسطة عقد الرّبا من تحصیل الدّرهم الزاید نقدا كان أو نسیة خفّ علیه اكتساب وجه المعیشة ، فلا یكاد یتحمّل مشقّة الكسب و التّجارة و الصّناعات الشّاقة ، و ذلك یفضى إلى انقطاع منافع الخلق و من المعلوم أنّ مصالح العالم لا تنتظم إلاّ بالتجارات و الحرف و الصّناعات و العمارات و ثالثها قیل : السّبب فی تحریم عقد الرّبا إنّه یفضى إلى انقطاع المعروف بین النّاس من القرض ، لأنّ الرّبا إذا حرم طابت النّفوس بقرض الدّرهم و استرجاع مثله ، و لو حلّ الرّبا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدّرهم بدرهمین ، فیفضى ذلك إلى انقطاع المواساة و المعروف و الاحسان .

أقول : و هذا الوجه الأخیر هو المروىّ عن الصّادق علیه السّلام قال : إنّما شدّد اللّه فی تحریم الرّبا لئلاّ یمتنع النّاس من اصطناع المعروف قرضا و رفدا .

قال بعض العارفین : آكل الرّبا أسوء حالا من جمیع مرتكبى الكبائر ، فانّ كل مكتسب له توكّل ما فی كسبه قلیلا كان أو كثیرا كالتّاجر و الزارع و المحترف لم یعینوا أرزاقهم بعقولهم و لم یتعیّن لهم قبل الاكتساب ، فهم على غیر معلوم فی الحقیقة كما قال رسول اللّه : أبی اللّه أن یرزق المؤمن إلاّ من حیث لا یعلم ، و أمّا آكل الربا فقد عیّن مكسبه و رزقه و هو محجوب عن ربّه بنفسه و عن رزقه بتعیّنه لا توكل له أصلا ، فوكّله اللّه إلى نفسه و عقله و أخرجه من حفظه و كلائته فاحتفظته الجنّ و خبلته فیقوم یوم القیامة و لا رابطة بینه و بین اللّه عزّ و جلّ كسایر النّاس المرتبطین به بالتّوكل ، فیكون كالمصروع الّذی مسّه الشّیطان فتخبّطه لا یهتدى إلى مقصد ، هذا .

و الأخبار فی عقاب الرّبا كثیرة جدّا منها ما فی الصّافی عن الكافی عن الصّادق علیه السّلام درهم ربا أشدّ من سبعین

[ 304 ]

زنیة كلّها بذات محرم ، و زاد فی الفقیه و التّهذیب مثل خالة و عمّة ، و زاد القمّی فی بیت اللّه الحرام ، و قال : الرّبا سبعون جزء أیسره مثل أن ینكح الرّجل امّه فی بیت اللّه الحرام .

و عن الفقیه و التهذیب عن أمیر المؤمنین علیه السّلام لعن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الرّبا و آكله و بایعه و مشتریه و كاتبه و شاهدیه .

ثمّ إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لما بیّن لأمیر المؤمنین علیه السّلام أوصاف المفتونین فأعاد علیه السّلام السؤال و قال ( فقلت یا رسول اللّه فبأىّ المنازل أنزلهم عند ذلك أ بمنزلة ردّة أم بمنزلة فتنة فقال بمنزلة فتنة ) و ذلك لبقائهم على الاقرار بالشهادتین و ان ارتكبوا من المحارم ما ارتكبوا لشبه غطت على أعین أبصارهم ، فلا یجرى علیهم فی الظاهر أحكام الكفر و إن كانوا باطنا من أخبث الكفار .

تنبیهات

الاول

قال الشارحان المعتزلی و البحرانی : إنّ هذا الخبر الذی رواه أمیر المؤمنین علیه السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قد رواه كثیر من المحدّثین عنه علیه السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّ اللّه قد كتب علیك جهاد المفتونین كما كتب علىّ جهاد المشركین قال علیه السّلام فقلت : یا رسول اللّه ما هذه الفتنة التی كتب علىّ فیها الجهاد ؟ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فتنة قوم یشهدون أن لا إله إلاّ اللّه ، و أنّی رسول اللّه و هم مخالفون للسنّة ، فقلت :

یا رسول اللّه فعلى م أقاتلهم و هم یشهدون كما أشهد ؟ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : على الاحداث فی الدّین و مخالفة الأمر ، فقلت : یا رسول اللّه إنّك كنت وعدتنى بالشهادة فاسأل اللّه أن یعجّلها لی بین یدیك ، قال : فمن یقاتل الناكثین و القاسطین و المارقین أما أنّى وعدتك بالشهادة و ستشهد تضرب على هذا فتخضب هذه فكیف صبرك إذا ؟ فقلت یا رسول اللّه لیس ذا بموطن صبر هذا موطن شكر ، قال : أجل أصبت فأعدّ للخصومة فانك مخاصم ، فقلت : یا رسول اللّه لو بیّنت لی قلیلا ، فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّ امّتی ستفتن

[ 305 ]

من بعدى فتتأوّل القرآن ، و تعمل بالرّأى ، و تستحلّ الخمر بالنبیذ ، و السحت بالهدیّة و الرّبا بالبیع ، و تحرّف الكلم عن مواضعه ، و تغلب كلمة الضّلال فكن جلیس بیتك حتّى تقلّدها ، فاذا قلّدتها ، جاشت علیك الصّدور ، و قلبت لك الامور ، فقاتل حینئذ على تأویل القرآن كما قاتلت على تنزیله ، فلیست حالهم الثّانیة ذون حالهم الاولى ، فقلت : یا رسول اللّه فبأىّ المنازل انزل هؤلاء المفتونین ؟ أبمنزلة فتنة أم بمنزلة ردّة ؟ فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : بمنزلة فتنة یعمهون فیها إلى أن یدركهم العدل ، فقلت یا رسول اللّه أیدركهم العدل منّا أم من غیرنا ؟ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : بل منّا ، بنا فتح اللّه و بنا یختم ، و بنا ألّف اللّه بین القلوب بعد الشّرك ، فقلت : الحمد للّه على ما وهب لنا من فضله .

بیان

قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : كن جلیس بیتك هكذا فی نسخة الشّارح المعتزلی فعیل بمعنى فاعل أى كن من یجالس بیتك ، و فی نسخة البحرانی حلس بیتك بالحاء المهملة وزان حبر قال فی مجمع البحرین : فی الخبر كونوا أحلاس بیوتكم ، الحلس بالكسر كساء یوضع على ظهر البعیر تحت البرذعة ، و هذا هو الأصل ، و المعنى الزموا بیوتكم لزوم الاحلاس و لا تخرجوا منها فتقعوا فی الفتنة ، و الضّمیر فی تقلّدها و قلّدتها على البناء للمفعول فیهما راجع إلى الخلافة ، و التّقلید مأخوذ من عقد القلادة على الاستعارة و تقلیدهم اطاعتهم و ترك الفساد ، و جاش القدر بالهمز و غیره غلا ، و قلبت لك الامور أى دبّروا أنواع المكائد و الحیل .

الثانى

قال الشّارح المعتزلی : فی قوله علیه السّلام : بل بمنزلة فتنة ، تصدیق لمذهبنا فی أهل البغى و أنّهم لم یدخلوا فی الكفر بالكلّیة ، بل هم فسّاق ، و الفاسق عندنا فی منزلة بین المنزلتین خرج من الایمان و لم یدخل فی الكفر ، انتهى .

اقول : قد علمت تحقیق الكلام فی حكم البغاة و الخوارج فی شرح الخطبة

[ 306 ]

الثّالثة و الثّلاثین و ظهر لك هناك أنّهم محكومون بكفرهم باطنا و إن یجرى علیهم فی الظّاهر أحكام الاسلام ، و لقد ظفرت حیثما بلغ بنا الشّرح إلى هذا المقام على تحقیق أنیق للعلاّمة المجلسی قدّس سرّه العزیز فی هذا المرام ، فأحببت أن أورده هنا لكونه معاضدا لما قدّمنا ، فأقول :

قال قدّس اللّه روحه فی المجلّد الثّامن من البحار فی باب حكم من حارب أمیر المؤمنین علیه الصّلاة و السّلام :

تذییل

اعلم أنّه قد اختلف فی أحكام البغاة فی مقامین :

الاول فی كفرهم

فذهب أصحابنا إلى كفرهم قال المحقّق الطّوسی رحمة اللّه علیه فی التجرید : محاربوا علیّ علیه السّلام كفرة ، و مخالفوه فسقة .

أقول : و لعلّ مراده إنّ مخالفیه فی الحرب و الذین لم ینصروه فسقة كما یؤمى إلیه بعض كلماته فیما بعد .

و ذهب الشّافعی إلى أنّ الباغی لیس باسم ذمّ ، بل هو اسم من اجتهد فأخطأ بمنزلة من خالف الفقهاء فی بعض المسائل .

و قال شارح المقاصد : و المخالفون لعلیّ علیه السّلام بغاة ، لخروجهم على امام الحقّ بشبهة من ترك القصاص من قتلة عثمان ، و لقوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لعمّار رضی اللّه عنه تقتلك الفئة الباغیة ، و قد قتل یوم صفّین على ید أهل الشّام ، و لقول علیّ علیه الصّلاة و السّلام : إخواننا بغوا علینا و لیسوا كفّارا و لا فسقة و ظلمة ، لمالهم من التأویل و إن كان باطلا ، فغایة الأمر أنّهم أخطأوا فی الاجتهاد ، و ذلك لا یوجب التّفسیق فضلا عن التّكفیر .

و ذهبت المعتزلة إلى أنّه اسم ذمّ و یسمّونهم فسّاقا .

و الدّلائل على ما ذهب إلیه أصحابنا أكثر من أن تحصى ، و قد مضت الأخبار الدّالة علیه و سیأتی فی أبواب حبّ أمیر المؤمنین و إمّام المتّقین علیّ بن أبیطالب

[ 307 ]

علیه صلوات اللّه الملك الغالب و بغضه علیه الصّلاة و السّلام و أبواب مناقبه و ایرادها هنا یوجب التّكرار ، فبعضها صریح فی كفر مبغض أهل بیت العصمة و الطّهارة علیهم الصّلاة و السّلام ، و لا ریب فی أنّ الباغی مبغض ، و بعضها یدلّ على كفر من أنكر إمامة أمیر المؤمنین علیّ بن أبیطالب علیه الصّلاة و السّلام ، و بعضها على أنّ الجاحد له من أهل النّار ، و بعضها یدلّ على كفر من لم یعرف امام زمانه ، و ذلك ممّا اتّفقت علیه كلمة الفریقین ، و البغى لا یجامع فی الغالب معرفة الامام ، و لو فرض باغ على الامام لأمر دنیویّ من غیر بغض و لا انكار لامامته فهو كافر أیضا ،

لعدم القائل بالفرق .

ثمّ إنّ الظّاهر 1 أنّ قوله تعالى :

وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنینَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَیْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْدیهُما عَلَى الْاُخْرى فَقاتِلُوا الَّتی تَبْغی حَتّى تَفی‏ءَ إِلى أَمْرِ اللّهِ فَإِنْ فآئَتْ فَأَصْلِحُوا بَیْنَهُما بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اللّهَ یُحِبُّ الْمُقْسِطینَ .

لا یتعلّق بقتال البغاة بالمعنى المعروف ، لما عرفت من كفرهم ، و إطلاق المؤمن علیهم باعتبار ما كانوا علیه بعید ، و ظاهر الآیة التّالیة و هى قوله :

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُون إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَیْنَ أَخَوَیْكُمْ وَ اتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ .

بقاء المذكورین فی الآیة السّابقة على الایمان ، و لعلّه السّرّ فی خلوّ أكثر الأخبار عن الاحتجاج بهذه الآیة فی هذا المقام ، فتكون الآیة مسوقة لبیان حكم طائفتین من المؤمنین تعدّت و بغت احدیهما على الاخرى لأمر دنیویّ أو غیرها ممّا لا

-----------
( 1 ) فیه تأمل یظهر وجهه مما نوردها من الاخبار فی تفسیر الآیة فى شرح الفصل الثامن من الخطبة القاصعة و هى المأة و الحادیة و التسعون من المختار فی باب الخطب ، منه

[ 308 ]

یؤدّى إلى الكفر .

الثانى فیما اغتنمه المسلمون من أموال البغاة

فذهب بعض الأصحاب إلى أنّه لا یقسم أموالهم مطلقا ، و ذهب بعضهم إلى قسمة ما حواه العسكر دون غیره من أموالهم و تمسّك الفریقان بسیرته علیه السّلام فی أهل البصرة .

قال الأوّلون : لو جاز الاغتنام لم یردّ علیه السّلام علیهم أموالهم و قد روى أنّه علیه السّلام نادى من وجد ماله فله أخذه فكان الرّجل منهم یمرّ بمسلم یطبخ فی قدر فیسأله أن یصبر حتّى ینضج فلا یصبر فیكفاها و یأخذها ، و أنّه علیه السّلام كان یعطى من القوم من له بیّنه و من لم یكن له بیّنه فیحلفه و یعطیه .

و قال الآخرون لو لا جوازه لما قسم علیه السّلام أموالهم أوّلا بین المقاتلة و قد كان ردّها علیهم بعد ذلك على سبیل المنّ لا الاستحقاق كما منّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على كثیر من المشركین ، و قد رووا عنه علیه السّلام أنّه قال : مننت على أهل البصرة كما منّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على أهل مكّة ، و لذا ذهب بعض أصحابنا على جواز استرقاقهم كما جاز للرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی أهل مكّة ، و المشهور عدمه .

و الّذی نفهم من الأخبار أنّهم واقعا فی حكم المشركین و غنایمهم و سبیهم فی حكم غنایم المشركین و سبیهم ، و القائم علیه السّلام یجرى علیهم تلك الأحكام ، و لمّا علم أمیر المؤمنین علیه السّلام استیلاء المخالفین على شیعته لم یجر هذه الأحكام علیهم لئلاّ یجروها على شیعته ، و كذا الحكم بطهارتهم و جواز مناكحتهم و حلّ ذبیحتهم لاضطرار معاشرة الشّیعة معهم فی دولة المخالفین .

و یدلّ علیه ما رواه الكلینیّ باسناده عن أبی بكر الحضرمی قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : لسیرة علىّ یوم البصرة كانت خیرا للشّیعة ممّا طلعت علیه الشّمس لأنّه علم أنّ للقوم دولة فلو سباهم لسبیت شیعته ، قلت فأخبرنی عن القائم أیسیر بسیرته علیه السّلام ؟ قال : لا إنّ علیّا سار فیهم بالمنّ ، للعلم من دولتهم ، و إنّ القائم علیه السّلام یسیر فیهم بخلاف تلك السّیرة ، لأنّه لا دولة لهم .

و أمّا ما لم یحوها العسكر من أموالهم فنقلوا الاجماع على عدم جواز

[ 309 ]

تملّكها ، و كذلك ما حواه العسكر إذا رجعوا إلى طاعة الامام علیه السّلام و إنّما الخلاف فیما حواه العسكر مع إصرارهم ، و أمّا مدبرهم و جریحهم و أسیرهم فذو الفئة منهم یتبع و یجهز علیه و یقتل ، بخلاف غیره ، و قد مضت الأخبار فی ذلك و ستأتی فی باب سیرته علیه السّلام فی حروبه .

تكملة

قال الشّیخ قدّس اللّه روحه فی تلخیص الشّافی عندنا أنّ من حارب أمیر المؤمنین و ضرب وجهه و وجه أصحابه بالسّیف كافر ، و الدّلیل المعتمد فی ذلك إجماع الفرقة المحقّة الامامیّة على ذلك ، فانّهم لا یختلفون فی هذه المسألة على حال من الأحوال و تدلّلنا على أنّ إجماعهم حجّة فیما تقدّم ، و أیضا فنحن نعلم أنّ من حاربه علیه السّلام كان منكرا لامامته و دافعا لها ، و دفع الامامة كفر كما أنّ دفع النّبوّة كفر ، لأنّ الجهل بهما على حدّ واحد .

و قد روى عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قال : من مات و هو لم یعرف إمام زمانه مات میتة جاهلیّة ، و میتة الجاهلیّة لا تكون إلاّ على كفر .

و أیضا روى عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قال : حربك یا علیّ حربی و سلمك یا علیّ سلمی ،

و معلوم أنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّما أراد أحكام حربك تماثل أحكام حربی ، و لم یرد أنّ إحدى الحربین هى الاخرى ، لأنّ المعلوم ضرورة خلاف ذلك و ان كان حرب النّبی كفرا أوجب مثل ذلك فی حرب أمیر المؤمنین علیه السّلام لأنّه جعله مثل حربه .

و یدلّ على ذلك أیضا قوله صلّى اللّه علیه و آله : اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه ، و نحن نعلم أنّه لا یجب عداوة أحد بالاطلاق إلاّ عداوة الكفّار .

و أیضا فنحن نعلم أنّ من كان یقاتله یستحلّ دمه و یتقرّب إلى اللّه بذلك ،

و استحلال دم مؤمن مسلم كفر بالاجماع ، و هو أعظم من استحلال جرعة من الخمر الّذی هو كفر بالاتّفاق .

فان قیل : لو كانوا كفّارا لوجب أن یسیر فیهم بسیرة الكفّار ، فیتبع مولّیهم و یجهز على جریحهم ، و یسبى ذراریهم ، فلمّا لم یفعل ذلك دلّ على أنّهم لم

[ 310 ]

یكونوا كفّارا .

قلنا : لا یجب بالتّساوی فی الكفر التّساوى فی جمیع أحكامه ، لأنّ أحكام الكفر مختلفة ، فحكم الحربی خلاف حكم الذّمی ، و حكم أهل الكتاب خلاف حكم من لا كتاب له من عباد الأصنام ، فانّ أهل الكتاب یؤخذ منهم الجزیة و یقرّون على أدیانهم ، و لا یفعل ذلك بعبّاد الأصنام ، و عند من خالفنا من الفقهاء یجوز التّزوّج بأهل الذّمة و إن لم یجز ذلك فی غیرهم ، و حكم المرتدّ بخلاف حكم الجمیع ، و إذا كان أحكام الكفر مختلفة مع الاتّفاق فی كونه كفرا لا یمتنع أن یكون من حاربه كافرا و إن سار فیهم بخلاف أحكام الكفّار .

و أمّا المعتزلة و كثیر من المنصفین من غیرهم فیقولون بفسق من حاربه و نكث بیعته و مرق عن طاعته ، و إنّما یدعون أنّهم تابوا بعد ذلك ، و یرجعون فی اثبات توبتهم إلى امور غیر مقطوع بها و لا معلومة من أخبار الآحاد ، و المعصیة معلومة مقطوع علیها ، و لیس یجوز الرّجوع عن المعلوم إلاّ بمعلوم مثله .

الترجمة

فصل ثانی از كلام آن امام انام است مى‏فرماید :

راه ایمان راهى است روشن‏تر از همه راهها ، و نورانى‏تر از جمیع چراغها ،

پس با ایمان استدلال كرده مى‏شود بأعمال صالحه ، و با أعمال صالحه استدلال كرده مى‏شود بایمان ، و با ایمان آباد شده مى‏شود علم ، و با علم ترس حاصل مى‏شود از مرگ و با مرگ ختم مى‏شود دنیا ، و با دنیا محكم مى‏شود كار آخرت ، و با قیامت نزدیك شده میشود بهشت عنبر سرشت از براى متّقین ، و اظهار میشود دوزخ از براى معصیتكاران و بدرستى كه مخلوقان هیچ مكان نگاهدارنده نیست ایشان را از ورود قیامت در حالتى كه سرعت كننده‏اند در میدان آن بسوى غایت نهایت كه عبارتست از سعادت و شقاوت .

بعض دیگر از این كلام در بیان حال أهل قبور است مى‏فرماید :

[ 311 ]

بتحقیق كه كوچ كردند ایشان از قرارگاه قبرها ، و منتقل شدند بمحل انتقال غایتها كه عبارتست از بهشت و جهنّم ، و از براى هر خانه از این دو خانه أهلیست كه طلب نمیكنند عوض نمودن آن را بخانه دیگر ، و نقل كرده نمیشوند از آن خانه بسوى غیر آن ، و بدرستى كه أمر بمعروف و نهى از منكر دو خلق پسندیده هستند از اخلاق خدا ، و بدرستى كه این دو خلق نزدیك نمى‏گردانند از مرگ و كم نمى‏كنند از روزى ، و لازم نمائید بخودتان عمل كردن كتاب خدا را ، پس بدرستى كه اوست ریسمان محكم ، و نور آشكار و شفا دهنده با منفعت ، و سیراب كننده كه رفع عطش مى‏نماید ، و نگاه دارنده از براى كسى كه تمسّك بآن نماید ، و نجاة دهنده مر كسى كه تعلّق بآن داشته باشد ، كج نمیشود تا راست كرده شود ،

و عدول نمى‏كند از حق تا طلب كرده شود بازگشت آن بسوى حق ، و كهنه نمیكند آن را كثرت ورد آن بزبانها و دخول آن بگوشها ، هر كس قایل شد بآن كتاب صادق شد ، و هر كس عمل نمود بآن سبقت كرد بدرجات جنان و روضه رضوان .

و بر خواست بسوى آن حضرت در أثناى این كلام مردى ، پس عرض نمود أى أمیر مؤمنان خبر ده ما را از فتنه و بلیّه و آیا پرسیدى آنرا از حضرت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ؟

پس فرمود :

زمانى كه نازل نمود حق سبحانه و تعالى آیه الم أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ یُتْرَكُوا أَنْ یَقُولُوا آمَنّا وَ هُمْ لا یُفْتَنُونَ .

یعنى منم خداى لطیف مجید آیا گمان كردند مردمان كه ایشان ترك كرده میشوند بحال خودشان بمحض اینكه میگویند ایمان آوردیم ما و حال آنكه ایشان امتحان كرده نشوند ، آن حضرت فرمود زمانى كه نازل شد این آیه دانستم من كه فتنه نازل نمى‏شود بما و حال آنكه حضرت رسالتمآب صلّى اللّه علیه و آله و سلّم در میان ما است ، پس گفتم یا رسول اللّه چیست این فتنه و امتحان كه خبر داده تو را خداوند متعال بآن ؟ پس فرمود آن حضرت كه : أى علیّ بدرستى كه امّت من زود باشد كه بفتنه افتند بعد از من

[ 312 ]

پس گفتم أى رسول خدا آیا نبود كه گفتى مرا در روز جنگ احد هنگامى كه بدرجه شهادت رسیدند كسانى كه شهید شدند از مسلمانان و منع شد از من شهادت پس دشوار آمد این شهید نشدن بمن ، پس فرمودى تو بمن كه : شاد باش كه شهادت از پس تو است ، پس فرمود حضرت رسول بمن كه : یا علیّ كار بهمین قرار است یعنى البتّه شهید خواهى شد پس چگونه است صبر تو آن هنگام ؟ عرض كردم :

یا رسول اللّه نیست این مقام از مقامهاى صبر و شكیبائى و لكن از مواضع بشارت و شكر است ، پس فرمود آن حضرت : أى علیّ بدرستى این قوم زود باشد كه مفتون باشند بعد از من بمالهاى خودشان و منّت گذارى كنند بدین خود بپروردگار خودشان ، و آرزو نمایند رحمت او را و ایمن شوند از سخط او ، و حلال شمارند حرام او را با شبهه‏هاى دروغ و با خواهشات غفلت كننده ، پس حلال شمارند شراب را به نبیذ ، و رشوت را باسم هدیه ، و ربا را بسبب مبایعه ، پس گفتم : یا رسول اللّه بكدام منزلها نازل كنم ایشان را در آن حال آیا بمنزله فتنه یا بمنزله مرتد شدن ؟ پس فرمود كه بمنزله فتنه از جهت اینكه ظاهرا اقرار بشهادتین دارند اگر چه باطنا كافرند .





نظرات() 


jungle jumping hack
چهارشنبه 9 اسفند 1396 08:05 ق.ظ
سلام، من فکر می کنم که من متوجه شدم که شما وبلاگ من را از اینجا بازدید کردم
من اینجا برای بازگشت به نفع؟؟ من تلاش در پیدا کردن مسائل برای افزایش وب سایت من! من فرض کنید
آن را به اندازه کافی خوب برای استفاده از چند از مفاهیم خود را!
How do you get Achilles tendonitis?
یکشنبه 26 شهریور 1396 08:25 ب.ظ
Hello there! This article could not be written any better!
Looking at this article reminds me of my previous roommate!
He constantly kept talking about this. I'll send this article to
him. Pretty sure he'll have a good read. Thank
you for sharing!
Foot Problems
دوشنبه 16 مرداد 1396 08:54 ب.ظ
I do agree with all of the concepts you've introduced
to your post. They're very convincing and can certainly work.

Nonetheless, the posts are very brief for beginners.
Could you please lengthen them a bit from subsequent time?
Thank you for the post.
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox