تبلیغات
پیام هادی - تفاسیر نهج البلاغه
 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-01:32 ب.ظ

[ 193 ] و من خطبة له ع یصف فیها المتقین

رُوِیَ أَنَّ صَاحِباً لِأَمِیرِ اَلْمُؤْمِنِینَ ع یُقَالُ لَهُ هَمَّامٌ كَانَ رَجُلاً عَابِداً فَقَالَ لَهُ یَا أَمِیرَ اَلْمُؤْمِنِینَ صِفْ لِیَ اَلْمُتَّقِینَ حَتَّى كَأَنِّی أَنْظُرُ إِلَیْهِمْ فَتَثَاقَلَ ع عَنْ جَوَابِهِ ثُمَّ قَالَ یَا هَمَّامُ اِتَّقِ اَللَّهَ وَ أَحْسِنْ فَ إِنَّ اَللَّهَ مَعَ اَلَّذِینَ اِتَّقَوْا وَ اَلَّذِینَ هُمْ مُحْسِنُونَ فَلَمْ یَقْنَعْ هَمَّامٌ بِهَذَا اَلْقَوْلِ حَتَّى عَزَمَ عَلَیْهِ فَحَمِدَ اَللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَیْهِ وَ صَلَّى عَلَى اَلنَّبِیِّ ص ثُمَّ قَالَ ع أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى خَلَقَ اَلْخَلْقَ حِینَ خَلَقَهُمْ غَنِیّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِیَتِهِمْ لِأَنَّهُ لاَ تَضُرُّهُ مَعْصِیَةُ مَنْ عَصَاهُ وَ لاَ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ فَقَسَمَ بَیْنَهُمْ مَعَایِشَهُمْ وَ وَضَعَهُمْ مِنَ اَلدُّنْیَا مَوَاضِعَهُمْ فَالْمُتَّقُونَ فِیهَا هُمْ أَهْلُ اَلْفَضَائِلِ مَنْطِقُهُمُ اَلصَّوَابُ وَ مَلْبَسُهُمُ اَلاِقْتِصَادُ وَ مَشْیُهُمُ اَلتَّوَاضُعُ غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اَللَّهُ عَلَیْهِمْ وَ وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى اَلْعِلْمِ اَلنَّافِعِ لَهُمْ نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِی اَلْبَلاَءِ كَالَّتِی نُزِّلَتْ فِی اَلرَّخَاءِ وَ لَوْ لاَ اَلْأَجَلُ اَلَّذِی كَتَبَ اَللَّهُ عَلَیْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِی أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَیْنٍ شَوْقاً إِلَى اَلثَّوَابِ وَ خَوْفاً مِنَ اَلْعِقَابِ عَظُمَ اَلْخَالِقُ فِی أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِی أَعْیُنِهِمْ فَهُمْ وَ اَلْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِیهَا مُنَعَّمُونَ وَ هُمْ وَ اَلنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِیهَا مُعَذَّبُونَ قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ وَ أَجْسَادُهُمْ نَحِیفَةٌ وَ حَاجَاتُهُمْ خَفِیفَةٌ وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِیفَةٌ صَبَرُوا أَیَّاماً قَصِیرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِیلَةً تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ یَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ أَرَادَتْهُمُ اَلدُّنْیَا فَلَمْ یُرِیدُوهَا وَ أَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا أَمَّا اَللَّیْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِینَ لِأَجْزَاءِ اَلْقُرْآنِ یُرَتِّلُونَهَا تَرْتِیلاً یُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ یَسْتَثِیرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ فَإِذَا مَرُّوا بِآیَةٍ فِیهَا تَشْوِیقٌ رَكَنُوا إِلَیْهَا طَمَعاً وَ تَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَیْهَا شَوْقاً وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْیُنِهِمْ وَ إِذَا مَرُّوا بِآیَةٍ فِیهَا تَخْوِیفٌ أَصْغَوْا إِلَیْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَ ظَنُّوا أَنَّ زَفِیرَ جَهَنَّمَ وَ شَهِیقَهَا فِی أُصُولِ آذَانِهِمْ فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَ أَكُفِّهِمْ وَ رُكَبِهِمْ وَ أَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ یَطْلُبُونَ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى فِی فَكَاكِ رِقَابِهِمْ وَ أَمَّا اَلنَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِیَاءُ قَدْ بَرَاهُمُ اَلْخَوْفُ بَرْیَ اَلْقِدَاحِ یَنْظُرُ إِلَیْهِمُ اَلنَّاظِرُ فَیَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ وَ یَقُولُ لَقَدْ خُولِطُوا وَ لَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِیمٌ لاَ یَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ اَلْقَلِیلَ وَ لاَ یَسْتَكْثِرُونَ اَلْكَثِیرَ فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ إِذَا زُكِّیَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا یُقَالُ لَهُ فَیَقُولُ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِی مِنْ غَیْرِی وَ رَبِّی أَعْلَمُ بِی مِنِّی بِنَفْسِی اَللَّهُمَّ لاَ تُؤَاخِذْنِی بِمَا یَقُولُونَ وَ اِجْعَلْنِی أَفْضَلَ مِمَّا یَظُنُّونَ وَ اِغْفِرْ لِی مَا لاَ یَعْلَمُونَ فَمِنْ عَلاَمَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِی دِینٍ وَ حَزْماً فِی لِینٍ وَ إِیمَاناً فِی یَقِینٍ وَ حِرْصاً فِی عِلْمٍ وَ عِلْماً فِی حِلْمٍ وَ قَصْداً فِی غِنًى وَ خُشُوعاً فِی عِبَادَةٍ وَ تَجَمُّلاً فِی فَاقَةٍ وَ صَبْراً فِی شِدَّةٍ وَ طَلَباً فِی حَلاَلٍ وَ نَشَاطاً فِی هُدًى وَ تَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ یَعْمَلُ اَلْأَعْمَالَ اَلصَّالِحَةَ وَ هُوَ عَلَى وَجَلٍ یُمْسِی وَ هَمُّهُ اَلشُّكْرُ وَ یُصْبِحُ وَ هَمُّهُ اَلذِّكْرُ یَبِیتُ حَذِراً وَ یُصْبِحُ فَرِحاً حَذِراً لِمَا حُذِّرَ مِنَ اَلْغَفْلَةِ وَ فَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ اَلْفَضْلِ وَ اَلرَّحْمَةِ إِنِ اِسْتَصْعَبَتْ عَلَیْهِ نَفْسُهُ فِیمَا تَكْرَهُ لَمْ یُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِیمَا تُحِبُّ قُرَّةُ عَیْنِهِ فِیمَا لاَ یَزُولُ وَ زَهَادَتُهُ فِیمَا لاَ یَبْقَى یَمْزُجُ اَلْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَ اَلْقَوْلَ بِالْعَمَلِ تَرَاهُ قَرِیباً أَمَلُهُ قَلِیلاً زَلَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ مَنْزُوراً أَكْلُهُ سَهْلاً أَمْرُهُ حَرِیزاً دِینُهُ مَیِّتَةً شَهْوَتُهُ مَكْظُوماً غَیْظُهُ اَلْخَیْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ اَلشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ إِنْ كَانَ فِی اَلْغَافِلِینَ كُتِبَ فِی اَلذَّاكِرِینَ وَ إِنْ كَانَ فِی اَلذَّاكِرِینَ لَمْ یُكْتَبْ مِنَ اَلْغَافِلِینَ یَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَ یُعْطِی مَنْ حَرَمَهُ وَ یَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ بَعِیداً فُحْشُهُ لَیِّناً قَوْلُهُ غَائِباً مُنْكَرُهُ حَاضِراً مَعْرُوفُهُ مُقْبِلاً خَیْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ فِی اَلزَّلاَزِلِ وَقُورٌ وَ فِی اَلْمَكَارِهِ صَبُورٌ وَ فِی اَلرَّخَاءِ شَكُورٌ لاَ یَحِیفُ عَلَى مَنْ یُبْغِضُ وَ لاَ یَأْثَمُ فِیمَنْ یُحِبُّ یَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ یُشْهَدَ عَلَیْهِ لاَ یُضِیعُ مَا اُسْتُحْفِظَ وَ لاَ یَنْسَى مَا ذُكِّرَ وَ لاَ یُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ وَ لاَ یُضَارُّ بِالْجَارِ وَ لاَ یَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ وَ لاَ یَدْخُلُ فِی اَلْبَاطِلِ وَ لاَ یَخْرُجُ مِنَ اَلْحَقِّ إِنْ صَمَتَ لَمْ یَغُمَّهُ صَمْتُهُ وَ إِنْ ضَحِكَ لَمْ یَعْلُ صَوْتُهُ وَ إِنْ بُغِیَ عَلَیْهِ صَبَرَ حَتَّى یَكُونَ اَللَّهُ هُوَ اَلَّذِی یَنْتَقِمُ لَهُ نَفْسُهُ مِنْهُ فِی عَنَاءٍ وَ اَلنَّاسُ مِنْهُ فِی رَاحَةٍ أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِآخِرَتِهِ وَ أَرَاحَ اَلنَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَ نَزَاهَةٌ وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِینٌ وَ رَحْمَةٌ لَیْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَ عَظَمَةٍ وَ لاَ دُنُوُّهُ بِمَكْرٍ وَ خَدِیعَةٍ قَالَ فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً كَانَتْ نَفْسُهُ فِیهَا فَقَالَ أَمِیرُ اَلْمُؤْمِنِینَ ع أَمَا وَ اَللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَیْهِ ثُمَّ قَالَ أَ هَكَذَا تَصْنَعُ اَلْمَوَاعِظُ اَلْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ فَمَا بَالُكَ یَا أَمِیرَ اَلْمُؤْمِنِینَ فَقَالَ ع وَیْحَكَ إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لاَ یَعْدُوهُ وَ سَبَباً لاَ یَتَجَاوَزُهُ فَمَهْلاً لاَ تَعُدْ لِمِثْلِهَا فَإِنَّمَا نَفَثَ اَلشَّیْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ


و من خطبة له علیه السّلام و هى المأة و الثانیة و التسعون من المختار فى باب الخطب

و هی مرویّة فی الكافی فی باب علامات المؤمن و صفاته باختلاف كثیر تطلع علیه بعد الفراغ ، من شرح ما أورده السیّد « ره » فی المتن .

قال « قده » روى أنّ صاحبا لأمیر المؤمنین علیه السّلام یقال له همّام : كان رجلا عابدا فقال له : یا أمیر المؤمنین صف لى المتّقین حتّى كأنّی أنظر الیهم ، فتثاقل علیه السّلام عن جوابه ثمّ قال علیه السّلام یا همّام :

[ 107 ]

إتّق اللّه و أحسن فإنّ اللّه مع الّذین اتّقوا و الّذینهم محسنون ،

فلم یقنع همّام بذلك القول حتّى عزم علیه فحمد اللّه و أثنى علیه و صلّى على النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ثم قال :

أمّا بعد فإنّ اللّه سبحانه خلق الخلق حین خلقهم غنیّا عن طاعتهم ،

آمنا من معصیتهم ، لأنّه لا تضرّه معصیة من عصاه ، و لا تنفعه طاعة من أطاعه ، فقسّم بینهم معیشتهم ، و وضعهم من الدّنیا مواضعهم .

فالمتّقون فیها هم أهل الفضائل ، منطقهم الصّواب ، و ملبسهم الإقتصاد ، و مشیهم التّواضع ، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللّه علیهم ،

و وقفوا أسماعهم على العلم النّافع لهم ، نزلت أنفسهم منهم فی البلاء كالّذی نزلت فی الرّخاء ، و لو لا الأجل الّذی كتب اللّه لهم لم تستقرّ أرواحهم فی أجسادهم طرفة عین شوقا إلى الثّواب و خوفا عن العقاب .

عظم الخالق فی أنفسهم فصغر ما دونه فی أعینهم ، فهم و الجنّة كمن قد رآها فهم فیها منعّمون ، و هم و النّار كمن قد رآها فهم فیها معذّبون ، قلوبهم محزونة ، و شرورهم مأمونة ، و أجسادهم نحیفة ،

و حاجاتهم خفیفة ، و أنفسهم عفیفة ، صبروا أیّاما قصیرة أعقبتهم راحة طویلة ، تجارة مربحة یسّرها لهم ربّهم ، أرادتهم الدّنیا فلم

[ 108 ]

یریدوها ، و أسرتهم ففدوا أنفسهم منها .

أمّا اللّیل فصافّون أقدامهم تالین لأجزاء القرآن یرتّلونه ترتیلا یحزّنون به أنفسهم و یستثیرون به دوآء دآئهم ، فإذا مروّا بآیة فیها تشویق ركنوا إلیها طمعا ، و تطلّعت نفوسهم إلیها شوقا ، و ظنّوا أنّها نصب أعینهم ، و إذا مرّوا بآیة فیها تخویف أصغوا إلیها مسامع قلوبهم ، و ظنّوا أنّ زفیر جهنّم و شهیقها فی أصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم ، و أكفّهم و ركبهم و أطراف أقدامهم ، یطلبون إلى اللّه تعالى فی فكاك رقابهم .

و أمّا النّهار فحلماء ، علماء ، أبرار ، أتقیاء ، قد براهم الخوف برى القداح ، ینظر إلیهم النّاظر فیحسبهم مرضى و ما بالقوم من مرض ،

و یقول : قد خولطوا و قد خالطهم أمر عظیم ، لا یرضون من أعمالهم القلیل ، و لا یستكثرون الكثیر ، فهم لأنفسهم متّهمون ، و من أعمالهم مشفقون ، إذا زكّی أحدهم خاف ممّا یقال له فیقول أنا أعلم بنفسی من غیری و ربّی أعلم منّی بنفسی ، ألّلهمّ لا تؤاخذنی بما یقولون ، و اجعلنی أفضل ممّا یظنّون ، و اغفر لی ما لا یعلمون .

فمن علامة أحدهم أنّك ترى له قوّة فی دین ، و حزما فی لین ،

[ 109 ]

و إیمانا فی یقین ، و حرصا فی علم ، و علما فی حلم ، و قصدا فی غنى ،

و خشوعا فی عبادة ، و تجمّلا فی فاقة ، و صبرا فی شدّة ، و طلبا فی حلال و نشاطا فی هدى ، و تحرّجا عن طمع ، یعمل الأعمال الصّالحة و هو على وجل ، یمسی و همّه الشّكر ، و یصبح و همّه الذّكر ، یبیت حذرا ،

و یصبح فرحا : حذرا لما حذّر من الغفلة ، و فرحا بما أصاب من الفضل و الرّحمة ، إن استصعبت علیه نفسه فیما تكره لم یعطها سؤلها فیما تحبّ قرّة عینه فیما لا یزول ، و زهادته فیما لا یبقى ، یمزج الحلم بالعلم ،

و القول بالعمل .

تراه قریبا أمله ، قلیلا زلله ، خاشعا قلبه ، قانعة نفسه ، منزورا أكله « أكله خ » ، سهلا أمره ، حریزا دینه ، میّتة شهوته ،

مكظوما غیظه ، الخیر منه مأمول ، و الشّرّ منه مأمون ، إن كان فی الغافلین كتب فی الذّاكرین ، و إن كان فی الذّاكرین لم یكتب من الغافلین ، یعفو عمّن ظلمه ، و یعطی من حرمه ، و یصل من قطعه ،

بعیدا فحشه ، لیّنا قوله ، غائبا منكره ، حاضرا معروفه ، مقبلا خیره مدبرا شرّه ، فی الزّلازل وقور ، و فی المكاره صبور ، و فی الرّخآء شكور لا یحیف على من یبغض ، و لا یأثم فیمن یحبّ ، یعترف بالحق

[ 110 ]

قبل أن یشهد علیه ، لا یضیّع ما استحفظ ، و لا ینسى ما ذكّر ، و لا ینابز بالألقاب ، و لا یضارّ بالجار ، و لا یشمت بالمصائب ، و لا یدخل فی الباطل ، و لا یخرج من الحقّ .

إن صمت لم یغمّه صمته ، و إن ضحك لم یعل صوته ، و إن بغی علیه صبر حتّى یكون اللّه تعالى هو الّذی ینتقم له ، نفسه منه فی عناء و النّاس منه فی راحة ، أتعب نفسه لاخرته ، و أراح النّاس من نفسه ،

بعده عمّن تباعد عنه زهد و نزاهة ، و دنوّه ممّن دنا منه لین و رحمة ،

لیس تباعده بكبر و عظمة ، و لا دنوّه بمكر و خدیعة . قال : فصعق همام صعقة كانت نفسه فیها ، فقال أمیر المؤمنین : أما و اللّه لقد كنت أخافها علیه ، ثمّ قال علیه السّلام : هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها ، فقال له قائل : فما بالك یا أمیر المؤمنین ؟ فقال علیه السّلام : ویحك إنّ لكلّ أجل وقتا لا یعدوه ، و سببا لا یتجاوزه فمهلا لا تعد لمثلها فانما نفث الشیطان على لسانك .

اللغة

( عزم ) على الأمر یعزم من باب ضرب عزما و معزما و عزمانا و عزیما و عزیمة و عزمة أراد فعله و قطع علیه أوجدّ فیه فهو عازم و عزم الأمر نفسه عزم علیه و عزم على الرّجل اقسم و ( الاقتصاد ) ضدّ الافراط و ( صغر ) من باب شرف و فرح صغارة و صغرا و صغرا و صغرانا أى حقر و انحطّ قدره فهو صغیر كحقیر لفظا و معنا و ( ثار ) ثورا و ثورانا أى هاج و أثار الغبار و استثاره هیّجه .

و ( تطلّع ) الى وروده استشرف و ( صغى ) إلى الشى‏ء كرضى مال إلیه و أصغى الیه سمعه أى أماله نحوه و ( حنیت ) العود حنوا و حناء عطفته فانحنى و تحنّى ، و حنت الناقة على ولدها حنوا عطفت و یقال لكلّ ما فیه اعوجاج من البدن كعظم اللّحى و الضلع و نحوهما

[ 111 ]

الحنو بالكسر و الفتح .

و ( برى ) السّهم و العود و القلم یبریها بریا نحتها و ( القداح ) جمع القدح بالكسر فیهما و هو السّهم قبل أن یراش و ینصل و ( اختلط ) فلان و خولط فی عقله أى فسد عقله و اختلّ فهو خلط بیّن الخلاطة أى أحمق ، و خالطه مخالطة مازجه و خالطه الدّاء خامره و ( تجمل ) فلان تزیّن و تكلّف الجمیل و ( نزر ) الشی‏ء ككرم نزرا و نزارة و نزورا قلّ فهو نزر و نزیر و منزور أى قلیل .

و ( اكلة ) فی بعض النسخ بفتح الهمزة و سكون الكاف فیكون مصدرا و فی بعضها بضمّهما و هو الرّزق و الحظّ من الدّنیا فیكون اسما و ( الحریز ) الحصین یقال هذا حرز حریز أى حصن حصین و الحریزة من الابل الّتی لا تباع نفاسة و ( المنابزة ) و التنابز التّعایر و التداعى بالألقاب و ( صعق ) صعقا كسمع و صعقا بالتحریك و صعقة غشى علیه و الصعق بالتحریك أیضا شدّة الصوت و ( نفث ) ینفث من باب ضرب و نصر نفخ .

الاعراب

قوله : حین خلقهم ظرف زمان ، و فی بعض النسخ حیث خلقهم بدله ، و قوله :

نزلت أنفسهم منهم فی البلاء كالّذی نزلت فی الرّخاء ، اختلف الشّراح فی اعراب قوله كالذی ، فقال الشارح المعتزلی تقدیر الكلام من جهة الاعراب : نزلت أنفسهم منهم فی حال البلاء نزولا كالنزول الذی نزلت منهم فی حال الرّخاء ، فموضع كالّذی نصب لأنّه صفة مصدر محذوف ، و الذی الموصول قد حذف العاید الیه و هو الهاء فی نزلته كقولك : ضربت الّذی ضربت أى ضربت الذی ضربته .

و تبعه على ذلك الشّارح البحرانی حیث قال : و الّذی خلقه مصدر محذوف و الضمیر العاید إلیه محذوف أیضا ، و التقدیر : نزلت كالنّزول الّذى نزلته فی الرّخاء ثمّ احتمل وجها آخر و قال :

و یحتمل أن یكون المراد بالذی الذین فحذف النّون كما فی قوله تعالى كالّذی خاضوا و یكون المقصود تشبیههم حال نزول أنفسهم منهم فی البلاء بالّذین نزلت أنفسهم منهم فی الرّخاء .

[ 112 ]

و قال بعضهم : إنّه لا بدّ من تقدیر مضاف لأنّ تشبیه الجمع بالواحد لا یصحّ ،

أى كلّ واحد منهم إذا نزلت فی البلاء یكون كالرّجل الذی نزلت نفسه فی الرّخاء و نحوه قوله تعالى مثل الّذین كفروا كمثل الّذی ینعق .

أقول : و أنت خبیر بأنّ هذه كلّها تكلّفات یأبی عنها الذّوق السّلیم مضافا إلى ما فى الوجه الآخر الذی احتمله البحرانی و كذلك الوجه الأخیر الذی حكیناه عن بعضهم أنّ المنساق من ظاهر كلامه علیه السّلام تشبیه إحدى حالتى المتّقین بحالتهم الاخرى لا تشبیههم بغیرهم من أهل الرّخاء .

ثمّ بعد الغضّ عن ذلك و البناء على ما ذكر فلا حاجة فی تصحیح تشبیه الجمع بالمفرد إلى تأویل ما هو المفرد ظاهرا بالجمع و المصیر إلى حذف النون كما تمحّله الأوّل ، أو تأویل الجمع بالمفرد بالمصیر إلى تقدیر المضاف كما تجشّمه الآخر ، لجواز تقدیر موصوف الذی لفظ الرّهط و الجمع و نحوهما ممّا یكون مفردا لفظا و جمعا فی المعنى ، و یكون المعنى نزلت أنفسهم منهم فی البلاء كالرّهط أو الجمع الذی نزلت نفسهم منهم فی الرّخاء .

قال نجم الأئمة بعد ما قال بأنه قد یحذف نون الذین مستشهدا بقول الشاعر :

و إنّ الّذی حانت بفیح دمائهم . هم القوم كلّ القوم یا امّ خالد

و یجوز فی هذا أن یكون مفردا وصف به مقدّر مفرد اللّفظ مجموع المعنی أى و انّ الجمع الّذى و انّ الجیش الّذى كقوله تعالى كمثل الّذى استوقد ناراً فحمل على اللّفظ أى الجمع الّذى استوقد نارا ، ثمّ قال : بنورهم فحمل على المعنی و لو كان فی الآیة مخفّفا من الّذین لم یجز إفراد الضّمیر العاید إلیه و كذا قوله تعالى و الّذى جاء بالصّدق و صدّق به اُولئك هم المتّقون و هذا كثیر أعنی ذكر الّذی مفردا موصوفا به مقدّر مفردا للّفظ مجموع المعنى و أمّا حذف النّون من الّذین فهو قلیل ، انتهى .

و بعد ذلك كلّه فالأقرب عندی أن یجعل الّذى مصدریّا بأن یكون حكمه حكم

[ 113 ]

ماء المصدریّة كما ذهب الیه یونس و الأخفش فی قوله سبحانه ذلك الّذى یبشّر اللَّه عباده الّذین آمنوا أى ذلك تبشیر اللّه و كذلك قالا فی قوله تعالى و خضتم كالّذى خاضوا و على هذا فیكون المعنی : نزلت أنفسهم منهم فى البلاء مثل نزولها فی الرّخاء و هذا لا تكلّف فیه أصلا .

و قوله : تجارة مربحة ، بالرّفع على أنّه خبر محذوف المبتداء ، أى تجارتهم تجارة مربحة ، و فی بعض النسخ بالنصب على المصدر أى اتّجروا تجارة .

و قوله : أمّا اللیل فصافون ، بالنصب على الظرف ، و الناصب ، إما لتضمّنها معنی الفعل أو الخبر كما فی نحو قولك : أما الیوم فأنا ذاهب و أمّا إذا قلت اما فی الدّار فزید ، فالعامل هو أما لا غیر كما فى قولهم أما العبید فذو عبید ، أى مهما ذكرت العبید فهو ذو عبید ، هذا .

و یروى بالرّفع على الابتداء فیحتاج إلى العاید فی الخبر أى صافّون أقدامهم فیها و قوله : تالین حال من فاعل صافّون أو من الضمیر المجرور بالاضافة فی أقدامهم : و الأول أولى ، و جملة یرتّلونه حال من فاعل تالین ، و فی بعض النسخ یرتّلونها ، فالضمیر عاید إلى أجزاء القرآن ، و نصب أعینهم بنصب النصب على الظرفیة ،

و یروى بالرّفع على أنه خبر انّ و المصدر بمعنی المفعول .

و قوله : یطلبون إلى اللّه فی فكاك رقابهم ، تعدیة الطلب بحرف الجرّ أعنی إلى لتضمینه معنی التضرع و فی للظرفیة المجازیة ، أى یتضرّعون إلیه سبحانه فی فكاك رقابهم .

و أما ما قاله الشارح المعتزلى من أنّ الكلام على الحقیقة مقدّر فیه حال محذوفة یتعلّق بها حرف الجرّ أى یطلبون الى اللّه سائلین فى فكاك رقابهم لأنّ طلبت لا یتعدّى بحرف الجرّ فلیس بشى‏ء لأنّ تأویل الطلب بالسؤال لا ینهض باثبات ما رامه كما لا یخفى .

و فى فی قوله : و قوّة فی دین ، ظرف لغو متعلّق بقوّة ، و فی قوله : و حزما فی لین ظرف مستقرّ متعلّق بمقدّر صفة لقوله حزما ، و فى المعطوفات بعد ذلك فی بعضها

[ 114 ]

ظرف لغو و فى بعضها ظرف مستقرّ وصف لسابقه ، فتدبّر تفهم .

المعنى

اعلم أنه قد ( روى أنّ صاحبا لأمیر المؤمنین ) أى رجلا من أصحابه و شیعته و موالیه ( یقال له همام ) بالتشدید ، و هو كما فی شرح المعتزلی همام بن شریح بن یزید بن مرّة بن عمر بن جابر بن یحیى بن الأصهب بن كعب بن الحارث بن سعد ابن عمرو بن ذهل بن سیف بن سعد العشیرة .

و فی البحار و الأظهر أنه همام بن عبادة بن خثیم ابن أخ الرّبیع بن خثیم أحد الزّهاد الثمانیة كما رواه الكراجكی فی كنزه .

و كیف كان فقد ( كان رجلا عابدا ) زاهدا ناسكا ( فقال له یا أمیر المؤمنین صف لى المتّقین ) و اشرح لی حالهم ( حتّى كأنى أنظر إلیهم ) و ابصر بهم لأقتفی آثارهم و أقتبس أنوارهم .

( فتثاقل علیه السّلام عن جوابه ) قال الشارح المعتزلى تثاقله علیه السّلام عن الجواب لعلمه بأنّ المصلحة فى تأخیر الجواب ، و لعلّه كان فى مجلسه علیه السّلام من لا یحبّ أن یجیب و هو حاضر ، فلما انصرف أجاب ، أو لأنّه رأى أنّ تثاقله عنه یزید شوق همام إلى سماعه فیكون أنجع فى موعظته ، أو أنه تثاقل عنه لترتیب المعانى و نظمها فى ألفاظ مناسبة ثمّ النطق بها كما یفعله المتروّی فی الخطبة و القریض .

و الأولى ما قاله الشارح البحرانى : من أنه علیه السّلام تثاقل عنه لما رأى من استعداد نفسه لأثر الموعظة و خوفه علیه أن یخرج به خوف اللّه إلى انزعاج نفسه و صعوقها .

( ثمّ ) إنه علیه السّلام بعد تثاقله عن الجواب و وصف حال المتّقین تفصیلا لما رآه من المصلحة المقتضیة لترك التفصیل أجابه بجواب إجمالى و ( قال ) له ( یا همام اتّق اللّه و أحسن ) یعنى أنّ الفرض علیك القیام بالتقوى و الأخذ بها على قدر ما حصل لك المعرفة به من معناها و حقیقتها من الكتاب و السنة ، و تبین لك إجمالا من ماهیّتها كما یعرفها جمیع المؤمنین ، و الزاید عن ذلك غیر مفروض علیك و لا یجب البحث عنه

[ 115 ]

و قد تقدّم شرح معناها و حقیقتها و بعض ما یترتّب علیها من الثمرات الدنیویّة و الاخرویّة فی شرح الخطبة الرّابعة و العشرین ، و قد روینا هناك عن الصّادق علیه السّلام انّه قال فی تفسیرها : أن لا یفقدك اللّه حیث أمرك و لا یراك حیث نهاك ، هذا .

و المراد بقوله : و أحسن هو الاحسان فی العمل ، یعنی أنّ اللازم علیك الأخذ بالتقوى و القیام بالحسنى من الأعمال الصّالحة .

و هذا الّذى قلنا أولى ممّا قاله الشارح البحرانی من أنّ معنی كلامه أنّه أمره بتقوى اللّه أى فی نفسه أن یصیبها فادح بسبب سؤاله ، و أحسن أى أحسن إلیها بترك تكلیفها فوق طوقها .

و كیف كان فلمّا أمره بالتّقوى و الاحسان علّله بقوله ( فانّ اللّه مع الّذین اتّقوا و الّذین هم محسنون ) ترغیبا له إلى القیام بهما ، و هو اقتباس من الآیة الشریفة خاتمة سورة النحل ، یعنی أنّه سبحانه مع الّذین اتّقوا ما حرّم علیهم و أحسنوا فیما فرض علیهم أى معین لهم و ناصر لهم و هو ولیّهم فى الدّنیا و الآخرة .

( فلم یقنع همّام بذلك القول ) و لم یكتف بالاجمال ( حتّى عزم علیه علیه السّلام ) و أقسم و ألحّ فی السؤال .

( ف ) أجاب علیه السّلام مسئوله و أنجح مأموله و ( حمد اللّه ) عزّ و جلّ ( و أثنى علیه ) بما هو أهله ( و صلّى على النبیّ و آله ثمّ قال أما بعد فانّ اللّه سبحانه خلق الخلق حین خلقهم غنیا عن طاعتهم آمنا من معصیتهم ) .

و انما مهّد هذه المقدّمة لأنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لما كان بصدد شرح حال المتقین تفصیلا حسبما اقترحه همام و كان ربما یسبق إلى الأوهام القاصرة أنّ ما یأتى به المتّقون من مزایا الأعمال و الصالحات و ما كلّفهم اللّه سبحانه به من محامد الخصال و القربات من أجل حاجة منه تعالى عن ذلك إلیها ، قدّم هذه المقدّمة تنبیها على كونه سبحانه منزّها عن ذلك ، متعالیا عن صفات النقص و الحاجة فی الأزل كما فی الأبد ، و أنه لم یكن غرضه تعالى من الخلق و الایجاد تكمیل ذاته بجلب المنفعة و دفع المضرّة كما فى سایر الصناع البشریة یعملون الصنایع لافتقارهم إلیها و استكمالهم بها بما فی ذاتهم

[ 116 ]

من النقص و الحاجة ، و أمّا اللّه الحیّ القیّوم فهو الغنىّ الكامل المطلق فی ذاته و صفاته و أفعاله و لم یخلق ما خلقه لتشدید سلطان و لا تخوّف من عواقب زمان و لا استعانة على ندّ مثاور و لا شریك مكائر و لا ضدّ منافر حسبما عرفته فی الخطبة الرّابعة و الستّین و شرحها بما لا مزید علیه .

و هذا معنى قوله ( لأنه لا تضرّه معصیة من عصاه و لا تنفعه طاعة من أطاعه ) و قد تقدّم فى شرح الخطبة المأة و الخامسة و الثمانین أنّ غرضه من الخلق و الایجاد و من الأمر بالطاعة و الانقیاد هو ایصال النفع إلى العباد و إكمالهم بالتكالیف الشرعیّة و رفعهم بالعمل بها إلى حظایر القدس و محافل الانس .

و قوله ( فقسّم بینهم معایشهم و وضعهم من الدّنیا مواضعهم ) تفریع على قوله :

خلق الخلق لا تقریر و تاكید ، لغناه المطلق كما قاله الشارح البحرانی .

و المراد أنه تعالى أعطى كلّ شى‏ء خلقه ثمّ هدى و قسّم بینهم معیشتهم أى ما یعیشون به فى الحیاة الدّنیا من أنواع الرّزق و الخیر و المنافع و النعماء ، و وضع كلا منهم موضعه اللاّیق بحاله من الفقر و الیسار و الغنى و الافتقار و السعة و الاقتار على ما یقتضیه حكمته البالغة و توجبه المصلحة الكاملة كما اشیر الیه فى قوله عزّ و جلّ نحن قسمنا بینهم معیشتهم فى الحیاة الدّنیا و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات هذا .

و انما فرّع علیه السّلام هذه الجملة على ما سبق و عقّبه بها لتكون توطئة و تمهیدا بقوله ( فالمتّقون فیها هم أهل الفضایل ) یعنی أنّ معایش الخلق فى الدّنیا لما كانت بحسب تقسیم اللّه سبحانه و اقتضاء حكمته اقتضى العنایة الالهیة و النظم الأصلح فى حقّ المتّقین بمقتضى كونهم من أهل السبق و القربى أن یكون عیشهم فى الدّنیا بخلاف معایش سایر الخلق و یكون حركاتهم و سكناتهم و حالاتهم وراء حالات أبناء الدّنیا ، فاتّصفوا بالفضایل النفسانیة و تزیّنوا بمكارم الأخلاق و محامد الأوصاف الّتی فصّلها علیه السّلام بالبیان البدیع و التفصیل العجیب .

اولها أنّ ( منطقهم الصواب ) و هو ضدّ الخطاء یعنى أنهم لا یسكتون عما ینبغى أن یقال فیكونون مفرّطین ، و لا یقولون ما ینبغى أن یسكت عنه فیكونون مفرطین

[ 117 ]

و یحتمل أن یراد به خصوص توحید اللّه تعالى و تمجیده و الصّلاة على نبیّه و به فسّر فی قوله سبحانه لا یتكلّمون إلاّ من أذن له الرّحمن و قال صواباً .

( و ) الثانى أنّ ( ملبسهم الاقتصاد ) أى التوسّط بین الافراط و التفریط ، و فی الاسناد توسّع یعنى أنّ لباسهم لیس بثمین جدا مثل لباس المترفین المتكبّرین ، و لا بذلة كلباس أهل الابتذال و الخسّة و الدّنائة بل متوسّط بین الأمرین .

( و ) الثالث أنّ ( مشیهم التواضع ) و فى الاسناد أیضا توسّع ، یعنى أنهم لا یمشون على وجه الأشر و البطر و الخیلاء لنهى اللّه سبحانه عن المشى على هذا الوجه فى قوله « و لا تمش فى الأَرض مرحاً إنك لن تخرق الأَرض و لن تبلغ الجبال طولاً و أمره بخلافه فى قوله « و اقصد فى مشیك » .

و قد روى فى الكافی عن عمرو بن أبی المقدام عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال :

فیما أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى داود : كما أنّ أقرب الناس من اللّه المتواضعون كذلك أبعد الناس من اللّه المتكبّرون .

( و ) الرابع أنهم ( غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللّه علیهم ) امتثالا لأمره تعالى به فى قوله قل للمؤمنین یغضّوا من أبصارهم و یحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم أى یغضّوا أبصارهم عما لا یحلّ لهم النظر الیه .

و فى الوسائل من الكافى عن أبیعبد اللّه علیه السّلام كلّ عین باكیة یوم القیامة إلاّ ثلاثة أعین : عین غضّت عن محارم اللّه ، و عین سهرت فی طاعة اللّه ، و عین بكت فی جوف اللّیل من خشیة اللّه .

( و ) الخامس أنّهم ( وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم ) فی الدّنیا و الآخرة الموجب لكمال القوّة النظریة و الحكمة العملیّة ، و أعرضوا عن الاصغاء إلى اللّغو و الأباطیل كالغیبة و الغناء و الفحش و الخناء و نحوها ، و قد وصفهم اللّه سبحانه بذلك فی قوله « و الّذینهم عن اللّغو معرضون » و فی قوله « و الّذین لا یشهدون الزّور و إذا مرّوا باللّغو مرّوا كراماً » .

و السادس أنّهم ( نزلت أنفسهم منهم فی البلاء كالّذى نزلت فی الرّخاء ) یعنی

[ 118 ]

أنّهم موطّنون أنفسهم على ما قدّره اللّه فی حقّهم من الشدّة و الرّخاء و السّراء و الضّراء و الضّیق و السّعة و المنحة و المحنة و محصّله وصفهم بالرّضاء بالقضاء .

روى فی الكافی عن ابن سنان عمّن ذكره عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : قلت له :

بأیّ شى‏ء یعلم المؤمن بأنّه مؤمن ؟ قال علیه السّلام : بالتسلیم للّه و الرّضا فیما ورد علیه من سرور أو سخط .

و فى روایة أخرى فیه عنه علیه السّلام قال : رأس طاعة اللّه الصّبر و الرّضا عن اللّه فیما أحبّ العبد أو كره ، و لا یرضى عبد عن اللّه فیما أحبّ أو كره إلاّ كان خیرا له فیما أحبّ أو كره .

و عن محمّد بن عذافر عن أبیه عن أبی جعفر علیه السّلام قال : بینا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی بعض أسفاره إذ لقیه ركب فقالوا : السّلام علیك یا رسول اللّه ، فقال : ما أنتم ؟ فقالوا :

نحن المؤمنون یا رسول اللّه ، قال : فما حقیقة ایمانكم ؟ قالوا : الرّضا بقضاء اللّه ،

و التفویض الى اللّه ، و التسلیم لأمر اللّه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : علماء حكماء كادوا أن یكونوا من الحكمة أنبیاء ، فان كنتم صادقین فلا تبنوا ما لا تسكنون ، و لا تجمعوا ما لا تأكلون ، و اتّقوا اللّه الّذى إلیه ترجعون .

( و ) السابع أنه ( لو لا الأجل الّذى كتب اللّه لهم لم تستقرّ أرواحهم فی أجسادهم طرفة عین شوقا إلى الثواب و خوفا من العقاب ) و هو إشارة إلى غایة نفرتهم عن الدّنیا و فرط رغبتهم إلى الآخرة لما عرفوا من عظمة وعده و وعیده ، یعنی أنّهم بكلیّتهم متوجّهون إلى العقبى مشتاقون إلى الانتقال إلیها شدّة الاشتیاق ، لا مانع لهم من الانتقال إلاّ الآجال المكتوبة و عدم بلوغها غایتها .

روى فی الوسائل من الكافی عن أبی حمزة قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : من عرف اللّه خاف اللّه و من خاف اللّه سخت نفسه عن الدّنیا .

و الثامن أنّه ( عظم الخالق فی أنفسهم فصغر ما دونه فی أعینهم ) علما منهم بأنّه سبحانه موصوف بالعظمة و الكبریاء و الجلال غالب على الأشیاء كلّها ، قادر قاهر علیها ، و انّ كلّ من سواه مقهور تحت قدرته داخر ذلیل فی قید عبودیّته ، فهو

[ 119 ]

سبحانه عظیم السلطان عظیم الشأن و غیره أسیر فی ذلّ الامكان مفتقر الیه لا یقدر على شی‏ء إلاّ باذنه .

و أشار علیه السّلام بهذا الوصف إلى شدّة یقین المتّقین و غایة توكّلهم و أنّ اعتصامهم فی جمیع امورهم به و توكلهم علیه و أنهم لا یهابون معه ممّن سواه .

روى فی الكافی عن أبى بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : لیس شى‏ء إلاّ و له حدّ قال : قلت : جعلت فداك فما حدّ التوكّل ؟ قال : الیقین ، قلت : فما حدّ الیقین ؟

قال : ألاّ تخاف مع اللّه شیئا .

و عن مفضل عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى داود : ما اعتصم بی عبد من عبادى دون أحد من خلقی عرفت ذلك من نیّته ثمّ تكیده السماوات و الأرض و من فیهنّ الاّ جعلت له المخرج من بینهنّ ، و ما اعتصم عبد من عبادى بأحد من خلقی عرفت ذلك من نیّته إلاّ قطعت أسباب السماوات من یده و أسخت الأرض من تحته و لم ابال بأیّ واد هلك ، هذا .

و لما ذكر فی الوصف السابع شدّة اشتیاق المتّقین إلى الجنّة و خوفهم من العقاب أتبعه بقوله ( فهم و الجنّة كمن قد رآها فهم فیها منعّمون و هم و النار كمن قد رآها و هم فیها معذّبون ) إشارة إلى أنهم صاروا فى مقام الرّجاء و الشوق إلى الثواب و قوّة الیقین بحقایق وعده سبحانه بمنزلة من رأى بحسّ بصره الجنّة و سعادتها ، فتنعّموا فیها و التذّوا بلذائذها ، و فى مقام الخوف من النار و العقاب و كمال الیقین بحقایق وعیده تعالى بمنزلة من شاهد النّار و شقاوتها فتعذّبوا بعذابها و تألّموا بآلامها .

و محصّله جمعهم بین مرتبتی الخوف و الرّجاء و بلوغهم فیه إلى الغایة القصوى ،

و هی مرتبة عین الیقین كما قال علیه السّلام مخبرا عن نفسه . لو كشف الغطاء ما ازددت یقینا ،

و هذه المرتبة أعنی مرتبة عین الیقین مقام جلیل لا یبلغه إلاّ الأوحدی من النّاس .

و قد روى فی الكافی عن إسحاق بن عمّار قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول :

إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم صلّى بالنّاس الصبح فنظر إلى شاب فی المسجد و هو یخفق و یهوى برأسه مصفرّا لونه قد نحف جسمه و غارت عیناه فی رأسه ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله :

[ 120 ]

كیف أصبحت یا فلان ؟ قال : أصبحت یا رسول اللّه موقنا ، فعجب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من قوله و قال : إنّ لكلّ یقین حقیقة فما حقیقة یقینك ؟ فقال : إنّ یقینی یا رسول اللّه هو الّذى أحزننی و أسهر لیلى و أظمأ هو اجرى فعزفت نفسی عن الدّنیا و ما فیها حتّى كأنّی أنظر إلى عرش ربّی و قد نصب للحساب و حشر الخلایق لذلك و أنا فیهم ، و كانّی أنظر إلى أهل الجنّة یتنعّمون فی الجنّة و یتعارفون على الأرائك یتكئون ، و كأنّى أنظر إلى أهل النّار و هم فیها معذّبون مصطرخون ، و كأنّى الآن أسمع زفیر النّار یدور فى مسامعى ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : هذا عبد نوّر اللّه قلبه بالایمان ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم له : الزم ما أنت علیه ، فقال الشّاب : ادع اللّه لى یا رسول اللّه أن ارزق الشهادة معك ، فدعا له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فلم یلبث أن خرج فی بعض غزوات النّبی فاستشهد بعد تسعة نفر و كان هو العاشر .

و قد مرّ هذا الحدیث فى شرح الخطبة المأة و الثالثة عشر ، و رویناه هنا أیضا لاقتضاء المقام كما هو ظاهر .

و التاسع أنّ ( قلوبهم محزونة ) لما غلب علیهم من الخوف .

روى فى الكافى عن معروف بن خربوز عن أبیجعفر علیه السّلام قال : صلّى أمیر المؤمنین علیه السّلام بالناس الصبح بالعراق فلما انصرف و عظهم فبكى و أبكاهم من خوف اللّه ثمّ قال : أما و اللّه لقد عهدت أقواما على عهد خلیلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أنهم لیصبحون و یمسون شعثا غبرا خمصا بین أعینهم كركب المعزى یبیتون لربّهم سجّدا و قیاما ،

یراوحون بین أقدامهم و جباههم ، و یناجون فى فكاك رقابهم من النار ، و اللّه لقد رأیتهم مع هذا و هم خائفون مشفقون .

و فیه عن أبى حمزة عن علیّ بن الحسین علیهما السّلام قال : صلّى أمیر المؤمنین علیه السّلام الفجر و لم یزل فى موضعه حتّى صارت الشمس على قدر رمح و أقبل على الناس بوجهه فقال : و اللّه لقد أدركت أقواما یبیتون لربّهم سجدا و قیاما یخالفون بین جباههم و ركبهم كأنّ زفیر النار فى آذانهم ، إذا ذكر اللّه عندهم مادوا كما یمید الشجر كأنّما القوم باتوا غافلین ، قال علیه السّلام : ثمّ قام فما رئی ضاحكا حتّى قبض .

[ 121 ]

( و ) العاشر أنّ ( شرورهم مأمونة ) لأنّ مبدء الشرور و المفاسد كلّها و رأس كلّ خطیئة هو حبّ الدّنیا ، و المتّقون زاهدون فیها معرضون عنها مجانبون عن شرّها و فسادها .

( و ) الحادیعشر أنّ ( أجسادهم نحیفة ) لا تعاب أنفسهم بالصیام و القیام و قناعتهم بالقدر الضرورى من الطعام .

( و ) الثانیعشر أنّ ( حاجاتهم خفیفة ) لاقتصارهم من حوائج الدّنیا على ضروریّاتها و عدم طلبهم منها أكثر من البلاغ .

( و ) الثالث عشر أنّ ( أنفسهم عفیفة ) أى مصونة عن المحرّمات لكسرهم سورة القوّة الشهویّة .

روى فی الوسائل من الكافى عن منصور بن حازم عن أبیجعفر علیه السّلام قال :

ما من عبادة أفضل عند اللّه من عفّة فرج و بطن .

و عن عبد اللّه بن میمون القداح عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : كان أمیر المؤمنین علیه السّلام یقول : ما من عبادة أفضل من عفّة بطن و فرج و الرابع عشر أنّهم ( صبروا أیاما قصیرة أعقبتهم ) تلك الأیّام القصیرة ( راحة طویلة ) یعنى أنهم صبروا فى دار الدّنیا على طوارق المصائب و على مشاق الطاعات و عن لذّات المعاصى بل احتملوا جمیع مكاره الدّنیا و استعملوا الصبر فى جمیع أهوالها فأوجب ذلك السعادة الدائمة فى الدّار الآخرة .

و یدلّ على ذلك ما رواه فى الكافى عن حمزة بن حمران عن أبى جعفر علیه السّلام قال :

الجنّة محفوفة بالمكاره و الصبر ، فمن صبر على المكاره فى الدّنیا دخل الجنّة ،

و جهنّم محفوفة باللّذات و الشهوات فمن أعطى نفسه لذّتها و شهوتها دخل النار .

و فیه عن أبی حمزة الثمالی قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : من ابتلى من المؤمنین ببلاء فصبر علیه كان له مثل أجر ألف شهید .

و فیه عن العزرمی عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : سیأتی على النّاس زمان لا ینال فیه الملك إلاّ بالقتل و التّجبّر ، و لا الغنى إلاّ بالغصب و البخل ،

[ 122 ]

و لا المحبّة إلاّ باستخراج الدّین و اتباع الهوى ، فمن أدرك ذلك الزّمان فصبر على الفقر و هو یقدر على الغنى ، و صبر على البغضة و هو یقدر على المحبّة ، و صبر على الذّل و هو یقدر على العزّ آتاه اللّه ثواب خمسین صدّیقا ممّن صدّق بی ، هذا و فی وصف أیّام الصبر بالقصر و الرّاحة بالطول تحریص و ترغیب الیه ، و أكّد ذلك بقوله ( تجارة مربحة ) استعار لفظ التجارة لاكتسابهم الرّاحة فی مقابل الصبر ، و رشّح بلفظ الرّبح .

و كونها مربحة باعتبار قصر مدّة الصّبر على المكاره و طول مدّة الرّاحة و فناء الشّهوات الدّنیویّة و اللّذائذ النّفسانیّة و بقاء السّعادات الاخرویّة مضافة إلى خساسة الاولى فی نفسها و حقارتها ، و نفاسة الثّانیة و شرافتها .

و أكّد ثالثا بقوله ( یسّرها لهم ربّهم ) یعنی أنّ فوزهم بتلك النّعمة العظمى و السّعادة الدّائمة قد حصل بتوفیق اللّه سبحانه و تأییده و لطفه ، ففیه ایماء إلى توجّه العنایة الرّبانیّة إلیهم و شمول الألطاف الالهیّة علیهم و إلى كونهم بعین رحمة اللّه و كرامته و الخامس عشر أنّهم ( أرادتهم الدّنیا فلم یریدوها ) أى أرادت عجوزة الدّنیا أن تفتنهم و تغرّهم و أن یتزوّجوا بها ، فأعرضوا عنها و زهدوا فیها بما كانوا یعرفونه من حالها و أنّها قتّالة غوّالة ظاهرة الغرور كاسفة النّور یونق منظرها و یوبق مخبرها قد تزیّنت بغرورها و غرّت بزینتها لا تفی بأحد من أزواجها الباقیة كما لم تف بأزواجها الماضیة .

( و ) السادس عشر أنّ الدّنیا ( أسرتهم ففدوا أنفسهم منها ) الأشبه أن یكون المراد بقوله : أسرتهم ، هو الاشراف على الاسر ، یعنی أنّهم بمقتضى المزاج الحیوانی و القوى النّفسانیّة الّتی لهم كاد أن تغرّهم الدّنیا فیمیلوا إلیها و یقعوا فی قید اسره و سلسلة رقیّته ، لكنّهم نظروا إلیها بعین البصیرة و عرفوها حقّ المعرفة و غلب عقلهم على شهوتهم فرغبوا عنها و زهدوا فیها و أعرضوا عن زبرجها و زخارفها ، فالمراد بفداء أنفسهم منها هو الاعراض عن الزّخارف الدّنیویّة ، فكأنّهم بذلوا تلك الزّخارف

[ 123 ]

لها و خلصوا أنفسهم منها .

و إنّما أتى بالواو فی قوله : أرادتهم الدّنیا و لم یریدوها ، و بالفاء فی قوله :

و أسرتهم ففدوا أنفسهم منها ، لعدم التّرتیب بین الجملتین المتعاطفتین فى القرینة السّابقة ، بخلاف هذه القرینة فانّ الفدیة مترتّبة على الاسر كما لا یخفى .

و السابع عشر اتّصافهم بالتهجّد و قیام اللیل و إلیه أشار بقوله ( أمّا اللیل فصافّون أقدامهم ) فیها للصّلاة علما منهم بما فیه من الفضل العظیم و الأجر الخطیر و قد مدح اللّه القیام فیها و القائمین فی كتابه الكریم بقوله « سیماهم فی وجوههم من أثر السّجود » .

قال الصّادق علیه السّلام فی تفسیره : هو السّهر فی الصّلاة و بقوله « أمّن هو قانت آناء اللیل ساجداً و قائماً یحذر الآخرة و یرجو رحمة ربّه » و قال تعالى أیضا إنّ ناشئة اللیل هی أشدّ وطاً و أقوم قیلا » .

قال الصّادق علیه السّلام فیه قیام الرّجل عن فراشه یرید به وجه اللّه تعالى عزّ و جلّ لا یرید به غیره .

و كفى فى فضله ما رواه فی الفقیة عن جابر بن إسماعیل عن جعفر بن محمّد عن أبیه علیهما السّلام أنّ رجلا سأل علیّ بن أبیطالب عن قیام اللّیل بالقرآن ، فقال علیه السّلام ابشر :

من صلّى من اللیل عشر لیلة مخلصا ابتغاء ثواب اللّه قال اللّه لملائكته : اكتبوا لعبدی هذا من الحسنات عدد ما انبت فی اللیل من حبّة و ورقة و شجرة و عدد كلّ قصبة و خوص و مرعى .

و من صلّى تسع لیلة أعطاه اللّه عشر دعوات مستجابات و أعطاه اللّه كتابه بیمینه .

و من صلّى ثمن لیلة أعطاه اللّه أجر شهید صابر صادق النّیة و شفّع فی أهل بیته .

و من صلّى سبع لیلة خرج من قبره یوم یبعث و وجهه كالقمر لیلة البدر حتى

[ 124 ]

یمرّ على الصراط مع الآمنین و من صلّى سدس لیلة كتب من الأوابین و غفر له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر .

و من صلّى خمس لیلة زاحم إبراهیم خلیل الرّحمن فی قبّته .

و من صلّى ربع لیلة كان فی أوّل الفائزین حتى یمرّ على الصراط كالریح العاصف و یدخل الجنة بلا حساب .

و من صلّى ثلث لیلة لم یلق ملكا إلاّ غبطه لمنزلته من اللّه و قیل ادخل من أىّ أبواب الجنة شئت .

و من صلّى نصف لیلة فلو اعطى ملؤ الأرض ذهبا سبعین ألف مرّة لم یعدل جزاه و كان له بذلك عند اللّه أفضل من سبعین رقبة یعتقها من ولد إسماعیل علیه السّلام .

و من صلّى ثلثی لیلة كان له من الحسنات قدر رمل عالج أدناها حسنة أثقل من جبل احد عشر مرّات .

و من صلّى لیلة تامّة تالیا لكتاب اللّه راكعا و ساجدا و ذاكرا اعطى من الثواب ما أدناه یخرج من الذنوب كما ولدته امّه ، و یكتب له عدد ما خلق اللّه من الحسنات و مثلها درجات و یثبت النّور فی قبره و ینزع الاثم و الحسد من قلبه ، و یجار من عذاب القبر و یعطى براءة من النّار و یبعث من الآمنین ، و یقول الربّ لملائكته یا ملائكتی انظروا إلى عبدى أحیا لیله ابتغاء مرضاتی اسكنوه الفردوس و له فیها مأة ألف مدینة فى كلّ مدینة جمیع ما تشتهى الأنفس و تلذّ الأعین و لم یخطر على بال سوى ما أعددت له من الكرامة و المزید و القربة ، هذا .

و لما وصف قیامهم بالصّلاة فی اللّیل أشار إلى قراءتهم و وصف قراءتهم تفصیلا بقوله ( تالین لأجزاء القرآن ) فانّ البیوت الّتی یتلى فیها القرآن تضی‏ء لأهل السّماء كما تضی‏ء الكواكب لأهل الأرض كما روى فی غیر واحد من الأخبار و تكثر بركتها و تحضرها الملائكة و تهجرها الشّیاطین كما رواه فی الكافی عن ابن القداح عن أبیعبد اللّه علیه السّلام عن أمیر المؤمنین علیه السّلام .

[ 125 ]

( یرتّلونه ترتیلا ) قال فی مجمع البحرین : التّرتیل فی القرآن التّأنی و تبیین الحروف بحیث یتمكّن السّامع من عدّها .

و فى الكافی عن عبد اللّه بن سلیمان قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ و رتّل القرآن ترتیلا قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام : بیّنه تبیانا و لا تهذّه هذّ الشّعر ، و لا تنثره نثر الرّمل ، و لكن افزعوا قلوبكم القاسیة و لا یكن همّ أحدكم آخر السّورة .

و فى مجمع البحرین عن أمیر المؤمنین علیه السّلام : ترتیل القرآن حفظ الوقوف و بیان الحروف ، و فسّر الوقوف بالوقف التامّ و هو الوقوف على كلام لا تعلّق له بما بعده لا لفظا و لا معنا ، و بالحسن و هو الّذی له تعلّق ، و فسّر الثانی بالاتیان بالصّفات المعتبرة عند القراءة من الهمس و الجهر و الاستعلاء و الاطباق .

و عن الصّادق علیه السّلام الترتیل أن تتمكث فیه و تحسن به صوتك ، و إذا مررت بآیة فیها ذكر الجنة فاسأل اللّه الجنة ، و إذا مررت بآیة فیها ذكر النار فتعوّذ باللّه من النار .

و قوله علیه السّلام ( یحزنون به أنفسهم ) أى یقرؤنه بصوت حزین .

روى فی الكافی عن ابن أبی عمیر عمّن ذكره عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : إنّ القرآن نزل بالحزن فاقرؤه بالحزن .

و فى الوسائل من الكافی عن حفص قال : ما رأیت أحدا أشدّ خوفا على نفسه من موسى بن جعفر علیهما السّلام و لا أرجى للناس منه ، و كانت قراءته حزنا ، فاذا قرء فكأنه یخاطب إنسانا .

و قوله : ( و یستثیرون به دواء دائهم ) الظاهر أنّ المراد بدائهم هو داء الذّنوب الموجب للحرمان من الجنّة و الدّخول فی النّار ، و بدوائه هو التّدبّر و التفكّر الموجب لقضاء ما علیهم من الحقّ و سؤال الجنّة و طلب الرّحمة و المغفرة و التعوّذ من النّار عند قراءة آیتی الوعد و الوعید .

كما أوضحه و شرحه بقوله ( فاذا مرّوا بآیة فیها تشویق ) إلى الجنّة ( ركنوا )

[ 126 ]

أى مالوا و اشتاقوا ( إلیها طمعا و تطلعت ) أى أشرفت ( نفوسهم إلیها شوقا و ظنّوا أنّها نصب أعینهم ) أى أیقنوا أنّ تلك الآیة أى الجنّة الموعودة بها معدّة لهم بین أیدیهم و إنما جعلنا الظنّ بمعنی الیقین لما قد مرّ من اتّصافهم بعین الیقین و أنهم و الجنّة كمن قد رآها فهم فیها منعّمون .

( و إذا مرّوا بآیة فیها تخویف ) و تحذیر من النار ( أصغوا ) أى أمالوا ( إلیها مسامع قلوبهم و ظنّوا ) أى علموا ( أنّ زفیر جهنّم و شهیقها ) أى صوت توقدها ( فى اصول آذانهم ) أو المراد زفیر أهلها و شهیقهم ، و الزّفیر إدخال النفس و الشهیق إخراجه ،

و منه قیل : إنّ الزّفیر أوّل الصوت و الشهیق آخره ، و الزّفیر من الصّدر و الشهیق من الحلق ، و كیف كان فالمراد أنهم و النار كمن قد رآها فهم فیها معذّبون .

و محصل المراد أنّ المتّقین یقرؤن القرآن بالتّرتیل و الصوت الحسن الحزین و یشتدّ رجاؤهم عند قراءة آیات الرّجا و خوفهم عند تلاوة آیات الخوف .

روى فی الوسائل عن الشیخ عن البرقی و ابن أبی عمیر جمیعا عن بعض أصحابنا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : ینبغی للعبد إذا صلّى أن یرتّل فی قراءته فاذا مرّ بآیة فیها ذكر الجنّة و ذكر النار سأل اللّه الجنة و تعوّذ باللّه من النار ، و إذا مرّ بیا أیها الناس و یا أیها الّذین آمنوا یقول لبّیك ربّنا .

و عنه عن عثمان بن عیسى عن سماعة قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام ینبغی لمن قرء القرآن إذا مرّ بآیة فیها مسألة أو تخویف أن یسأل عند ذلك خیر ما یرجو و یسأل العافیة من النار و من العذاب .

و فیه عن الكلینی عن الزّهرى فی حدیث قال : كان علیّ بن الحسین علیهما السّلام إذا قرء مالك « ملك » یوم الدّین یكرّرها حتى یكاد أن یموت ، هذا .

و لما ذكر علیه السّلام وصف قیامهم و قراءتهم أشار إلى ركوعهم بقوله ( فهم حانون ) أى عاطفون ( على أوساطهم ) یعنی أنّهم یحنون ظهرهم فى الرّكوع أى یمیلونه فی استواء من رقبتهم و من ظهرهم من غیر تقویس .

و أشار إلى سجودهم بقوله ( مفترشون لجباههم واه كفّهم و ركبهم و أطراف أقدامهم )

[ 127 ]

أى باسطون لهذه الأعضاء السبعة فی حالة السجدة على الأرض قال سبحانه و ان المساجد للَّه فلا تدعوا مع اللّه أحدا .

قال فی مجمع البیان روى أنّ المعتصم سأل أبا جعفر محمّد بن علیّ بن موسى الرّضا علیه السّلام عن هذه الآیة فقال علیه السّلام : هی الأعضاء السبعة التی یسجد علیها .

و فى الوسائل عن الشیخ باسناده عن زرارة قال : قال أبو جعفر علیه السّلام قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : السجود على سبعة أعظم : الجبهة ، و الیدین ، و الرّكبتین ،

و الابهامین من الرّجلین ، و ترغم بأنفك إرغاما أمّا الفرض فهذه السبعة و أمّا الارغام بالأنف فسنّة من النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

و قوله علیه السّلام ( یطلبون إلى اللّه تعالى فی فكاك رقابهم ) إشارة إلى العلّة الغائیّة لهم من عباداتهم اللیلیة ، یعنى أنهم یتضرّعون الیه سبحانه و یلحّون فی فكاك رقابهم من النار و ادخالهم الجنة .

و الثامن عشر اتّصافهم بأوصاف یطلع علیها النّاظرون لهم نهارا ، و إلیه أشار بقوله ( و أمّا النّهار فحلماء علماء أبرار أتقیاء ) یعنی أنّهم متّصفون بالحلم و العلم و البرّ و التّقوى .

أما الحلم فهو فضیلة متوسّطة بین رذیلتی المهانة و الافراط فی الغضب ، و هو من جنود العقل و یقابله السّفه و هو من جنود الجهل ، كما فی الحدیث المرویّ فی الكافی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام .

قال صدر المتألهین فی شرح الكافی : الحلم الاناة و هو من شعب الاعتدال فی الغضب ، و السفه الخفّة و الطیش ، و سفه فلان رأیه إذا كان مضطربا لا استقامة له فیكون من شعب الافراط فی الغضب ضدّ الحلم الذی من شعب الاعتدال فیه .

و قال بعض شرّاح الكافی : الحلم الاناة و التثبّت فی الامور ، و هو یحصل عن الاعتدال فى القوّة الغضبیة و یمنع من الانفعال عن الواردات المكروهة المؤذیة ، و من آثاره عدم جزع النفس عند الامور الهایلة و عدم طیشها فى المؤاخذة و عدم صدور

[ 128 ]

حركات غیر منتظمة منها و عدم إظهار المزیة على الغیر و عدم التهاون فى حفظ ما یجب حفظه شرعا و عقلا .

أقول و یشهد بفضل هذا الوصف :

ما رواه فى الكافى عن جابر عن أبیجعفر علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّ اللّه یحبّ الحییّ الحلیم العفیف المتعفّف .

و عن سعید بن یسار عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : إذا وقع بین رجلین منازعة نزل ملكان فیقولان للسفیه منهما : قلت و قلت و أنت أهل لما قلت ستجزى بما قلت ، و یقولان للحلیم منهما : صبرت و حلمت سیغفر اللّه لك إن أتممت ذلك ، قال : فان ردّه الحلیم علیه ارتفع الملكان ، هذا .

و فى بعض النسخ بدل قوله علیه السّلام فحلماء : فحكماء بالكاف فیفید اتّصافهم بالحكمة و هو أیضا من جنود العقل ، و یقابله الهوى و هو من جنود الجهل كما فى الحدیث الذی أشرنا إلیه .

قال صدر المتألهین فى شرح هذا الحدیث من الكافى : الحكمة هى العلم بحقایق الأشیاء كما هى بقدر الطاقة و العمل على طبقه ، و الهوى الرّأى الفاسد و اتّباع النفس شهواتها الباطلة ، و یحتمل أن یكون المراد بالحكمة ما یستعمل فى كتب الأخلاق و هو التوسط فى القوّة الفكریّة بین الافراط الذی هو الجربزة و التفریط الذى هو البلاهة فیكون المراد بالهوى الجربزة بما یلزمها من الآراء الفاسدة و العقاید الباطلة ، لأنّها تضادّ الحكمة التى بهذا المعنى ، و كلا المعنیین من صفات العقل و ملكاته و مقابلاتهما من صفات الجهل و توابعه .

و أما العلم فهو أیضا من جنود العقل ، و یقابله الجهل كما فى الحدیث المتقدّم إلیه الاشارة ، و المراد بكونهم علماء كما لهم فی القوّة النظریة بالعلم النظرى الذی هو معرفة الصانع و صفاته و العلم الشرعى الذى هو معرفة تكالیفه و أحكامه .

و أما البر فقد یطلق و یراد به الصادق ، و قد یطلق على الذى من عادته الاحسان

[ 129 ]

و بهما فسّر قوله « انّه هو البرّ الرّحیم » و كثیرا ما یخصّ الأبرار بالأولیاء و الزّهاد و العبّاد و به فسّر قوله تعالى انّ الأَبرار لفی نعیم أى الأولیاء المطیعون فی الدّنیا و قال فی مجمع البیان فی تفسیر قوله انّ الأبرار یشربون من كأس كان مزاجها كافوراً هو جمع البرّ المطیع للّه المحسن فی أفعاله ، و قال الحسن : هم الّذین لا یؤذون الذّر و لا یرضون الشرّ و قیل : هم الذین یقضون الحقوق اللازمة و النّافلة .

و اما التقوى فالمراد به هنا الخوف ، یعنى أنّهم خائفون من اللّه تعالى و تاركون جمیع القبایح البدنیّة و النفسانیّة .

و أشار إلى كمال خوفهم بقوله ( قد بریهم الخوف برى القداح ) أى نحتهم مثل نحت السّهام و صاروا مثلها فی الدّقة و النحافة و إنّما یفعل الخوف ذلك لاشتغال النّفس المدبّرة للبدن به عن النظر فی صلاح البدن و وقوف القوّة الشّهویّة و الغاذیة عن أداء بدل ما یتحلّل .

و قد كان هذا الوصف أعنی كمال الخوف من اللّه سبحانه و نحول البدن من شدّته مأثورا عن علیّ بن الحسین علیهما السّلام .

فقد روى المفید فی الارشاد عن أبی جعفر علیه السّلام قال : كان علیّ بن الحسین علیهما السّلام یصلّى فی الیوم و اللّیلة ألف ركعة و كانت الرّیح تمیله بمنزلة السّنبلة .

و فیه أیضا عن عبد اللّه بن محمّد القرشی قال : كان علیّ بن الحسین علیهما السّلام إذا توضّأ یصفرّ لونه فیقول له أهله : ما هذا الّذی یغشاك ؟ فیقول : أ تدرون لمن أتأهّب للقیام بین یدیه .

و فیه أیضا عن سعید بن كلثوم عن الصّادق علیه السّلام فی حدیث مدح فیه علیّ بن أبیطالب بما هو أهله و أطراه إلى أن قال : و ما أشبهه من ولده و لا أهل بیته أحد أقرب شبها به فی لباسه و فقهه من علیّ بن الحسین علیهما السّلام ، و لقد دخل ابنه أبو جعفر علیه فاذا هو قد بلغ من العبادة ما لم یبلغه أحد فرآه قد اصفرّ لونه من السّهر و رمصت عیناه من البكاء و دبرت جبهته و انخرم أنفه من السّجود و ورمت ساقاه و قدماه من

[ 130 ]

القیام فی الصّلاة قال أبو جعفر : فلم أملك حین رأیته بتلك الحال البكاء فبكیت رحمة له الحدیث .

و قد كان شیعتهم علیهم السّلام أیضا متّصفون بذلك .

كما رواه فی الوسایل من الخصال عن عمرو بن أبی المقدام عن أبیه قال : قال لی أبو جعفر علیه السّلام یا أبا المقدام إنّما شیعة علىّ الشّاحبون النّاحلون الذّابلون ، ذابلة شفاههم خمیصة بطونهم متغیّرة ألوانهم مصفرّة وجوههم ، إذا جنّهم اللّیل اتّخذوا الأرض فراشا و استقبلوا الأرض بجباههم ، كثیر سجودهم كثیرة دموعهم كثیر دعاؤهم كثیر بكاؤهم یفرح النّاس و هم محزونون .

و فیه من أمالی ابن الشیخ قال : روى انّ أمیر المؤمنین خرج ذات لیلة من المسجد و كانت لیلة قمراء فأمّ الجبانة و لحقه جماعة یقفون أثره فوقف علیهم ثمّ قال : من أنتم ؟ قالوا : شیعتك یا أمیر المؤمنین ، فتفرّس فی وجوههم قال : فما لى لا أرى علیكم سیماء الشیعة ؟ قالوا : و ما سیماء الشیعة یا أمیر المؤمنین ؟ قال : صفر الوجوه من السهر عمش العیون من البكاء حدب الظهور من القیام خمص البطون من الصیام ذبل الشفاه من الدّعاء علیهم غبرة الخاشعین ، هذا .

و لغلبة الخوف علیهم و نحول أجسادهم و انحلال أعضائهم و شحب ألوانهم من الجدّ و الاجتهاد فی العبادة ( ینظر إلیهم الناظر فیحسبهم مرضى و ) الحال أنه ( ما بالقوم من مرض و ) لتوجّه نفوسهم بالملاء الأعلى ، و خروج أفعالهم عن المعتادة المتعارفة بین الناس ( یقول ) الناظر لهم إنهم ( قد خولطوا ) أى اختلّ عقلهم و فسد ( و ) الحال أنهم ما خولطوا بل ( قد خالطهم ) أى مازجهم ( أمر عظیم ) من الخوف فتولهوا لأجله .

التاسع عشر أنّهم ( لا یرضون من أعمالهم القلیل ) أى لا یقنعون بالقلیل لعلمهم بشرف الغایات المقصودة من العبادات و عظم ما یترتّب علیها من الثمرات ، و هو العتق من النار و الدّخول فى الجنة و الوصول إلى رضوان اللّه الذی هو أعظم اللّذات و أشرف الغایات .

[ 131 ]

و لذلك أنّ أولیاء الدّین و أئمة التقوى و الیقین كان هممهم مقصورة على الجدّ و الاجتهاد و التفرّغ للعبادة .

و لقد قام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كما فى روایة الاحتجاج عن الكاظم عن أبیه عن آبائه عن أمیر المؤمنین علیهم السّلام عشر سنین على أطراف أصابعه حتى تورّمت قدماه و اصفرّ وجهه یقوم اللّیل أجمع حتى عوتب فى ذلك فقال اللّه تعالى « طه ما انزلنا علیك القرآن لتشقى » بل لتسعد به .

و فى روایة الكافى عن أبى بصیر عن الباقر علیه السّلام قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عند عایشة لیلتها فقالت : یا رسول اللّه لم تتعب نفسك و قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر ؟ فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یا عایشة ألا أكون عبدا شكورا و كان أمیر المؤمنین علیه السّلام یصلّی فى الیوم و اللّیلة ألف ركعة ، و كذلك ولده علیّ بن الحسین علیهما السّلام حسبما عرفت آنفا .

و روى فى الوسایل من العلل عن أبى حمزة قال : سألت مولاة لعلیّ بن الحسین علیهما السّلام بعد موته فقلت : صفى لى امور علىّ بن الحسین علیهما السّلام فقالت : اطنب أو اختصر ؟

فقلت : بل اختصری ، قال : ما أتیته بطعام نهارا قطّ و لا فرشت له فراشا بلیل قطّ .

و روى فیه أیضا من العیون عن عبد السلام بن صالح الهروى فى حدیث انّ الرّضا علیه السّلام كان ربما یصلّى فى یومه و لیلته ألف ركعة ، و انما ینفتل من صلاته ساعة فى صدر النهار و قبل الزّوال و عند اصفرار الشمس ، فهو فى هذه الأوقات قاعد فى صلاة « مصلاه ظ » یناجى ربه .

إلى غیر ذلك من الأخبار الواردة فى وصف عباداتهم علیهم السّلام ، و كفى فى تأكد المداومة على العبادة و التفرّغ لها بقوله سبحانه و ما خلقت الجنّ و الانس إلاّ لیعبدون .

روى فى الوسایل من العلل بسنده عن جمیل بن درّاج قال : قلت لأبیعبد اللّه علیه السّلام : جعلت فداك ما معنى قول اللّه عزّ و جلّ و ما خلقت الجنّ و الانس إلاّ لیعبدون ؟

فقال : خلقهم للعبادة .

[ 132 ]

و فیه عن الكلینى عن عمر بن یزید عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال فى التوراة مكتوب یا ابن آدم تفرغ لعبادتى أملاء قلبك غنى و لا أكلك إلى طلبك ، و علىّ أن أسدّ فاقتك و أملاء قلبك خوفا منّى .

و عن عمر بن جمیع عن أبى عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أفضل النّاس من عشق العبادة فعانقها و أحبّها بقلبه و باشرها بجسده و تفرغ لها فهو لا یبالى على ما أصبح من الدّنیا على عسر أم یسر .

و عن أبى جمیلة قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : قال اللّه تبارك و تعالى : یا عبادى الصّدیقین تنعّموا بعبادتى فى الدّنیا فانّكم تنعّمون بها فى الآخرة .

( و ) العشرون أنّهم ( لا یستكثرون ) من أعمالهم ( الكثیر ) أى لا یعجبون بكثرة العمل و لا یعدّونه كثیرا و ان أتعبوا فیه أنفسهم و بلغوا غایة جهدهم ، لمعرفتهم بأنّ ما أتوا به من العبادات و إن بلغت فی كثرتها غایة الغایات زهیدة قلیلة فی جنب ما یترتّب علیها من الثّمرات ، كما أشار إلیه فی الخطبة الثانیة و الخمسین بقوله :

فو اللّه لو حننتم حنین الوله العجال و دعوتهم بهدیل الحمام و جأرتم جؤار المتبتّلی الرّهبان و خرجتم إلى اللّه من الأموال و الأولاد التماس القربة الیه فی ارتفاع درجة عنده أو غفران سیئة أحصتها كتبه و حفظها رسله ، لكان قلیلا فیما أرجو لكم من ثوابه و أخاف علیكم من عقابه ، هذا .

مع ما فی استكثار العمل من العجب الموجب لاهباطه و للوقوع فی الخزى العظیم و العذاب الألیم .

روى فی الوسائل من الخصال عن سعد الاسكاف عن أبی جعفر علیه السّلام قال : ثلاث قاصمات الظّهر : رجل استكثر عمله ، و نسى ذنوبه ، و أعجب برأیه .

و من الخصال عن عبد الرّحمن بن الحجاج عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : قال ابلیس : إذا استمكنت من ابن آدم فی ثلاث لم ابال ما عمل فانّه غیر مقبول : إذا استكثر عمله ، و نسى ذنبه ، و دخله العجب .

و فیه عن الكلینی عن سماعة قال : سمعت أبا الحسن علیه السّلام یقول : لا تستكثروا

[ 133 ]

الخیر و لا تستقلّوا قلیل الذّنوب .

و عن الكلینی عن یونس عن بعض أصحابه عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی حدیث : قال موسى بن عمران لابلیس : أخبرنی بالذّنب الّذى إذا أذنبه ابن آدم استحوذت علیه قال : إذا أعجبته نفسه ، و استكثر عمله ، و صغر فی عینه ذنبه .

و قال : قال اللّه عزّ و جلّ لداود : یا داود بشّر المذنبین و أنذر الصّدیقین ، قال :

كیف ابشّر المذنبین و أنذر الصدّیقین ؟ قال : یا داود بشّر المذنبین أنی أقبل التوبة و أعفو عن الذّنب ، و أنذر الصدّیقین أن لا یعجبوا بأعمالهم فانّه لیس عبد أنصبه للحساب إلاّ هلك و لمّا ذكر عدم رضاهم بالقلیل و اعجابهم بالكثیر فرّع علیه قوله ( فهم لأنفسهم متّهمون و من أعمالهم مشفقون ) یعنی أنّهم یتّهمون أنفسهم و ینسبونها إلى التقصیر فی العبادة .

روى فی الوسائل عن الكلینی عن سعد بن أبی خلف عن أبی الحسن موسى علیه السّلام قال : قال لبعض ولده : یا بنیّ علیك بالجدّ و لا تخرجنّ نفسك من حدّ التقصیر فی عبادة اللّه عزّ و جل فانّ اللّه لا یعبد حقّ عبادته .

و عن الفضل بن یونس عن أبی الحسن علیه السّلام قال : أكثر من أن تقول : اللّهم لا تجعلنی من المعارین و لا تخرجنی من التقصیر ، قال : قلت له : أمّا المعارون فقد عرفت إنّ الرّجل یعار الدّین ثمّ یخرج منه ، فما معنی لا تخرجنی من التقصیر ؟

فقال : كلّ عمل ترید به وجه اللّه فكن فیه مقصّرا عند نفسك فانّ النّاس كلّهم فی أعمالهم فیما بینهم و بین اللّه مقصّرون إلاّ من عصمه اللّه .

و عن أبی عبیدة الحذاء عن أبی جعفر علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : قال اللّه عزّ و جلّ : لا یتّكل العاملون لی على أعمالهم الّتی یعملونها لثوابی ، فانّهم لو اجتهدوا و أتّعبوا أنفسهم أعمارهم فی عباداتی كانوا مقصّرین غیر بالغین فی عبادتهم كنه عبادتی فیما یطلبون عندى من كرامتی و النعیم فی جنّاتی و رفیع الدّرجات العلی فی جوارى و لكن برحمتی فلیتّقوا « فلیثقواظ » ، و فضلی فلیرجوا ، و الى حسن الظنّ بی فلیطمئنّوا و أمّا اشفاقهم من أعمالهم فخوفهم من عدم قبولها أو من عدم كونها جامعة

[ 134 ]

لشرایط الصّحة و الكمال على الوجه الّذی یلیق به تعالى فیؤاخذوا به ، و قد مدح اللّه سبحانه المؤمنین بذلك فی قوله « و الّذین یؤتون ما آتوا و قلوبهم وجلة » .

روى فى الصافى من الكافى عن الصادق علیه السّلام أنّه سئل عن هذه الآیة فقال :

هى اشفاقهم و رجاؤهم یخافون أن تردّ علیهم أعمالهم إن لم یطیعوا اللّه و یرجون أن تقبل منهم .

و فى مجمع البیان قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : معناه خائفة أن لا یقبل منهم .

و فى الوسائل من الكافى عن عبد الرّحمن بن الحجاج قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام الرّجل یعمل العمل و هو خائف مشفق ثمّ یعمل شیئا من البرّ فیدخله شبه العجب به فقال علیه السّلام : هو فى حاله الأولى و هو خائف أحسن حالا منه فى حال عجبه .

الحادى و العشرون أنّه ( إذا زكی أحدهم ) أى وصف و مدح بما فیه من محامد الأوصاف و مكارم الأخلاق و مراقبة العبادات و مواظبة الطاعات ( خاف مما یقال له ) و اشمئزّ منه ( فیقول أنا أعلم بنفسى ) أى بعیوبها ( من غیری و ربّی أعلم منّی بنفسی ) و إنّما یشمئزّ و یخاف من التّزكیة لكون الرّضا بها مظنّة الاعجاب بالنفس و الادلال بالعمل .

و لهذه النّكتة أیضا نهى اللّه سبحانه عن تزكیة النفس قال تعالى فلا تزكّوا أنفسكم هو أعلم بمن اتّقى أى لا تثنوا علیها بزكاء العمل و زیادة الخیر و الطهارة من المعاصى و الرّذائل ، فانّه یعلم التّقى و غیره منكم قبل أن یخرجكم من صلب آدم .

قال فى مجمع البیان : أى لا تعظّموها و لا تمدحوها بما لیس لها فانّى أعلم بها ،

و قیل : معناه لا تزكوها بما فیها من الخیر لیكون أقرب إلى النسك و الخشوع ، و أبعد من الرّیا هو أعلم بمن برّ و أطاع و أخلص العمل .

و روى فى الصافى من العلل عن الصّادق علیه السّلام أنّه سئل عنها قال : یقول :

لا یفتخر أحدكم بكثرة صلاته و صیامه و زكاته و نسكه ، لأنّ اللّه عزّ و جل أعلم بمن اتّقى منكم .

و قوله ( اللهمّ لا تؤاخذنى بما یقولون و اجعلنى أفضل مما یظنّون و اغفر لى





نظرات() 


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox