تبلیغات
پیام هادی - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-07:57 ب.ظ


بحكم الشاهد الصادق ، و صامت ناطق لأنه لا ینطق بنفسه بل لا بدّ له من مترجم فهو صامت فی الصّورة و فی المعنى أنطق النّاطقین ، لأنّ الأوامر و النواهی و الآداب كلّها مبنیّة علیه و متفرّعة عنه ، انتهى .

و أنت خبیر بما فیما قالاه من الضّعف و الفساد و كونه أجنبیّا على تقدیر صحّته من مساق كلام الامام علیه السّلام فافهم و تأمّل .

تنبیه

لمّا كانت هذه الخطبة الشریفة متضمنة للأمر بالتواضع و النّهى عن التكبّر و اشرنا إلى فضل التّواضع و حسنه أحببنا أن نشرح صفة الكبر و نبیّن ما ورد فیه من الأدلّة الدّالة على قبحه و خسّته و كونه من الموبقات ، و الكلام فیه فی مقامات

المقام الاول فی الآیات و الأخبار الواردة فی النّهى عن تلك الصّفة

و المتضمّنة لقبحها و ذمّها و ما یترتّب علیه من الخزى و العقاب .

فأقول : قال اللَّه تعالى فی سورة الزّمر : « و یوم القیامة ترى الّذین كذبوا على اللَّه وجوههم مسودّة ألیس فی جهنّم مثوى للمتكبّرین » .

و فی سورة المؤمن : « الذین یجادلون فی آیات اللَّه بغیر سلطان أتیهم كبر مقتا عند اللَّه و عند الّذین آمنوا كذلك یطبع اللَّه على قلب كلّ متكبّر جبّار » .

و فی سورة المؤمن أیضا : « و قال ربّكم ادعونی أستجب لكم إنّ الّذین یستكبرون عن عبادتی سیدخلون جهنّم داخرین » أى صاغرین ذلیلین .

و فی سورة بنی اسرائیل : « و لا تمش فی الأرض مرحا إنّك لن تخرق الأرض و لن تبلغ الجبال طولا » قال الطبرسی : معناه لا تمش على وجه الأشر و البطر و الخیلاء و التكبّر و قوله : إنّك لن تخرق الأرض ، هذا مثل ضربه اللَّه تعالى ، قال :

[ 82 ]

إنّك أیّها الانسان لن تشقّ الأرض من تحت قدمك بكبرك ، و لن تبلغ الجبال بتطاولك ، و المعنى أنّك لن تبلغ ممّا ترید كثیر مبلغ كما لا یمكنك أن تبلغ هذا فما وجه المنابذة على ما هذا سبیله مع أنّ الحكمة زاجرة عنه ، و انّما قال ذلك ، لأنّ من النّاس من یمشى فى الأرض بطرا یدقّ قدمیه علیها لیرى بذلك قدرته و قوّته و یرفع رأسه و عنقه ، فبیّن سبحانه أنه ضعیف مهین لا یقدر أن یخرق الأرض بدقّ قدمیه علیها حتّى ینتهى إلى آخرها ، و أنّ طوله لا تبلغ طول الجبال و إن كان طویلا ، هذا .

و الآیات الناهیة فی الكتاب العزیز كثیرة لا حاجة إلى ایرادها .

و اما الاخبار ففی الكافی باسناده عن أبی حمزة الثمالی قال . قال علیّ بن الحسین صلوات اللَّه علیهما : عجبا للمتكبّر الفخور الذی كان بالأمس نطفة ثمّ هو غدا جیفة .

و عن عیسى بن ضحاك قال : قال أبو جعفر علیه السّلام : عجبا للمختال الفخور و إنّما خلق من نطفة ثمّ یعود جیفة و هو فیما بین ذلك لا یدرى ما یصنع به .

و عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن النّوفلیّ عن السّكونی عن أبیعبد اللَّه علیه السّلام قال : أتى رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم رجل فقال : یا رسول اللَّه أنا فلان بن فلان حتى عدّ تسعة .

فقال له رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : أما أنّك عاشرهم فی النّار .

و عن حكیم قال : سألت أبا عبد اللَّه علیه السّلام عن أدنى الالحاد ، قال علیه السّلام : إنّ الكبر أدناه .

و عن العلاء بن الفضیل عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : قال أبو جعفر علیه السّلام : العزّ رداء اللَّه ، و الكبر ازاره ، فمن تناول منه شیئا أكبّه اللَّه فی جهنّم .

و عن عبد الأعلا بن أعین قال : قال أبو عبد اللَّه علیه السّلام : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله : إنّ أعظم الكبر غمس الخلق و سفه الحقّ ، قلت : و ما غمس الخلق و سفه الحقّ ؟ قال :

یجهل الحقّ و یطعن على أهله ، فمن فعل ذلك فقد نازع اللَّه ردائه .

و عن أعظم بن كثیر عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : إنّ فی جهنّم لوادیا للمتكبّرین

[ 83 ]

یقال له سقر شكى إلى اللَّه شدّة حرّة و سأله أن یأذن له أن یتنفّس فتنفّس فأحرق جهنّم .

و عن علیّ بن إبراهیم ، عن أبیه عن ابن أبی عمیر عن بعض أصحابه عن أبیعبد اللَّه علیه السّلام قال : ما من عبد إلاّ و فی رأسه حكمة و ملك یمسكها فاذا تكبّر قال له : اتّضع وضعك اللَّه ، فلا یزال أعظم النّاس فی نفسه و أصغر النّاس فی أعین الناس ، و إذا تواضع رفعها اللَّه عزّ و جلّ ثمّ قال له : انتعش نعشك اللَّه فلا یزال أصغر الناس فی نفسه و أعظم النّاس فی أعین النّاس .

و فی احیاء العلوم قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم لا یدخل الجنّة من كان فی قلبه مثقال حبّة من خردل من كبر ، و لا یدخل النّار من كان فی قلبه مثقال حبّة من خردل من ایمان .

و قال أبو هریرة : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : یقول اللَّه تعالى : الكبریاء ردائى و العظمة ازاری فمن نازعنى واحدا منهما ألقیته فی جهنّم و لا ابالی .

و قال صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : بئس العبد عبد تجبّر و اعتدى و نسى الجبّار الأعلى ، بئس العبد عبد تجبّر و اختال و نسی الكبیر المتعال ، بئس العبد عبد غفل و سهى و نسى المقابر و البلى ، بئس العبد عبد عتا و بغى و نسى المبدء و المنتهى .

و قال أبو هریرة قال النّبی صلّى اللَّه علیه و آله : یحشر الجبّارون و المتكبّرون یوم القیامة فی صور الذّر تطؤهم النّاس لهوانهم على اللَّه تعالى .

و عن محمّد بن واسع قال : دخلت على بلال بن أبی بردة فقلت له : یا بلال إنّ أباك حدّثنی عن أبیه عن النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم أنّه قال : إنّ فی جهنّم وادیا یقال له هبهب حقّ على اللَّه أن یسكنه كلّ جبار فایّاك یا بلال أن تكون ممّن یسكنه .

الثانى فی حقیقة الكبر و ماهیته

و هو الانتفاخ و التعزّز الحاصل من استعظام النّفس و استحقار الغیر ،

[ 84 ]

و بعبارة اخرى هو أن یرى نفسه فوق غیره فی صفات الكمال فیحصل من ذلك فیه نفخة و اهتزاز و تلك النفخة هی الكبر ، و لذلك قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : أعوذ بك من نفخة الكبریاء ، و هذه الحالة إذا حصلت فی النفس اقتضت أعمالا فی الظاهر تصدر عن الجوارح هی ثمرات تلك الخصلة الرّذیلة ، فالكبر هی الحالة النّفسانیّة و الخلق الباطنی ، و ثمرات تلك الخضلة و آثارها فی الظّاهر تسمّى تكبّرا كالترفّع فی المجالس و التقدّم على الغیر و توقع السّلام و النظر بعین التحقیر ، فان حاجّ أو ناظر أنف أن یردّ علیه ، و إن وعظ استنكف من قبول الحقّ ، و إن وعظ أعنف فی النّصح ، و إن ردّ علیه شی‏ء من قوله غضب ، و إن علّم لم یرفق بالمتعلّمین و استذلّهم و امتنّ علیهم ، و إن نظر إلى العامّة نظر إلیهم بعین الاحتقار كأنه ینظر إلى الحمیر استجهالا لهم و استحقارا .

الثالث فی المتكبر علیه

و الفرق بین الكبر و العجب بذلك ، فانّ العجب لا یستدعى غیر المعجب بل لو لم یخلق الانسان إلاّ وحده یمكن أن یكون معجبا ، بخلاف الكبر فانّه یتوقّف على أن یكون هنا غیر فیرى نفسه فوق هذا الغیر فی صفات الكمال ، و ذلك الغیر هو المتكبّر علیه ، و ینقسم الكبر باعتبار المتكبّر علیه إلى ثلاثة أقسام :

القسم الاول التكبّر على اللَّه سبحانه

و هو من أفحش أنواع الكبر و أقبحها و أوبقها ، و لا منشأ له إلاّ محض الجهل و الحمق و الطّغیان ، و ذلك مثل ما كان فی نمرود حیث كان یحدّث نفسه بأنّه یقاتل ربّ السّماء ، و فی فرعون حیث قال أنا ربّكم الأعلى و فی شدّاد حیث بنى إرم ذات العماد ، و نحو ذلك ممّا صدر عن المدّعین للرّبوبیّة و المترفّعین عن درجة العبودیة ، و إذا قیل لهم اسجدوا للرّحمن قالوا و ما الرّحمن

[ 85 ]

أنسجد لما تأمرنا و زادهم نفورا .

القسم الثانى التكبّر على الأنبیاء و الرّسل و الأوصیاء علیهم السّلام

من حیث تعزّز النفس و ترفّعها عن الانقیاد لبشر مثل سائر النّاس ، و ذلك تارة یصرف عن الفكر و الاستبصار فیبقى فی ظلمة الجهل بكبره و هو ظانّ أنّه محقّ فیه ، و تارة یمنع مع المعرفة و لكن نفسه لا تطاوع الانقیاد للحقّ و التّواضع للرّسل كما حكى اللَّه عن قولهم : « ما أنتم إلاّ بشر مثلنا و ما أنزل الرّحمن من شی‏ء ان أنتم إلاّ تكذبون » و قوله : « إن أنتم إلاّ بشر مثلنا » « و لئن أطعتم بشرا مثلكم إنّكم إذا لخاسرون » .

و قال سبحانه فیما اخبر عن كفّار قریش فی رسول اللَّه : « و قالوا ما لهذا الرّسول یأكل الطعام و یمشى فی الأسواق لو لا انزل إلیه ملك فیكون معه نذیرا أو یلقى إلیه كنز أو تكون له جنّة یأكل منها » استبعدوا أن یكون من یأكل الطعام و یطلب المعاش فی الأسواق رسولا مطاعا و استحقروه لفقره حتّى تمنّوا له الكنز لینفق منه و یستغنی به عن النّاس و تمنّوا له البستان لیأكل من ثمارها .

و أخبر عنهم أیضا بقوله : « و قالوا لو لا نزّل هذا القرآن على رجل من القریتین عظیم » یعنون بالقریتین مكّة و الطّائف و بالرّجل العظیم الولید بن المغیرة من مكة و أبا مسعود عروة بن مسعود الثقفی من الطائف ، و انما قالوا ذلك لأنّ الرجلین كانا عظیمی قومهما ذوى الأموال الجسیمة فزعموا أنّ من كان كذلك أولى بالنّبوّة من غلام یتیم لا مال له فردّ اللَّه علیهم بقوله : « أهم یقسمون رحمة ربّك » أى النّبوة بین الخلق یعنی أبأیدیهم مفاتیح الرسالة یضعونها حیث شاؤوا ، بل هى بید اللَّه سبحانه یعطیها من یشاء .

و من هذا القسم تكبّر المتخلّفین على أمیر المؤمنین علیه السّلام و تكبّر امراء بنى امیة و بنی مروان و بنی العبّاس لعنهم اللَّه أجمعین على أئمّة الدّین .

[ 86 ]

القسم الثالث التكبّر على العباد

و ذلك بأن یستعظم نفسه و یستحقر غیره ، فیدعوه ذلك إلى التّرفع علیه و یأباه عن الانقیاد إلیه و هذا أیضا قبیح من وجهین :

أحدهما أنّ الكبر و العزّ و العظمة و الجلال لا یلیق إلاّ بالملك القادر المتعال فمن أین یلیق هذا الوصف بالعبد الضّعیف الذّلیل المهین ، فمتى تكبّر فقد نازع اللَّه فی جلاله و انتحل وصف كماله ، و ما أشدّ جرئته على مولاه ، و ما أقبح ما ادّعاه و تعاطاه ، و لذلك قال عزّ من قائل : العظمة ازاری و الكبریاء ردائی فمن نازعنی فیهما قصمته ، أراد أنّهما مختصّان بی اختصاص الازار و الرّداء و المنازع فیهما منازع فی الصفّة المخصوصة بی .

و ثانیهما أنّه ربما یدعو إلى مخالفة أمر اللَّه و نهیه ، لأنّ المتكبّر إذا سمع الحقّ من أحد استنكف من قبوله ، و لذلك ترى اكثر المناظرین فی المسائل العلمیة یزعمون أنّهم یتباحثون للافادة و الاستفادة فمهما اتّضح الحقّ على لسان واحد منهم أنف الآخر من قبوله و ركب مركب العصبیة و العناد ، و یتجاحد تجاحد المنكر ، و یحتال لدفعه بما یقدر علیه من التلبیس ، لئلاّ یظهر للنّاس مغلوبیّته ، و من ذلك كان علماء الآخرة یتجنّبون عن المناظرة فی المجالس .

و قد روى السیّد المحدّث الجزائری أنّ المولى الصّالح العالم عبد اللَّه التستری كان إذا سأل مولانا المقدّس الأردبیلی عطّر اللَّه مرقده عن مسألة و تكلّما فیها سكت الأردبیلی فی أثناء الكلام ، و قال حتّى اراجعها فی الكتب ، ثمّ أخذ بید التّسترى و یخرجان من النّجف الأشرف إلى خارج البلد فاذا انفردوا قال المولى الأردبیلی : هات یا أخی تلك المسألة فیتكلّم فیها و یحقّقها الأردبیلی على ما یرید المولى التسترى ، فسأله و قال یا أخی هذا التحقیق هلاّ تكلّمت به هناك حیث ما سألتك ؟ فقال : إنّ كلامنا كان بین النّاس و عسى أن یكون فیه تنافس و طلب الظفر منك أو منّى و الآن لا أحد معنا سوى اللَّه سبحانه .

و كیف كان فهذا الخلق من أخلاق الكافرین و المنافقین الّذین حكى اللَّه عنهم

[ 87 ]

بقوله : « و قال الّذین كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن و الغوا فیه لعلّكم تغلبون » فكلّ من یناظر للافحام و الغلبة لا یغتنم الحقّ إذا ظفر به فقد شاركهم فی هذا الخلق و تبعهم علیه .

و أوّل من صدر عنه التّكبر على أمر اللَّه تعالى هو ابلیس اللّعین حیث إنّه لما دعى إلى السّجود لآدم علیه السّلام قال : أنا خیر منه خلقتنی من نار و خلقته من طین ، فحمله الكبر على الاباء من السّجود الّذی أمره اللَّه به ، و كان مبدؤه الكبر على آدم و الحسد له فجرّه ذلك إلى التكبّر على أمر اللَّه فكان ذلك سبب الطّرد و الابعاد ، و اهلاكه أبد الآباد .

الرابع فی ما به التكبر

فاعلم أنّ أسباب الكبر سبعة :

الاول العلم

و ما أسرع الكبر إلى العلماء و لذلك قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم آفة العلم الخیلاء فلا یلبث العالم أن یتعزّز بعزّ العلم و یستشعر فی نفسه جمال العلم و كماله و یستعظم نفسه و یستحقر النّاس و یستجهل و یتوقّع أن یبدؤوه بالسّلام ، فان بدء واحدا منهم بالسّلام أو ردّ علیه ببشر أو قام له أو أجاب له دعوة یمتنّ به علیه و رأى ذلك صنیعة عنده و اعتقد أنّه أكرمه و فعل به ما لا یستحقّه .

و السّبب لكبره هو خوضه فی تحصیل العلوم و هو ردىّ النّفس خبیث الدّخلة سیّ‏ء الأخلاق فانّه لم یشتغل أوّلا بتهذیب نفسه و تزكیة قلبه بالمجاهدات و الریاضات فبقى خبث الجوهر فاذا خاض فی العلم أىّ علم كان صادف العلم من قبله منزلا خبیثا فلم یطب ثمره و لم یظهر فی الخیر أثره .

و لذلك قال عیسى بن مریم علیه السّلام : بالتّواضع تعمر الحكمة لا بالتكبّر و كذلك فی السّهل ینبت الزرع لا فی الجبل .

و قال وهب : العلم كالغیث ینزل من السّماء حلوا صافیا فتشربه الأشجار

[ 88 ]

بعروقها فتحوله على قدر طعومها فیزداد المرّ مرارة و الحلو حلاوة ، فكذلك العلم یحفظه الرّجال فتحوله على قدر هممها و أهوائها فیزید المتكبّر كبرا و المتواضع تواضعا ، لأنّ من كان همّته الكبر و هو جاهل إذا حفظ العلم وجد ما یتكبّر به فازداد كبرا ، و إذا كان الرّجل خائفا مع جهله و ازداد علما علم أنّ الحجّة قد تأكّدت فی حقّه فیزداد خوفا و إشفاقا و ذلاّ و تواضعا .

الثانى العمل و العبادة

و كثیرا ما ترى العبّاد و الزّهاد یترشّح الكبر منهم على غیرهم بسبب زعمهم أنّهم ناجون و النّاس هالكون فیرى نفسه ناجیا و هو الهالك حقیقة ، و لذلك قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : إذا سمعتم الرّجل یقول هلك النّاس فهو أهلكهم

الثالث النّسب

فترى من له نسب شریف یتكبّر على من لیس له ذلك النّسب .

الرابع التفاخر بالحسن و الجمال

و ذلك أكثر ما یجرى بین النّسوان .

الخامس الثروة و المال

و ذلك یجرى بین الملوك فی خزائنهم و بین التجار فی بضایعهم و بین الدّهاقین فی أراضیهم و بین المتجمّلین فی لباسهم و خیولهم و مراكبهم فیستحقر الغنى الفقیر و یتكبّر علیه .

السادس القوّة و شدّة البطش

فیتكبّر بها على أهل الضّعف .

السابع الملك و السّلطنة و كثرة الأتباع و الخدم و الجنود و الجیوش

و ذلك یجری بین الملوك فی الافتخار بكثرة العساكر و الرعیّة و الخدم ، و بالجملة فكلّ ما هو نعمة و أمكن أن یعتقد كمالا و إن لم یكن كمالا فی نفسه أمكن أن یتكبّر به حتّى أنّ المخنّث لیتكبّر على أقرانه بزیادة معرفته و قدرته فی صنعة المخنّثین ،

لأنّه یرى ذلك كمالا یفتخر به ، و إن لم یكن فعله إلاّ نكالا ، و كذلك الفاسق قد یفتخر بكثرة الشّرب و الفجور و یتكبّر به لزعمه أنّ ذلك كمال و إن كان خزیا و وبالا و نكالا .

[ 89 ]

الخامس فی معالجة الكبر

فاعلم وفّقك اللَّه تعالى و ألهمك الخیر أنّ الكبر من أعظم المهلكات ، و قلّما ینفكّ عن شی‏ء منه أحد و إزالته فرض عین و لا یزول بمجرّد التمنّى بل بالمعالجة و استعمال الأدویة القامعة له ، و علاجه انّما یحصل بامور أربعة :

الاول معرفة الرّب تعالى الثانى معرفة النّفس الثالث معرفة الغرض الدّاعى إلى خلقته الرابع معرفة المفاسد المترتّبة على الكبر .

أما الاول

فانّ من عرف ربّه و أنّه القادر الّذی لا یعجزه شی‏ء ، و القوىّ الّذی لا یضعفه شی‏ء ، و الأزلیّ الّذی لیس له بداء ، و الدّائم القیّوم بأمر الأشیاء ، و الفّعال لما یرید أو یشاء ، و الممسك للسّموات و الأرض من الزّوال ، و المستولى على الخلایق فی كلّ حال ، إلى غیر ذلك من صفاته الحسنى و أمثاله العلیا عرف أنّ العزّ و العظمة و الجلال و الجمال و الجبروت و الكبریاء لا تلیق إلاّ بجنابه ، و أنّها إزاره و رداءه ،

و أنّ غیره مقهور تحت قدرته ، ضعیف تحت قوّته ، مسخّر تحت ارادته ، منقاد لمشیّته ذلیل مهین مستكین لا یملك لنفسه نفعا و لا ضرّا و لا موتا و لا حیاتا و لا نشورا .

و اما الثانى

فقد أشار إلیه أمیر المؤمنین علیه السّلام بقوله : ابن آدم أنّى لك و الفخر فان أوّلك جیفة و آخرك جیفة و فی الدّنیا حامل الجیف ، و نشرح حال هذه الجیف فانها لیست كجیف الحیوانات .

اما الجیفة الاولى و هى المنی فقد أوجب الشّارع الغسل بخروجها من الانسان و أغلظ نجاسته حتّى فهم بعض الأصحاب من تغلیظه وجوب تطهیر الثیاب و البدن منه مرّتین كما فی البول .

[ 90 ]

و اما الجیفة الاخیرة فانّه بعذر هوق روحه یكون میتة أخبث و أنجس و أوحش من میتة الكلب و الخنزیر ، و ذلك لأنّ مسّ میتة الكلب بالرّطوبة لا یوجب إلاّ غسل الید و تطهیرها بخلاف مسّ میتة الانسان فقد أوجب الشارع فیه مضافا إلى تطهیر الملاقی غسل المسّ مبالغة فی خبث جیفته و قذارته ، و ترى الأحیاء أوحشوا جانب المیّت و تجنّبوا عنه و خافوا منه و لا یخافون من میتة سائر الحیوانات و لا یستوحشون منها و اما كونه حامل الجیف فهو أظهر من أن یذكر لأنّه أخسّ من جمار یحمل العذرة ، لأنّ الحمار یحملها اضطرارا و بالاجبار و الانسان یحملها بالرّضا ، و الاختیار و هو یحملها على الظّهر و هذا على البطن ، و إلى هذه الحالات الثلاث و ما بعدها اشیر فی قوله سبحانه : « قتل الانسان ما أكفره من أیّ شی‏ء خلقه من نطفة خلقه فقدّره ثمّ السّبیل یسّره ثمّ أماته فأقبره ثمّ إذا شاء أنشره » فقد أشارت الآیة إلى أوّل خلق الانسان و إلى آخر أمره و إلى وسطه ، فلیفهم معناها و لیتفكّر فی مغزاها .

فقد أتى علیه حین من الدّهر لم یكن شیئا مذكورا ، و قد كان فی حیّز العدم و أیّ شی‏ء أخسّ و أقلّ من المحو و العدم ، فبدء اللَّه بخلقه من أرذل الأشیاء ثمّ من أقذرها إذ خلقه من سلالة من طین ثمّ من ماء مهین ثمّ من علقة ثمّ من مضغة ثمّ جعله عظاما فكسى العظام لحما ، فهذا بدایة وجوده .

و ما صار شیئا مذكورا إلاّ و هو على أخسّ الأوصاف و أرذلها إذ لم یخلق كاملا بل خلقه جمادا میّتا لا یسمع و لا یبصر و لا یحسّ و لا یشعر و لا ینطق و لا یبطش و لا یدرك و لا یفهم و لا یمیّز و لا یعلم فبدء بموته قبل حیاته ، و بضعفه قبل قوّته ، و بعجزه قبل قدرته ، و بجهله قبل علمه ، و بعماه قبل بصره ، و بصممه قبل سمعه ، و ببكمه قبل نطقه ، و بضلاله قبل هداه ، و فقره قبل غناه .

فهذا معنى قوله « من أیّ شی‏ء خلقه من نطفة خلقه فقدّره » ثمّ امتنّ علیه فقال :

« ثمّ السّبیل یسّره » أى یسّر له سبیل الخیر و الشرّ و أرشده إلى طریق الضّلال و الهدى یسلك الأوّل و یترك الثّانی كما قال : « إنّا هدیناه السّبیل إمّا شاكرا و إمّا كفورا » و قال : « و هدیناه النّجدین » .

[ 91 ]

فانظر إلى عظم ما أنعم اللَّه سبحانه به علیه حیث نقله من حالة الذّلة و القلّة و الخسّة و القذارة إلى رتبة العزّ و الشّرف و الرّحمة و الكرامة ، فصار موجودا بعد العدم ، و حیّا بعد الموت ، و ناطقا بعد البكم ، و بصیرا بعد العمى ، و قویّا بعد الضّعف و عالما بعد الجهل ، و مهدیّا بعد الضّلال ، فكان فی ذاته لا شی‏ء و أیّ شی‏ء أخسّ و أحقر من لا شی‏ء ، و أىّ قلّة أقلّ من العدم المحض ، ثمّ صار باللَّه شیئا و إنّما خلقه من التراب الذّلیل الّذی یوطأ بالأقدام ، و النطفة القذرة لیعرّفه خسّة نفسه و مهانة ذاته ، و أكمل النعمة علیه لیعرف بها ربّه ، و یعلم عظمة بارئه و جلالة مبدئه و أنّه لا یلیق الكبریاء و الجلال إلاّ بحضرة ربوبیّته .

فمن كان هذا بدؤه و هذا حاله كیف یسوغ له البطر و الكبر و الخیلاء و الفخر نعم هذه عادة الخسیس إذا رفع من خسّته شمخ بأنفه و تعظّم .

و لو أكمله و فوّض إلیه اموره و أدام له الوجود باختیاره لكان أكثر من ذلك یطغى و نسى المبدء و المنتهى ، و لكنّه سلّط علیه فی دوام وجوده الأمراض الهائلة و الأسقام العظیمة ، و الآلام المختلفة ، و الطّبائع المتضادّة من الصّفراء و السّوداء و البلغم و الدّم یهدم بعضها بعضا شاء أم أبى ، رضى أم سخط ، فیجوع كرها ،

و یعطش كرها ، و یمرض كرها ، و یموت كرها ، لا یملك لنفسه خیرا و لا شرّا و لا نفعا و لا ضرّا ، یرید أن یعلم الشی‏ء فیجهله ، و یرید أن یذكر الشی‏ء فینساه ، و یرید أن ینسى الشی‏ء و یغفل عنه فلا یغفل عنه ، و یرید أن یصرف قلبه إلى ما یهمّه فیحول فی أودیة الوساوس و الأفكار بالاضطرار فلا تملك قلبه قلبه و لا نفسه نفسه ، و یشتهى الشی‏ء فربما یكون هلاكه فیه ، و یكره الشی‏ء و ربّما یكون حیاته فیه ، یستلذّ الأطعمة و هى تهلكه و تردیه ، و یستبشع الأدویة و هى تنفعه و تحییه ، و لا یأمن فی لحظة من لیله و لا نهاره أن یسلب سمعه و بصره و تفلج أعضائه و یختلس عقله و یختطف و یسلب جمیع ما یهواه فی دنیاه ، فهو مضطّر ذلیل إن ترك بقی و إن اختطف فنى ، عبد مملوك لا یقدر على شی‏ء من نفسه و لا على شی‏ء من غیره ،

فأىّ شی‏ء أذلّ منه لو عرف نفسه و انّی یلیق الكبر لو لا جهله ، فهذا أوسط أحواله

[ 92 ]

و أمّا آخره فهو الموت المشار إلیه بقوله : « ثمّ أماته فأقبره » و معناه انّه یسلب روحه و سمعه و بصره و علمه و قدرته و حسّه و إدراكه و حركته فیعود جمادا كما كان أوّل مرّة ، لا یبقى إلاّ شكل أعضائه و صورته ، لا حسّ فیه و لا حركة ،

ثمّ یوضع فی التراب فیصیر جیفة منتنة قذرة كما كان فی الأوّل نطفة مذرة .

ثمّ تبلى أعضاؤه ، و تتفتت أجزاؤه ، و تنخرّ عظامه ، و تصیر رمیما رفاتا ، و یأكل الدّود أجزائه فیبتدى بحدقتیه فیقلعهما ، و بخدیّة فیقطعهما ، و بسائر أجزائه فیصیر روثا فی أجواف الدّیدان ، و یكون جیفة یهرب منه الحیوان ، و یتنفّر منه كلّ انسان ، و یكرهه لشدّة الانتان ، و أحسن أحواله أن یعود إلى ما كان ، فیصیر ترابا یعمل منه الكیزان ، و یعمر منه البنیان ، فیصیر مفقودا بعد ما كان موجودا و صار كأن لم یغن بالأمس حصیدا ، كما كان فی أوّل أمره أمدا مدیدا .

و لیته بقى كذلك ، و یأمن ممّا یتلوه من المعاطب و المهالك ، فما أحسنه لو ترك ترابا لابل یحییه بعد طول البلى لیقاسی شدّة البلاء ، و إلیه أشار بقوله :

« ثمّ إذا شاء أنشره » فیخرج من قبره بعد جمع أجزائه المتفرّقة ، و أعضائه المتفتّتة ،

و یسرع إلى أهوال القیامة ، فینظر إلى قیامة قائمة و سماء مشقّقة ، و أرض مبدّلة و جبال مسیّرة ، و نجوم منكدرة ، و شمس منكسفة . و أحوال مظلمة و كثرة عرق ملجمة ، و ملائكة غلاظ شداد ، و أهوال تتفتّت منها الأكباد .

و یرى الصّحائف منشورة فیقال له : « اقرء كتابك كفى بنفسك الیوم علیك حسیبا » فیقرء فیه مساویه الّتى كان افتخاره بها ، و استكباره بأسبابها ، فعند ذلك یقول : « یا ولیتنا ما لهذا الكتاب لا یغادر صغیرة و لا كبیرة إلاّ أحصاها » فیقال له : هلّم إلى الحساب و استعدّ للجواب أو تصیر إلى ألیم العذاب فینقطع قلبه من قول ذلك الخطاب .

فما لمن هذا حاله و التكبّر و التعزز و الكبریاء و الخیلاء ، بل ماله و للفرح فی لحظة واحدة فضلا عن البطر و الأشر مدّة متمادیة ، و لو ظهر آخره و العیاذ باللَّه أحبّ أن یكون ترابا ، و لا یكون إنسانا یسمع خطابا ، و لا یشاهد الجحیم له مآبا

[ 93 ]

و لو رأى أهل الدّنیا العبد المذنب فی النّار لصعقوا من وحشة خلقته و قبح صورته ، و لو وجدوا ریحه لماتوا من نتنه ، و لو وقعت قطرة من شرابه فی بحار الدّنیا لصارت أشدّ عفونة من الجیفة .

فمن هذا حاله فی العاقبة كیف یفرح و یبطر ، و كیف یتجبّر و یتكبّر ،

و كیف یرى نفسه شیئا ، و یعتقد له فضلا ، و أىّ عبد لم یذنب ذنبا استحقّ به العقوبة إلاّ أن یعفو له الكریم بفضله ، و یغفره باحسانه و منّه .

أ رأیت من جنى على ملك قاهر قادر ، و استحقّ بجنایته القتل أو السیّاسة فجلس فی السّجن و هو ینتظر أن یخرج إلى العرض و یقام علیه العقوبة على ملاء من الخلق ، و لیس یدرى أیعفى عنه أم یعاقب ، كیف یكون ذلّه ، أفترى أنه یتكبّر على من فی السّجن ، و ما من عبد مذنب إلاّ و الدّنیا سجنه ، و قد استحقّ العقوبة من اللَّه و لا یدرى كیف یكون آخر أمره فیكفیه لو تفكّر ذلك حزنا و خوفا و إشفاقا و مهانة و ذلاّ .

و أما الثالث

فاعلم أنّ الغرض من خلقة الانسان هو العبودیّة و الاطاعة ، قال تعالى : « و ما خلقت الجنّ و الانس إلاّ لیعبدون » فاذا لا فضل لأحد أفراد هذا النّوع على الآخر إلاّ بحصول ذلك الغرض منه أعنى القیام بوظائف العبودیّة ، و به یترقّی إلى درجات الكمال ، و یتقرّب إلى الربّ المتعال ، و یكرم عنده كما قال عزّ من قائل :

« یا أیّها النّاس إنّا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند اللَّه أتقیكم » .

یعنی إنّ أكثركم عند اللَّه ثوابا و أرفعكم عند اللَّه منزلة أتقیكم لمعاصیه و أعملكم بطاعته .

روى الطبرسی فی مجمع البیان فی وجه نزول الآیة أنّ ثابت بن قیس بن شماس كان فی اذنه و قر ، و كان إذا دخل تفسّحوا له حتّى یقعد عند النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله فیسمع

[ 94 ]

ما یقول ، فدخل المسجد یوما و النّاس قد فرغوا من الصّلاة و أخذوا مكانهم ،

فجعل یتخطّى رقاب النّاس و یقول : تفسّحوا ، حتّى انتهى إلى رجل ، فقال له : اصبت مجلسا فاجلس ، فجلس خلفه مغضبا ، فلمّا انجلت الظّلمة قال : من هذا ؟ قال الرّجل : أنا فلان ، فقال ثابت : ابن فلانة ؟ ذكر أمّا له كان یعیّر بها فی الجاهلیّة فنكس الرّجل رأسه حیآء فقال صلوات اللَّه و سلامه علیه و آله : من الذّاكر فلانة ؟

فقام ثابت فقال : أنا یا رسول اللَّه ، فقال : انظر فی وجوه القوم ، فنظر إلیهم ، فقال : ما رأیت یا ثابت ؟ قال : رأیت أبیض و أحمر و أسود ، قال فانّك لا تفضّلهم إلاّ بالتقوى و الدّین فنزلت هذه الآیة .

و قیل لمّا كان یوم فتح مكّة أمر رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم بلالا حتّى علا ظهر الكعبة و أذّن ، فقال عتاب بن اسید : الحمد للَّه الذی قبض أبی حتّى لم یر هذا الیوم ، و قال الحارث بن هشام : أما وجد محمّد غیر هذا الغراب الأسود مؤذّنا ، و قال سهیل بن عمر : ان یرد اللَّه شیئا لغیّره ، و قال أبو سفیان : إنّى لا أقول شیئا أخاف أن یخبره به ربّ السّماوات ، فأتى جبرئیل رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فأخبره بما قالوا فدعاهم رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و سألهم عمّا قالوا فأقرّوا به ، و نزلت الآیة و زجرهم عن التّفاخر بالأنساب و الازراء بالفقر و التكاثر بالأموال .

فقد ظهر بذلك أنّ جهة الفضل فی أفراد النّوع الانسانی منحصرة فی الورع و التقوى فقط .

و یدلّ علیه أیضا ما روى أنّ رجلا سأل عیسى بن مریم أىّ النّاس أفضل فأخذ قبضتین من التّراب فقال : أىّ هاتین أفضل ، النّاس خلقوا من تراب ،

فأكرمهم أتقیهم .

و كان أمیر المؤمنین علیه السّلام لمّا عوتب على التّسویة فی العطاء و عدم التفضیل لاولى السابقات و الشّرف من المهاجرین و الأنصار على غیرهم ، و اعترض علیه بعدم ترجیح المولى على العبید و عدم التّفرقة بین الأبیض و الأسود أجاب علیه السّلام بقوله : إنّى نظرت فی كتاب اللَّه فلم أجد لولد إسماعیل على ولد إسحاق فضلا .

[ 95 ]

و كان رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم صعد المنبر یوما و ذكر ما كانوا یتفاخرون و یتكبّرون به فی الجاهلیّة ، فقال : إنّه موضوع تحت قدمى إلى یوم القیامة و لم ینزل من المنبر حتى زوّج بنت عمّته صفیّة ابنة عبد المطلب من المقداد مع كونه من أفقر النّاس حالا و أقلّهم مالا .

و قد سوّى بینهم أیضا فی أعظم الأمور و أهمّها و هو أمر الدّماء فقال صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم :

المسلمون اخوة تتكافا دماؤهم و یسعى بذمّتهم أدناهم .

فاذا كان دم السّلطان مساویا لدم الكنّاس فأىّ مزیّة له علیه .

فقد علم بذلك أن لا تفضیل فی غیر الورع و التّقوى و الدّین و أنّه لا یجوز الافتخار و التفاخر به بل لا یجوز التفاخر بالتقوى أیضا و لا ینبغی المباهاة به .

و یؤمى إلیه ما رواه الطبرسی عن ابن عباس قال قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله : إنّ اللَّه عزّ و جلّ جعل الخلق قسمین : فجعلنی فی خیرهم و ذلك قوله : و أصحاب الیمین و أصحاب الشّمال فأنا من أصحاب الیمین و أنا خیر أصحاب الیمین ، ثمّ جعل القسمین أثلاثا فجعلنى فی خیرها ثلثا و ذلك قوله و أصحاب المیمنة و أصحاب المشئمة و السابقون السّابقون ، فأنا من السابقین و أنا خیر السابقین ، ثمّ جعل الأثلاث قبائل فجعلنى فی خیرها قبیلة و ذلك قوله : « و جعلناكم شعوبا و قبائل » الآیة ، فأنا أتقى ولد آدم و لا فخر و أكرمهم على اللَّه و لا فخر ثمّ جعل القبائل بیوتا فجعلنی فی خیرها بیتا و ذلك قوله عزّ و جلّ : « إنّما یرید اللَّه لیذهب عنكم الرّجس أهل البیت و یطهّركم تطهیرا » فأنا و أهل بیتى مطهّرون من الذّنوب فانّ غرضه بذلك بیان شأنه للناس لا التفاخر ، و لهذا قال صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فی المقامین :

و لا فخر ، فبالغ فی نفیه بلاء النافیة للجنس .

و الى هذا المعنى ینظر ما جاء فی الحدیث من أنّ اللَّه سبحانه أوحى الى موسى اذا جئت للمناجات فاصحب معك من تكون خیرا منه ، فجعل موسى علیه السّلام لا یعترض أحدا و هو لا یجسر أن یقول إنّى خیر منه ، فنزل عن الناس و شرع فی أصناف الحیوانات حتى مرّ بكلب أجرب فقال : أصحب هذا ، فجعل فی عنقه حبلا ثمّ مرّ به ، فلما كان به فی بعض الطریق شمر الحبل و أرسله ، فلما جاء إلى مناجاة الرّبّ سبحانه

[ 96 ]

قال تعالى : یا موسى أین ما أمرتك به ؟ قال : یا ربّ لم أجده ، فقال تعالى : و عزّتی و جلالی لو أتیتنی بأحد لمحوتك من دیوان النّبوة .

فاذا كان مثل موسى مع كونه نبیّا أولى العزم و أفضل أهل زمانه كما هو اعتقادنا فی الأنبیاء و الرّسل لم یجسر أن یقول لأحد من آحاد النّاس و لفرد من أفراد الحیوان حتّى الكلب الأجرب أنا خیر منه فكیف لغیره .

و أىّ معنى للتعزّز و التكبّر و التّفاخر على عباد اللَّه و قد قال اللَّه : « یا أیّها الذین آمنوا لا یسخر قوم من قوم عسى أن یكونوا خیرا منهم و لا نساء من نساء عسى أن یكنّ خیرا منهنّ » مع أنّ الامور التی یتكبّر المتكبّر بها على غیره و یزعمها كمالا لنفسه لیست كمالا ذاتیا فی الحقیقة ، و لا تلیق أن یتعزّز بها .

لان المتكبر به ان كان النسب ففیه أنّ التكبّر إن كان بالنسب البعید « ففیه أن النّسب البعید ظ » لكلّ إنسان هو الماء و الطّین لا تفاوت بین أفراده من هذه الجهة كما لا تفاوت بینهم فی الجدّ و الجدّة قال أمیر المؤمنین علیه السّلام فی الدیوان المنسوب إلیه :

النّاس من جهة التّمثال أكفاء
أبوهم آدم و الامّ حوّاء

و إن یكن لهم فی أصلهم شرف
یفاخرون به فالطین و الماء

و إن كان بالنّسب القریب ففیه انّه إذا كان خسیسا فی ذاته ذمیما فی صفاته فلا یجبر نقصانه كمال آبائه و أسلافه قال الشاعر :

لئن فخرت بآباء ذوی شرف
لقد صدقت و لكن بئس ما ولدوا

و قال آخر :

كن ابن من شئت و اكتسب أدبا
یغنیك مضمونه من النسب

إنّ الفتى من یقول ها أنا ذا
لیس الفتى من یقول كان أبی

على أنّ التعزّز بالنسب تعزّز بكمال غیره و لا ینفعه ذلك فی الدّنیا و لا فی العقبى ، و لذلك كان أمیر المؤمنین علیه السّلام یقول بعد تلاوة « ألهیكم التكاثر حتى

[ 97 ]

زرتم المقابر » : أ فبمصارع آبائهم یفخرون ، أم بعدید الهلكى یتكاثرون ، إلى آخر ما یأتی فی الكلام المأتین و التاسع عشر ، و قال سلمان ( رض ) :

أبی الاسلام لا أب لی سواه
إذا افتخروا بقیس أو تمیم

و قال صاحب بن عبّاد :

لعمرك ما الانسان إلاّ بدینه
فلا تترك التّقوى اتّكالاّ على نسب

لقد رفع الاسلام سلمان فارس
و قد وضع الشرك الشریف أبا لهب

ألا ترى إلى ابن نوح فانّه مع كونه ابن نبیّ مرسل من اولى العزم ما نجاه ذلك النّسب الشریف و لا نفعه ، بل كان من المغرقین ، و فی جهنّم من الخالدین ،

« و نادى نوح ربّه فقال ربّ إنّ ابنى من أهلی ، و إنّ وعدك الحقّ و أنت أحكم الحاكمین قال یا نوح إنّه لیس من أهلك إنّه عمل غیر صالح فلا تسئلن ما لیس لك به علم إنّی أعظك أن تكون من الجاهلین » فلم یستجب فیه دعوته و نفى عنه بنوّته لمخالفته لأبیه و عصیانه له .

و روى عن سیّد السّاجدین علیه السّلام أنّه قال : إنّما خلقت النّار لمن عصى اللَّه و لو كان سیّدا قرشیّا ، و الجنّة لمن أطاع اللَّه و لو كان عبدا حبشیّا .

و ناهیك فی المنع من التكبّر بالنّسب قوله عزّ من قائل : « فاذا نفخ فی الصّور فلا أنساب بینهم یومئذ و لا یتسائلون فمن ثقلت موازینه فأولئك هم المفلحون و من خفّت موازینه فأولئك الّذین خسروا أنفسهم فی جهنّم خالدون » .

بل أقول : إنه إذا كان البناء على افتخاره بأصله و نسبه القریب فلیفتخر بأقرب اصوله و أنسابه و هو النّطفة القذرة و الدّودة الّتی خرجت من مبال أبیه ،

فأین الافتخار بالدّودة و أنّى التعزّز بالعلقة و المضغة .

قال سبحانه : « و لقد خلقنا الانسان من سلالة من طین ثمّ جعلناه نطفة فی قرار مكین ثمّ خلقنا النّطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة » فالأصل تراب یوطأ بالأقدام ،

و الفصل نجس تغسل منه الأبدان فمن كان هذا أصله و فصله كیف یسوغ له التكبّر بالأنام ، و لنعم ما قیل :

[ 98 ]

یا ابن التراب و ماكول التّراب غدا
أقصر فإنّك مأكول و مشروب

و أما العلم فهو إنّما یكون كمالا إذا أوجب ارتفاع درجة العالم و قربه من اللَّه سبحانه ، و إلاّ فالجهل منه أفضل البتّة ، و قد مضى فی شرح الفصل الثّانی من الخطبة السّادسة و الثّمانین ما فیه كفایة فی ذم العلماء السّوء .

و أقول هنا مضافا إلى ما سبق : من أنّ العالم مهما خطر بخاطره عظم قدره بالاضافة إلى الجاهل فلیتفكّر فی الخطر العظیم الذی هو بصدده ، فانّ خطره أعظم من خطر غیره كما أنّ قدره أعظم من قدر غیره ، فقد یغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن یغفر للعالم ذنب واحد ، و ذلك لمكان علمه .

و قد ضرب اللَّه مثلا للعالم العامل بغیره تارة بالحمار فقال : « مثل الّذین حمّلوا التوراة ثمّ لم یحملوها كمثل الحمار یحمل أسفارا » و أخرى بالكلب فقال : « و اتل علیهم نبأ الّذى آتیناه آیاتنا فانسلخ منها فاتبعه الشیطان فكان من الغاوین » إلى قوله « فمثله كمثل الكلب إن تحمل علیه یلهث أو تتركه یلهث » نزلت فی بلعم بن باعور فقد اوتى اسم الأعظم و قال ابن عبّاس اوتى كتابا فأخلد إلى شهوات الأرض أى سكن حبّه الیها فمثّله بالكلب إن تحمل علیه یلهث أو تتركه یلهث أى سواء أتیته الحكمة أو لم اوته لا یدع شهوته .

و یكفى العالم هذا الخطر فبعد معرفته بأنّ الكبر لا یلیق إلاّ بذات اللَّه سبحانه و أنّه مختصّ به و علمه بانّه إذا تكبّر یصیر ممقوتا عنده تعالى بغیضا الیه محروما من قربه ، و بأنّ المطلوب منه الذّل و التّواضع و هو موجب لمحبّته تعالى ،

فلا بدّ أن یكلّف نفسه ما یحبّه مولاه و ما فیه رضاه ، فهذا یزیل التكبّر عن قلبه .

و یمكن ازالته أیضا بالتفكّر فی امور ثلاثة .

أحدها أن یلتفت إلى ما سبق من ذنوبه و خطایاه حتّى یصغر قدره فی عینیه .

الثّانی أن یلاحظ لما هو فیه من وصف العلم من حیث انه نعمة من اللَّه سبحانه فی حقّه فیرى ذلك منه تعالى حتّى لا یعجب بنفسه ، و إذا لم یعجب لم یتكبّر .

[ 99 ]

الثالث ملاحظة سوء الخاتمة فربما یمكن أن یختم عاقبته بالسّوء و عاقبة المتكبّر علیه بالحسنى حتّى یشغله الخوف عن التكبّر علیه .

و أما الحسن و الجمال فما أعجب التكبّر به مع كونه سریع الزّوال ، و اللاّزم على المتعزّز بجماله أن ینظر إلى قبح باطنه لا إلى حسن ظاهره ، فلو لا حظ باطنه رأى فیه من القبائح و الخبائث ما یكدّر تعزّزه ، فانه وكّل به الأقذار فی جمیع أجزائه الرّجیع فی امعائه ، و البول فی مثانته ، و المخاط فی أنفه ، و البزاق فی فیه ، و الوسخ فی اذنیه ، و الدّم فی عروقه ، و الصّدید تحت بشرئه ، و یخرج منه فی كلّ یوم من الأقذار ما یتأذّى بنفسه من رؤیته و من فضول ریحه إلى شامته فضلا عن غیره فانّما مثله كالقبور المجصّصة یرى ظاهرها ملیحا و باطنها قبیحا ، و لو ترك نفسه فی حیاته یوما لم یتعهّدها بالتنظیف و التّطهیر لشارت منه الأنتان و الأقذار و صار أنتن من الدّواب المهملة التی لا تتعهّد نفسها قطّ فحسنه كخضراء الدّمن و كالأزهار فی الرّبیع بینما تعجبها إذ صارت هشیما تذروه الرّیاح .

و اما الغنى و كثرة المال و فی معناه الملك و السلطنة فلأنّه أیضا سریع الزوال و فی معرض الانتقال ، بینا تراه غنیا إذ صار فقیرا ، أو فقیرا إذ صار غنیّا ،

و ترى المغبوط مرحوما و المرحوم مغبوطا ، فما أقبح التكبّر بشی‏ء لیس اختیاره بیده ، و ما أذلّ الغنى إذ انتزع ماله أو اختلسه سارق ، و ما أذلّ السّلطان إذ انتزع من ملكه و غلب علیه فی سلطنته ، مع أنّ ما بید الغنى لیس إلاّ أقلّ قلیل من مال الدّنیا قد كان قبله فی ید غیره و سیصیر فی ید آخر ، و الدّنیا كلّها عند اللَّه سبحانه لا تزن جناح بعوضة و الاّ لما سقى الكافر شربة مآء ، و عند نظر أولیاء اللَّه أزهد من عرق خنزیر فی ید المجذوم .

فما هذا شأنه لا یلیق التعزّز به ، و ناهیك فی ذلك الأخبار الواردة فی ذمّ الدّنیا و أكثر خطب أمیر المؤمنین علیه السّلام فی هذا الكتاب مسوق لهذا الغرض على أنّ الغنى لو تأمل لوجد فی الیهود و النّصارى من یزید علیه فی الغنى و الثروة و التجمّل ، فافّ لشرف یسبقك به الكافر و افّ لشرف یأخذه السارق فی لحظة واحدة فیعود صاحبه

[ 100 ]

ذلیلا مفلسا .

و اما القوة و شدة البطش فیكفى فی المنع من التكبّر به أن یعلم ما سلّط علیه من العلل و الأمراض ، و أنّه لو توجع عرق واحد فی یده لصار أعجز من كلّ عاجز و أذلّ من كلّ ذلیل ، و أنّه لو سلبه الذّباب شیئا لم یستنقذه منه ، و أنّ بقّة لو دخلت فی أنفه أو نملة دخلت فی أذنه لقتلته ، و أنّ شوكة لو دخلت فی رجله لأعجزته ، و أنّ حمى یوم تحلّل من قوّته ما لا ینجبر فی مدّة ، فمن لا یطیق شوكة و لا یقاوم بقّة و لا یقدر على أن یدفع عن نفسه ذبابة فلا ینبغی أن یفتخر بقوّته .

ثمّ إن قوى الانسان فلا یكون أقوى من حمار أو بقرة أو فیل أو جمل ، و أىّ افتخار فی صفة یسبقه فیها البهائم .

و أمّا الزهد و العبادة فیزول التكبّر بهما على الفاسق بالتفكّر فی سوء الخاتمة و حسنها ، فربّما یموت الفاسق و یختم له بالخیر ، و یزلّ العابد فیختم له بالشرّ .

ألا ترى إلى برصیصاء عابد بنی إسرائیل كیف سائت خاتمته على ما عرفت فی شرح الفصل السّادس من الخطبة الثانیة و الثمانین .

و إلى خلیع بنى إسرائیل كیف حسنت عاقبته و كان من قصّته أنّه لكثرة فساده یسمّى خلیع بنی إسرائیل ، فمرّ یوما برجل یقال له عابد بنی إسرائیل ،

و كان على رأس العابد غمامة تظلّله فلمّا مرّ الخلیع به قال الخلیع فی نفسه : أنا خلیع بنی إسرائیل و هذا عابد بنی إسرائیل ، فلو جلست إلیه لعلّ اللَّه یرحمنی ،

فجلس إلیه فقال العابد : أنا عابد بنی إسرائیل و هذا خلیع بنی إسرائیل فكیف یجلس إلىّ ، فأنف منه و قال له : قم عنّی ، فأوحى اللَّه إلى نبیّ ذلك الزّمان مرهما فلیستأنفا العمل فقد غفرت للخلیع و أحبطت عمل العابد ، و فی روایة اخرى فتحوّلت الغمامة إلى رأس الخلیع .

و كیف كان فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ الأمور الّتی یزعمها المتكبّر كمالا له و یتعزّز بها على غیره لیست كمالا فی الحقیقة ، بل هى منقصة و وبال .

و یرشد إلى ما ذكرته ما روى عن النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم إنّ اللَّه سبحانه أوحى إلیه

[ 101 ]

أن یقول لمن یتعزّز بالحسن و الجمال : تلفح وجوههم النّار ، و لمن یتعزّز بالفصاحة :

الیوم نختم على أفواههم ، و لمن یتعزّز بالنّسب : فاذا نفخ فی الصّور فلا أنساب بینهم یومئذ ، و لمن یتعزّز بالمال و الولد : یوم لا ینفع مال و لا بنون ، و لمن یتعزّز بالقوّة :

علیها ملائكة غلاظ شداد ، و لمن یتعزّز بالملك : لمن الملك الیوم للَّه الواحد القهّار .

و اما الامر الرابع

أعنی معرفة معائب الكبر و مفاسده فنقول : إنّ هذه الصّفة الخبیثة لا منفعة فیها للمتكبّر البتة بل هی مضرّة له فی الدّنیا و الآخرة .

أما فی الدنیا فلا یجابها انحطاط درجته عند الخلایق و كراهتهم له و بعدهم عنه فهو لا یحبّهم و هم لا یحبّونه كما هو مشاهد بالعیان معلوم بالتجربة و الوجدان ،

و یبتلیه اللَّه سبحانه فی أغلب الأوقات بالذّل و الهوان .

و یدلّ علیه ما قدّمنا روایته فی المقام الأوّل عن الكافی عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن ابن أبی عمیر عن بعض أصحابه عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : ما من عبد إلاّ و فی رأسه حكمة و ملك یمسكها فاذا تكبّر قال له : اتّضع وضعك اللَّه فلا یزال أعظم النّاس فی نفسه و أصغر النّاس فی أعین النّاس الحدیث .

و قد مثّل الصادقان علیهما السّلام الدّنیا ببیت سقفه مخفوض ، فالدّاخل إلیه لا بدّ من أن یطاطأ رأسه عند الدّخول و من رفع رأسه تلك الحالة شجّه السّقف و أخرج دمه و رمى بعمامته من فوق رأسه و فضحه بین الاقران الّذین كان یرید الترفّع علیهم .

و ناهیك فی التنبیه على عظم ضرره ما رواه فی الكافی عن عدّة من أصحابه عن أحمد بن محمّد عن مدرك بن عبید عمّن حدّثه عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : إنّ یوسف لما قدم علیه الشّیخ یعقوب علیه السّلام دخله عزّ الملك فلم ینزل إلیه فهبط علیه جبرئیل فقال : یا یوسف ابسط راحتك ، فخرج منها نور ساطع فصار فی جوّ السّماء ، فقال یوسف : یا جبرئیل ما هذا النّور الذی خرج من راحتی ؟ فقال : نزعت النبوّة من عقبك عقوبة لما لم تنزل إلى الشّیخ یعقوب فلا یكون من عقبك نبیّ .

[ 102 ]

و اما فى الاخرة فلا یجابها دخول النّار و سخط الجبّار جلّ جلاله كما یشهد به ما قدّمنا فی المقام الأوّل من الآیات و الأخبار ، و ناهیك فی ذلك التذكر بحال ابلیس اللّعین فانّه مع كونه خطیب الملائكة و قد عبد اللَّه فی السّماء ستّة آلاف سنة كیف حبط أجره و انحط قدره و حزم الحضرة الرّبوبیّة و الألطاف الآلهیّة و استحقّ مقت الجبّار و الخلود فی النّار بمحض الانائیّة و الاستكبار على ما یأتی مشروحا فی الخطبة القاصعة و هی المأة و الحادیة و التسعون من المختار فی باب الخطب ، و ما التوفیق إلاّ باللَّه .

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن امام مبین و ولیّ ربّ العالمین است در بیان بعثت حضرت خاتم الأنبیاء صلوات اللَّه و سلامه علیه و آله و إشاره بفوائد بعثت میفرماید :

پس مبعوث فرمود خداوند تبارك و تعالى محمّد مصطفى صلّى اللَّه علیه و آله را براستى و درستى تا اینكه خارج نماید بندگان را از عبادت بتان بسوى عبادت پروردگار ، و از طاعت شیطان بسوى طاعت حضرت كردگار ، با قرآنى كه بیان فرمود آنرا و محكم ساخت آنرا تا اینكه بدانند بندگان پروردگار خودشان را وقتى كه جاهل بودند بأو ، و تا اقرار كنند بآفریدگار بعد از اینكه منكر بودند بوحدانیّت او ، و تا اثبات كنند وجود او را بعد از اینكه نمى‏شناختند او را پس ظاهر گردید حق سبحانه و تعالى از براى ایشان در كتاب عزیز خود بدون اینكه دیده باشند او را بآنچه نمود بایشان از قدرت خود ، و ترسانید ایشان را از غضب و سطوت خود ، و چه گونه محو و نابود كرد آن كسى را كه نابود كرد از قرون ماضیه با عقوبات نازله ، و دروید و مستأصل ساخت كسى را كه مستأصل نمود با عذابهاى هائله .

و بدرستى كه زود باشد كه بیاید بشما از پس رفتن من بعالم قدس زمانى كه نباشد در او چیزیكه پنهان‏تر باشد از حق ، و نه آشكاراتر از باطل ، و نه بیشتر از دروغ بخدا و رسول او ، و نباشد نزد اهل آن زمان متاع كاسدتر از قرآن زمانى كه تلاوت شده باشد حقّ تلاوت آن ، و نه متاع رایج‏تر از قرآن زمانى كه تغییر داده شود

[ 103 ]

از مواضع خود ، و نباشد در شهرها چیزیكه قبیح‏تر باشد از معروف ، و نه چیزیكه پسندیده‏تر باشد از منكر ، پس بتحقیق كه بیندازند قرآن را حاملان او ، و فراموش كنند او را حافظان او ، پس قرآن در آنروز و اهل آن منفى و مطرود باشند و دو مصاحب صحبت گیرنده باشند با یكدیگر در یك طریق در حالتی كه منزل ندهد ایشانرا منزل دهنده ، پس كتاب و اهل آن در آن زمان در میان مردمان باشند بصورت و أبدان و نباشند در میان ایشان بحسب معنى ، و با ایشان باشند ظاهرا و نباشند با ایشان باطنا از جهة اینكه ضلالت موافقت نمینماید با هدایت اگر چه مجتمع شوند در یك زمان پس متفق باشند قوم آن روزگار بر جدائى از قرآن ، و جدا باشند از جماعت محقّه گویا ایشان پیشوایان كتاب عزیزند و كتاب عزیز پیشواى ایشان نیست ،

پس باقى نماند نزد ایشان از قرآن مگر نام او ، و نشناسند مگر خطّ او را او كتاب او را ، و پیش از این است مثله و عقوبت نمودن ایشان بصالحان با هر گونه عقوبت ، و تسمیه كردن ایشان راست گوئى صالحان را بر خداى تعالى افترا و بهتان ، و گردانیدن ایشان در حسنات عقوبت سیئات را .

و بدرستى كه هلاك شدند كسانى كه بودند پیش از شما بجهت طول آرزوها و پنهان بودن اجلها تا اینكه نازل شد بایشان مرگ موعود كه ردّ میشود از او عذر خواهى ،

و برداشته میشود از او توبه و پشیمانى ، و حلول مى‏كند بأو مصیبت شدیده و نقمت اى گروه مردمان هر كسى طلب نصیحت كند از خداى تعالى موفّق میشود ، و هر كس اخذ نماید فرمایش خدا را دلیل خود هدایت یابد براه راست ، پس بدرستى كه همسایه خدا ایمن است از عذاب ، و دشمن خدا ترسانست از عقاب .

و بدرستى كه سزاوار نیست مر كسى را كه معرفت رساند بعظمت خدا اینكه اظهار بزرگى نماید ، پس بتحقیق كه بلندی مرتبه كسانى كه میدانند چیست عظمت و جلال خدا در این است كه تواضع نمایند او را ، و سلامتى كسانی كه میدانند چیست قدرت آفریدگار در این است كه انقیاد و اطاعت نمایند بر او ، پس نفرت نكنید از حق مثل نفرت صحیح المزاج از كسى كه ناخوشى جرب داشته باشد ، و مثل نفرت سالم

[ 104 ]

البدن از صاحب مرض ، و بدانید كه بدرستى شما نخواهید شناخت طریق حق را تا این كه بشناسید آن كسى را كه ترك نموده او را ، و نمى‏توانید فراگیرید عهد و پیمان قرآن را مگر اینكه معرفت رسانید آن كسى را كه نقض عهد او را كرده و نمى‏توانید چنك بزنید بقرآن تا اینكه عارف شوید كسى را كه انداخته آن را ،

پس طلب كنید اینرا از نزد أهل أو ، پس بدرستى كه ایشان حیات علمند و ممات جهل ، ایشان كسانى هستند كه خبر میدهد شما را حكم ایشان از علم ایشان ، و سكوت ایشان از گفتار ایشان ، و ظاهر ایشان از باطن ایشان ، مخالف نباشند دین را و اختلاف نمى‏كنند در او ، پس دین در میان ایشان شاهدى است راست گو ، و ساكتى است زبان‏دار .





نظرات() 


What is limb lengthening surgery?
سه شنبه 17 مرداد 1396 04:29 ق.ظ
Good write-up. I absolutely appreciate this website. Keep writing!
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox