تبلیغات
پیام هادی - تفاسیر نهج البلاغه
 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-07:57 ب.ظ

[ 147 ] و من خطبة له ع الغایة من البعثة

فَبَعَثَ اَللَّهُ مُحَمَّداً ص بِالْحَقِّ لِیُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ اَلْأَوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ وَ مِنْ طَاعَةِ اَلشَّیْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ بِقُرْآنٍ قَدْ بَیَّنَهُ وَ أَحْكَمَهُ لِیَعْلَمَ اَلْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ وَ لِیُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ وَ لِیُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِی كِتَابِهِ مِنْ غَیْرِ أَنْ یَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ وَ خَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ وَ كَیْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلاَتِ وَ اِحْتَصَدَ مَنِ اِحْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ الزمان المقبل وَ إِنَّهُ سَیَأْتِی عَلَیْكُمْ مِنْ بَعْدِی زَمَانٌ لَیْسَ فِیهِ شَیْ‏ءٌ أَخْفَى مِنَ اَلْحَقِّ وَ لاَ أَظْهَرَ مِنَ اَلْبَاطِلِ وَ لاَ أَكْثَرَ مِنَ اَلْكَذِبِ عَلَى اَللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ لَیْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ اَلزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ مِنَ اَلْكِتَابِ إِذَا تُلِیَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ وَ لاَ أَنْفَقَ مِنْهُ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَ لاَ فِی اَلْبِلاَدِ شَیْ‏ءٌ أَنْكَرَ مِنَ اَلْمَعْرُوفِ وَ لاَ أَعْرَفَ مِنَ اَلْمُنْكَرِ فَقَدْ نَبَذَ اَلْكِتَابَ حَمَلَتُهُ وَ تَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ فَالْكِتَابُ یَوْمَئِذٍ وَ أَهْلُهُ طَرِیدَانِ مَنْفِیَّانِ وَ صَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِی طَرِیقٍ وَاحِدٍ لاَ یُؤْوِیهِمَا مُؤْوٍ فَالْكِتَابُ وَ أَهْلُهُ فِی ذَلِكَ اَلزَّمَانِ فِی اَلنَّاسِ وَ لَیْسَا فِیهِمْ وَ مَعَهُمْ وَ لَیْسَا مَعَهُمْ لِأَنَّ اَلضَّلاَلَةَ لاَ تُوَافِقُ اَلْهُدَى وَ إِنِ اِجْتَمَعَا فَاجْتَمَعَ اَلْقَوْمُ عَلَى اَلْفُرْقَةِ وَ اِفْتَرَقُوا عَلَى اَلْجَمَاعَةِ كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ اَلْكِتَابِ وَ لَیْسَ اَلْكِتَابُ إِمَامَهُمْ فَلَمْ یَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلاَّ اِسْمُهُ وَ لاَ یَعْرِفُونَ إِلاَّ خَطَّهُ وَ زَبْرَهُ وَ مِنْ قَبْلُ مَا مَثَّلُوا بِالصَّالِحِینَ كُلَّ مُثْلَةٍ وَ سَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اَللَّهِ فِرْیَةً وَ جَعَلُوا فِی اَلْحَسَنَةِ عُقُوبَةَ اَلسَّیِّئَةِ وَ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ وَ تَغَیُّبِ آجَالِهِمْ حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ اَلْمَوْعُودُ اَلَّذِی تُرَدُّ عَنْهُ اَلْمَعْذِرَةُ وَ تُرْفَعُ عَنْهُ اَلتَّوْبَةُ وَ تَحُلُّ مَعَهُ اَلْقَارِعَةُ وَ اَلنِّقْمَةُ عظة الناس أَیُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّهُ مَنِ اِسْتَنْصَحَ اَللَّهَ وُفِّقَ وَ مَنِ اِتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِیلاً هُدِیَ لِلَّتِی هِیَ أَقُومُ فَإِنَّ جَارَ اَللَّهِ آمِنٌ وَ عَدُوَّهُ خَائِفٌ وَ إِنَّهُ لاَ یَنْبَغِی لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اَللَّهِ أَنْ یَتَعَظَّمَ فَإِنَّ رِفْعَةَ اَلَّذِینَ یَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَنْ یَتَوَاضَعُوا لَهُ وَ سَلاَمَةَ اَلَّذِینَ یَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ یَسْتَسْلِمُوا لَهُ فَلاَ تَنْفِرُوا مِنَ اَلْحَقِّ نِفَارَ اَلصَّحِیحِ مِنَ اَلْأَجْرَبِ وَ اَلْبَارِئِ مِنْ ذِی اَلسَّقَمِ وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا اَلرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا اَلَّذِی تَرَكَهُ وَ لَنْ تَأْخُذُوا بِمِیثَاقِ اَلْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا اَلَّذِی نَقَضَهُ وَ لَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا اَلَّذِی نَبَذَهُ فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ فَإِنَّهُمْ عَیْشُ اَلْعِلْمِ وَ مَوْتُ اَلْجَهْلِ هُمُ اَلَّذِینَ یُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ وَ صَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ لاَ یُخَالِفُونَ اَلدِّینَ وَ لاَ یَخْتَلِفُونَ فِیهِ فَهُوَ بَیْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ


و من خطبة له علیه السّلام و هى الماة و السابعة و الاربعون من المختار فی باب الخطب

فبعث محمّدا صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم بالحقّ لیخرج عباده من عبادة الأوثان إلى عبادته ، و من طاعة الشّیطان إلى طاعته ، بقرآن قد بیّنه و أحكمه لیعلم العباد ربّهم إذ جهلوه ، و لیقرّوا به بعد إذ جحدوه ، و لیثبّتوه بعد إذ أنكروه ، فتجلّى سبحانه لهم فی كتابه من غیر أن یكونوا رأوه بما أریهم من قدرته ، و خوّفهم من سطوته ، و كیف محق من محق بالمثلات ، و احتصد من احتصد بالنّقمات .

و إنّه سیأتی علیكم من بعدی زمان لیس فیه شی‏ء أخفى من الحقّ ،

و لا أظهر من الباطل ، و لا أكثر من الكذب على اللَّه و رسوله ، و لیس عند أهل ذلك الزّمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلى حقّ تلاوته ، و لا أنفق منه إذا حرّف عن مواضعه ، و لا فی البلاد شی‏ء أنكر من

[ 62 ]

المعروف ، و لا أعرف من المنكر ، فقد نبذ الكتاب حملته ، و تناساه حفظته ، فالكتاب یومئذ و أهله طریدان منفیّان ، و صاحبان مصطحبان فی طریق واحد لا یؤوبهما مؤو ، فالكتاب و أهله فی ذلك الزّمان فی النّاس و لیسافیهم ، و معهم و لیسامعهم ، لأنّ الضّلالة لا توافق الهدى و إن اجتمعا ، فاجتمع القوم على الفرقة ، و افترقوا عن الجماعة ، كأنّهم أئمّة الكتاب و لیس الكتاب إمامهم ، فلم یبق عندهم منه إلاّ اسمه ، و لا یعرفون إلاّ خطّه و زبره ، و من قبل ما مثلوا بالصّالحین كلّ مثلة ،

و سمّوا صدقهم على اللَّه فریة ، و جعلوا فی الحسنة عقوبة السّیّئة .

و إنّما هلك من كان قبلكم بطول آمالهم ، و تغیّب آجالهم ، حتّى نزل بهم الموعود الّذی تردّ عنه المعذرة ، و ترفع عنه التّوبة ، و تحلّ معه القارعة و النّقمة ، أیّها النّاس من استنصح للَّه وفّق ، و من اتّخذ قوله دلیلا هدی للّتی هی أقوم ، فإنّ جار اللَّه آمن ، و عدوّ اللَّه خائف .

و إنّه لا ینبغی لمن عرف عظمة اللَّه أن یتعظّم ، فإنّ رفعة الّذین یعلمون ما عظمته أن یتواضعوا له ، و سلامة الّذین یعلمون ما قدرته أن یستسلموا له ، فلا تنفروا من الحقّ نفار الصّحیح من الأجرب ،

و البارى‏ء من ذی السّقم ، و اعلموا أنّكم لن تعرفوا الرّشد حتّى تعرفوا

[ 63 ]

الّذی تركه ، و لن تأخذوا بمیثاق الكتاب حتّى تعرفوا الّذی نقضه ،

و لن تمسّكوا به حتّى تعرفوا الّذی نبذه ، فالتمسوا ذلك من عند أهله ، فإنّهم عیش العلم ، و موت الجهل ، هم الّذین یخبركم حكمهم عن علمهم ، و صمتهم عن منطقهم ، و ظاهرهم عن باطنهم ، لا یخالفون الدّین ، و لا یختلفون فیه ، فهو بینهم شاهد صادق ، و صامت ناطق .

اللغة

( تجلّى ) الشی‏ء انكشف و ظهر و ( محق ) الشی‏ء محقا من باب منع أبطله و محاه و محق اللَّه الشی‏ء أذهب منه البركة و قیل هو ذهاب الشّی‏ء كلّه حتّى لا یرى له أثر و ( المثلات ) جمع المثلة بفتح المیم و ضمّ الثاء المثلّثة فیهما و هی العقوبة كذا فی الاقیانوس و فی القاموس ، مثل بفلان نكل كمثل تمثیلا و هى المثلة بضمّ الثاء و سكونها و الجمع مثولات و مثلات و قال الفیومى : و مثلت بالقتیل مثلا من باب قتل و ضرب اذا جدعته و ظهرت آثار فعلك علیه تنكیلا و التشدید مبالغة و الاسم المثلة وزان غرفة و المثلة بفتح المیم و ضمّ الثاء العقوبة .

و ( حصد ) الزرع و النبات و احتصده قطعه بالمنجل و حصدهم بالسّیف و احتصدهم استأصلهم و ( النّقمة ) بالكسر و بالفتح و كفرحة المكافاة بالعقوبة جمعه نقم ككلم و عنب و نقمات ككلمات و ( بار ) الشی‏ء یبور من باب قال إذا فسد و ( زبرت ) الكتاب زبرا كتبته فهو زبور فعول بمعنى مفعول كرسول و الجمع زبر قال سبحانه : « و كلّ شی‏ء فعلوه فی الزّبر » و الزّبر بالكسر الكتاب و جمعه زبور مثل قدر و قدور .

و ( مثلوا ) یروى بالتخفیف و التشدید معا أى نكلوا و ( القارعة ) الدّاهیة

[ 64 ]

تفجؤ الانسان و قال الشّارح المعتزلى : المصیبة تقرع أى تلقى بشدّة و قوّة ، و قوله . فانّ رفعة الذین ، لفظة رفعة فی بعض النّسخ بضمّ الرّاء و فی أكثرها بالفتح و ضبط القاموس بالكسر قال : رفع ككرم رفاعة صار رفیع الصّوت و رفعة بالكسر شرف و علا قدره فهو رفیع كذا فی الاوقیانوس .

الاعراب

قوله : لیعلم العباد ، متعلّق بقوله : بیّنه أو أحكمه أو كلیهما على سبیل التنازع و قوله : و كیف ، عطف على قوله : من سطوته ، و من الموصولة فی قوله : من محق و من احتصد فی محلّ النّصب مفعول به ، و فاعل الأفعال الأربعة راجع إلى اللَّه سبحانه ، و قوله : لیس فیه شی‏ء أخفى لفظة أخفى إمّا بتقدیر الرّفع صفة لشی‏ء و یؤیّده رفع لفظ أظهر و أكثر المعطوفین علیه كما فی بعض النسخ ، و إمّا بتقدیر النّصب على أنّه خبر لیس و یكون فیه متعلقا به ، و على الأوّل فهو خبر مقدّم و لیس مع اسمه و خبره فى محل الرّفع صفة لزمان ، و على تقدیر نصب أخفى فیكون ما عطف علیه منصوبا كما فی نسخة الشّارح المعتزلى و غیره ، و مثله لفظ أبور و أنفق و أنكر و أعرف ، و تروى جمیعا بالرّفع و النّصب معا .

و قوله : و من قبل ما مثلوا بالصّالحین ، لفظة ما مع الفعل بعدها فی حكم المصدر و محلّه الرّفع بالابتداء ، و من قبل خبرها أى مثلهم أو تمثیلهم بالصّالحین من قبل ذلك . و لا یجوز جعل ما موصولة و الجملة بعدها صلتها الخلوّها من الرّبط و على فی قوله : و سمّوا صدقهم على اللَّه فریة ، متعلّقة بفریة لا بصدقهم قال الشّارح المعتزلی ، فان امتنع أن یتعلّق حرف الجرّ به لتقدّمه علیه و هو مصدر فلیكن متعلّقا بفعل مقدّر دل علیه هذا المصدر الظّاهر .

و قوله : و جعلوا فی الحسنة عقوبة السّیئة ، باضافة العقوبة و فی بعض النّسخ العقوبة السّیئة قال الشّارح المعتزلی : و الرّوایة الاولى بالاضافة أكثر و أحسن .

[ 65 ]

و قوله : إنّه من استنصح ، الضمیر الشأن قال الشیخ عبد القاهر : إنّ لضمیر الشأن مع إنّ حسنا لیس بدونها بل لا یصحّ بدونها نحو : إنّه من یتّق و یصبر ، و إنّه من یعمل سوء ، و انّه لا یفلح الكافرون ، قال الشّارح المعتزلی : ما فی قوله : ما عظمته بمعنى أىّ شی‏ء ، و من روى بالنّصب جعلها زائدة

المعنى

اعلم أنّ مدار هذه الخطبة على فصول أربعة :

الفصل الاول فی الاشارة إلى بعثة الرّسول صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و الغرض من بعثته

و هو قوله ( فبعث اللَّه محمّدا بالحقّ ) و انّما بعثه ( لیخرج عباده من عبادة الأوثان ) و الأصنام ( إلى عبادته و من طاعة الشیطان إلى طاعته ) و لتخلیص الخلق من عشق الدّنیا ورّق الطّبیعة و عبودیّة الهوى ، و تشویقهم إلى حظائر القدس و مجالس الانس ، و إیقاظهم عن مراقد الأبدان و نوم الغافلین ، و ایصالهم إلى منازل الأبرار و المقرّبین و لم یقتصر سبحانه على مجرّد بعثه و إرساله ، بل بعثه صلّى اللَّه علیه و آله ( ب ) ما یدلّ على صدق دعواه و مقاله من البراهین و الدلائل الباهرات و المعجزات الخارقة للعادات و أعظمها ( قرآن قد بیّنه و أحكمه ) أى كشفه و أوضحه و جعله متقنا مضبوطا مستقیما نظمه خالیا عن الخلل و الاختلاف كما قال عزّ من قائل :

« هذا بیان للنّاس و هدى و موعظة للمتّقین » و قال « كتاب أحكمت آیاته ثمّ فصّلت » و فی موضع آخر « و لو كان من عند غیر اللَّه لوجدوا فیه اختلافا كثیرا » .

و تخصیص القرآن بالذّكر من بین سائر المعجزات لما أشرنا إلیه من أنّه أعظم

[ 66 ]

معجزاته و أقویها و آكدها فی باب التّحدى ، و ذلك لأنّ الغالب على العرب حین بعثه صلوات اللَّه علیه و آله إنشاء الخطب و الرّسائل و المبالغة فی فصاحة الكلام و بلاغته و حسن البیان و سلاسته ، و مراعات المطابقة لمقتضى الحال و المحافظة على محاسن اللّفظ و بدائع النكت الغریبة ، و لطائف المناسبات العجیبة و وجوه الاستعارات و التخیلات ، و أنحاء المجاز و الكنایات ، و سائر ما یزید فی الكلام رونقا و تاثیرا فی القلوب .

فبعث اللَّه النّبیّ متحدّیا بالقرآن كتابا ساطعا تبیانه قاطعا برهانه بحجج و بیّنات و رسوم و آیات عجز عن الاتیان بما یماثلها أو یدانیها مصاقع الخطباء مشتملا على رموز و أسرار و علوم و أنوار تحیّرت فی إدراكها عقول الأدباء ، و مواعظ و حكم تبلّدت عن فهمها أذهان الحكماء ، و لم یتصدّ لمعارضة أقصر سورة من سوره واحد من الفصحاء ، و لم ینهض للقدح فی كلمة من كلماته ناهض من أزكیاء البلغاء ، مع طول المدّة و كثرة العدّة ، و شدّة الحرص و قوة الكدّ و غایة العصبیّة و نهایة الانانیة و الافراط فی المضادّة و المضارّة ، و الرّسوخ فی المنافرة و المفاخرة فاختاروا المقاتلة بالسّیف و السّنان على المعارضة بالكلام و البیان و الحجّة و البرهان ، بعد ما خیّروا بین الأمرین .

فعلم أنّ المأتىّ به خارج عن مقدرة البشر ، و إنّما هو أمر من عند خالق القوى و القدر ، و به یهتدى إلى الرّشاد ، و یحصل المعرفة بالمبدء و المعاد كما قال علیه السّلام ( لیعلم العباد ربهم إذ جهلوه ) یعنی ببیان القرآن و أحكامه یحصل العلم بالربّ تعالى و ذلك لما اشتمل علیه من الآیات الدّالة على نعوت الجلال و صفات الجمال ، و أدلّة التوحید و براهین التّفرید مضافا إلى أنّه بنفسه مع قطع النّظر عن تلك الآیات كاف فی الهدایة إلى الحقّ الأوّل سبحانه بما فیه من وصف الاعجاز حسب ما اشرنا إلیه ، هذا .

و العجب من الشارح البحرانی أنّه قال فی شرح هذا المقام : و مدار هذا الفصل على بیان بعثة الرّسول ، و بیان غایة البعثة ، و السّبب المعدّ للوصول إلى تلك الغایة

[ 67 ]

ثمّ بیان غایة تلك الغایة ، و الاشارة إلى البعثة بقوله : فبعث إلى قوله : بالحقّ ، و أشار إلى غایتها بقوله : لیخرج إلى طاعته ، و أشار إلى سبب تلك الغایة بقوله : بقرآن قد بیّنه ، و أشار إلى غایة تلك الغایة أعنی غایة طاعة اللَّه بقوله : لیعلم العباد إلى قوله : أنكروه ، انتهى .

و أنت خبیر بأنّ طاعة اللَّه سبحانه و عبادته إنّما تحصل بعد حصول العلم بالرّب ، لأنّها فرع الدّین و هذا أصله و الأصل مقدّم على الفرع فكیف یمكن جعله غایة لها و ما هو إلاّ من مفاسد قلّة التدبّر .

( و لیقرّوا به بعد إذ جحدوه و لیثبتوه بعد إذ أنكروه ) إن كان المراد بالاقرار الاقرار باللّسان وحده و بالاثبات الاثبات بالجنان یكون عطف الجملة الثّانیة على الاولى من باب التأسیس ، و إن ارید بكلّ منهما الأعمّ فالمعنى بالجملتین واحد و الاختلاف فی العبارة ، و الاتیان بهما للتفنّن و على أیّ تقدیر فالاثبات و الاقرار من جنود العقل ، و الجحود و الانكار من جنود الجهل كما یفیده الحدیث المرویّ فی الكافی فی باب العقل و الجهل عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام هذا .

و لما ذكر أنّ بالقرآن یحصل العلم بالرّب سبحانه و الاقرار به و إثباته أشار إلى كیفیّة حصول هذا العلم بقوله : ( فتجلّى لهم سبحانه ) أى ظهر ظهورا بیّنا ( فی كتابه ) ربما یفسّر الكتاب هنا بعالم الایجاد و لما كان لفظ التجلّى موهما للظّهور برؤیة البصر اتبعه بقوله ( من غیر أن یكونوا رأوه ) من باب الاحتراس الذی عرفته فی المحاسن البدیعیّة من دیباجة الشّرح یعنی أنّه سبحانه تجلّى لعباده و ظهر لهم لا برؤیة البصر بل برؤیة البصیرة ( بما أراهم من قدرته ) و ذكّرهم من بدائع مصنوعاته و حكمته و عجائب مبدعاته و صنعته كما قال عزّ من قائل :

« إنّ فی خلق السّموات و الأرض و اختلاف اللّیل و النّهار و الفلك الّتی تجرى فی البحر بما ینفع النّاس و ما أنزل اللَّه من السّماء من ماء فأحیى به الأرض بعد موتها و بثّ فیها من كلّ دابّة و تصریف الرّیاح و السّحاب المسخّر بین السّماء و الأرض لآیات لقوم یعقلون » و قال « و جنّات من أعناب و زروع و نخیل

[ 68 ]

صنوان و غیر صنوان یسقى بماء واحد و نفضّل بعضها على بعض فی الاكل إنّ فی ذلك لآیات لقوم یعقلون » و قال « و من آیاته یریكم البرق خوفا و طمعا و ینزل من السّماء ماء فیحیی به الأرض بعد موتها إنّ فی ذلك لآیات لقوم یعقلون » إلى غیر ذلك ممّا لا نطیل بذكرها و قد مضى فی شرح الخطبة التّسعین لا سیّما شرح الفصل السّادس منها ما فیه غنیة للطالب و كفایة للمهتدى فلیراجع ثمّة .

( و خوّفهم من سطوته ) و حذرهم من نقمته كما قال عز و جلّ : « ثمّ دمّرنا الآخرین و إنّكم لتمرّون علیهم مصبحین و باللّیل أفلا تعقلون » و قال « إنّا منزلون على أهل هذه القریة رجزا من السّماء بما كانوا یفسقون ، و لقد تركنا منها آیة بیّنة لقوم یعقلون » و غیر ذلك من الآیات المشتملة على التّحذیر بقصص الأوّلین ،

و التخویف بما جرى على السّلف الماضین .

( و ) أنّه ( كیف محق من محق بالمثلات ) أی أهلك من أهلكه منهم و أذهب آثارهم عن وجه الأرض بالعقوبات النّازلة علیهم ( و احتصد من احتصد بالنّقمات ) أى استأصل من استأصله بما عذّبهم به مكافاة لسوء أعمالهم

الفصل الثانی فی الاخبار عن زمان یأتی بعده بالأوصاف المذكورة

و هو قوله : ( و أنّه سیأتی علیكم من بعدى زمان ) الأظهر أنّ المراد به زمان بنی امیّة و أیّام خلافتهم لاتّصافه بما وصفه من أنّه ( لیس فیه شی‏ء أخفى من الحقّ و لا أظهر من الباطل و لا أكثر من الكذب على اللَّه و رسوله ) و هو ظاهر للخبیر بالسیر و الأخبار .

فقد روى عن شعبة و هو امام المحدّثین عند العامّة أنّه قال : تسعة أعشار الحدیث كذب ، و عن الدّارقطنى ما الحدیث الصحیح إلاّ كالشعرة البیضاء فی الثور الأسود ، و قد كان جعل الأخبار الكاذبة و اشتهارها فی زمن بنی امیّة .

قال ابن عرفة المعروف بنفطویه و هو من أكابر محدّثى العامّة و أعلامهم

[ 69 ]

فی تاریخه : إنّ أكثر الأحادیث الموضوعة فی فضائل الصّحابة افتعلت فی أیّام بنی امیّة تقرّبا الیهم بما یظنّون أنّهم یرغمون به أنف بنی هاشم .

و یشهد بذلك ما تقدّم روایته فی شرح الكلام السّابع و التّسعین من الخبر الذی رویناه من البحار عن كتاب سلیم بن قیس الهلالی .

( و لیس عند أهل ذلك الزّمان سلعة أبور من الكتاب ) أى متاع أكسد و أفسد من كتاب اللَّه سبحانه ( إذا تلى حقّ تلاته ) و فسّر على الوجه الذى انزل علیه و على المعنى الذی ارید منه ، و ذلك لمنافاة المعنى المراد و الوجه الحقّ لأغراض أهل ذلك الزّمان الغالب على أهله الباطل و اتّباع الهوى .

( و لا أنفق منه ) بیعا و أكثر رواجا ( إذا حرّف عن مواضعه ) و مقاصده الأصلیّة و ذلك لموافقة أغراضهم الفاسدة ( و لا فی البلاد شی‏ء أنكر من المعروف و لا أعرف من المنكر ) لما ذكرناه فی شرح الكلام السابع عشر من أنّ المعروف لما خالف أغراضهم و مقاصدهم طرحوه حتّى صار منكرا بینهم یستقبحون فعله ،

و المنكر لما وافق دواعیهم لزموه حتّى صار معروفا بینهم یستحسنون أخذه .

( فقد نبذ الكتاب ) وراء ظهره ( حملته ) أی أعرض عنه و ترك التدبّر فیه و العمل به قرّاؤه الحاملون له كمثل الحمار یحمل أسفارا ( و تناساه حفظته ) أى تغافلوا عن اتّباعه و عن امتثال أوامره و نواهیه ( فالكتاب یومئذ و أهله ) الّذین یتلونه حقّ تلاوته و هم أئمّة الدّین و أتباعهم الّذین یعملون به و یتّبعونه ( طریدان منفیان ) لأنّ أهل ذلك الزّمان برغبتهم إلى الباطل و عدولهم عن الحقّ معرضون عن الكتاب الهادی إلى الحقّ و عن أهله الأدلاّء الیه ، بل مؤذون لهم فیما یخالفونهم فیه مما یقتضیه أحكام الكتاب ، فكان إعراضهم عنه و عنهم إبعادا لهما و نفیا و طردا ( و صاحبان مصطحبان فی طریق واحد ) أى متلازمان متّفقان على الدلالة فی طریق الحقّ ( لا یؤویهما مؤو ) أى لا یضمّهما أحد من ذلك الزّمان إلیه و لا ینزلهما عنده لنفرته عنهما و مضادّتهما لهواه .

( فالكتاب و أهله فی ذلك الزّمان فی النّاس ) و بینهم ظاهرا ( و لیسا فیهم )

[ 70 ]

حقیقة لعدم اتّباعهما و الغاء فائدتهما فأشبها ما لیس بموجود و معهم بالمصاحبة الاتفاقیة فی الوجود ، و لیسا معهم لانتفاء ثمرتهما و منافعهما عنهم ( لأنّ الضّلالة لا توافق الهدى ) یعنی ضلالتهم لا توافق هدى الكتاب و أهله فكانا مضادّین لهم ( و إن اجتمعا ) فی الوجود .

( فاجتمع القوم على الفرقة ) أی اتّفق أهل ذلك الزّمان على الافتراق من الكتاب و تركه و طرده ( و افترقوا عن الجماعة ) أى الجماعة المعهودة و هم أهل الكتاب العاملون به .

قال الشارح البحرانی ( ره ) فی شرح هذه القرینة و سابقته ، أی اتّفقوا على مفارقة الاجتماع و ما علیه الجماعة ، أمّا فی وقته علیه السّلام فكالخوارج و البغاة ، و أمّا فیما یستقبل بعده من الزّمان فكالآخذین بالآراء و المذاهب المتفرّقة المحدثة فی الدّین و الاجتماع على الفرقة یلازم الافتراق عن الجماعة ، انتهى .

و ما ذكرنا أقرب و أنسب بالسیاق و أولى فافهم ( كأنّهم أئمة الكتاب ) یحرّفونه و یغیّرونه و یبدّلونه و یأوّلونه عن وجهه على ما یطابق أغراضهم الفاسدة و یجبرون على مخالفته كما هو شان الامام مع الماموم ( و لیس الكتاب إمامهم ) الواجب علیهم اتّباعه و اللاّزم لهم اقتفاء اثره .

و حیث إنهم خالفوه و نبذوه وراء ظهورهم ( فلم یبق عندهم منه ) فی مقام التّمسك و الاستناد ( إلاّ اسمه و لا یعرفون ) من آثاره و شئونه ( إلاّ خطّه و زبره ) أى رسمه و كتابته فقط دون اتّباع مقاصده ( و من قبل ما مثلوا بالصّالحین كلّ مثلة ) أى من قبل الحالات المتقدّمة التی اشیر الیها تنكیلهم بالصّالحین غایة تنكیل و عقوبتهم أشدّ عقوبة .

و لعلّه اشارة إلى ما صدر من بنی امیّة فی أوائل سلطنتهم ، فقد روى العلاّمة الحلّی قدّس اللَّه روحه فی كشف الحقّ عن صاحب كتاب الهاویة أنّ معاویة قتل من المهاجرین و الأنصار و أولادهم أربعین ألفا ، و فعل ابنه یزید اللّعین بالحسین علیه السّلام و أصحابه فی الطّف غنی عن البیان ، و كذلك ما فعله عبد الملك بن مروان و عامله

[ 71 ]

الحجّاج علیهما لعائن اللَّه سبحانه بالعراق و الحجاز و غیرهما مشهور و مأثور ، هذا .

و یحتمل أن یكون الاشارة بالكلام السّابق أعنى قوله : و إنّه سیأتی علیكم من بعدی زمان ، إلى قوله : و من قبل إلى ملك فراعنة الأمّة أعنی بنی العبّاس خذلهم اللَّه ، و یكون المراد بقوله : و من قبل الاشارة إلى زمن بنی امیّة الكائن قبل زمن بنی العبّاس ، فانّ اتّصاف كلا الزّمانین بالأوصاف المذكورة لا غبار علیه .

و قوله : ( و سمّوا صدقهم على اللَّه فریة ) أى سمّوا صدق الصّالحین افتراء على اللَّه سبحانه و نسبوهم فى ما یقولون إلى الكذب ( و جعلوا فی الحسنة عقوبة السیّئة ) یعنی أنّهم بغلبة الشّرور و الفساد على طباعهم رأوا حسنات الصّالحین سیئات ،

فعاقبوهم علیها و عذّبوهم بها كما یعاقب المسی‏ء بإسائته .

الفصل الثالث فی النّصح و الموعظة و تنبیه المخاطبین

على وجوب قصر الآمال على مفاسد طول الأمل الذی هو من أعظم الموبقات و أخزى السیّئات حسب ما عرفته فی الخطبة الثانیة و الأربعین و شرحها قال علیه السّلام هنا : ( و إنّما هلك ) أراد به الهلاك الاخروى ( من كان قبلكم ) من القرون الماضیة ( بطول آمالهم ) فی الدّنیا الموجب للاستغراق فی لذّاتها و الانهماك فی شهواتها المبعدة عن اللَّه سبحانه ( و تغیّب آجالهم ) عنهم الموجب للغفلة عنها و عن أخذ الزّاد لیوم المعاد ( حتّى نزل بهم الموعود ) أى الموت ( الذی تردّ عنه المعذرة ) أى لا یقبل فیه اعتذار معتذر ( و ترفع عنه التّوبة ) لأنّ بابها تنسدّ حین نزوله .

قال تعالى : « و لیست التّوبة للّذین یعملون السیّآت حتّى اذا حضر أحدهم الموت قال إنّی تبت الآن و لا الّذین یموتون و هم كفّار اولئك أعتدنا لهم عذابا ألیما » ( و تحلّ معه القارعة ) و المصیبة التی تقرع النّاس بالأفزاع و الأهوال ( و ) تتبعها ( النقمة ) و النكال .

[ 72 ]

و لمّا خوّفهم من طول الأمل عقّبه بالارشاد و الدّلالة على ما فیه صلاحهم فقال ( أیّها النّاس إنّه من استنصح اللَّه وفّق ) أی من اتّخذ اللَّه ناصحا له واعیا لكلامه حافظا لأوامره و نواهیه وفّق لكلّ خیر ( و من اتّخذ قوله دلیلا ) فی مطالبه و مقاصده ( هدى ل ) لطریقة ( الّتی هی أقوم ) الطّرق و أنهجها .

و فی هذه القرینة تلمیح إلى قوله تعالى : « إن هذا القرآن یهدى للّتی هی أقوم » قال الطّبرسی : یهدی إلى الدیانة و الملّة و الطریقة الّتی هی أشدّ استقامة یقال هذه الطریق و للطّریق و إلى الظّریق ، و قیل : معناه یرشد إلى الكلمة الّتی هى أعدل الكلمات و أصوبها و هى كلمة التّوحید ، و قیل : یهدى إلى الحال الّتی هی أعدل الحالات و هی توحید اللَّه و الایمان به و برسله و العمل بطاعته انتهى .

و الأخیر أظهر بمقتضى عموم وظیفته ، و فی تفسیر أهل البیت علیهم السّلام أنه یهدى إلى الامام ، فی روایة اخرى یهدى إلى الولایة .

و لما ذكر أنّ استنصاح اللَّه یستلزم التّوفیق و اتخاذ قوله دلیلا یستلزم الهدى رتب علیه قوله : ( فإنّ جار اللَّه آمن ) تنبیها على ثمرة التوفیق و الهدایة و هو حصول الجوار من اللَّه و القرب المحصّل لأمنه ( و ) به یعرف أنّ ( عدوّ اللَّه خائف ) لأنّ ترك استنصاحه تعالى مستلزم للخذلان و عدم اتّخاذ قوله دلیلا موجب للضلال المبعدین عنه سبحانه و الجالبین لعداوته الذی هو محلّ الخوف و الخطر .

الفصل الرابع فی الأمر بالتّواضع و التّسلیم و الانقیاد للَّه سبحانه

و بالمتابعة لأولیاء الدّین و الرجوع الیهم و الأخذ منهم و هو قوله ( و إنّه لا ینبغی لمن عرف عظمة اللَّه ) سبحانه و جلاله و جبروته و سلطانه ( أن یتعظّم ) أى یظهر العظمة و یتكبّر ، و تخصیص النّهى عن التعظّم بمن عرف عظمته تعالى لاحتقاره نفسه عند ملاحظته لنفسه و نسبته لها إلى جلاله تعالى ، فهو أسرع انفعالا و أحقر فی نفسه أن یتكبّر على اللَّه .

[ 73 ]

فهو نظیر قوله سبحانه : « قالت إنّی أعوذ بالرّحمن منك إن كنت تقیّا » فانّ شرطها فی التعوّذ منه كونه تقیا ، لأنّ التقىّ إذا تعوّذ بالرّحمن منه ارتدع عمّا یسخط اللَّه كما تقول : إن كنت مؤمنا فلا تظلمنى قال أمیر المؤمنین علیه السّلام : علمت أنّ التّقیّ ینهاه التّقى عن المعصیة ، هذا .

و علّل حسن التّواضع بقوله ( فانّ رفعة الّذین یعلمون ما عظمته أن یتواضعوا له ) یعنی أنّ تواضعهم سبب لرفعة درجاتهم و علوّ مقامهم عند الخالق و الخلایق فی الدّنیا و الآخرة أمّا فی الدّنیا فمعلوم بالبدیهة و العیان غنیّ عن البیان ، و أمّا فی العقبى فلدلالة الأخبار الكثیرة علیه .

روى فی البحار عن أبی بصیر قال : سمعت أبا جعفر علیه السّلام یقول : إنّ موسى بن عمران حبس عنه الوحى ثلاثین صباحا ، فصعد على جبل بالشّام یقال له اریحا ،

فقال : یا ربّ لم حبست عنّى وحیك و كلامك ألذنب أذنبته فها أنا بین یدیك فاقتص لنفسك رضاها ، و إن كنت إنما حبست عنّى وحیك و كلامك لذنوب بنی اسرائیل فعفوك القدیم ، فأوحى اللَّه إلیه یا موسى تدرى لم خصصتك بوحیى و كلامى من بین خلقى ؟ فقال : لا أعلمه یا ربّ ، قال : یا موسى إنّی اطلعت على خلقی اطلاعة فلم أر فی خلقی أشد تواضعا منك ، فمن ثمّ خصصتك بوحیى و كلامی من بین خلقی ، قال علیه السّلام : فكان موسى إذا صلّى لم ینفتل حتّى یلصق خدّه الأیمن بالأرض و خدّه الأیسر بالأرض .

و فی عدّة الدّاعی عن الباقر علیه السّلام قال : أوحى اللَّه تعالى إلى موسى أتدرى لم اصطفیتك بكلامى من دون خلقى ؟ قال : لا یا ربّ قال : یا موسى إنی قلّبت عبادى ظهرا لبطن فلم أرأذلّ نفسا منك ، إنك إذا صلّیت وضعت خدّیك على التراب .

و فی روایة اخرى قلّبت عبادى ظهرا لبطن فلم أرأذلّ لی نفسا منك فأحببت أن أرفعك من بین خلقى .

و عن النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله ثلاثة لا یزید اللَّه بهنّ إلاّ خیرا : التواضع لا یزید اللَّه به إلاّ ارتفاعا ، و ذلّ النّفس لا یزید اللَّه به إلاّ عزّا ، و التعفّف لا یزید اللَّه به إلاّ غنی .

[ 74 ]

و فی احیاء العلوم لأبی حامد الغزالی قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله : ما زاد اللَّه عبدا بعفو إلاّ عزّا و ما تواضع أحد للَّه إلاّ رفعه اللَّه .

قال المسیح علیه السّلام : طوبى للمتواضعین فی الدّنیا هم أصحاب المنابر یوم القیامة طوبى للمصلحین بین النّاس فی الدّنیا هم الّذین یرثون الفردوس ، طوبى للمطهرة قلوبهم فی الدّنیاهم الّذین ینظرون إلى اللَّه تعالى یوم القیامة و قال ابن عباس قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله إذا تواضع العبد رفعه اللَّه إلى السّماء السّابعة و قال صلّى اللَّه علیه و آله : التواضع لا یزید العبد إلاّ رفعة فتواضعوا یرحمكم اللَّه و عن الفضیل و قد سئل عن التواضع ما هو ، فقال : أن تخضع للحقّ و تنقاد له و لو سمعته من صبىّ قبلته و لو سمعته من أجهل النّاس قبلته ، هذا .

و التّواضع من جنود العقل و یقابله التكبّر الّذی نشرح حاله فی التّنبیه الآتى و هو من جنود الجهل ، و الأوّل من منجیات الأخلاق و فضائل الأحوال ، و الثانى من موبقات الصفات و رذائل الخصال ، و لا یحصل التواضع إلاّ بمعرفة النفس و معرفة الرّب تعالى ، فمهما عرف نفسه حقّ المعرفة علم أنّه أذلّ من كلّ ذلیل و أقلّ من كلّ قلیل ، و أنّه لا یلیق به إلاّ التواضع و الذلّة و المهانة ، و إذا عرف ربّه علم أنّه لا یلیق العظمة و الكبریاء إلاّ به .

و علّله أیضا بقوله ( و سلامة الّذین یعلمون ما قدرته أن یستسلموا له ) یعنی سلامة من علم عموم قدرته سبحانه و غلبة عزّته تعالى من النّار و من غضب الجبّار إنّما تحصل بالاستسلام و ترك الاستكبار و الأوّل من جنود العقل ، و الثّانی من جنود الجهل .

قال بعض شرّاح الكافی : الاستسلام هو الطاعة و الانقیاد لكلّ ما هو حقّ ،

و هو من صفات المؤمن ، و عن رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : المؤمنون هیّنون لیّنون إن قیدوا انقادوا و ان انیخوا استناخوا ، و ضدّ الانقیاد الاستكبار و الانفة ، و الفرق بینه و بین الكبر أنّ الكبر حالة نفسانیة كائنة فی النفس ربما لم یظهر أثره فی الخارج بخلاف الاستكبار

[ 75 ]

فانّه عبارة عن إظهار التكبر .

و لما أمرهم بالتواضع و الاستسلام للَّه سبحانه المستلزمین لأخذ الحقّ و قبوله من أهله اتبعه بقوله : ( فلا تنفروا من الحقّ ) و أهله و هم أولیاء الدّین ( نفار الصحیح من الأجرب و البارى‏ء من ذى السّقم ) أى أشدّ النّفار كما فی الشّبه بهما ، هذا و لما نهاهم عن النفار من الحقّ و أمرهم بلزومه عقّبه بقوله ( و اعلموا أنكم لن تعرفوا الرّشد حتّى تعرفوا الّذی تركه ) الرّشد یساوق الحقّ كما أنّ الغیّ یساوق الباطل ، و الغرض بهذه الجملة التنبیه على أنّ معرفة الرّشد أی الحقّ تتوقّف على معرفة تاركه أى أئمّة الضّلال و أهل الباطل إذ مع عدم معرفتهم ربما یشتبه فیزعم أنّ أقوالهم حقّ فیأخذ بها و یقع فی الخبط و الضلال .

كما اشیر إلیه فی الخطبة الثامنة و الثلاثین بقوله : و إنما سمّیت الشبّهة شبهة لأنّها تشبه الحقّ فأما أولیاء اللَّه فضیائهم فیها الیقین و دلیلهم سمت الهدى و أمّا أعداء اللَّه فدعائهم فیها الضّلال و دلیلهم العمى ، و قد مضى فی شرح هذه الخطبة ما ینفعك ذكره فی هذا المقام ، فاللاّزم على طالب الرّشد أن یعرف أئمة الغىّ و الضلال و یجتنب عنهم .

و بما ذكر یظهر أیضا معنى قوله : ( و لن تأخذوا بمیثاق الكتاب حتّى تعرفوا الّذی نقضه و لن تمسّكوا به حتّى تعرفوا الّذی نبذه ) توضیح ذلك أنّ كتاب اللَّه سبحانه لما كان من أسباب الرّشد كما قال تعالى : « إنّا سمعنا قرآنا عجبا یهدى إلى الرّشد » و كان التمسّك به منقذا من الضّلال كما قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله فی حدیث الثقلین : انّی قد تركت فیكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدی الثقلین و أحدهما أكبر من الآخر كتاب اللَّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض و عترتی أهل بیتی ،

لاجرم كان الأخذ و التمسّك به واجبا .

و لما كان معنى الأخذ و التمسّك هو اتّباعه و معرفة معناه حقّ العلم و العمل بمواثیقه و أحكامه الّتى هی عهد اللَّه تعالى لزم على ذلك معرفة الناقضین لمواثیقه و النابذین لأحكامه وراء ظهورهم ، و هم المحرّفون المبدّلون له و المغیّرون لأحكامه

[ 76 ]

و المفسّرون له بآرائهم المتبوّءون مقعدهم من النّار ، و إنّما توقف الأخذوا لتمسّك على معرفة هؤلاء لیحترز عن الرّجوع الیهم و الى تفاسیرهم كیلا یتبوّء مقعده مثلهم من النار .

و محصّل المراد من هذه الجملات الثلاث التّنبیه على وجوب التبرّى من أئمّة الضّلال و المعاداة لأعداء اللَّه سبحانه و قد دلّت علیه النصوص الكثیرة .

مثل ما فی البحار من السرائر من كتاب انس العالم للصفوانى قال : إنّ رجلا قدم على أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال : یا أمیر المؤمنین إنّی احبّك و احبّ فلانا و سمّى بعض أعدائه فقال : أمّا الآن فأنت أعور فإمّا أن تعمى و إمّا أن تبصر .

و قیل للصّادق علیه السّلام : إنّ فلانا یوالیكم إلاّ أنّه یضعف من البرائة من عدوّكم فقال هیهات كذب من ادّعى محبّتنا و لم یتبرّء من عدوّنا .

و روى عن الرّضا علیه السّلام أنه قال : كمال الدّین ولایتنا و البرائة من عدوّنا .

ثمّ قال الصفوانی : و اعلم أنّه لا یتمّ الولایة و لا تخلص المحبّة و لا تثبت الموده لآل محمّد علیهم السّلام إلاّ بالبرائة من أعدائهم قریبا كان أو بعیدا ، فلا تأخذك به رأفة فانّ اللَّه عزّ و جلّ یقول : « لا تجد قوما یؤمنون باللَّه و الیوم الآخر یوادّون من حادّ اللَّه و رسوله و لو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشیرتهم » .

و فیه من تفسیر العیّاشی عن أبی حمزة الثمالی قال : قال أبو جعفر علیه السّلام یا أبا حمزة انّما یعبد اللَّه من عرف اللَّه ، و أمّا من لا یعرف اللَّه كأنّما یعبد غیره هكذا 1 ضالاّ ، قلت :

أصلحك اللَّه و ما معرفة اللَّه ؟ قال : یصدّق اللَّه و یصدّق محمّدا رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فی موالاة علیّ و الائتمام به و بأئمّة الهدى من بعده ، و البرائة إلى اللَّه من عدوّهم ، و كذلك عرفان اللَّه ،

قال قلت : أصلحك اللَّه أىّ شی‏ء اذا علمته أنا استكملت حقیقة الایمان ؟ قال : توالى أولیاء اللَّه و تعادى أعداء اللَّه و تكون مع الصّادقین كما أمرك اللَّه ، قال : قلت : و من أولیاء اللَّه و من أعداء اللَّه ؟ فقال : أولیاء اللَّه محمّد رسول اللَّه و علیّ و الحسن و الحسین

-----------
( 1 ) قوله هكذا كانه ( ع ) أشار الى الخلف أو الى الیمین أو الشمال ، أى حادّ عن الطریق الموصل الى النجاة فلا یزیده كثرة العمل الاّ بعدا عن المقصود كمن ضلّ عن الطریق ( بحار )

[ 77 ]

و علیّ بن الحسین ، ثمّ انتهى الأمر الینا ثمّ ابنى جعفر و أومأه إلى جعفر علیه السّلام و هو جالس ، فمن والى هؤلاء فقد والى أولیاء اللَّه و كان مع الصّادقین كما أمره اللَّه قلت و من أعداء اللَّه أصلحك اللَّه ؟ قال : الأوثان الأربعة قال : قلت : من هم ؟ قال :

ابو الفصیل 1 ، و رمع ، و نعثل ، و معاویة و من دان دینهم ، فمن عادى هؤلاء فقد عادى أعداء اللَّه .

و من عقاید الصّدوق قال : اعتقادنا فی الظّالمین أنّهم ملعونون و البرائة منهم واجبة ، قال اللَّه عزّ و جلّ : « و من أظلم ممّن افترى على اللَّه كذبا اولئك یعرضون على ربّهم و یقول الأشهاد هؤلاء الّذین كذبوا على ربّهم ألا لعنة اللَّه على الظالمین الّذین یصدّون عن سبیل اللَّه و یبغونها عوجا و هم بالآخرة هم كافرون » .

و قال ابن عبّاس فی تفسیر هذه الآیة : إنّ سبیل اللَّه عزّ و جلّ فی هذا الموضع هو علیّ بن أبیطالب .

و الأئمة فی كتاب اللَّه عزّ و جلّ إمامان : إمام هدى و إمام ضلالة ، قال جلّ ثناؤه « و جعلناهم أئمّة یهدون بأمرنا لمّا صبروا » و قال عزّ و جلّ فی أئمة الضلالة : « و جعلناهم أئمّة یدعون إلى النّار و یوم القیامة لا ینصرون و اتبعناهم فی هذه الدّنیا لعنة و یوم القیامة هم من المقبوحین » .

و لمّا نزلت هذه الآیة : « و اتّقوا فتنة لا تصیبنّ الّذین ظلموا منكم خاصّة » قال النّبی صلّى اللَّه علیه و آله من ظلم علیا مقعدى هذا بعد وفاتی فكأنما جحد نبوّتی و نبوّة الأنبیاء من قبلی ، و من تولّى ظالما فهو ظالم .

« یا أیّها الذین آمنوا لا تتّخذوا آبائكم و إخوانكم أولیاء إن استحبّوا الكفر على الایمان و من یتولّ منكم فاولئك هم الظالمون » و قال اللَّه عزّ و جلّ : « یا أیّها الذین آمنوا لا تتولّوا قوما غضب اللَّه علیهم » و قال عزّ و جلّ « لا تجد قوما یؤمنون باللَّه و الیوم الآخر یوادّون من حادّ اللَّه و رسوله و لو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو اخوانهم أو عشیرتهم »

-----------
( 1 ) أبو الفصیل أبو بكر لأنّ الفصیل و البكر متقاربان فى المعنى و رمع مقلوب عمر و نعثل هو عثمان كما فى كتب اللغة ( بحار )

[ 78 ]

و قال عزّ و جلّ : « و لا تركنوا إلى الّذین ظلموا فتمسّكم النّار » و الظلم هو وضع الشی‏ء فی غیر موضعه ، فمن ادّعى الامامة و لیس بامام فهو ظالم ملعون .

و قال النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم من جحد علیا إمامته من بعدى فانّما جحد نبوّتى ،

و من جحد نبوّتی فقد جحد اللَّه ربوبیّته .

و قال النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم لعلیّ علیه السّلام : یا علیّ أنت المظلوم بعدی من ظلمك فقد ظلمنی و من أنصفك فقد أنصفنی و من جحدك فقد جحدنی و من والاك فقد والانی و من عاداك فقد عادانی و من أطاعك فقد أطاعتی و من عصاك فقد عصانی ، الى غیر ذلك مما لا نطیل بذكرها .

فقد علم بذلك كلّه وجوب التّبرّى عن أئمّة الضّلال و التولّى لأئمّة الهدى .

و ذلك لما نبّه أمیر المؤمنین علیه السّلام على التنفیر عن الفرقة الاولى بمعرفتهم و معرفة ما هم علیه من الخطاء و الجهل و الشبّه أمر باتّباع الفرقة الاخرى و الرجوع الیهم بقوله : ( فالتمسوا ) و اطلبوا ( ذلك ) أى ما سبق ذكره یعنی الحقّ و الرشد و میثاق الكتاب و كیفیة التمسّك به ( من عند أهله ) أراد به نفسه الشریف و الطیّبین من أولاده أعنى الأئمة المعصومین و ینابیع العلم و الیقین ( فانهم عیش العلم و موت الجهل ) أى بهم حیاة العلم و ممات الجهل و استعار لهم هذین الوصفین باعتبار أنّ بهم ینتفع بالعلم و یحصل ثمراته و آثاره كما أنّ بحیاة الشی‏ء یوجد آثاره و ینتفع به ،

و كذلك بهم یبطل الجهل و یضمحلّ كما أنّ بالموت یبطل حیاة الحىّ و یفنى .

( هم الذین یخبركم حكمهم عن علمهم ) یجوز أن یراد بالحكم ما صدر عنهم من الأحكام الشرعیة و التكالیف الالهیة ، و أن یراد به القضاء و فصل الخصومات فی الوقائع الشخصیّة ، و على أیّ تقدیر یدلّ ما صدر عنهم من القضاء و الأحكام على غزارة علمهم و جمّ معرفتهم علیهم السّلام ، و ینبئك بذلك ما قدّمناه فی شرح قوله علیه السّلام : و عندنا أهل البیت أبواب الحكم ، فی شرح الكلام المأة و التاسع عشر فتذكّر .

( و صمتهم من منطقهم ) فانّ لصمت اللّسن ذی الحكمة الغزیرة هیئة

[ 79 ]

و حالة و وقارا یدل على حسن منطقه و علمه بما یقول ( و ظاهرهم عن باطنهم ) أی حسن أفعالهم و حركاتهم الظاهریّة یكشف عن كمالاتهم و ملكاتهم النفسانیّة ( لا یخالفون الدّین ) لأنهم قوامه و أولیاؤه و ملازمون له ، معصومون من الذنوب ، مبرّؤون من العیوب ( و لا یختلفون فیه ) أى لا یختلف أحدهم للآخر فیما یؤدّونه من أحكام اللَّه و یبلّغونه من أوامره ، لأنّ علومهم كلّها من نبع واحد ملقاة عن مهبط الوحى و معدن الرّسالة ، و بعد اتّحاد المنبع لا یتصوّر الاختلاف لمكان العصمة المانعة عن تعمد الكذب و الغلط و السّهو و الخطاء النّاشی منها الاختلاف .

روى فی الكافی عن أبیجعفر علیه السّلام قال : قال اللَّه عزّ و جلّ فی لیلة القدر :

فیها یفرق كلّ أمر حكیم ، یقول : ینزل فیها كلّ أمر حكیم ، و المحكم لیس بشیئین ،

فمن حكم بما لیس فیه اختلاف فحكمه من حكم اللَّه عزّ و جلّ ، و من حكم بأمر فیه اختلاف فرأى أنّه مصیب فقد حكم بحكم الطّاغوت ، الحدیث و قد مرّ بتمامه فی شرح الفصل التّاسع من الخطبة الاولى .

و فی البحار من معانی الأخبار عن الحسین الأشقر قال : قلت لهشام بن الحكم ما معنى قولكم : إنّ الامام لا یكون إلاّ معصوما ؟ قال : سألت أبا عبد اللَّه علیه السّلام عن ذلك فقال : المعصوم هو الممتنع باللَّه من جمیع محارم اللَّه ، و قال اللَّه تبارك و تعالى :

« و من یعتصم باللَّه فقد هدى إلى صراط مستقیم » .

قال المحدّث العلاّمة المجلسیّ : قال الصّدوق فی معانی الأخبار بعد خبر هشام : الدّلیل على عصمة الامام أنّه لما كان كلّ كلام ینقل عن قائله یحتمل وجوها من التأویل كان أكثر القرآن و السنّة مما اجتمعت الفرقة على أنّه صحیح لم یغیّر و لم یبدّل و لم یزد فیه و لم ینقص منه محتملا لوجوه كثیرة من التّأویل ،

وجب أن یكون مع ذلك مخبر صادق معصوم من تعمّد الكذب و الغلط منبى‏ء عمّا عنى اللَّه عزّ و جلّ فی الكتاب و السّنّة على حقّ ذلك و صدقه ، لأنّ الخلق مختلفون فی التّأویل ، كلّ فرقة تمیل مع القرآن و السّنة إلى مذهبها ، فلو كان اللَّه تبارك و تعالى تركهم بهذه الصّفة من غیر مخبر عن كتابه صادق فیه لكان قد سوّغهم الاختلاف

[ 80 ]

فی الدّین و دعاهم الیه إذ أنزل كتابا یحتمل التأویل و سنّ نبیّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم سنّة تحتمل التأویل و أمرهم بالعمل بهما ، فكأنّه قال : تأوّلوا و اعملوا ، و فی ذلك إباحة العمل بالمتناقضات و الاعتماد للحقّ و خلافه ، فلمّا استحال ذلك على اللَّه عزّ و جلّ وجب أن یكون مع القرآن و السّنّة فی كلّ عصر من یبیّن عن المعانی الّتی عناها اللَّه عزّ و جلّ فی القرآن بكلامه دون ما یحتمل ألفاظ القرآن من التأویل ، و یبیّن عن المعانی الّتی عناها رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فی سنّته و أخباره دون التأویل الّذی یحتمله الأخبار المرویّة عنه المجمع على صحّة نقلها ، و إذا وجب أنّه لا بدّ من مخبر صادق وجب أن لا یجوز علیه الكذب تعمّدا ، و لا الغلط فیما یخبر به عن مراد اللَّه عزّ و جلّ و عن مراد رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فی اخباره و سنّته ، و إذا وجب ذلك وجب أنّه معصوم ،

انتهى كلامه رفع مقامه .

فقد ظهر بذلك أنّه لا یتصوّر منهم الاختلاف فی شرائع الدّین لا من أحدهم للآخر و لا من كلّ منهم فیما یصدر عنه من الأحكام المتعدّدة كما ظهر به وجوب الرجوع فی فهم مرادات الكتاب و السّنّة إلیهم حسب ما نبّه علیه أمیر المؤمنین علیه السّلام بقوله آنفا : فالتمسوا ذلك من عند أهله ، فافهم و اغتنم .

( فهو ) أى الدّین بینهم ( شاهد صادق ) أى شاهد صدق یشهد على اتّفاقهم فیه و عدم اختلافهم و خلافهم له ( و صامت ناطق ) أى ساكت باعتبار كونه أمرا عرضیّا اعتباریّا لا وجود له فی الأعیان ، و ناطق باعتبار افادته لكونهم ملازمین له و متّفقین علیه و إنبائه عن أنّهم على الحقّ و الحقّ معهم ، هذا .

و ما ذكرناه فی تفسیر هاتین الفقرتین أظهر و أولى ممّا قاله الشارح البحرانی حیث قال : و قوله : شاهد صادق أى شاهد یستدّلون به على الأحكام و الوقائع النّازلة بهم و بغیرهم لا یكذّب من حیث هو شاهد ، و صامت ناطق لكونه حروفا و أصواتا ، و إنما ینطق بألسنتهم فهو بمنزلة النّاطق ، انتهى .

قال الشّارح المعتزلی : فالدّین بینهم شاهد صادق یأخذون بحكمه كما یأخذ

[ 81 ]





نظرات() 


http://casandrasteckelberg.weebly.com/blog/hammertoes-surgery
سه شنبه 2 خرداد 1396 10:42 ق.ظ
Piece of writing writing is also a fun, if you be familiar with then you can write
otherwise it is difficult to write.
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox