تبلیغات
پیام هادی - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-09:45 ب.ظ

------
( 1 ) أى علم الهدى م

-----------
( 2 ) أى عبیدا و خدما یستعبدونهم و یستخدمونهم ، منه

[ 244 ]

فقالوا : ما سمعناه ، فقال عثمان : ویلك یا أبا ذر أتكذب على رسول اللّه ؟ فقال أبو ذر لمن حضر : أما تظنّون أنی صدقت ؟ قالوا : لا و اللّه ما ندرى ، فقال عثمان : ادعو الى علیا فدعی فلمّا جاء قال عثمان لأبی ذر : اقصص علیه حدیثك فی بنی أبی العاص ، فحدّثه ،

فقال عثمان لعلیّ : هل سمعت هذا من رسول اللّه ؟ فقال : لا و صدق أبو ذر ، فقال :

كیف عرفت صدقه ؟ فقال : لأنّی سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : ما أظلّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء على ذی لهجة أصدق من أبی ذر ، فقال من حضر 1 من أصحاب النبیّ جمیعا : لقد صدق أبو ذر ، فقال أبو ذر : أحدّثكم أنّى سمعت هذا من رسول اللّه ثمّ تتّهمونی ما كنت أظنّ أن أعیش حتّى أسمع من أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

قال السّیّد ( ره ) : و روى الواقدی فی خبر آخر باسناده عن صهبان مولى الأسلمیّین قال : رأیت أبا ذر یوما دخل به على عثمان فقال له : أنت الذی فعلت و فعلت ؟ فقال له أبو ذر : قد نصحتك فاستغششتنی و نصحت صاحبك فاستغشّنی ، فقال عثمان : كذبت و لكنّك ترید الفتنة و تحبّها قد قلبت الشّام علینا ، فقال له أبوذر :

اتّبع سنّة صاحبیك لا یكون لأحد علیك كلام ، فقال له عثمان : ما لك و ذلك لا أمّ لك ، فقال أبو ذر و اللّه ما وجدت لی عذرا إلاّ الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر ،

فغضب عثمان فقال : أشیروا علىّ فی هذا الشیخ الكذّاب إمّا أن أضربه أو أحبسه أو أقتله فانّه قد فرّق جماعة المسلمین أو أنفیه من الأرض ، فتكلّم علیّ علیه السّلام و كان حاضرا فقال : أشیر علیك بما قال مؤمن آل فرعون قال : إن یك كاذبا فعلیه كذبه و إن یك صادقا یصبكم بعض الّذی یعدكم إنّ اللّه لا یهدى من هو مسرف كذّاب فأجابه عثمان بجواب غلیظ لم احبّ أن أذكره و أجابه علىّ علیه السّلام مثله أقول هذا الجواب الذی لم یحبّ ذكره هو قوله لعنه اللّه : بفیك التّراب ، فأجابه علیه السّلام بقوله : بل بفیك التّراب كما یأتی فی روایة تقریب المعارف قال الواقدی : ثمّ إنّ عثمان حظر على النّاس أن یقاعدوا أبا ذر و یكلّموه ،

فمكث كذلك أیّاما ثمّ أمر أن یؤتى به ، فلمّا أتى به و وقف بین یدیه قال : ویحك یا عثمان أما رأیت رسول اللّه و رأیت أبا بكر و عمر هل رأیت هدیك هدیهم إنّك لتبطش

-----------
( 1 ) « أما هذا فسمعناه كلّنا من رسول اللّه خ »

[ 245 ]

فی بطش جبّار ، فقال : اخرج عنّا من بلادنا ، فقال أبو ذر : فما أبغض إلىّ جوارك فالى أین أخرج ؟ قال : حیث شئت ، قال : فأخرج إلى الشّام أرض الجهاد ، فقال :

إنما أجلبتك من الشّام لما قد أفسدتها أفأردّك إلیها ؟ قال : إذا أخرج إلى العراق قال : لا ، قال : و لم ؟ قال : تقدم على قوم أهل شبهة و طعن على الأئمة ، قال : فأخرج إلى مصر ، قال : لا ، قال : فالى أین أخرج قال : حیث شئت فقال هو إذا التعرّب بعد الهجرة أخرج إلى نجد ، قال عثمان : الشّرف الشّرف الا بعد أقصى فأقصى ، فقال أبو ذر : قد أبیت ذلك علىّ ، قال : امض على وجهك هذا و لا تعودنّ الرّبذة و فی البحار من تقریب المعارف لأبی الصّلاح عن الثّقفی فی تاریخه عن عبد الملك ابن أخى أبی ذر قال : كتب معاویة إلى عثمان : إنّ أبا ذر قد حرّف قلوب أهل الشّام و بغّضك إلیهم فما یستفتون غیره و لا یقضى بینهم إلاّ هو ، فكتب عثمان إلى معاویة أن احمل أبا ذر على ناب صعب وقتب ثمّ ابعث معه من یبخش به بخشا 1 عنیفا حتّى یقدم به علىّ ، قال : فحمله معاویة على ناقة صعبة علیها قتب ما على القتب إلاّ مسح ثمّ بعث معه من یسیره سیرا عنیفا و خرجت معه فما لبث الشّیخ إلاّ قلیلا حتّى سقط مایلى القتب من لحم فخذیه و قرح ، فكنت إذا كان اللّیل أخذت ملائى فالقیتهما تحته فاذا كان السّحر نزعتهما مخافة أن یرونی فیمنعونی من ذلك حتّى قدمنا المدینة ، و بلغ عثمان ما لقى أبو ذر من الوجع و الجهد فحجبه جمعة و جمعة حتّى مضت عشرون لیلة أو نحوها و أفاق أبو ذر ثمّ أرسل الیه و هو معتمد على یدی فدخلنا علیه و هو متّكى ، فاستوى قاعدا فلمّا دنى أبو ذر منه قال عثمان :

لا أنعم اللّه بعمرو عینا
تحیّة السّخط إذا التقینا

فقال له أبو ذر : فو اللّه ما سمّانی اللّه عمرا و لا سمّانی أبواى عمرا و إنّى على العهد الذی فارقت علیه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ما غیّرت و لا بدّلت ، فقال له عثمان : كذبت لقد كذبت على نبینّا و طعنت فی دیننا و فارقت رأینا و ضغنت قلوب المسلمین علینا ، ثمّ قال لبعض غلمانه : ادع لی قریشا ، فانطلق رسوله فما لبثنا أن امتلاء البیت من

-----------
( 1 ) البخش بالجیم الاسراع و بالخاء المعجمة الحثّ و السوق الشدید و التحریك للایذاء ، منه

[ 246 ]

رجال قریش ، فقال لهم عثمان إنّا أرسلنا إلیكم فی هذا الشّیخ الكذّاب الذی كذب على نبیّنا و طعن فی دیننا و ضغن قلوب المسلمین علینا ، و إنّى قد رأیت أن أقتله أو أصلبه أو أنفیه من الأرض ، فقال بعضهم : رأینا لرأیك تبع ، و قال بعضهم : لا تفعل فانّه صاحب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و له حقّ فما منهم أحد أدّى الذی علیه فبیناهم كذلك إذا جاء علیّ بن أبیطالب یتوكّأ على عصا سرّا ، فسلّم علیه و نظر و لم یجد مقعدا فاعتمد على عصاه فما أدرى أتخلّف عهد أمّ یظنّ به غیر ذلك ، ثمّ قال علیّ فیما أرسلتم إلینا ؟ قال عثمان : أرسلنا إلیكم فی أمر قد فرّق لنا فیه الرّأى فأجمع رأینا و رأى المسلمین فیه على أمر ، قال علیّ علیه السّلام : و للّه الحمد أما أنّكم لو أشرتمونا لم نألكم نصیحة ، فقال عثمان : إنّا أرسلنا إلیكم فی هذا الشیخ الذی قد كذب على نبیّنا و طعن فی دیننا و خالف رأینا و ضغن قلوب المسلمین علینا ، و قد رأینا أن نقتله أو نصلبه أو ننفیه من الأرض ، قال علیّ علیه السّلام أفلا أدلّكم على خیر من ذلكم و أقرب رشدا تتركونه بمنزلة آل فرعون « إن یك كاذبا فعلیه كذبه و إن یك صادقا یصبكم بعض الذی یعدكم إنّ اللّه لا یهدى من هو مسرف كذّاب » فقال عثمان لعنه اللّه : بفیك التّراب ، فقال له علیّ علیه السّلام بل بفیك التراب ، و سیكون به فأمر بالنّاس فاخرجوا و فی تفسیر علیّ بن إبراهیم القمّی فی قوله تعالى : و إذ أخذنا میثاقكم لا تسفكون دمائكم الآیة ، أنّها نزلت فی أبی ذر رحمه اللّه و عثمان بن عفّان ، و كان سبب ذلك لمّا أمر عثمان بن عفّان بنفى أبا ذر إلى الرّبذة ، دخل علیه أبو ذر و كان علیلا متوكّئا على عصاه و بین یدی عثمان مأة ألف درهم قد حملت إلیه من بعض النّواحى و أصحابه حوله ینظرون إلیه و یطمعون أن یقسّمها فیهم ، فقال أبو ذر لعثمان : ما هذا المال ؟ فقال له عثمان : مأة ألف درهم حملت إلىّ من بعض النواحی ارید أن أضمّ إلیها مثله و أرى فیه رأیى ، فقال أبو ذر : یا عثمان أیّما أكثر مأة ألف درهم أو أربعة دنانیر ؟ فقال : بل مأة ألف درهم ، فقال : أما تذكر أنا و أنت و قد دخلنا على رسول اللّه عشیّا فرأیناه كئیبا حزینا فسلّمنا علیه فلم یردّ علینا السّلام ، فلمّا أصبحنا أتیناه فرأیناه ضاحكا مستبشرا فقلنا له : بآبائنا و امّهاتنا دخلنا علیك البارحة فرأیناك

[ 247 ]

كئیبا حزینا ، ثمّ عدنا إلیك الیوم فرأیناك ضاحكا مستبشرا ، فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : نعم كان قد بقى عندى من فی‏ء المسلمین أربعة دنانیر لم أكن قسّمتها و خفت أن یدركنی الموت و هى عندی و قد قسّمتها الیوم و استرحت منها ، فنظر عثمان إلى كعب الأخبار فقال له : یا أبا إسحاق ما تقول فی رجل أدّى زكاة ماله المفروضة هل یجب علیه فیما بعد ذلك شی‏ء ؟ فقال : لا و لو اتّخذ لبنة من ذهب و لبنة من فضّة ما وجب علیه شی‏ء ،

فرفع أبو ذر عصاه و ضرب به رأس كعب ثمّ قال له : یابن الیهودیّة الكافرة ما أنت و النّظر فی أحكام المسلمین قول اللّه أصدق من قولك حیث قال :

الَّذینَ یَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا یُنْفِقُونَها فی سَبیلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلیمٍ یَوْمَ یُحْمى عَلَیْها فی نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ .

فقال عثمان : یا أبا ذر إنّك شیخ قد خرفت و ذهب عقلك و لو لا صحبتك لرسول اللّه لقتلتك ، فقال : كذبت یا عثمان أخبرنى حبیبى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال : إنّهم لا یفتنونك و لا یقتلونك و أمّا عقلى فقد بقى منه ما أحفظ حدیثا سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیك و فی قومك ، فقال : ما سمعت فیّ و فی قومى ؟ قال : سمعته یقول : إذا بلغ آل أبی العاص ثلاثین رجلا صیّروا مال اللّه دولا ، و كتاب اللّه دخلا ، و عباده خولا و الفاسقین حزبا و الصّالحین حربا ، فقال عثمان : یا معشر أصحاب محمّد هل سمع أحد منكم هذا من رسول اللّه ؟ قالوا : لا ما سمعنا هذا من رسول اللّه ، فقال عثمان :

ادع لی علیّا فجآء أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال له عثمان : یا أبا الحسن انظر ما یقول هذا الشّیخ الكذّاب ، فقال علیه السّلام : مه یا عثمان لا تقل كذّاب فانّى سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : ما أظلّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء على ذى لهجة أصدق من أبی ذرّ فقال

[ 248 ]

أصحاب رسول اللّه : صدق أبو ذر فقد سمعنا هذا من رسول اللّه ، فبكى أبو ذر عند ذلك فقال : ویلكم كلّكم قد مدّ عنقه إلى هذا المال ظنتم أنّى أكذب على رسول اللّه ،

ثمّ نظر إلیهم فقال : من خیركم ؟ فقالوا أنت تقول إنّك خیرنا قال : نعم خلفت حبیبی رسول اللّه على هذه الجبّة و هو علىّ بعد و أنتم قد أحدثتم أحداثا كثیرة و اللّه سائلكم عن ذلك و لا یسألنی ، فقال عثمان : یا أبا ذر أسألك بحقّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلاّ ما أخبرتنی عن شی‏ء أسألك عنه ، فقال أبو ذر : و اللّه لو لم تسألنی بحقّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أیضا لأخبرتك فقال : أیّ البلاد أحبّ إلیك أن تكون فیها ؟ قال : مكّة حرم اللّه و حرم رسوله أعبد اللّه فیها حتّى یأتینی الموت ، فقال : لا و لا كرامة ، قال : المدینة حرم رسول اللّه قال : لا و لا كرامة لك ، قال : فسكت أبو ذر ، فقال عثمان : أىّ البلاد أبغض إلیك أن تكون فیها ؟ قال : الرّبذة التى كنت فیها على غیر دین الاسلام ، فقال عثمان :

سر إلیها ، قال أبو ذر : قد سألتنی فصدقتك و أنا أسألك فاصدقنى ، قال : نعم فقال :

أخبرنی لو بعثتنی فیمن بعثت من أصحابك إلى المشركین فأسرونی فقالوا لا نفدیه إلاّ بثلث ما تملك ، قال : كنت أفدیك ، قال : فان قالوا لا نفدیه إلاّ بنصف ما تملك ، قال :

كنت أفدیك ، قال فان قالوا لا نفدیه إلاّ بكلّ ما تملك قال كنت أفدیك ، قال أبو ذر رحمه اللّه : اللّه أكبر قال لی حبیبی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یوما : یا أبا ذر كیف أنت إذا قیل لك : أىّ البلاد أحبّ الیك فتقول : مكّة حرم اللّه و حرم رسوله أعبد اللّه فیها حتى یأتینی الموت ، فیقال لك لا و لا كرامة لك ، فتقول : فالمدینة حرم رسول اللّه ،

فیقال لك لا و لا كرامة لك ثمّ یقال لك أىّ البلاد أبغض الیك أن تكون فیها ،

فتقول : الرّبذة الّتی كنت فیها على غیر دین الاسلام ، فیقال لك سر الیها ، فقلت :

إنّ هذا لكائن یا رسول اللّه ؟ فقال : إى و الذی نفسى بیده إنّه لكائن فقلت : یا رسول اللّه أفلا أضع سیفی هذا على عاتقى فأضرب به قدما قدما ؟ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لا ، اسمع و اسكت و لو لعبد حبشیّ و قد أنزل اللّه تعالى فیك و فی عثمان آیة ، فقلت : و ما هی یا رسول اللّه فقال : قوله تبارك و تعالى : و إذ أخذنا میثاقكم لا تسفكون دمائكم و لا تخرجون أنفسكم من دیاركم ثمّ أقررتم و أنتم تشهدون ثمّ أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم و تخرجون

[ 249 ]

فریقا منكم من دیارهم تظاهرون علیهم بالاثم و العدوان و إن یأتوكم أسارى تفادوهم و هو محرّم علیكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض فما جزاء من یفعل ذلك منكم الاّ خزى فی الحیوة الدّنیا و یوم القیامة یردّون إلى أشدّ العذاب و ما اللّه بغافل عمّا تعملون و فی الرّوضة من الكافی عن سهل عن محمّد بن الحسن عن محمّد بن حفص التمیمی قال حدّثنی أبو جعفر الخثعمیّ قال :

لمّا سیّر عثمان أبا ذرّ إلى الرّبذة شیّعة أمیر المؤمنین و عقیل و الحسن و الحسین علیهم السّلام و عمّار بن یاسر رضی اللّه عنه ، فلمّا كان عند الوداع قال أمیر المؤمنین علیه السّلام : یا أبا ذر إنّما غضبت للّه عزّ و جلّ فارج من غضبت له إنّ القوم خافوك على دینارهم و خفتهم على دینك فارحلوك عن الفناء و امتحنوك بالبلاء ، لو كانت السّماوات و الأرض على عبد رتقا ثم اتّقى اللّه جعل له مخرجا ، لا یؤنسنّك إلاّ الحقّ و لا یوحشنّك إلاّ الباطل ثمّ تكلّم عقیل و قال : یا أبا ذر أنت تعلم أنّا نحبّك و نحن نعلم أنّك تحبّنا و أنت قد حفظت فینا ما ضیّع النّاس إلاّ القلیل ، فثوابك على اللّه عزّ و جلّ ، و لذلك أخرجك المخرجون و سیّرك المسیّرون ، فثوابك على اللّه عزّ و جلّ فاتّق اللّه و اعلم أنّ استعفاؤك البلاء من الجزع و استبطاؤك العافیة من الأیاس فدع الأیاس و الجزع فقل : حسبى اللّه و نعم الوكیل .

ثمّ تكلّم الحسن علیه السّلام و قال : یا عمّاه إنّ القوم قد أتوا إلیك ما قد ترى و أنّ اللّه بالمنظر الأعلى ، فدع عنك ذكر الدّنیا بذكر فراقها ، و شدّة ما یرد علیك لرخاء ما بعدها ، و اصبر حتّى تلقى نبیّك صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و هو عنك راض إن شاء اللّه .

ثمّ تكلّم الحسین علیه السّلام فقال : یا عمّاه إنّ اللّه تبارك و تعالى قادر أن یغیّر ما ترى و هو كلّ یوم فی شأن ، القوم منعوك دنیاهم و منعتهم دینك فما أغناك عمّا منعوك و أحوجهم إلى ما منعتهم فعلیك بالصّبر ، و إنّ الخیر فی الصّبر و الصّبر من الكرم و دع الجزع فانّ الجزع لا یغنیك

[ 250 ]

ثمّ تكلّم عمّار رضى اللّه عنه فقال : یا أبا ذرّ أوحش اللّه من أوحشك و أخاف من أخافك ، أنّه و اللّه ما منع النّاس أن یقولوا الحقّ إلاّ الرّكون إلى الدّنیا و الحبّ لها ، ألا إنّما الطاعة على الجماعة و الملك لمن غلب علیه ، و إنّ هؤلاء القوم دعوا النّاس إلى دنیاهم فأجابوهم إلیها و وهبوا لهم دینهم فخسروا الدّنیا و الآخرة ذلك هو الخسران المبین .

ثمّ تكلّم أبو ذر رحمه اللّه فقال : علیكم السّلام و رحمة اللّه و بركاته بأبی و أمّی هذه الوجوه ، فانّی إذا رأیتكم ذكرت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بكم و مالى بالمدینة شجن و لا سكن غیركم و إنّه ثقل على عثمان جوارى بالمدینة كما ثقل على معاویة فآلى أن یسیّرنی إلى بلدة و طلبت إلیه أن یكون ذلك إلى الكوفة ، فزعم أنّه یخاف أن أفسد على أخیه النّاس بالكوفة و آلى باللّه لیسیّرنى إلى بلدة لا أرى بها أنیسا و لا أسمع بها حسیسا و إنّى و اللّه ما ارید إلاّ اللّه عزّ و جلّ صاحبا و مالى مع اللّه وحشة حسبى اللّه لا إله إلاّ هو علیه توكّلت و هو ربّ العرش العظیم و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرین و فی البحار عن المسعودى فی مروج الذّهب بعد أن أورد كیفیّة ردّ عثمان له رحمه اللّه إلى المدینة و ساق الحدیث إلى نفیه له منها قال :

فقال له عثمان : و اروجهك عنّى قال : أسیر إلى مكّة ، قال : لا و اللّه ، قال فإلى الشّام ، قال : لا و اللّه ، قال : فإلى البصرة قال : لا و اللّه فاختر غیر هذه البلدان ، قال لا و اللّه لا أختار غیر ما ذكرت لك و لو تركتنی فی دار هجرتی ما أردت شیئا من البلدان فسیّرنی حیث شئت من البلاد ، قال إنّی اسیّرك إلى الرّبذة ، قال : اللّه أكبر صدق رسول اللّه قد أخبرنی بكلّ ما أنا لاق قال : و ما قال لك ؟ قال : أخبرنی أنی امنع من مكّة و المدینة و أموت بالرّبذة و یتولّى دفنی نفر یریدون العراق إلى نحو الحجاز و بعث أبو ذر إلى جمل فحمل علیه أمرأته و قیل ابنته ، و أمر عثمان أن یتجافاه الناس حتّى یسیر إلى الرّبذة و لمّا طلع عن المدینة و مروان یسیّره عنها طلع علیّ بن ابیطالب علیه السّلام و معه الحسن و الحسین علیهما السّلام و عقیل أخوه و عبد اللّه بن جعفر و عمّار بن یاسر فاعترض

[ 251 ]

مروان و قال : یا علیّ إنّ أمیر المؤمنین نهى الناس أن یمنحوا أبا ذر أو یشیّعوه ، فان كنت لم تعلم بذلك فقد أعلمتك ، فحمل علیه السّلام علیه بالسّوط و ضرب بین اذنى ناقة مروان و قال تنحّ نحّاك اللّه إلى النّار ، و مضى مع أبی ذر فشیّعه ثمّ ودّعه و انصرف فلمّا أراد علیه السّلام الانصراف بكى أبو ذر و قال : رحمكم اللّه أهل البیت إذا رأیتك یا أبا الحسن و ولدك ذكرت بكم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فشكى مروان إلى عثمان ما فعل به علىّ علیه السّلام ، فقال عثمان : یا معشر المسلمین من یعذرنى من علیّ ردّ رسولی عمّا وجّهته له و فعل و فعل و اللّه لنعطینّه حقّه ، فلمّا رجع علیّ علیه السّلام استقبله النّاس و قالوا : إنّ أمیر المؤمنین علیك غضبان لتشییعك أبا ذر ، فقال علیّ علیه السّلام : غضب الخیل على اللّجم ، فلمّا كان بالعشّی و جاء عثمان قال : ما حملك على ما صنعت بمروان و لم اجترأت علىّ ورددت رسولی و أمرى ؟

فقال : أمّا مروان فاستقبلنی بردّى فرددته عن ردّى ، و أما أمرك لم أردّه ، فقال :

ألم یبلغك أنّی قد نهیت النّاس عن أبی ذرّ و تشییعه ؟ فقال علیّ علیه السّلام أو كلّما أمرتنا به من شی‏ء نرى طاعة اللّه و الحقّ فی خلافه اتبعنا فیه أمرك لعمر اللّه ما نفعل ، فقال عثمان : أقد مروان ، قال : و ممّ أقید قال : ضربت بین اذنى راحلته و شتمته فهو شاتمك و ضارب بین أذنى راحلتك ، قال علیّ أمّا راحلتی فهى تلك فان أراد أن یضربها كما ضربت راحلته فعل ، و أمّا أنا فو اللّه لئن شتمنى لأشتمنّك بمثله لا كذب فیه و لا أقول إلاّ حقا ، قال عثمان : و لم لا یشتمك إذا شتمته فو اللّه ما أنت بأفضل عندی منه ، فغضب علیّ علیه السّلام و قال : لی تقول هذا القول أمر و ان یعدل بی فلا و اللّه أنا أفضل منك ، و أبی أفضل من أبیك و أمّی أفضل من امّك و هذه نبلى قد نثلتها فانثلّ نبلك ، فغضب عثمان و احمرّ وجهه و قام و دخل ، و انصرف علیّ فاجتمع إلیه أهل بیته و رجال المهاجرین و الأنصار فلمّا كان من الغد و اجتمع النّاس شكى إلیهم علیّا ، و قال إنّه یغشّنی و یظاهر من یغشّنى یرید بذلك أبا ذرّ و عمّارا و غیرهما ، فدخل النّاس بینهما حتّى اصطلحا و قال علیّ : و اللّه ما أردت بتشییعی أبا ذر إلاّ اللّه تعالى ، هذا .

و قد روى الشّارح المعتزلی أكثر ما أوردناه من الأخبار فی تلك القصّة

[ 252 ]

بطرق آخر نحو ما رویناه و هى كافیة فی الطعن على عثمان و القدح فیه لأنّ أیذائه لأبی ذر رحمه اللّه و إهانته به فی حكم المعاداة للّه و لرسوله ، و قد قال اللّه تعالى : من أهان لی ولیا فقد بارزنی بالمحاربة ، و شهادته على أبی ذرّ بالكذب بعد ما سمع من أمیر المؤمنین شهادة النّبیّ علیه بالصّدق و كونه أصدق النّاس لهجة تكون فی الحقیقة راجعة إلى تكذیب رسول اللّه و ردّا لقوله ، و أعظم ذلك منازعته فی تلك القضیّة مع أمیر المؤمنین و إسائته الأدب فی حقّه و هی كافیة فی وجوب طعنه و لعنه و العجب أنّ الشّارح المعتزلی بعد ما أورد الأخبار الدّالة على إخراجه من المدینة بالاجبار اتبعه بقوله : و اعلم أنّ أصحابنا قد رووا أخبارا كثیرة معناها أنّه اخرج إلى الرّبذة باختیاره « إلى أن قال » و نحن نقول : هذه الأخبار و إن كانت قد رویت لكنّها لیست فی الاشتهار و الكثرة كتلك الأخبار و الوجه أن یقال فی الاعتذار عن عثمان و حسن الظنّ بفعله أنّه خاف الفتنة و اختلاف كلمة المسلمین فیغلب على ظنّه أنّ إخراج أبی ذرّ ( ره ) إلى الرّبذة أحسم للشّغب و أقطع للأطماع من أن یشرئب إلى شقّ العصا ، فأخرجه مراعاة للمصلحة ، و مثل ذلك یجوز للامام هكذا یقول أصحابنا المعتزلة و هو الألیق بمكارم الأخلاق فقد قال الشّاعر :

إذا ما أتت من صاحب لك زلّة
فكن أنت محتالا لزلّته عذرا

و إنّما یتأوّل أصحابنا حال من یحتمل حاله التّأویل كعثمان ، فأمّا من لا یحتمل حاله التّأویل و إن كانت له صحبة سالفة كمعایة و أضرابه فانّهم لأیتأوّلون لهم إذ كانت أفعالهم و أقوالهم لا وجه لتأویلها و لا یقبل العلاج ، و الاصلاح انتهى كلامه هبط مقامه .

اقول : أمّا ما حكاه عن أصحابه من روایتهم الأخبار الدّالة على إخراجه بالاختیار ، ففیه أنّ هذه الأخبار ممّا تفرّد بروایته أولیاء عثمان المتعصّبون له دفعا للعار و الشّنار عنه ، و هى لا تكافؤ أخبار الاجبار عددا و سندا و شهرة بین المؤالف و المخالف ، مضافا إلى ما فیها من مخایل الصّدق و دلائل الصّواب و الصّحة ، و هل تظنّ فی حقّ مثل أبى ذر أو یحكم عقلك بأنّه ترك إقامة حرم اللّه و حرم رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم

[ 253 ]

و مجاورة قبره و مصاحبة أمیر المؤمنین و آله المعصومین و اختار المهاجرة إلى الفلاة و الأرض القفر بالطّوع و الاختیار و الرّغبة و الرّضاء كلاّ ثمّ كلاّ و كیف یرضى من له أدنى عقل و كیاسة من المسلمین أن یموت فی أرض الیهود و یكون فیها و یرجّحها على الدّفن فی حرم الرّسول فضلا عن أبی ذرّ و أمثاله ، إن هذا إلاّ مفترى .

و أمّا ما اعتذر به الشارح عنه ففیه أنّ حمل فعل المسلم على الصّحة إنما هو اذا لم یكن الغالب على حاله الفساد ، و أمّا اذا كان الغالب على حاله ذلك فلا ،

و حال عثمان و سابقه فی السّوء و الفساد معلوم ، و كفى بذلك اغتصابهم الخلافة لأمیر المؤمنین علیه السّلام و تغییرهم شریعة سیّد المرسلین و إحراقهم باب بضعة خاتم النبیّین و جعلهم القرآن عضین ، و اعتیاضهم الدّنیا بالدّین ، مضافة إلى مطاعنهم الدّثرة و فضائحهم الجمّة الّتی تقدّمت فی مقامه و تأتی أیضا و مع ذلك فأىّ شی‏ء أوجب حسن الظنّ بفعل عثمان حتّى تأوّل الأخبار الناصّة بسوء فعله .

ثمّ أقول : هب أنّ الدّاعی على إخراجه كان خوف الفتنة و شقّ العصا على زعمك ، و لكن أىّ شی‏ء كان الدّاعی على حمله من الشّام إلى المدینة على جمل صعب لیس علیها إلاّ قتب یابس حتّى سقط لحم فخذیه من الجهد ، و ما كان السّبب لهذه الأذیّة ؟

فان قلت : إنّ معاویة فعل ذلك فی حقّه قلت : عثمان كتب إلى معاویة بأن یحمله على أغلظ مركب و أوعره مع من ساربه اللّیل و النّهار .

و أما تفرقة الشّارح بین عثمان و معاویة فهو أعجب ثمّ أعجب ، لأنّ كلیهما من فروع الشّجرة الملعونة ، و كلّ منهما فی مقام المحادّة و المعاداة و الظّلم لأمیر المؤمنین و لعترة سیّد النّبیّین و لرؤساء الدّین ، فلا یمكن إصلاح حالهما و علاج قبایح أعمالهما و فضائح أفعالهما بعد العین بالأثر و لا بعد الدّرایة بالخبر ،

و سیعلم الّذین ظلموا أىّ منقلب ینقلبون .

[ 254 ]

الترجمة

از جمله كلام آن بزرگوار است مر أبی ذر غفاری را در حینى كه اخراج شد از مدینه طیّبه بسوى ربذه فرمود :

اى أبو ذر بدرستى كه تو غضب كردى از براى رضاى خداى تبارك و تعالى پس امیدوار باش بكسى كه از براى او غضب نمودى ، بدرستى كه این قوم ترسیدند از تو بر دنیاى خودشان و ترسیدى تو از ایشان بر دین خود ، پس ترك كن در دست ایشان آنچه را كه ترسیدند از تو بر آن ، و بگریز از ایشان بآنچه كه ترسیدى از ایشان بر او ، پس چه بسیار احتیاج دارند بآنچه كه منع كردى تو ایشانرا یعنى از دین خود ، و چه قدر بى‏نیازى تو از آنچه كه منع كردند تو را یعنى دنیایشان و زود باشد كه بدانى كه كیست صاحب ربح و منفعت فرداى قیامت و بیشتر مردمان در حالتیكه حسد برند او را .

و اگر آسمانها و زمینها باشند بر بنده بسته شده پس بپرهیزد آن بنده از خداى تعالى هر آینه بگرداند پروردگار متعال از براى آن بنده محلّ خروجى از آنها یعنى أبواب فرج بر وى او مفتوح میشود ، و نباید مونس بشود ترا مگر خدا ، نباید وحشت آورد ترا غیر از باطل ، پس اگر قبول كرده بودى دنیاى ایشان را هر آینه دوست میداشتند ترا ، و اگر قطع كرده بودى و اخذ نمودى از دنیا یعنی قبول هدایاى ایشانرا میكردى هر آینه در أمان بودى از شرّ ایشان .

[ 131 ] و من كلام له ع و فیه یبین سبب طلبه الحكم و یصف الإمام الحق

أَیَّتُهَا اَلنُّفُوسُ اَلْمُخْتَلِفَةُ وَ اَلْقُلُوبُ اَلْمُتَشَتِّتَةُ اَلشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ وَ اَلْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ أَظْأَرُكُمْ عَلَى اَلْحَقِّ وَ أَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ اَلْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ اَلْأَسَدِ هَیْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ اَلْعَدْلِ أَوْ أُقِیمَ اِعْوِجَاجَ اَلْحَقِّ اَللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ یَكُنِ اَلَّذِی كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِی سُلْطَانٍ وَ لاَ اِلْتِمَاسَ شَیْ‏ءٍ مِنْ فُضُولِ اَلْحُطَامِ وَ لَكِنْ لِنَرِدَ اَلْمَعَالِمَ مِنْ دِینِكَ وَ نُظْهِرَ اَلْإِصْلاَحَ فِی بِلاَدِكَ فَیَأْمَنَ اَلْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ وَ تُقَامَ اَلْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ اَللَّهُمَّ إِنِّی أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ وَ سَمِعَ وَ أَجَابَ لَمْ یَسْبِقْنِی إِلاَّ رَسُولُ اَللَّهِ ص بِالصَّلاَةِ وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لاَ یَنْبَغِی أَنْ یَكُونَ اَلْوَالِی عَلَى اَلْفُرُوجِ وَ اَلدِّمَاءِ وَ اَلْمَغَانِمِ وَ اَلْأَحْكَامِ وَ إِمَامَةِ اَلْمُسْلِمِینَ اَلْبَخِیلُ فَتَكُونَ فِی أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ وَ لاَ اَلْجَاهِلُ فَیُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ وَ لاَ اَلْجَافِی فَیَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ وَ لاَ اَلْحَائِفُ لِلدُّوَلِ فَیَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ وَ لاَ اَلْمُرْتَشِی فِی اَلْحُكْمِ فَیَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ وَ یَقِفَ بِهَا دُونَ اَلْمَقَاطِعِ وَ لاَ اَلْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَیُهْلِكَ اَلْأُمَّةَ

و من كلام له علیه السّلام و هو المأة و الاحد و الثلاثون من المختار فى باب الخطب .

أیّتها النّفوس المختلفة ، و القلوب المتشتّتة ، الشّاهدة أبدانهم ،

[ 255 ]

و الغائبة عنهم عقولهم ، أظأركم على الحقّ و أنتم تنفرون عنه نفور المعزى من وعوعة الأسد ، هیهات أن أطلع بكم سرار العدل ، أو أقیم إعوجاج الحقّ ، اللّهم إنّك قد تعلم إنّه لم یكن الّذی كان منّا منافسة فی سلطان ، و لا التماس شی‏ء من فضول الحطام ، و لكن لنردّ المعالم من دینك ، و نظهر الإصلاح فی بلادك ، فیأمن المظلومون من عبادك و تقام المعطّلة من حدودك ، الّلهمّ إنّی أوّل من أناب ، و سمع و أجاب لم یسبقنی إلاّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالصّلاة ، و قد علمتم أنّه لا ینبغی أن یكون الوالی على الفروج و الدّماء و المغانم و الأحكام و إمامة المسلمین البخیل ، فتكون فی أموالهم نهمته ، و لا الجاهل فیضلّهم بجهله ، و لا الجافی فیقطعهم بجفائه ، و لا الحائف للدّول ، فیتّخذ قوما دون قوم ، و لا المرتشی فی الحكم ، فیذهب بالحقوق و یقف بها دون المقاطع ، و لا المطّل للسّنّة ، فیهلك الامّة .

اللغة

( ظارت ) النّاقة إذا عطفت على ولد غیرها و ظأرتها أیضا أى عطفتها یتعدّى و لا یتعدّی و ( المعز ) من الغنم خلاف الضّأن و هو اسم جنس و كذلك المعزى و ( سرار ) العدل قال الفیروز آبادی : السّرار كسحاب من الشّهر آخر لیلة كسراره و سرره و قال أیضا : سرارة الوادى أفضل مواضعه كسرّته و سرّه و سراره ، و قال

[ 256 ]

الكندری فی محكىّ كلامه : سرار الشهر و سرره آخر لیلة منه ، و السّرار المسارة من السّر و جمع سرر الكفّ و الجبهة .

و ( المنافسة ) المغالبة فی الشی‏ء النّفیس و ( الحطام ) ما تكسّر من الیبس و ( النّهمة ) بلوغ الهمّة و الشّهوة فی الشی‏ء و هو منهوم بكذا مولع به ، و روى نهمته محرّكة و هی إفراط الشّهوة فی الطّعام و ( الجفاء ) خلاف البرّ و الصّلة و رجل جافى الخلق و الخلقة أى غلیظ منقبض و ( الحائف ) بالحاء المهملة من الحیف و هو الظلم و الجور و ( الدّول ) بضمّ الدّال المهملة جمع الدّولة اسم للمال المتداول به قال تعالى : كیلا یكون دولة بین الأغنیاء منكم ، و روى الخائف للدّول بالخاء المعجمة و كسر الدّال جمع دولة بالفتح و هى الغلبة

الاعراب

الباء فی قوله اطلع بكم أمّا تعدیة أو سببیّة ، و سرار العدل إمّا منصوب على الظّرف أو مفعول به حسبما تعرف فی بیان المعنى

المعنى

اعلم أنّ المقصود بهذا الكلام توبیخ أصحابه و ذمّهم على التّقصیر فی اتّباع الحق و الاعراض عن متابعة الامام العدل ، و أشار إلى بعض مناقبه المستلزمة لوجوب اتّباعه و عقّبه بالتّعریض على المنتحلین للخلافة الغاصبین لها فقال ( أیّتها النّفوس المختلفة ) الأهواء ( و القلوب المتشتتّة ) الآرآء 1 و ( أظأركم ) و أعطفكم ( على الحقّ و أنتم تنفرون عنه نفور المعزى من وعوعة الأسد ) و صوته ( هیهات أن اطلع بكم سرار العدل ) أى بعد أن أظهركم و أبیّن لكم ما خفى من العدل و استسرّ لتخاذ لكم و تفرّق أهوائكم .

و قال الشّارح المعتزلی : یفسّره النّاس بمعنى هیهات ان اطلعكم مضیئین و منوّرین سرار العدل ، و السّرار آخر لیلة من الشهر و تكون مظلمة و یمكن أن یفسّر عندى على وجه آخر ، و هو أن یكون السّرار ههنا بمعنى السّرر و هى خطوط

-----------
( 1 ) هكذا فی النسخة المصحّحة ، و الظاهر أنّ فیه سقطا « المصحّح » « ج 16 »

[ 257 ]

مضیئة فی الجبهة فیكون معنى كلامه علیه السّلام هیهات أن تلمع بكم لوامع العدل و إشراق وجهه ، و یمكن فیه أیضا وجه آخر و هو أن ینصب سرار على الظّرفیة و یكون التقدیر هیهات أن اطلع بكم الحق زمان استسرار العدل و استخفائه ، فیكون حذف المفعول و حذفه كثیر ، انتهى و عن الكندری قال فی محكیّ كلامه و سرار العدل أى فی سرار فحذف حرف الجرّ و وصل الفعل ، و قیل أى هیهات أن اظهر بمعونتكم ما خفى و استسرّ من اقمار العدل و أنواره ، انتهى و هو أولى ممّا ذكره الشارح المعتزلی و الأظهر ما ذكرناه ( أو اقیم اعوجاج الحقّ ) أى ما اعوجّ منه بسبب غلبة الضّلال و الجهّال علیه .

ثمّ نبّه على برائة ساحته و تزكیة نفسه فی أمر الخلافة فقال ( اللّهمّ انّك تعلم انّه لم یكن الذى كان ) وقع ( منّا ) و هو الرّغبة فی الخلافة أو الحروب أو الجمیع ( منافسة فی سلطان ) و حرصا علیه ( و التماس شی‏ء من فضول الحطام ) أى طلبا لشی‏ء من زخارف الدّنیا و زینتها السّاقطة عن درجة الاعتبار الغیر المحتاج إلیها ( و لكن لنردّ المعالم من دینك ) أى الآثار الّتی یهتدى بها فیه ( و نظهر الاصلاح فی بلادك ) و نرفع الفساد عنها ( فیأمن المظلومون من عبادك و تقام المعطّلة من حدودك ) و لا یخفى ما فی هذه الجمل من التّعریض على المتقدّمین المنتحلین للخلافة و الاشارة إلى أنّ طلبهم لها إنّما كان تنافسا فی الملك و السّلطنة ، و رغبة فی القنیات الدّنیویّة ، و إلى أنّ أنوار الدّین فی زمانهم قد انطمست ، و آثار الشّرع المبین قد اندرست ، و أنّه شاع الفساد فی البلاد و غلب الجور و الظّلم على العباد و تعطّل الحدود و الأحكام و تغیّر الحلال و الحرام .

ثمّ انّه لمّا بیّن أنّ طلبه للخلافة لم یكن للدّنیا أكّد هذا المعنى بقوله ( اللّهمّ إنّی أوّل من أناب ) و رجع إلیك ( و سمع ) دعوة الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ( و أجاب ) إلیه ( لم یسبقنى إلاّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالصّلاة ) أمّا كون هذه الجملة تأكیدا لما سبق فلأنه إذا كان أوّل النّاس اسلاما مع عدم كون الاسلام معروفا حینئذ متوقّعا به الانتفاع فی الدّنیا لا بدّ و أن یكون إسلامه للّه سبحانه و ابتغاء لرضاه ، و من كان هذا حاله

[ 258 ]

فی بدایة أمره كیف یخطر ببال عاقل أنّه یطلب الدّنیا و حطامها ، و یجرّد علیها السّیف فی آخر عمره .

و أمّا كونه علیه السّلام أوّل من أناب و أجاب إلى الایمان و الاسلام فهو المتّفق علیه بین الشّیعة و المشهور بین الجمهور لم یخالف فی ذلك إلاّ شرذمة منهم لا یعتدّ بخلافهم و ستعرف تفصیل ذلك فی التنبیه الآتی .

و أمّا أنّه سبق النّاس بالصّلاة و لم یسبقه غیره فیدلّ على ذلك ما رواه فی المجلّد التّاسع من البحار من كتاب المناقب للشّیخ الفقیه رشید الدّین أبی جعفر محمّد ابن علیّ بن شهر آشوب المازندرانی تغمّده اللّه برحمته ، قال ما هذا لفظه :

أبو عبد اللّه المرزبانی و أبو نعیم الاصبهانی فی كتابیهما فیما نزل من القرآن فی علیّ علیه السّلام و النطنزى فی الخصائص عن الكلبی عن أبی صالح عن ابن عباس ، و روى أصحابنا عن الباقر علیه السّلام فی قوله تعالى : و اركعوا مع الرّاكعین ، نزلت فی رسول اللّه و علیّ بن أبی طالب و هما أوّل من صلّى و ركع .

المرزبانی عن الكبی عن أبی صالح عن ابن عباس فی قوله تعالى : إنّ الذین آمنوا و عملوا الصّالحات اولئك أصحاب الجنّة هم فیها خالدون ، نزلت فی علیّ خاصّة و هو أوّل مؤمن و أوّل مصلّ بعد النّبیّ .

تفسیر السّیدی عن قتادة عن عطاء عن ابن عبّاس فی قوله : إنّ ربّك یعلم أنّك تقوم أدنى من ثلثى اللّیل و نصفه و ثلثه و طائفة من الّذین معك ، فأوّل من صلّى مع رسول اللّه علیّ بن أبیطالب .

تفسیر القطان عن وكیع عن سفیان عن السّدی عن أبی صالح عن ابن عباس فی قوله تعالى : یا أیّها المدثّر ، یعنی محمّدا ادّثّر بثیابه ، قم فأنذر ، أى فصلّ ادع علیّ بن أبیطالب إلى الصّلاة معك ، و ربّك فكبّر ، ممّا تقول عبدة الأوثان تفسیر یعقوب بن سفیان قال : حدّثنا أبو بكر الحمیدى عن سفیان بن عیینة عن ابن أبی النجیح عن مجاهد عن ابن عباس فی خبر یذكر فیه كیفیة بعثة النبیّ ثمّ قال : بینا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قائم یصلّى مع خدیجة إذ طلع علیه علیّ بن ابیطالب

[ 259 ]

فقال له : ما هذا یا محمد ؟ قال : هذا دین اللّه فآمن به و صدقه ، ثمّ كانا یصلّیان و یركعان و یسجدان فأبصرهما أهل مكّة ففشا الخبر فیهم أنّ محمّدا قد جنّ ، فنزل : ن و القلم و ما یسطرون ما أنت بنعمة ربّك بمجنون .

شرف النّبی عن الخركوشی قال : و جاء جبرئیل بأعلى مكّة و علّمه الصّلاة فانفجرت من الوادى عین حتى توضّأ جبرئیل بین یدى رسول اللّه ، و تعلّم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم منه الطّهارة ثمّ أمر به علیّا علیه السّلام تاریخى الطبری و البلادرى ، و جامع التّرمذى ، و أبانة العكبرى ، و فردوس الدّیلمى ، و أحادیث أبی بكر بن مالك ، و فضائل الصّحابة عن الزّعفرانی عن یزید ابن هارون عن شعبة عن عمرو بن مرّة عن أبی حمزة عن زید بن أرقم ، و مسند أحمد عن عمرو بن میمون عن ابن عباس قالا قال النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أوّل من صلّى معى علیّ تاریخ النّسوى قال زید بن أرقم : أوّل من صلّى مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم علیّ .

جامع الترمدى و مسند أبی یعلی الموصلی عن أنس ، و تاریخ الطّبرى عن جابر قالا :

بعث النبیّ یوم الاثنین و صلّى علیّ یوم الثلثاء أبو یوسف النّسوى فی المعرفة و أبو القسم عبد العزیز بن إسحاق فی أخبار أبی رافع عن عشرین طریقا عن أبی رافع قال : صلّى النّبیّ أوّل یوم الاثنین ، و صلّت خدیجة آخر یوم الاثنین ، و صلى علیّ یوم الثلثاء من الغد .

أحمد بن حنبل فی مسند العشرة و فی الفضائل أیضا ، و النّسوى فی المعرفة ،

و التّرمذى فی الجامع ، و ابن بطّة فی الابانة روى علیّ بن الجعد عن شعبة عن سلمة ابن كهیل عن حبّة العرنی قال : سمعت علیّا علیه السّلام یقول : أنا أوّل من صلّى مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

ابن حنبل فی مسند العشرة و فی فضائل الصّحابة أیضا عن سلمة بن كهیل عن حبّة العرنی فی خبر طویل أنّه قال علیّ علیه السّلام : اللهمّ لا أعرف أنّ عبدا من هذه الأمّة عبدك قبلی غیر نبیّك ثلاث مرّات ، الخبر .

و فی مسند أبی یعلی ما أعلم أحدا من هذه الامّة بعد نبیّها عبد اللّه غیرى ، الخبر .

[ 260 ]

الحسین بن علیّ علیهما السّلام فی قوله تعالى : تریهم ركّعا سجّدا ، نزلت فی علیّ بن أبیطالب .

و روى جماعة أنّه نزل فیه : الّذین یقیمون الصّلاة و یؤتون الزّكاة و هم راكعون .

تفسیر القطّان قال ابن مسعود : قال علیّ علیه السّلام : یا رسول اللّه ما أقول فی السجود فی الصّلاة ؟ فنزل سبّح اسم ربّك الأعلى ، قال : فما أقول فی الرّكوع ؟ فنزل فسبّح باسم ربّك العظیم ، فكان أوّل من قال ذلك و أنّه صلّى قبل النّاس كلّهم سبع سنین و أشهرا مع النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و صلّى مع المسلمین أربع عشرة سنة و بعد النّبیّ ثلاثین سنة .

ابن فیّاض فی شرح الأخبار عن أبی أیّوب الأنصارى قال : سمعت النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : لقد صلّت الملائكة علىّ و على علیّ بن أبیطالب سبع سنین ، و ذلك أنّه لم یؤمن بی ذكر قبله ، و ذلك قول اللّه سبحانه : الّذین یحملون العرش و من حوله یسبّحون بحمد ربّهم و یستغفرون لمن فی الأرض .

و فی روایة زیاد بن المنذر عن محمّد بن علیّ عن أمیر المؤمنین علیه السّلام لقد مكثت الملائكة سنین لا تستغفر إلاّ لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و لى و فینا نزلت و الملائكة یسبّحون بحمد ربّهم و یستغفرون للّذین آمنوا ربّنا إلى قوله : الحكیم .

و روى جماعة عن أنس و أبی أیّوب ، و روى شیرویه فی الفردوس عن جابر قال :

قال النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لقد صلّت الملائكة علىّ و على علیّ بن أبیطالب سبع سنین قبل النّاس ، و ذلك أنّه كان یصلّی و لا یصلّی معنا غیرنا ، و فی روایة لم یصلّ فیها غیری و غیره ، و فی روایة لم یصلّ معى رجل غیره سنن ابن ماجه و تفسیر الثعلبی عن عبد اللّه ابن أبی رافع عن أبیه أنّ علیا علیه السّلام صلّى مستخفیا مع النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم سبع سنین و أشهرا تاریخ الطّبری و ابن ماجه قال عباد بن عبد اللّه : سمعت علیا علیه السّلام یقول :

أنا عبد اللّه و أخو رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أنا الصّدّیق الأكبر لا یقولها بعدى إلاّ كاذب

[ 261 ]

مفتر ، صلّیت مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم سبع سنین .

مسندى أحمد و أبی یعلی قال حبة العرنی : قال علیّ علیه السّلام : صلّیت قبل أن یصلّى النّاس سبعا .

الحمیرى

ألم یصلّ علىّ قبله حججا
و وحّد اللّه ربّ الشّمس و القمر

و هؤلاء و من فی حزب دینهم
قوم صلاتهم للعود و الحجر

و له

و كفاه بأنّه سبق النّاس
بفضل الصّلاة و التوحید

حججا قبلهم كوامل سبعا
بركوع لدیه أو بسجود

و له

أ لیس علیّ كان أوّل مؤمن
و أوّل من صلّى غلاما و حدّا

فما زال فی سرّ یروح و یغتدى
فیرقى بثیراء أو بحراء مصعدا

یصلّى و یدعو ربّه فیهما مع
المصطفى مثنى و إن كان أوحدا

سنین ثلاثا بعد خمس و أشهر
كوامل سبعا قبل أن یتمرّدا

و هو أوّل من صلّى القبلتین صلّى إلى بیت المقدس أربع عشرة سنة ، و المحراب الذى كان النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یصلّى و معه علیّ و خدیجة معروف ، و هو على باب مولد النبیّ فی شعب بنی هاشم ، و قد روینا عن الشیرازى ما رواه عن ابن عباس فی قوله :

و السّابقون الأوّلون ، نزلت فی أمیر المؤمنین سبق النّاس كلّهم بالایمان و صلّى القبلتین و بایع البیعتین .

الحمیرى


و صلّى القبلتین و آل تیم
و اخوتها عدىّ جاحدونا

و صلّى إلى الكعبة تسعا و ثلاثین سنة تاریخ الطّبرى بثلاثة طرق ، و ابانة العكبرى من أربعة طرق ، و كتاب المبعث عن محمّد بن إسحاق ، و التاریخ النّسوى ، و كتاب الثعلبی ، و كتاب المادرى

[ 262 ]

و مسند أبی یعلى الموصلی ، و یحیى بن معین ، و كتاب أبی عبد اللّه محمّد بن زیاد النیسابورى عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل بأسانیدهم عن ابن مسعود ، و علقمة البجلی و إسماعیل بن أیاس بن عفیف عن أبیه عن جدّه أنّ كلّ واحد منهم قال : رأى عفیف أخو الأشعث بن قیس الكندى شابّا یصلى ، ثمّ جاء غلام فقام عن یمینه ، ثمّ جائت امرئة فقامت خلفها ، فقال للعبّاس : هذا أمر عظیم ، قال : ویحك هذا محمّد ،

و هذا علیّ ، و هذه خدیجة إنّ ابن أخی هذا حدّثنى أنّ ربّه ربّ السّماوات و الأرض أمر بهذا الدّین ، و اللّه ما على ظهر الأرض على هذا الدّین غیر هؤلاء الثلاثة .

و فی كتاب النّسوى أنّه كان یقول بعد إسلامه : لو كنت أسلمت یومئذ كنت ثانیا مع علیّ بن أبیطالب .

و فی روایة محمّد بن إسحاق عن عفیف قال : فلمّا خرجت من مكّة إذا أنا بشاب جمیل على فرس فقال : یا عفیف ما رأیت فی سفرك هذا ؟ فقصصت علیه ، فقال لقد صدقك العبّاس و اللّه إنّ دینه لخیر الأدیان و إنّ امّته أفضل الامم ، قلت : فلمن الأمر من بعده ؟ قال : لابن عمّه و ختنه على بنته ، یا عفیف الویل كلّ الویل لمن یمنعه حقّه .

ابن فیّاض فی شرح الأخبار عن ابن أبی الحجّاف عن رجل أنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام قال فی خبر : هجم على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یعنی أبا طالب و نحن ساجدان قال :

أفعلتماها ثمّ أخذ بیدی فقال : انظر كیف تنصره و جعل یرغّبنی فی ذلك و یحضّنی علیه الخبر .

و فی كتاب الشّیرازی أنّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله لمّا نزل الوحى علیه أتى المسجد الحرام و قام یصلّى فیه ، فاجتاز به علیّ علیه السّلام و كان ابن تسع سنین فناداه یا علیّ إلىّ اقبل ،

فأقبل إلیه ملبّیا ، قال : أتى رسول اللّه إلیك خاصّة و إلى الخلق عامّة ، فقال : یا علیّ فقف عن یمینی و صلّ معی ، فقال : یا رسول اللّه حتّى أمضی و أستأذن أبا طالب والدی قال : اذهب فانّه سیأذن لك ، فانطلق یستأذن فی اتّباعه فقال : یا ولدی تعلم أنّ محمّدا و اللّه أمین منذ كان ، امض و اتّبعه ترشد و تفلح و تشهد فأتى علیّ علیه السّلام و رسول اللّه قائم یصلّی فی المسجد ، فقام عن یمینه یصلّی معه ، فاجتاز بهما أبو طالب و هما یصلّیان

[ 263 ]

فقال : یا محمّد ما تصنع ؟ قال : أعبد إله السّماوات و الأرض و معی علىّ یعبد ما أعبد ،

و أنا أدعوك إلى عبادة اللّه الواحد القهّار ، فضحك أبو طالب حتّى بدت نواجده و أنشأ یقول :

و اللّه لن یصلوا إلیك بجمعهم
حتّى اغیّب فی التّراب دفینا

تاریخ الطّبری و كتاب محمّد بن إسحاق أنّ النّبی كان إذا حضرت الصّلاة خرج إلى شعاب مكّة و خرج معه علیّ بن أبیطالب مستخفیا من قومه فیصلّیان الصّلاة فیها فإذا أمسیا رجعا فمكثا كذلك زمانا .

ثمّ روى الثعلبی معهما أنّ أبا طالب رأى النّبیّ و علیّا یصلّیان فسأل عن ذلك فأخبره النّبی أنّ هذا دین اللّه و دین ملائكته و دین رسله و دین أبینا إبراهیم فی كلام له ، فقال علیّ : یا أبه آمنت باللّه و رسوله و صدقته بما جاء به و صلّیت معه للّه فقال له : أما انّه لا یدعو إلاّ إلى خیر فألزمه .

ثمّ إنّه علیه السّلام لمّا نبّه على أنّ طلبه للخلافة إنما كان للّه سبحانه و تعالى لا تنافسا فی زخارف الدّنیا و التماسا لحطامها و عقّبه بالاشارة إلى سبقه فی الاسلام و الصّلاة مع النّبیّ المقتضی لتقدّمه على غیره أردفه بالاشارة إلى موانع الامامة تنبیها على أنّه هو الامام دون غیره لوجود المقتضی و انتفاء الموانع فیه مع عدمه و وجودها فی غیره فقال ( و قد علمتم ) و حصول ذلك العلم لهم إمّا من الكتاب كقوله تعالى : لا ینال عهدى الظّالمین ، و قوله : أفمن یهدى إلى الحقّ أحقّ أن یتّبع أمّن لا یهدّی إلاّ أن یهدى ، و قوله : قل هل یستوى الذین یعلمون و الذین لا یعلمون ، و ما یضاهى ذلك ممّا یستنبط منه شروط الولایة و أحكامها ، و إمّا بنصّ من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أو باعلام سابق منه علیه السّلام و على أىّ تقدیر فالمقصود به الاشارة إلى استحقاقهم للتوبیخ و التقریع لكون تقصیرهم فی حقّ الامام عن علم منهم لا عن جهل فیعذرون و یعتذرون و قوله ( انّه لا ینبغى ) أى لا یجوز ( أن یكون الوالی على الفروج و الدّماء و المغانم و الأحكام و إمامة المسلمین البخیل ) الشّحیح و هو فی لسان الشّرع من یمنع

[ 264 ]

الواجب ( فتكون فی أموالهم نهمته ) أى حرصه و جشعه أو فرط شهوته ( و لا الجاهل فیضلّهم بجهله ) و إضلاله معلوم ( و لا الجافی ) سیّ‏ء الخلق ( فیقطعهم بجفائه ) و انقباضه عن الوصول إلیه أو عن حاجاتهم أو بعضهم عن بعض لتفرّقهم ( و لا الحائف للدّول ) أى الجائر للأموال و الظالم فی تقسیمها بأن لا یقسّمها بالسّویة بل یرجّح بعضهم على بعض ( فیتّخذ قوما ) و یخصّهم بالعطاء ( دون قوم ) و على روایة الخائف للدّول بالخاء المعجمة و كسر الدّال فالمراد به من یخاف دول الأیّام و تقلّبات الدّهور و غلبة الأعداء فیتّخذ قوما یرجو نفعهم و نصرهم فی دنیاه ، و یقویهم على غیرهم و یفضّلهم فی العطاء و سائر جهات الاكرام على الآخرین ( و لا المرتشى فی الحكم ) أى آخذ الرّشوة و هو بالكسر ما یعطیه الشّخص الحاكم و غیره لیحكم أو یحمله على ما یرید ، و فی الحدیث لعن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الرّاشی و المرتشی و الرایش یعنى المعطى للرّشوة و الآخذ لها و السّاعی بینهما یزید لهذا و ینقص لهذا ، و الحاصل أنّه لا یجوز أن یكون آخذ الرّشوة حاكما ( فیذهب بالحقوق ) أى حقوق النّاس و یبطلها و یخرجها من ید صاحبها ( و یقف بها دون المقاطع ) أى یقف عند مقطع الحكم فلا یقطعه بأن یحكم بالحقّ بل یحكم بالجور أو یسوّف الحكم حتّى یضطرّ المحقّ و یرضى بالصّلح و یذهب بعض حقّه قال العلاّمة المجلسیّ ( قد ) : و یحتمل أن یكون دون بمعنى غیر أى یقف فی غیر مقطعه ( و لا المعطل للسنّة ) و الطریقة الشّرعیّة النّبویّة ( فیهلك الامّة ) فی الدّنیا أو الآخرة أو كلیهما

تبصرة

قال الشّارح المعتزلی فی شرح هذا الكلام له علیه السّلام فی ابداء المناسبة و الارتباط بین ما ذكره من سبقه علیه السّلام إلى التّوحید و المعرفة و الصّلاة و ما عقّبه به من تقریر قاعدة الامامة و التعرّض لموانعها ما محصّله :

إنّه علیه السّلام إذا كان أوّل السّابقین وجب أن یكون أقرب المقرّبین ، لأنّه تعالى قال : و السّابقون السّابقون أولئك المقرّبون ، و إذا كان أقرب المقرّبین وجب

[ 265 ]

أن ینتفى عنه الموانع السّتة التی جعل كلّ واحد منها صادّا عن الامامة و قاطعا عن استحقاقها و هى البخل ، و الجهل ، و الجفاء ، و العصبیّة فی دولته ، أى تقدیم قوم على قوم ، و الارتشاء فی الحكم ، و التعطیل للسنّة ، و إذا انتفت عنه هذه الموانع الستّة تعیّن أن یكون هو الامام ، لأنّ شروط الامامة موجودة فیه بالاتّفاق ، فاذا كانت موانعها عنه منتفیة و لم یحصل لغیره اجتماع الشّروط و ارتفاع الموانع وجب أن یكون هو الامام ، لأنّه لا یجوز خلوّ العصر من امام سواء كانت هذه القضیّة عقلیّة أو سمعیّة .

أقول : بعد هذا التحقیق هل بقى للشارح عذر فی اعتقاده بامامة الثّلاثة و خلافتهم و جعله علیه السّلام رابعهم ؟ و العجب كلّ العجب أنّه ینطق بالحقّ و لا یذعن به كمثل المنافقین یقولون بأفواهم ما لیس فی قلوبهم و من لم یجعل اللّه له نورا فماله من نور ، ثمّ قال الشّارح :

فان قلت : أفتراه عنى بهذا قوما بأعیانهم ؟

قلت : الامامیّة تزعم أنّه رمز بالجفاء و العصبیة لقوم دون قوم إلى عمر و رمز بالجهل إلى من كان قبله ، و رمز بتعطیل السّنة إلى عثمان و معاویة ، و أمّا نحن فنقول : إنّه علیه السّلام لم یعن ذلك و إنّما قال قولا كلّیا غیر مخصوص ، و هذا هو اللاّئق بشرفه ، و قول الامامیّة دعوى لا دلیل علیها و لا یعدم كلّ أحد أن یستنبط من كلّ كلام ما یوافق غرضه و إن غمض ، و لا یجوز أن تبنى العقائد على مثل هذه الاستنباطات الدقیقة .

أقول : أمّا أنّ فی كلامه رمزا و إشارة إلى من ذكر فهو ممّا لا غبار علیه ،

و أمّا أنّ فیه دلالة علیه فلم تدّعه الامامیّة حتّى یناقش فیه أو یعترض علیهم ،

و الاشارة غیر الدّلالة ، و أمّا استبعاد ذلك بعدم لیاقته بشرفه علیه السّلام و منافاته لسودده ففیه أنّ شرافته مقتضیة للارشاد على الهدى و التّنبیه على ضلال قادة الرّدى و هفوة من اتّبعهم و أذعن بخلافتهم من أهل العصبیّة و الهوى ، لأنّه من باب الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر المناسب لشأن الامام و وظیفته

[ 266 ]

و قد مرّ فی فقرات الخطبة الشّقشقیّة ما هو نصّ فی هذا المعنى ، و أبلغ فی الدّلالة على هذا الغرض ، مثل تنبیهه على جفاوة عمر و غلظته بقوله : فصیّرها فی حوزة خشناء یغلظ كلمها و یخشن مسّها ، و على جهله بقوله : و یكثر العثار فیها و الاعتذار منها ، و على بخل عثمان بقوله : و قام معه بنو أبیه یخضمون مال اللّه خضم الابل نبتة الرّبیع آه و نحو هذه الألفاظ فی تضاعیف كلماته كثیر كما هو غیر خفیّ على الخبیر البصیر .

و بعد الغضّ عن ذلك كلّه فأقول : إنّ عمدة غرض الامامیّة التّنبیه على اتّصاف الخلفاء بتلك الأوصاف الرّذیلة ، و بعد تسلیم الشارح و إذعانه باتّصافهم بها لا ضرورة فی النّقض و الابرام فی دلالة كلامه علیه السّلام على هذا المرام .

ثم أقول : الأظهر على تقدیر كون كلامه علیه السّلام رمزا إلیهم أن یشار بالبخیل إلى عثمان لما هو المعلوم من حاله من أكله أموال المسلمین ، و لما مرّ منه فی الخطبة الشّقشقیة ، و بالجاهل إلى جمیعهم ، و بالجافی إلى عمر ، و بالحائف للدّول إلى عمر و عثمان كما هو المعلوم من سیرتهما ، و بالمعطل للسّنة إلى الجمیع .

تنبیه لا خلاف بین المسلمین إلاّ من شرذمة من العامة العثمانیّة فی أنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام سبق النّاس كلاّ إلى الاسلام و التّوحید

كما صرّح به علیه السّلام فی هذا الكلام بقوله :

اللّهمّ إنّی أوّل من أناب و سمع و أجاب ، و فی الكلام السّادس و الخمسین بقوله :

فانّی ولدت على الفطرة و سبقت إلى الایمان و الهجرة ، و نحو ذلك فی كلماته و احتجاجاته كثیر ، و الأخبار فی هذا المعنى من طرق العامّة و الخاصّة بالغة حدّ التّواتر ، و استقصائها غیر ممكن و لا حاجة إلى إیرادها مع وضوح المطلب و ظهوره ظهور الشّمس الضّحى .

و إنّما نورد على وجه التّأیید و على رغم أنوف المخالفین ما أورده شیخ المحدّثین العلامة المجلسى قدّس اللّه روحه ، و شیخ الأمّة الشیخ المفید نوّر اللّه

[ 267 ]

ضریحه : و من المخالفین الشارح المعتزلى أهبط اللّه قدره .

فأما العلامة المجلسى

فقد قال فی المجلّد التاسع من بحار الأنوار بعد ما أورد فی هذا الباب كثیرا من الأخبار ما لفظه :

لا یخفى على من شمّ رائحة الانسانیّة و ترقّى عن دركات البهیمیّة و العصبیّة أنّ سبق إسلامه صلوات اللّه علیه مع ورود تلك الأخبار المتواترة من طرق الخاصّة و العامّة من أوضح الواضحات ، و الشاكّ فیه كالمنكر لأجلى البدیهیّات ، و أنّ من تمسّك بأنّ ایمانه كان فی طفولیّته ، و لم یكن معتبرا فقد نسب الجهل إلى سیّد المرسلین ، حیث كلّفه ذلك و مدحه به فی كلّ موطن ، و به أظهر فضله على العالمین ، و إلى أشرف الوصیّین حیث تمدّح و افتخرو احتج به فی مجامع المسلمین و إلى الصّحابة و التّابعین حیث لم ینكروا علیه ذلك مع كون أكثرهم من المنافقین و المعاندین .

ثمّ اعلم أنّا قد تركنا كثیرا من الرّوایات و ما یمكن ذكره من التأییدات فی هذا المطلب حذرا من التكرار و الاسهاب و الاطالة و الاطناب .

فقد روى ابن بطریق رحمه اللّه فی كتاب العمدة فی سبق اسلامه و صلاته من مسند أحمد بن حنبل ثلاثة عشر حدیثا ، و من تفسیر الثعلبی أربعة ، و من مناقب ابن المغازلی سبعة ، و روى فی المستدرك أیضا أخبارا كثیرة فی ذلك ، و رواه صاحب الصّراط المستقیم بأسانید من طرقهم ، و العلاّمة فی كشف الحقّ و كشف الیقین و غیرهما بأسانید من كتبهم ، و قد تركنا إیرادها مع كثیر ممّا أورده المفید فی الارشاد ، و النیسابوری فی روضة الواعظین ، و الطّبرسی فی اعلام الورى ، و ابن الصّباغ فی الفصول المهمّة ، و غیرها من الاصول و الكتب الّتی عندنا ، انتهى كلامه رفع مقامه .

[ 268 ]

و أما الشیخ المفید قدس اللّه روحه

فقد قال فی محكیّ كلامه من كتاب الفصول :

أجمعت الأمّة على أنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام أوّل ذكر أجاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و لم یختلف فی ذلك أحد ، من أهل العلم إلاّ أنّ العثمانیة طعنت فی ایمان أمیر المؤمنین علیه السّلام بصغر سنّة فی حال الاجابة ، قالوا : إنّه علیه السّلام لم یك فی تلك الحال بالغا فیقع ایمانه على وجه المعرفة ، و إنّ ایمان أبی بكر حصل منه مع الكمال ، فكان على الیقین ، و المعرفة و الاقرار من جهة التقلید و التلقین غیر مساو للاقرار بالمعلوم المعروف بالدّلالة ، فلم یحصل خلاف من القوم فی تقدّم الاقرار من أمیر المؤمنین للجماعة و الاجابة منه للرّسول علیه و آله السّلام ، و انّما خالفوا فیما ذكرناه .

و أنا ابیّن غلطهم فیما ذهبوا إلیه من توهین إقرار أمیر المؤمنین و حملهم إیّاه على وجه التلقین دون المعرفة و الیقین بعد أن أذكر خلافا حدث بعد الاجماع من بعض المتكلّمین و الناصبة من أصحاب الحدیث ، و ذلك أنّ ههنا طائفة تنسب إلى العثمانیّة تزعم أنّ أبا بكر سبق أمیر المؤمنین إلى الاقرار و تعتلّ فی ذلك بأحادیث مولّدة باضعاف .

منها أنّهم رووا عن أبی نضرة « نضیرة خ » قال : أبطأ علیّ و الزّبیر عن بیعة أبی بكر قال : فلقى أبو بكر علیا فقال له : أبطأت عن بیعتی و أنا أسلمت قبلك و لقى الزبیر فقال له : أبطأت عن بیعتی و أنا أسلمت قبلك .

و منها حدیث أبی امامة عن عمرو بن عنبسة قال : أتیت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أوّل ما بعث و هو بمكة و هو حینئذ مستخف فقلت : من أنت ؟ فقال : أنا نبیّ ، قلت : و ما النبیّ ؟ قال : رسول اللّه ، قلت : اللّه أرسلك ؟ قال : نعم ، قلت : بما أرسلك ؟ قال :

بأن نعبد اللّه عزّ و جلّ و نكسر الأصنام و نوصل الأرحام ، قلت : نعم ما أرسلك به من تبعك على هذا الأمر ؟ قال : حرّ و عبد یعنی أبا بكر و بلالا ، و كان عمر یقول : لقد رأیتنی و أنا رابع الاسلام ، قال : فأسلمت و قلت : أبایعك یا رسول اللّه و منها حدیث الشّعبی قال : سألت ابن عبّاس عن أوّل من أسلم فقال : أبو بكر

[ 269 ]

ثمّ قال : أما سمعت قول حسّان :

إذا تذكّرت شجوا من أخی ثقة
فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

خیر البریّة أعطاها و أعدلها
بعد النّبیّ و أرقاها بما حملا

الثّانی التّالی المحمود مشهده
و أوّل النّاس منهم صدّق الرّسلا

و منها حدیث رووه عن منصور عن مجاهد أنّ أوّل من أظهر الاسلام سبعة رسول اللّه و أبو بكر و خباب و صهیب و بلال و عمار و سمیّة .

و منها حدیث رووه عن عمر بن مرّة قال : ذكرت لإبراهیم النخعی حدیثا فأنكره و قال أبو بكر أوّل من أسلم قال الشیخ قدس اللّه روحه فیقال لهم :

أما الحدیث الاول فانّه رواه أبو نضرة ، و هذا أبو نضرة مشهور بعداوة أمیر المؤمنین علیه السّلام ، و قد ضمنه ما ینقض اضلالهم فی الامامة ، و لو ثبت لكان أرجح من تقدّم اسلام أبی بكر و هو أنّ أمیر المؤمنین و الزّبیر أبطئا عن بیعة أبی بكر ،

و إذا ثبت أنّهما أبطئا عن بیعته و تأخّرا نقض ذلك قولهم أنّ الامّة اجتمعت علیه و لم یكن من أمیر المؤمنین علیه السّلام كراهیّة لأمره ، و إذا ثبت أنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام قد كان متأخّرا عن بیعته على وجه الكراهة لها بدلالة ما رووه من قول أبی بكر له أبطأت عن بیعتی و أنا أسلمت قبلك على وجه الحجّة علیه فی كونه أولى بالامامة منه ، ثبت بطلان إمامة أبی بكر ، لأنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام لا یجوز أن یكره الحقّ و لا أن یتأخّر عن الهدى ، و قد أجمعت الأمّة على أنه علیه السّلام لم یوقع خطأ بعد الرّسول صلّى اللّه علیه و آله یعثر علیه طول مدّة أبی بكر و عمر و عثمان ، و إنّما ادّعت الخوارج الخطاء منه فی آخر أیّامه بالتحكیم و ذهبت عن وجه الحقّ فی ذلك و إذا لم یجز من الأمیر المؤمنین التّأخّر عن الهدى و الكراهة للحقّ و الجهل بموضع الأفضل ،

بطل هذا الحدیث ، و مازلنا نجتهد فی اثبات الخلاف لأمره ، و النّاصبة تحید عن قبول ذلك و تدفعه أشدّ دفع حتى صاروا یسلمونه طوعا و اختیارا ، و ینظمونه فی احتجاجهم بفضل صاحبهم ، و هكذا یفعل اللّه تعالى بأهل الباطل لحینهم ، و یسلبهم التوفیق حتّى

[ 270 ]

یدخلوا فیما یكرهون من حیث لا یشعرون .

على أنّ بازاء هذا الحدیث عن أبی بكر حدیثا ینقضه من طریق أوضح من طریق أبی نضرة ، و هو ما رواه علیّ بن مسلم الطوسی عن زافر بن سلیمان عن الصلت ابن بهرام عن الشّعبی قال : مرّ علیّ بن أبی طالب و معه أصحابه على أبی بكر فسلّم و مضى ، فقال أبو بكر : من سرّه أن ینظر إلى أوّل النّاس فی الاسلام سبقا ، و أقرب النّاس من نبیّنا رحما ، و أعظمهم دلالة علیه و أفضلهم فداء عنه بنفسه فلینظر إلى علیّ بن أبی طالب .

و هذا یبطل ما ادّعوه على أبی بكر و أضافه أبو نضرة إلیه .

و أما حدیث عمرو بن عنبسة فانّه من طریق أبی امامة و لا خلاف أنّ أبا امامة كان من المنحرفین عن أمیر المؤمنین علیه السّلام و المتحرین عنه ، و أنّه كان فی جیش معاویة ثمّ فیه عن عمر بأنه شهد لنفسه أنّه كان رابع الاسلام ، و شهادة المرء لنفسه غیر مقبولة إلاّ أن یكون معصوما أو یدلّ دلیل على صدقه ، و إذا لم یثبت شهادته لنفسه بطل الحدیث بأسره .

مع أنّ الرّوایة قد اختلفت عن عمر من طریق أبی أمامة ، فروى عنه فی حدیث آخر أنّه قال : أتیت النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم بماء یقال له عكاظ ، فقلت له : یا رسول اللَّه من تابعك على هذا الأمر ؟ فقال : من بین حرّ و عبد ، فاقیمت الصّلاة فصلّیت خلفه أنا و أبو بكر و بلال ، و أنا یومئذ رابع الاسلام .

فاختلف اللفظ و المعنى فی هذین الحدیثین و الواسطة واحد فتارة یذكر مكة و تارة یذكر عكاظا ، و تارة یذكر أنّه وجده مستخفیا بمكّة ، و تارة یذكر أنّه كان ظاهرا یقیم الصّلاة و یصلّی بالنّاس معه ، و الحدیث واحد من طریق واحد ، و هذا أدلّ دلیل على فساده .

و أما حدیث الشعبى فقد قابله الحدیث عنه من طریق الصّلت بن بهرام المتضمّن لضدّه و فی ذلك إسقاطه ، مع أنّه قد عزاه إلى ابن عبّاس و المشهور عن ابن عبّاس ضدّ ذلك و خلافه ، ألا ترى إلى ما رواه أبو صالح عن عكرمة عن ابن عبّاس

[ 271 ]

و هذان أصدق على ابن عبّاس من الشّعبی ، لأنّ أبا صالح معروف بعكرمة و عكرمة معروف بابن عبّاس قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : صلّت الملائكة علىّ و على علیّ بن أبیطالب سبع سنین ، قالوا : و لم ذلك یا رسول اللَّه ؟ قال : لم یكن من الرّجال غیره ، و من طریق عمرو بن میمون عن ابن عبّاس قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : أوّل من أسلم بعد خدیجة بنت خویلد علیّ بن أبیطالب صلوات اللَّه علیه .

و أما قول حسان فانّه لیس بحجّة من قبل أنّ حسّان كان شاعرا و قصد الدّولة و السّلطان ، و قد كان منه بعد رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم انحراف شدید عن أمیر المؤمنین علیه السّلام ،

و كان عثمانیّا و حرّض النّاس على علیّ بن أبیطالب علیه السّلام ، و كان یدعو إلى نصرة معاویة و ذلك مشهور عنه فی نظمه ، ألا ترى إلى قوله :

یا لیت شعری و لیت الطّیر یخبرنی
ما كان بین علیّ و ابن عفّانا

ضحوا بأشمط عنوان السّجود به
یقطع اللّیل تسبیحا و فرقانا

لتسمعنّ و شیكا فی دیارهم
اللَّه أكبر یا ثارات عثمانا

فان جعلت النّاصبة شعر حسّان حجّة فی تقدیم ایمان أبی بكر فلتجعله حجّة فی قتل أمیر المؤمنین عثمان و القطع على أنّه اخصّ النّاس بقتله ، و أنّ ثاراته یجب أن یطلب منه ، فان قالوا : إنّ حسّان غلط فی ذلك ، قلنا لهم و كذلك غلط فی قوله فی أبی بكر ، و ان قالوا لا یجوز غلطه فی باب أبی بكر لأنّه شهد به بحضرة الصّحابة فلم یردّوا علیه ، قیل لهم لیس عدم اظهارهم الرّد علیه دلیلا على رضاهم به لأنّ الجمهور كانوا شیعة أبی بكر و كان المخالفون له فی تقیّة من الجهر بالتنكیر علیه فی ذلك مخافة الفرقة و الفتنة مع أنّ قول حسان یحتمل أن یكون أبو بكر من المتقدّمین فی الاسلام و الأوّلین دون أن یكون أوّل الأوّلین ، و لسنا ندفع أن أبا بكر ممّن یعدّ فی المظهرین للاسلام أوّلا ، و إنّما ننكر أن یكون أوّل الأوّلین فلمّا احتمل قول حسّان ما وصفناه لم ینكر المسلمون علیه ذلك .

[ 272 ]

مع أنّ حسّان قد حرض على أمیر المؤمنین ظاهرا و دعا إلى مطالبته بثارات عثمان جهرا فلم ینكر علیه فی الحال منكر ، فیجب أن یكون مصیبا فی ذلك ، فان قالوا :

هذا شی‏ء قاله فی مكان دون مكان فلما ظهر عنه أنكره جماعة من الصّحابة ، قیل لهم : فان قنعتم بذلك ، و اقترحتم فی الدّعوى فاقنعوا منّا بمثله فیما اعتقدتموه فی شعره فی أبی بكر ، و هذا ما لا فضل فیه على أنّ حسان بن ثابت قد شهد فی شعره بامامة أمیر المؤمنین علیه السّلام نصّا و ذكر ذلك بحضرة النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فجزاه خیرا فی قوله :

ینادیهم یوم الغدیر نبیّهم
بخمّ و أسمع بالرّسول منادیا

فی أبیات تقدّم ذكره منّا فی مقدّمات الخطبة الثّالثة المعروفة بالشّقشقیّة و شهد أیضا لأمیر المؤمنین علیه السّلام بسبق قریش إلى الایمان حیث یقول :

جزى اللَّه خیرا و الجزاء بكفّه
أبا حسن عنّا و من كأبی حسن

سبقت قریشا بالّذی أنت أهله
فصدرك مشروح و قلبك ممتحن

فشهد بتقدیم ایمان أمیر المؤمنین علیه السّلام الجماعة ، و هذا مقابل لما تقدّم و مسقط له فان زعموا أنّ هذا محتمل ، فكذلك ما ذكرتموه عنه أیضا محتمل .

و أما روایتهم عن مجاهد فانّها مقصورة على مذهبه و رأیه و مقاله ، و بازاء مجاهد عالم من التّابعین ینكرون علیه و یذهبون إلى خلافه فی ذلك و أنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام أوّل النّاس ایمانا ، و هذا القدر كاف فی ابطال قول مجاهد ، على أنّ الثابت عن مجاهد خلاف ما ادّعاه هؤلاء القوم و أضافوه إلیه ، و ضدّه و نقیضه روى ذلك منهم من لا یتّهم علیه سفیان بن عیینة عن ابن أبی نجیح عن مجاهد و اثره عن ابن عبّاس قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم السبّاق أربعة : یوشع بن نون إلى موسى بن عمران .

و صاحب یس إلى عیسى بن مریم ، و سبق علیّ بن ابیطالب علیه السّلام إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و نسى النّاقل عن سفیان الآخر ، و قد ذكرت فی حدیث غیر هذا أنّه مؤمن آل فرعون و هذا یسقط تعلّقهم بما ادّعوه من مجاهد .

و أما حدیث عمرو بن مرة عن إبراهیم فهو أیضا نظیر قول مجاهد ، و إنما

[ 273 ]

اخبر عمرو عن مذهب إبراهیم ، و الغلط جائز على إبراهیم و من فوقه ، و بازاء إبراهیم من هو فوقه و أجلّ قدرا منه یدفع قوله و یكذّبه فی دعواه كأبی جعفر و أبی عبد اللَّه الصّادق علیهما السّلام و من غیر أهل البیت قتادة و الحسن و غیرهما مما لا یحصى كثرة و فی هذا غنی عن غیره .

قال الشیخ قدس اللَّه روحه فهذه جملة ما اعتمد القوم فیما ادّعوه من خلافنا فی تقدیم إیمان أمیر المؤمنین علیه السّلام و تعلّقوا به ، و قد بیّنت عوارها و أوضحت حالها ، و أنا أذكر طرفا من أسماء من روى أنّ أمیر المؤمنین كان أسبق الخلق إلى رسول اللَّه و أوّل من الذكور إجابة له و ایمانا به فمن ذلك الرّوایة عن أمیر المؤمنین علیه السّلام نفسه من طریق سلمة بن كهیل عن حبّة العرنی قال : سمعت علیا یقول : الّلهمّ لا أعرف عبدا لك عبدك من هذه الأمّة قبلی غیر نبیّها علیه و آله السّلام ، قال ذلك ثلاث مرّات ، ثمّ قال : لقد صلّیت قبل أن یصلّى أحد سبعا .

و من طریق المنهال عن عبایة الأسدى عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال : لقد أسلمت قبل الناس بسبع سنین و من طریق جابر عن عبد اللَّه بن یحیى الحضرمی عن علیّ علیه السّلام قال : صلّیت مع رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم ثلاث سنین و لم یصلّ أحد غیری .

و من طریق نوح بن قیس الطّاخى عن سلیمان أبی فاطمة عن معاذة العدویة قال : سمعت علیّا یخطب على منبر البصرة فسمعته یقول : أنا الصّدیق الأكبر آمنت قبل أن یؤمن أبو بكر ، و أسلمت قبل أن یسلم .

و من طریق عمرو بن مرّة عن أبی البخترى عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال : صلّیت قبل النّاس سبع سنین .

و من طریق نوح بن دراج عن خالد الخفاف قال : أدركت النّاس و هم یقولون :

وقع بین علیّ و عثمان كلام فقال عثمان و اللَّه أبو بكر و عمر خیر منك ، فقال علیّ علیه السّلام كذبت و اللَّه لأنا خیر منك و منهما ، عبدت اللَّه قبلهما و عبدت اللَّه بعدهما

[ 274 ]

و من طریق الحارث الأعور قال : سمعت أمیر المؤمنین علیه السّلام یقول : اللّهمّ إنّی لا أعرف عبدا من عبادك عبدك قبلی .

و قال علیه السّلام قبل لیلة الهریر بیوم و یحرّض النّاس على أهل الشّام : أنا أوّل ذكر صلّى مع رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و لقد رأیتنی أضرب بسیفی قدامه و هو یقول لا سیف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علىّ حیاتك حیاتی و موتك موتی .

و قال علیه السّلام و قد بلغه أنّ قوما یطعنون علیه فی الاخبار عن رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم بعد كلام خطبه 1 : بلغنی أنكم تقولون إنّ علیا یكذب ، فعلى من أكذب أعلى اللَّه فأنا أوّل من آمن به و عبده و وحّده ، أم على رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فأنا أوّل من آمن به و صدّقه و نصره .

و قال علیه السّلام لمّا بلغه افتخار معاویة عند أهل الشّام شعره المشهور الذی یقول فیه :

سبقتكم إلى الاسلام طرّا
صغیرا ما بلغت أوان حلمى

و أنا أذكر الشعر بأسره فی موضع غیر هذا عند الحاجة إلیه إنشاء اللَّه تعالى .

و من ذلك ما رواه أبو أیّوب خالد بن زید الأنصاری صاحب رسول اللَّه من طریق عبد الرحمن معمّر عن أبیه عن أبی أیّوب رحمه اللَّه ، قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : صلّت الملائكة علىّ و على علیّ بن أبی طالب علیه السّلام سبع سنین ، و ذلك أنّه لم یصلّ معى رجل غیره .

و من ذلك ما رواه سلمان الفارسی رحمة اللَّه علیه من طریق علیم الكندی عن سلمان قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : أوّلكم ورودا علىّ الحوض أوّلكم اسلاما علیّ بن أبیطالب .

و من ذلك ما رواه أبو ذر الغفاری رحمة اللَّه علیه من طریق محمّد بن عبید اللَّه بن أبی رافع عن أبیه عن جدّه عن أبی ذر قال : سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم یقول لعلیّ بن أبیطالب :

أنت أوّل من آمن بی ، فی حدیث طویل .

و روى أبو سخیلة عن أبی ذر أیضا قال : سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم هو آخذ بید علیّ علیه السّلام یقول : أنت أوّل من آمن بی و أوّل من یصافحنی یوم القیامة .

-----------
( 1 ) و قد مضى هذا الكلام بروایة السید ره فی الكتاب و هو المختار السبعون ، منه





نظرات() 


Why is my Achilles tendon burning?
پنجشنبه 16 شهریور 1396 05:50 ب.ظ
It's very effortless to find out any matter on web as compared to textbooks, as I
found this article at this web page.
How do you prevent Achilles tendonitis?
دوشنبه 16 مرداد 1396 01:01 ب.ظ
Thank you for sharing your info. I really appreciate your efforts and I will be waiting for your next post thanks
once again.
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox