تبلیغات
پیام هادی - تفاسیر نهج البلاغه
 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-08:56 ب.ظ

[ 113 ] و من خطبة له ع فی ذم الدنیا

وَ أُحَذِّرُكُمُ اَلدُّنْیَا فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ وَ لَیْسَتْ بِدَارِ نُجْعَةٍ قَدْ تَزَیَّنَتْ بِغُرُورِهَا وَ غَرَّتْ بِزِینَتِهَا دَارُهَا هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا فَخَلَطَ حَلاَلَهَا بِحَرَامِهَا وَ خَیْرَهَا بِشَرِّهَا وَ حَیَاتَهَا بِمَوْتِهَا وَ حُلْوَهَا بِمُرِّهَا لَمْ یُصْفِهَا اَللَّهُ تَعَالَى لِأَوْلِیَائِهِ وَ لَمْ یَضِنَّ بِهَا عَلَى أَعْدَائِهِ خَیْرُهَا زَهِیدٌ وَ شَرُّهَا عَتِیدٌ وَ جَمْعُهَا یَنْفَدُ وَ مُلْكُهَا یُسْلَبُ وَ عَامِرُهَا یَخْرَبُ فَمَا خَیْرُ دَارٍ تُنْقَضُ نَقْضَ اَلْبِنَاءِ وَ عُمُرٍ یَفْنَى فِیهَا فَنَاءَ اَلزَّادِ وَ مُدَّةٍ تَنْقَطِعُ اِنْقِطَاعَ اَلسَّیْرِ اِجْعَلُوا مَا اِفْتَرَضَ اَللَّهُ عَلَیْكُمْ مِنْ طَلَبِكُمْ وَ اِسْأَلُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ مَا سَأَلَكُمْ وَ أَسْمِعُوا دَعْوَةَ اَلْمَوْتِ آذَانَكُمْ قَبْلَ أَنْ یُدْعَى بِكُمْ إِنَّ اَلزَّاهِدِینَ فِی اَلدُّنْیَا تَبْكِی قُلُوبُهُمْ وَ إِنْ ضَحِكُوا وَ یَشْتَدُّ حُزْنُهُمْ وَ إِنْ فَرِحُوا وَ یَكْثُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَ إِنِ اِغْتَبَطُوا بِمَا رُزِقُوا قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ اَلْآجَالِ وَ حَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ اَلْآمَالِ فَصَارَتِ اَلدُّنْیَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ اَلْآخِرَةِ وَ اَلْعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ اَلْآجِلَةِ وَ إِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانٌ عَلَى دِینِ اَللَّهِ مَا فَرَّقَ بَیْنَكُمْ إِلاَّ خُبْثُ اَلسَّرَائِرِ وَ سُوءُ اَلضَّمَائِرِ فَلاَ تَوَازَرُونَ وَ لاَ تَنَاصَحُونَ وَ لاَ تَبَاذَلُونَ وَ لاَ تَوَادُّونَ مَا بَالُكُمْ تَفْرَحُونَ بِالْیَسِیرِ مِنَ اَلدُّنْیَا تُدْرِكُونَهُ وَ لاَ یَحْزُنُكُمُ اَلْكَثِیرُ مِنَ اَلْآخِرَةِ تُحْرَمُونَهُ وَ یُقْلِقُكُمُ اَلْیَسِیرُ مِنَ اَلدُّنْیَا یَفُوتُكُمْ حَتَّى یَتَبَیَّنَ ذَلِكَ فِی وُجُوهِكُمْ وَ قِلَّةِ صَبْرِكُمْ عَمَّا زُوِیَ مِنْهَا عَنْكُمْ كَأَنَّهَا دَارُ مُقَامِكُمْ وَ كَأَنَّ مَتَاعَهَا بَاقٍ عَلَیْكُمْ وَ مَا یَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ یَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا یَخَافُ مِنْ عَیْبِهِ إِلاَّ مَخَافَةُ أَنْ یَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْلِهِ قَدْ تَصَافَیْتُمْ عَلَى رَفْضِ اَلْآجِلِ وَ حُبِّ اَلْعَاجِلِ وَ صَارَ دِینُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةً عَلَى لِسَانِهِ صَنِیعَ مَنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ وَ أَحْرَزَ رِضَى سَیِّدِهِ

و من خطبة له علیه السّلام و هى المأة و الثانیة عشر من المختار فی باب ال‏خطب .

و أحذّركم الدّنیا فإنّها منزل قلعة و لیست بدار نجعة ، قد تزیّنت بغرورها ، و غرّت بزینتها ، دار هانت على ربّها ، فخلط حلالها بحرامها ،

[ 41 ]

و خیرها بشرّها ، و حیوتها بموتها ، و حلوها بمرّها ، لم یصفّها اللَّه تعالى لأولیائه ، و لم یضنّ بها على ( عن خ ) أعدائه ، خیرها زهید ، و شرّها عتید ، و جمعها ینفد ، و ملكها یسلب ، و عامرها یخرب ، فما خیر دار تنقض نقض البناء ، و عمر یفنى فناء الزّاد ، و مدّة تنقطع انقطاع السّیر ،

إجعلوا ( فاجعلوا خ ) ما افترض اللَّه علیكم من طلبتكم ، و اسئلوه من أداء حقّه ما سألكم ، و أسمعوا دعوة الموت آذانكم قبل أن یدعى بكم ، إنّ الزّاهدین فی الدّنیا تبكی قلوبهم و إن ضحكوا ، و یشتدّ حزنهم و إن فرحوا ، و یكثر مقتهم أنفسهم و إن اغتبطوا بما رزقوا ، قد غاب عن قلوبكم ذكر الآجال ، و حضرتكم كواذب الآمال ، فصارت الدّنیا أملك بكم من الآخرة ، و العاجلة أذهب بكم من الآجلة ، و إنّما أنتم إخوان على دین اللَّه ما فرّق بینكم إلاّ خبث السّرائر ، و سوء الضّمائر ،

فلا توازرون ، و لا تناصحون ، و لا تباذلون ، و لا توادّون ، ما بالكم تفرحون بالیسیر من الدّنیا تدركونه ، و لا یحزنكم الكثیر من الآخرة تحرمونه ، و یقلقلكم الیسیر من الدّنیا ( حین خ ) یفوتكم حتّى یتبیّن ذلك فی وجوهكم و قلّة صبركم عمّا زوی منها عنكم ، كأنّها دار مقامكم و كأنّ متاعها باق علیكم ، و ما یمنع أحدكم أن یستقبل أخاه بما یخاف

[ 42 ]

من عیبه إلاّ مخافة أن یستقبله بمثله ، قد تصافیتم على رفض الاجل ،

و حبّ العاجل ، و صار دین أحدكم لعقة على لسانه ، صنع « صنیع » من قد فرغ من « عن خ » عمله ، و أحرز رضى سیّده .

اللغة

( القلعة ) بالضمّ العزل و المال العاریة أو مالا یروم و منزلنا منزل قلعة و قلعة و قلعة و زان همزة أى لیس بمستوطن أو لا تدرى متى تتحول عنه او لا تملكه و ( النجعة ) بالضمّ طلب الكلاء فی موضعه و ( یخرب ) بالبناء على الفاعل مضارع باب فعل كفرح و فی بعض النسخ بالبناء على المجهول مضارع اخرب و فی بعضها یتخرّب مضارع باب التفعل مبنیا على الفاعل أیضا و ( الطلبة ) بفتح الطاء و كسر اللام ما طلبته و ( مقته ) مقتا أبغضه فهو مقیت و ممقوت .

و قوله ( فلا توازرون ) بفتح التاء من باب التفاعل بحذف احدى التائین ، و فی بعض النسخ بضمّها و كسر الزّاء مضارع باب المفاعلة ، و مثله الافعال الثلاثة بعده و قوله ( ما بالكم ) فی بعض النسخ بدله مالكم و ( اللّعقة ) بالضمّ اسم لما یلعق أى تؤكل بالاصبع أو بالملعقة و هی آلة معروفة .

الاعراب

جملة قد تزیّنت فی محل النّصب على الحال من الدّنیا ، و فی بعض النسخ و قد تزیّنت بالواو ، و الفاء فی قوله فخلط حلالها بحرامها فصیحة أى إذا كانت مهانة على اللَّه فخلط و فی بعض النسخ عن أعدائه بدل على أعدائه فلا بدّ من تضمین معنى القبض أى لم یضر بها قابضا لها عن أعدائه ، و قوله فما خیر دار تنقض اه ما استفهامیّة و اضافة خیر إلى دار بمعنى فی ، أى منفعة فی دار وصفها كذا ، و من فی قوله : من طلبتكم للتبعیض ، و یحتمل الزیادة على مذهب الأخفش و الكوفیّین من تجویز زیادتها فی الایجاب استدلالا بقوله تعالى : و یغفر لكم من ذنوبكم ، و ذهب سیبویه

[ 43 ]

إلى أنها فیه للتبعیض أیضا .

و قوله : و اسألوه من أداء حقه ما سألكم ، اى اسألوا منه على الحذف و الایصال ، و ما موصولة منصوبة المحلّ مفعول اسألوه و سألكم صلتها و العاید محذوف أى الّذی سأله منكم ، و من أداء حقّه ، بیان لما ، كما فی قولك : عندى من المال ما یكفى ، و انّما جاز تقدیم من المبینة على المبهم فی هذا و أمثاله ، لأنّ المبهم الذی فسّر بمن مقدّم تقدیرا كأنّك قلت عندى شی‏ء من المال ما یكفى ، فالمبیّن بفتح الباء فی الحقیقة محذوف ، و الّذی بعد من عطف بیان له ، و المقصود بذلك تحصیل البیان بعد الابهام ، لأنّ معنى أعجبنی زید ، أى شی‏ء من أشیائه بلا ریب ،

فاذا قلت : كرمه أو وجهه ، فقد تبیّنت ذلك الشّی‏ء المبهم .

و الفاء فی قوله : فصارت الدّنیا فصیحة ، و فی قوله : فلا توازرون ، عاطفة مفیدة للسّببیة نحو یقوم زید فیغضب عمرو أى صار قیامه سببا لغضب عمرو ، و جملة تفرحون و تدركونه و تحرمونه و یفوتكم فی محال النصب على الحال ، و فی بعض النسخ حین یفوتكم ، باضافة حین ، و قلّة صبركم ، بالجرّ عطف على وجوهكم .

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة مسوقة للتنفیر عن الدّنیا و الترغیب فی الآخرة ، و نبّه على جهات النفرة بقوله ( و احذّركم ) من ( الدّنیا ) و الرّكون إلیها و الاعتماد علیها و الاغترار بها و بزخارفها ( فانها منزل قلعة ) أى لا تصح للسّكنى و الاستیطان أو لا تدرى متى یكون لك منها التحوّل و الارتحال و المضىّ و الانتقال ( و لیست بدار نجعة ) یطلب فیها الكلاء و یروى من الظماء ، و هو كنایة عن انّها لا ینال فیها المراد و لا یوفّق فیها للسّداد ( قد تزیّنت ) للناس ( بغرورها ) و أباطیلها ( و غرّت ) المفتونین بها أى خدعتهم ( بزینتها ) و زخارفها .

و هى ( دار هانت على ربّها ) و اتصفت بالذّل و الهوان لعدم تعلّق العنایة الالهیة علیها بالذات و إنما خلقت لكونها وسیلة إلى غیرها .

قال أبو عبد اللَّه علیه السّلام : مرّ رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم بجدى أسك ملقى على مزبلة ،

[ 44 ]

فقال لأصحابه : كم یساوى هذا ؟ فقالوا : لعله لو كان حیّا یساو درهما ، فقال النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : و الذی نفسی بیده الدّنیا أهون على اللَّه من هذا الجدى على أهله .

و قوله ( فخلط حلالها بحرامها و خیرها بشرّها و حیاتها بموتها و حلوها بمرّها ) یعنی أنها من أجل حقارتها لم تكن خیرا محضا ، بل كان كلّ ما یعدّ فیها خیرا مشوبا بشرّ یقابله ، بخلاف الدّار الآخرة ، فانها خیر كلّها وصفو كلّها و لذلك ( لم یصفّها اللَّه لأولیائه ) بل جعلهم فیها مبتلى بأنواع الغمص و المحن ، و أصناف المصائب و الحزن فمشربهم فیها رنق و مترعهم فیها روغ ( و لم یضنّ بها على أعدائه ) بل أعطاهم فیها غایة المأمول ، و منتهى المسئول ، فحازوا نفایس الأموال و فازوا نهایة الآمال ، و لیس عدم التّصفیة للأولیاء و عدم الضنّة بها فی حقّ الأعداء إلاّ اكراما للأوّلین و إضلالا للآخرین .

قال أبو عبد اللَّه علیه السّلام : إنّ المؤمن لیكرم على اللَّه حتى لو سأله الجنّة بما فیها أعطاه ذلك من غیر أن ینتقص من ملكه شیئا ، و إنّ الكافر لیهون على اللَّه حتى لو سأله الدّنیا بما فیها أعطاه ذلك من غیر أن ینتقص من ملكه شیئا ، و إنّ اللَّه لیتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما یتعاهد الغایب أهله بالطرف ، و إنّه لیحمیه الدّنیا كما یحمى الطّبیب المریض .

و فی روایة اخرى عنه علیه السّلام قال : ما كان من ولد آدم مؤمن إلاّ فقیرا و لا كافر إلاّ غنیّا ، حتّى جاء إبراهیم فقال :

رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذینَ كَفَرُوا .

فصیّر اللَّه فی هؤلاء أموالا و حاجة ، و فی هؤلاء أموالا و حاجة .

و بالجملة فعدم تصفیتها للأولیاء و جعلهم فیها مبتلى بأوصاف البلاء لیس إلاّ لیصبروا أیّاما قلیلة و یصیروا إلى راحة طویلة ، و عدم قبضها من الأعداء لهوانها علیه سبحانه

[ 45 ]

كهوانهم عنده و لو تساوى 1 عنده تعالى جناح بعوضة لما اعطى أعدائه منها حبّة و لا سقاهم منها شربة .

( خیرها زهید ) قلیل ( و شرّها عتید ) حاضر ( و جمعها ینفد ) و یفنى ( و ملكها یسلب ) و یؤخذ ( و عامرها یخرب ) و یهدم ( فما خیر دار ) اى أىّ خیر و منفعة فی دار ( تنقض نقض البناء و عمر یفنى فناء الزاد و مدّة تنقطع انقطاع السیر ) لا یخفى حسن التشبیه فی القراین الثلاث و تمام المناسبة و الایتلاف بین طرفى التشبیه فی كلّ منها هذا .

و لمّا نبّه علیه السّلام على معائب الدّنیا و مساویها عقّبه بالأمر بأخذ ما هو لازم فیها فقال ( اجعلوا ما افترض اللَّه علیكم ) من العقاید الحقّة و المعارف الالهیّة و العبادات الفرعیّة ( من طلبتكم ) أى من جملة ما تطلبونه أو نفس ما تطلبونه على زیادة من و على الثانی ففیه من المبالغة ما لا یخفى ، یعنی أنّ اللاّزم علیكم أن یكون مطلوبكم فی الدّنیا الفرایض و أدائها و تكون همّتكم مقصورة فیها ( و اسألوه من أداء حقّه ما سألكم ) أى اسألوا منه سبحانه التّوفیق و التّسدید و الاعانة لما أمركم به و فرضه علیكم من أداء حقوقه الواجبة و تكالیفه اللاّزمة ، فانّ الاتیان بالواجبات و الانتهاء عن السّیئات لا یحصل إلاّ بحول اللَّه و قوّته و توفیقه و تأییده و عصمته ،

فیلزم على العبد أن یقرع باب الرّب ذی الجلال بید الذلّ و المسكنة و السؤال لأن یسهّل له مشاقّ الأعمال ، و یصرفه عما یورطه فی ورطة الضّلال ، و یوقعه فی شداید الأهوال ، كما قال سیّد العابدین و زین السّاجدین سلام اللَّه علیه و على آبائه و أولاده الطّاهرین فی دعاء یوم عرفة :

و خذ بقلبی إلى ما استعملت به القانتین ، و استعبدت به المتعبّدین ، و استنقذت به المتهاونین ، و أعذنی مما یباعدنی عنك و یحول بینی و بین حظّی منك و یصدّنی

-----------
( 1 ) هذه العبارة مقتبس من الحدیث النبوى قال ( ص ) لو كانت الدنیا عند اللَّه تزن جناح بعوضة لما سقى كافرا منها شربة ماء منه

[ 46 ]

عمّا احاول لدیك ، و سهّل لى مسلك الخیرات الیك ، و المسابقة إلیها من حیث أمرت و المشاحة فیها على ما أوردت .

و فی دعاء الاشتیاق إلى طلب المغفرة :

اللّهم و إنّك من الضعف خلقتنا ، و على الوهن بنیتنا ، و من ماء مهین ابتدئتنا و لا حول لنا إلاّ بقوّتك ، و لا قوّة لنا إلاّ بعونك ، فأیّدنا بتوفیقك ، و سدّدنا بتسدیدك و أعم أبصار قلوبنا عمّا خالف محبّتك ، و لا تجعل لشی‏ء من جوارحنا نفوذا إلى معصیتك .

و فی دعائه علیه السّلام فی ذكر التّوبة :

اللّهم انّه لا وفاء لی بالتوبة إلاّ بعصمتك ، و لا استمساك بی عن الخطایا إلاّ عن قوّتك ، فقوّنی بقوّة كافیة ، و تولّنی بعصمة مانعة ، هذا .

و اطلاق السّؤال على الفرایض و الأوامر فی قوله ما سألكم من باب المجاز بجامع الطّلب ، أو أنّ الاتیان بلفظ السؤال لمجرّد المشاكلة بینه و بین قوله و اسألوه و هى من محسّنات البدیع كما مرّ فی دیباجة الشرح و قوله ( و اسمعوا دعوة الموت آذانكم قبل أن یدعى بكم ) أراد به التهیّؤ للموت قبل حلول الفوت و الاستعداد له قبل نزوله ، بأن یجعله نصب عینیه ، یذكر شدّة ما یكون فی تلك الحال علیه من سكرة ملهثة و غمرة كارثة و أنّه موجعة و جذبة مكربة و سوقة متعبة .

ثمّ نبّه علیه السّلام على أوصاف خیرة العباد من العبّاد و الزّهاد لترمق أعمالهم و یقتدى لهم فی أفعالهم فقال : ( إنّ الزاهدین فی الدّنیا ) الرّاغبین فی الآخرة ( تبكى قلوبهم ) من خشیة الحقّ ( و إن ضحكوا ) مداراة مع الخلق ( و یشتدّ حزنهم ) من خوف النار و غضب الجبّار ( و إن فرحوا ) حیناما من الأعصار ( و یكثر مقتهم ) و بغضهم ( أنفسهم ) لكونها أمّارة بالسّوء و الفساد صارفة عن سمت السّداد و الرشاد فلا یطیعونها و لا یلتفتون إلیها و لا یخلعون لجامها لتقتحم لهم فی العذاب الالیم و توردهم فی الخزى العظیم ( و ان اغتبطوا ) اى اغتبطهم الناس ( بما رزقوا ) من فوائد النّعم و عوائد المزید و القسم .

ثمّ وبّخهم على ما هم علیه من حالة الغرّة و الغفلة فقال ( قد غاب عن قلوبكم

[ 47 ]

ذكر الآجال ) فلم تمهدوا فی سلامة الأبدان ( و حضرتكم كواذب الآمال ) فلم تعتبروا فی أنف الأوان ( فصارت الدّنیا أملك بكم من الآخرة ) لاستیلائها علیكم و نفوذ تصرّفها فیكم و اتّباعكم علیها اتّباع العبد على سیّده و المملوك على مولاه ( و العاجلة أذهب بكم من الآجلة ) لفرط محبّتكم لها و دخول حبّها شغاف قلوبكم فذهبت بقلوبكم كما یذهب المحبوب بقلب محبّه ( و انّما انتم اخوان مجتمعون على دین اللَّه ) و فطرته التی فطر النّاس علیها بقوله تعالى إنّما المؤمنون اخوة ( ما فرّق بینكم إلاّ خبث السّرائر و سوء الضمائر ) اى لم یفرّق بینكم إلاّ خبث البواطن و سوء العقاید و النّیات و من ذلك ارتفعت علیكم آثار التواخی و المودّة و لوازم المحبّة و الاخوّة ( فلا توازرون و لا تناصحون و لا تباذلون و لا توادّون ) أى لا یعین أحدكم صاحبه و لا یقویه و لا یناصحه و لا یبذل ماله له و لا یقوم بلوازم المودّة روى فی الكافی عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن حماد بن عیسى عن إبراهیم ابن عمر الیمانی ، عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : حقّ المسلم على المسلم أن لا یشبع و یجوع أخوه و لا یروى و یعطش أخوه و لا یكتسى و یعرى أخوه ، فما أعظم حقّ المسلم على أخیه المسلم .

و قال أحبّ لأخیك المسلم ما تحبّ لنفسك و إذا احتجت فاسأله و إن سألك فاعطه ، لا تملّه خیرا و لا یملّه لك ، كن له ظهرا فانه لك ظهر ، إذا غاب فاحفظه فی غیبته ، و إذا شهد فزره و أجلّه و أكرمه فانه منك و أنت منه ، فان كان علیك عاتبا فلا تفارقه حتّى تسئل سمیحته 1 و إن أصابه خیر فاحمد اللَّه ، و إن ابتلى فاعضده ، و إن یمحل له فأعنه ، و إذا قال الرّجل لأخیه : افّ انقطع ما بینهما من الولایة ، و إذا قال : أنت عدوّى كفر أحدهما ، فاذا اتّهمه انماث الایمان فی قلبه كما یماث الملح فی الماء .

و باسناده عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام قال : من حقّ المؤمن على أخیه المؤمن أن یشبع جوعته و یوارى عورته ، و یفرّج عنه كربته ، و یقضی دینه ، فاذا مات خلفه

-----------
( 1 ) تسلّ سخیمته « كذا فی الوسایل »

[ 48 ]

فی أهله و ولده .

أقول : قد استفید من هذین الخبرین و غیرهما لم نورده شرایط الاخوّة بین المسلمین ، و علم بذلك أنّ من لم یقم بوظایفها فلیس هو فی الحقیقة بأخ لصاحبه ،

و لذلك قال الباقر و الصّادق علیهما السّلام فیما رواه عنهما فی الكافی : لم تتواخوا على هذا الأمر و إنما تعارفتم علیه .

ثمّ استفهم على المخاطبین على سبیل التقریع فقال ( ما بالكم تفرحون بالیسیر من الدّنیا تدركونه و لا یحزنكم الكثیر من الآخرة تحرمونه ) مع أنّ هذا الیسیر فان زائل و ذلك الكثیر باق دائم ( و یقلقلكم ) أى یزعجكم ( الیسیر من الدّنیا یفوتكم حتّى یتبیّن ذلك ) القلق و الاضطراب و یظهر أثره ( فی وجوهكم و ) فی ( قلّة صبركم عمّا زوى ) أى قبض ( منها ) أى من الدّنیا و خیرها و فضلها ( عنكم ) فتحزنون و تتأسّفون بذلك ( كأنها دار مقامكم و كانّ متاعها باق علیكم ) ثمّ ذمّهم على عدم كون محافظتهم على اخوانهم بظهر الغیب عن وجه الخلوص و الصّفاء و على عدم كون كتمانهم لعیوب اخوتهم لمجرّد ملاحظة الصّدقة و الاخاء فقال ( و ما یمنع أحدكم أن یستقبل أخاه بما یخاف ) الأخ منه ( من عیبه إلاّ مخافة ان یستقبله ) أخوه ( بمثله ) یعنی أنه لا مانع لأحد منكم من مواجهة أخیه باظهار عیوبه التی یخاف الأخ من إظهارها إلاّ مخافة أن یواجهه أخوه بمثل ما واجهه به ،

فیذكر مثالبه و یظهر معایبه ، و هو اشارة إلى عدم مبالاتهم فی الدین و عدم خوفهم من اللَّه سبحانه فی إذاعة سرّ المؤمنین مع أنّ حقّ المؤمن من المؤمن إذا رأى منه عیبا أو عرف منه ذنبا هو الاخفاء و الكتمان ، لا الاذاعة و الاعلان ، قضاء لحق الاخوّة و رعایة لوظیفة التقوى و المروّة قال اللَّه سبحانه :

وَ الَّذینَ یُحِبُّونَ أَنْ تَشیعَ الْفاحِشَةُ فی الَّذینَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلیمٌ و قال أبو عبد اللَّه علیه السّلام من روى على مؤمن روایة یرید بها شینه و هدم مروّته لیسقط من أعین الناس أخرجه اللَّه من ولایته إلى ولایة الشّیطان فلا یقبله الشّیطان

[ 49 ]

رواه فی الكافی .

و فیه أیضا عن زید عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : فیما جاء فی الحدیث عورة المؤمن على المؤمن حرام ، قال : ما هو أن ینكشف فترى منه شیئا إنّما هو أن تروى علیه أو تعیبه .

ثمّ قال ( قد تصافیتم على رفض الآجل و حبّ العاجل ) أى تواخیتم على ترك الاخرى و محبّة الدّنیا ( و صار دین أحدكم لعقة على لسانه ) قال الشارح البحرانی استعار لفظ اللعقة لما ینطق به من شعار الاسلام و الدّین كالشّهادتین و نحوهما من دون ثبات ذلك فی القلب و رسوخه و العمل على وفقه .

و قال الشارح المعتزلی : و أصل اللعقة شی‏ء قلیل یؤخذ بالملعقة من الاناء یصف دینهم بالنزارة ، و لم یقنع بأن جعله لعقة حتى جعله على ألسنتهم فقط أى لیس فی قلوبهم ( صنع من ) أى صنعهم مثل صنیع من ( قد فرغ من عمله و أحرز رضى سیّده ) باتیان أوامره و أحكامه ، و وجه التشبیه الاشتراك فی الاعراض من العمل .

الترجمة

از جمله خطبهاى آن حضرت است در مذمّت دنیا و تنفیر مردمان از آن غدار بى‏وفا چنانچه فرموده :

و میترسانم شما را از دنیا ، پس بدرستیكه آن منزلى است كه قابل أخذ وطن نیست و نیست سرائى كه طلب آب و گیاه كرده شود در آن ، بتحقیق كه آراسته شده بباطل خود ، و فریب داده به آرایش خود ، خانه‏ایست كه ذلیل و خوار شده بر پروردگار خود ، پس آمیخته حلال آنرا بحرام آن ، و خیر آنرا بشرّ آن ،

و زندگانى آن را بمرگ آن ، و شیرینى آن را بتلخ آن ، صافى نفرموده است آنرا از براى دوستان خود ، و بخیلى ننموده آن را بر دشمنان خود ، خیر آن كم است ،

و شرّ آن حاضر است ، و جمع شده آن تمام مى‏شود ، و پادشاهى آن ربوده میشود ،

و آباد آن خراب میشود .

پس چه منفعت است در خانه‏اى كه شكسته میشود چون شكسته شدن بناى

[ 50 ]

بى اعتبار ، و در عمرى كه فانى میشود چون فانى شدن توشه ، و در مدتى كه منقطع میشود چون انقطاع رفتار ، بگردانید آنچه كه واجب نمود خداوند تعالى بر شما از جمله مطالب خود ، و سؤال كنید از حقتعالى توفیق و اعانة آنچه را كه خواهش فرموده از شما از أداء حق او ، و بشنوانید دعوت مرگرا بگوشهاى خودتان پیش از اینكه دعوت نمایند و بخوانند شما را بدار القرار .

بدرستى صاحبان زهد در دنیا گریه میكند قلبهاى ایشان و اگر چه خنده كنند بحسب ظاهر ، و شدّت مییابد پریشانى ایشان و اگر چه شاد باشند بر روى ناظر ،

و بسیار میشود دشمنى ایشان با نفسهاى خودشان و اگر چه غبطه كرده شوند و مردمان آرزوى نیكوئى حال ایشان را نمایند بآنچه كه روزى داده شدند در این جهان .

بتحقیق كه غائب شده از قلبهاى شما یاد كردن أجلها ، و حاضر شده شما را دروغهاى آرزوها ، پس گردید دنیا مالكتر و متصرّفتر شد بشما از آخرت ، و دنیا برنده‏تر شد شما را بسوى خود از عقبا ، و جز این نیست كه شما برادرانید بر دین خداى تعالى تفرقه نینداخته در میان شما مگر ناپاكى شرها ، و بدى اندیشها ، پس اعانت یكدیگر نمیكنید ، و بار گردن یكدیگر را بر نمیدارید ، و نصیحت نمیكنید یكدیگر را ، و بخشش نمیكنید بیكدیگر ، و دوستى نمیورزید با یكدیگر .

چیست شأن شما در حالتیكه شاد میباشید باندكى از دنیا در حالتیكه در مییابید آنرا ، و محزون نمیكند شما را بسیارى از آخرت در حالتیكه محروم میشوید از آن ،

و مضطرب مینماید شما را اندكى از متاع دنیا هنگامى كه فوت میشود از شما تا آنكه ظاهر میشود أثر آن اضطراب در بشره رویهاى شما در كمى صبر و شكیبائى شما از آنچه پیچیده شده است از متاع دنیا از شما ، گوئیا دنیا سراى اقامت شما است ،

و گوئیا متاع آن باقى است بر شما ، و مانع نمیشود یكى از شما را از اینكه مواجهه كند برادر دینى خود را بچیزى كه میترسد برادر از عیب آن مگر ترس آنكه مواجهه نماید برادر او با او با مثل گفتار او ، بتحقیق كه دوستى ورزیده‏اید با یكدیگر بر ترك آخرت و بر محبّت دنیا ، و گردیده است دین یكى از شما آنچه كه بیكار

[ 51 ]

لیسیده میشود بر زبان ، و عمل نمودید ترك در امورات اخروى مثل كار كسیكه فارغ شود از عمل خود ، و فراهم آورده باشد خوشنودى و رضاى مولاى خود را .

[ 114 ] و من خطبة له ع و فیها مواعظ للناس

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْوَاصِلِ اَلْحَمْدَ بِالنِّعَمِ وَ اَلنِّعَمَ بِالشُّكْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى آلاَئِهِ كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلاَئِهِ وَ نَسْتَعِینُهُ عَلَى هَذِهِ اَلنُّفُوسِ اَلْبِطَاءِ عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ اَلسِّرَاعِ إِلَى مَا نُهِیَتْ عَنْهُ وَ نَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ وَ أَحْصَاهُ كِتَابُهُ عِلْمٌ غَیْرُ قَاصِرٍ وَ كِتَابٌ غَیْرُ مُغَادِرٍ وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِیمَانَ مَنْ عَایَنَ اَلْغُیُوبَ وَ وَقَفَ عَلَى اَلْمَوْعُودِ إِیمَاناً نَفَى إِخْلاَصُهُ اَلشِّرْكَ وَ یَقِینُهُ اَلشَّكَّ وَ نَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِیكَ لَهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً صَلَّى اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ شَهَادَتَیْنِ تُصْعِدَانِ اَلْقَوْلَ وَ تَرْفَعَانِ اَلْعَمَلَ لاَ یَخِفُّ مِیزَانٌ تُوضَعَانِ فِیهِ وَ لاَ یَثْقُلُ مِیزَانٌ تُرْفَعَانِ عَنْهُ أُوصِیكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ اَلَّتِی هِیَ اَلزَّادُ وَ بِهَا اَلْمَعَاذُ زَادٌ مُبْلِغٌ وَ مَعَاذٌ مُنْجِحٌ دَعَا إِلَیْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ وَ وَعَاهَا خَیْرُ وَاعٍ فَأَسْمَعَ دَاعِیهَا وَ فَازَ وَاعِیهَا عِبَادَ اَللَّهِ إِنَّ تَقْوَى اَللَّهِ حَمَتْ أَوْلِیَاءَ اَللَّهِ مَحَارِمَهُ وَ أَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ حَتَّى أَسْهَرَتْ لَیَالِیَهُمْ وَ أَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ فَأَخَذُوا اَلرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ وَ اَلرِّیَّ بِالظَّمَإِ وَ اِسْتَقْرَبُوا اَلْأَجَلَ فَبَادَرُوا اَلْعَمَلَ وَ كَذَّبُوا اَلْأَمَلَ فَلاَحَظُوا اَلْأَجَلَ ثُمَّ إِنَّ اَلدُّنْیَا دَارُ فَنَاءٍ وَ عَنَاءٍ وَ غِیَرٍ وَ عِبَرٍ فَمِنَ اَلْفَنَاءِ أَنَّ اَلدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ لاَ تُخْطِئُ سِهَامُهُ وَ لاَ تُؤْسَى جِرَاحُهُ یَرْمِی اَلْحَیَّ بِالْمَوْتِ وَ اَلصَّحِیحَ بِالسَّقَمِ وَ اَلنَّاجِیَ بِالْعَطَبِ آكِلٌ لاَ یَشْبَعُ وَ شَارِبٌ لاَ یَنْقَعُ وَ مِنَ اَلْعَنَاءِ أَنَّ اَلْمَرْءَ یَجْمَعُ مَا لاَ یَأْكُلُ وَ یَبْنِی مَا لاَ یَسْكُنُ ثُمَّ یَخْرُجُ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى لاَ مَالاً حَمَلَ وَ لاَ بِنَاءً نَقَلَ وَ مِنْ غِیَرِهَا أَنَّكَ تَرَى اَلْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً وَ اَلْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً لَیْسَ ذَلِكَ إِلاَّ نَعِیماً زَلَّ وَ بُؤْساً نَزَلَ وَ مِنْ عِبَرِهَا أَنَّ اَلْمَرْءَ یُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَیَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ فَلاَ أَمَلٌ یُدْرَكُ وَ لاَ مُؤَمَّلٌ یُتْرَكُ فَسُبْحَانَ اَللَّهِ مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا وَ أَظْمَأَ رِیَّهَا وَ أَضْحَى فَیْئَهَا لاَ جَاءٍ یُرَدُّ وَ لاَ مَاضٍ یَرْتَدُّ فَسُبْحَانَ اَللَّهِ مَا أَقْرَبَ اَلْحَیَّ مِنَ اَلْمَیِّتِ لِلَحَاقِهِ بِهِ وَ أَبْعَدَ اَلْمَیِّتَ مِنَ اَلْحَیِّ لاِنْقِطَاعِهِ عَنْهُ إِنَّهُ لَیْسَ شَیْ‏ءٌ بِشَرٍّ مِنَ اَلشَّرِّ إِلاَّ عِقَابُهُ وَ لَیْسَ شَیْ‏ءٌ بِخَیْرٍ مِنَ اَلْخَیْرِ إِلاَّ ثَوَابُهُ وَ كُلُّ شَیْ‏ءٍ مِنَ اَلدُّنْیَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِیَانِهِ وَ كُلُّ شَیْ‏ءٍ مِنَ اَلْآخِرَةِ عِیَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ فَلْیَكْفِكُمْ مِنَ اَلْعِیَانِ اَلسَّمَاعُ وَ مِنَ اَلْغَیْبِ اَلْخَبَرُ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ اَلدُّنْیَا وَ زَادَ فِی اَلْآخِرَةِ خَیْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ اَلْآخِرَةِ وَ زَادَ فِی اَلدُّنْیَا فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابِحٍ وَ مَزِیدٍ خَاسِرٍ إِنَّ اَلَّذِی أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ اَلَّذِی نُهِیتُمْ عَنْهُ وَ مَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَیْكُمْ فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَثُرَ وَ مَا ضَاقَ لِمَا اِتَّسَعَ قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ وَ أُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ فَلاَ یَكُونَنَّ اَلْمَضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ أَوْلَى بِكُمْ مِنَ اَلْمَفْرُوضِ عَلَیْكُمْ عَمَلُهُ مَعَ أَنَّهُ وَ اَللَّهِ لَقَدِ اِعْتَرَضَ اَلشَّكُّ وَ دَخِلَ اَلْیَقِینُ حَتَّى كَأَنَّ اَلَّذِی ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَیْكُمْ وَ كَأَنَّ اَلَّذِی فُرِضَ عَلَیْكُمْ قَدْ وُضِعَ عَنْكُمْ فَبَادِرُوا اَلْعَمَلَ وَ خَافُوا بَغْتَةَ اَلْأَجَلِ فَإِنَّهُ لاَ یُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ اَلْعُمُرِ مَا یُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ اَلرِّزْقِ مَا فَاتَ اَلْیَوْمَ مِنَ اَلرِّزْقِ رُجِیَ غَداً زِیَادَتُهُ وَ مَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ اَلْعُمُرِ لَمْ یُرْجَ اَلْیَوْمَ رَجْعَتُهُ اَلرَّجَاءُ مَعَ اَلْجَائِی وَ اَلْیَأْسُ مَعَ اَلْمَاضِی فَ اِتَّقُوا اَللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ

و من خطبة له علیه السّلام و هى المأة و الثالثة عشر من المختار فی باب الخطب

ألحمد للَّه الواصل الحمد بالنّعم ، و النّعم بالشّكر ، نحمده على آلآئه كما نحمده على بلائه ، و نستعینه على هذه النّفوس البطاء عمّا أمرت به ، الشّراع إلى ما نهیت عنه ، و نستغفره ممّا أحاط به علمه ،

و أحصاه كتابه علم غیر قاصر ، و كتاب غیر مغادر ، و نؤمن به إیمان من عاین الغیوب ، و وقف على الموعود ، إیمانا نفی إخلاصه الشّرك ،

و یقینه الشّكّ ، و نشهد أن لا إله إلاّ اللَّه وحده لا شریك له ، و أن محمّدا عبده و رسوله صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم ، شهادتین تصعدان القول ، و ترفعان العمل ، لا یخفّ میزان توضعان فیه ، و لا یثقل میزان ترفعان عنه ، أوصیكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه الّتی هی الزّاد ، و بها المعاد ،

زاد مبلّغ ، و معاد منجح ، دعا إلیها أسمع داع ، و وعیها خیر واع فأسمع داعیها ، و فاز واعیها ، عباد اللَّه ، إنّ تقوى اللَّه حمت أولیآء اللَّه محارمه ، و ألزمت قلوبهم مخافته ، حتّى أسهرت لیالیهم ، و أظمأت هو اجرهم ، فأخذوا الرّاحة بالنّصب ، و الرّیّ بالظّمآء ، و استقربوا الأجل

[ 52 ]

فبادروا العمل ، و كذّبوا الأمل ، فلا حظوا الأجل .

ثمّ إنّ الدّنیا دار فناء و عناء ، و غیر و عبر ، فمن الفناء إنّ الدّهر موتر قوسه ، و لا تخطی سهامه ، و لا توسى جراحه ، یرمى الحیّ بالموت ،

و الصّحیح بالسّقم ، و النّاجی بالعطب ، آكل لا یشبع ، و شارب لا ینقع ، و من العناء أنّ المرء یجمع ما لا یأكل ، و یبنى ما لا یسكن ،

ثمّ یخرج إلى اللَّه لا مالا حمل ، و لا بناء نقل ، و من غیرها أنّك ترى المرحوم مغبوطا ، و المغبوط مرحوما ، لیس ذلك إلاّ نعیما زلّ ، و بؤسا نزل ، و من عبرها أنّ المرء یشرف على أمله ، فیقتطعه حضور أجله ،

فلا أمل یدرك ، و لا مؤمّل یترك ، فسبحان اللَّه ما أغرّ سرورها ،

و أظمأریّها ، و أضحى فیئها ، لا جآء یردّ ، و لا ماض یرتدّ ، فسبحان اللَّه ما أقرب الحیّ من المیّت للحاقه به ، و أبعد المیّت من الحیّ لانقطاعه عنه ، إنّه لیس شی‏ء بشرّ من الشرّ إلاّ عقابه ، و لیس شی‏ء بخیر من الخیر إلا ثوابه ، و كلّ شی‏ء من الدّنیا سماعه أعظم من عیانه ، و كلّ شی‏ء من الآخرة عیانه أعظم من سماعه ، فلیكفكم من العیان السّماع ،

و من الغیب الخبر .

و اعلموا أنّ ما نقص من الدّنیا و زاد فی الآخرة خیر ممّا نقص من الآخرة و زاد فی الدّنیا ، فكم من منقوص رابح ، و مزید خاسر ، إنّ

[ 53 ]

الّذی أمرتم به أوسع من الذی نهیتم عنه ، و ما أحلّ لكم أكثر ممّا حرّم علیكم ، فذروا ما قلّ لما كثر ، و ما ضاق لما اتّسع ، قد تكفّل لكم بالرّزق ، و أمرتم بالعمل ، فلا یكوننّ المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض علیكم عمله ، مع أنّه و اللَّه لقد اعترض الشّكّ و دخل الیقین حتّى كأنّ الّذی ضمن لكم قد فرض علیكم ، و كأنّ الّذی فرض علیكم قد وضع عنكم ، فبادروا العمل ، و خافوا بغتة الأجل ، فإنّه لا یرجا من رجعة العمر ما یرجى من رجعة الرّزق ، ما فات الیوم من الرّزق رجی غدا زیادته ، و ما فات أمس من العمر لم یرج رجعته ، الرّجاء مع الجائی ، و الیأس مع الماضی ، « فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِه وَ لا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » .

اللغة

( البطاء ) على وزن الفعال من بطوء بطئا كقرب ضدّ السّراع و ( غادره ) مغادرة و غدارا تركه و بقاه و ( المعاد ) بالدال المهملة مصدر بمعنى العود أى الرّجوع إلى اللَّه سبحانه ، و فی بعض النسخ بالذال المعجمة بمعنى الملاذ و ( النجح ) بالضم الظفر بالمطلوب و انجح زید صار ذا نجح فهو منجح و ( أسمع واع ) بناء أفعل ههنا من الرباعی أى أشدّ اسماعا ، مثل قولهم ما أعطاه للمال و ما أولاه للمعروف و هذا المكان أقفر من غیره ، أى أشدّ اقفارا ، و فی بعض الرّوایات : و احسن واع ، بدله و ( الظماء ) محرّكة العطش أو شدّته و ( الهواجر ) جمع الهاجرة و هو كالهجر و الهجیرة نصف النهار أو من عند زوال الشمس إلى العصر ، لأنّ الناس یستكنون فی بیوتهم كأنهم قد تهاجروا ، و شدّة الحرّ .

و ( الرّى ) بالكسر اسم من روى من الماء و اللبن ریّا و ( الغیر ) اسم من

[ 54 ]

غیره جعله غیر ما كان و حوّله و بدله و غیر الدهر وزان عنب احداثه المغیرة و ( موتر ) من باب الافعال أو التفعیل و كلاهما مرویّان یقال : أو تر القوس أى جعل لها وترا و وترها توتیرا شدّ وترها ، و الوتر محرّكة شرعة القوس و معلقها و الجمع أوتار و ( أسى ) الجرح اسوا واسى داواه ، اسوت بین القوم أصلحت و ( أضحى ) فیئها من ضحى الرجل إذا برز للشمس و ( العیان ) بالكسر المعاینة یقال لقیه عیانا أى معاینة لم یشكّ فی رؤیته إیّاه و ( دخل الیقین ) أى تزلزل كما فی قوله : كنت أرى اسلامه مدخولا ، أى متزلزلا و ( الرجعة ) الرّجوع و ( التقاة ) الخوف و أصله تقیة و زان تهمة .

الاعراب

ایمانا بالنصب بدل من ایمان الأوّل ، و جملة تصعدان صفة للشهادتین ، و جملة لا یخف آه تحتمل الوصفیة أیضا و الحالیة لوقوعها بعد نكرة مخصّصة بالوصف ، و داعیها فاعل اسمع ، و واعیها فاعل فاز ، و الباء فی قوله بالنصب و بالظماء للمقابلة ، و أكل بالرفع خبر لمبتدء محذوف ، و قوله لا مالا حمل ، لا للنّفى و ما لا منصوب بفعل محذوف یفسّره ما بعده ، و جملة المنفی حال من فاعل یخرج ، و طلبه بالرفع بدل اشتمال من المضمون و لیس فاعلا له على حدّ قولهم : جاءنی المضروب أخوه ، و ذلك لأنّ الرزق حصوله مضمون لا طلبه كما هو ظاهر ، و یحتمل أن یكون رفعه بالابتداء و أولى بكم خبره ، و جملة المبتداء و الخبر فی محلّ النصب خبرا لیكون ، و الأول أحسن و أنسب .

المعنى

اعلم أنّ الغرض بهذه الخطبة الشریفة الأمر بملازمة التقوى و التنفیر عن الدّنیا و الترغیب فی العقبا افتتحها بالحمد و الثناء فقال :

( الحمد للَّه الواصل الحمد بالنّعم و النّعم بالشكر ) المراد بوصل أحدهما بالآخر شدّة الارتباط بینهما ، فیكون التكریر للتأكید أو أنه أراد بوصل الحمد بالنّعم ایجابه الحمد علیها و أمره به عند حصولها ، و بوصل النّعم بالشّكر جعل

[ 55 ]

الشكر سببا لمزیدها كما قال : لئن شكرتم لأزیدنّكم ، و هذا هو الأظهر ، و لذا اختار الشّكر على الحمد لمحا للآیة الشریفة .

( نحمده على آلائه كما نحمده على بلائه ) و هذا من باب التشبیه المقلوب و الغرض منه عاید إلى المشبّه به و هو ایهام أنّه أتمّ من المشبّه و ان كان الحمد على الآلاء أكثر و أشهر ، و مثله قوله :

و بدا الصّباح كأنّ غرّته
وجه الخلیفة حین یمتدح

فانه قصد ایهام أنّ وجه الخلیفة أتمّ فی الوضوح و الضّیاء من الصّباح و ان كان الأمر بحسب الواقع بالعكس هذا ، و فیه ارشاد للعباد على القیام بوظایف الحمد عند السّراء و الضرّاء ، و الملازمة بمراسم التّحیّة و الثناء فی حالتی الشدّة و الرّخاء لأنّ الرضاء بالقضاء و الصّبر على البلا یوجبان الثواب الجمیل و الأجر الجزیل فی العقبى فبذلك الاعتبار البلاء منه سبحانه أیضا نعمة توجب الحمد للَّه تعالى قال :

وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بشَیْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصّابِرینَ الآیات .

و فی روایة الكافی عن داود بن فرقد عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال إنّ فیما أوحى اللَّه تعالى إلى موسى بن عمران یا موسى بن عمران ما خلقت خلقا أحبّ إلىّ من عبدى المؤمن ، و انى انما أبتلیه لما هو خیر له ، و أزوى عنه لما هو خیر له ، و أنا أعلم بما یصلح علیه عبدى ، فلیصبر على بلائى و لیشكر نعمائی و لیرض بقضائى اكتبه فی الصّدیقین عندی إذا عمل برضائی و أطاع أمری ( و نستعینه على هذه النفوس ) المایلة بمقتضى جبلّتها إلى المفاسد و المقابح و الراغبة عن المنافع و المصالح ( البطاء عمّا امرت به ) من العبادات و الطّاعات ( السّراع إلى ما نهیت عنه ) من المعاصی و السّیئآت ( و نستغفره ممّا أحاط به علمه و أحصاه كتابه ) من صغایر الذّنوب و كبایرها و بواطن السّیئات و ظواهرها و سوالف الزّلاّت و حوادثها ( علم غیر قاصر ) عن شی‏ء و لا یعزب عنه ممّا فی الأرض و السّماء من شی‏ء ( و كتاب

[ 56 ]

غیر مغادر ) شی‏ء أى لا یغادر و لا یبقى صغیرة و لا كبیرة إلاّ أحصیها .

( و نؤمن به ) أى نصدّقه بقول مقول و عمل معمول و عرفان بالعقول و اتّباع الرّسول ( ایمان من عاین الغیوب ) و شاهد بعین الیقین الغیب المحجوب عن غمرة الموت و سكرته و ضیق القبر و ظلمته و طول البرزخ و وحشته و عقبات السّاعة و دواهیها و أهوال القیامة و شدائدها ( و وقف ) أى اطّلع ( على الموعود ) من الرّفد المرفود و الطلح المنضود و السّدر المخضود و الظل الممدود و غیرها ممّا وعد به المتّقون ، أو النّار ذات الوقود و القیح و السّدید و العذاب الشّدید و نزل الحمیم و تصلیة الجحیم و نحوها ممّا وعد به المجرمون .

و انّما خصّ ایمان المعاین الواقف بالبیان لكونه أقوى درجات الایمان ، فانّ من الایمان ما یكون بحسب التقلید ، و منه ما یكون بحسب البرهان و هو علم الیقین ،

و أقوى منه الایمان بحسب الكشف و المشاهدة ، و هو عین الیقین و ذلك هو الایمان الخالص .

و فی الكافی باسناده عن إسحاق بن عمّار قال : سمعت أبا عبد اللَّه علیه السّلام یقول :

إنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم صلّى بالنّاس الصّبح فنظر إلى شابّ فی المسجد و هو یخفق و یهوى برأسه مصفرا لونه و قد نحف جسمه و غارت عیناه فی رأسه فقال له رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : كیف أصبحت یا فلان ؟ قال : أصبحت یا رسول اللَّه موقنا ، فعجب رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم من قوله و قال : إنّ لكلّ یقین حقیقة فما حقیقة یقینك ؟ فقال :

إنّ یقینی یا رسول اللَّه هو الّذی أخرننی و أسهر لیلی و أظمأ هو اجرى فعزفت نفسی عن الدّنیا و ما فیها حتّى كأنی أنظر إلى عرش ربّی و قد نصب للحساب و حشر الخلایق لذلك و أنا فیهم ، و كأنّی انظر إلى أهل الجنّة یتنعّمون فی الجنّة و یتعارفون على الأرائك متّكؤون ، و كأنّی أنظر إلى أهل النّار و هم فیها معذّبون مصطرخون ، و كأنّی الآن أسمع زفیر النّار یدور فی مسامعی ، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم لأصحابه : هذا عبد نوّر اللَّه قلبه بالایمان ، ثمّ قال له : ألزم ما أنت علیه ، فقال الشاب : ادع اللَّه لی یا رسول اللَّه أن ارزق الشّهادة معك ، فدعى له رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم





نظرات() 


lidagustaveson.wordpress.com
دوشنبه 1 خرداد 1396 07:55 ب.ظ
I every time spent my half an hour to read this website's
articles all the time along with a mug of coffee.
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox