تبلیغات
پیام هادی - تفاسیر نهج البلاغه
 

تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
سه شنبه 6 مهر 1389-12:17 ق.ظ

[ 110 ] و من خطبة له ع فی أركان الدین الإسلام

إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ اَلْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى اَلْإِیمَانُ بِهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ اَلْجِهَادُ فِی سَبِیلِهِ فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ اَلْإِسْلاَمِ وَ كَلِمَةُ اَلْإِخْلاَصِ فَإِنَّهَا اَلْفِطْرَةُ وَ إِقَامُ اَلصَّلاَةِ فَإِنَّهَا اَلْمِلَّةُ وَ إِیتَاءُ اَلزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِیضَةٌ وَاجِبَةٌ وَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ اَلْعِقَابِ وَ حَجُّ اَلْبَیْتِ وَ اِعْتِمَارُهُ فَإِنَّهُمَا یَنْفِیَانِ اَلْفَقْرَ وَ یَرْحَضَانِ اَلذَّنْبَ وَ صِلَةُ اَلرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِی اَلْمَالِ وَ مَنْسَأَةٌ فِی اَلْأَجَلِ وَ صَدَقَةُ اَلسِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ اَلْخَطِیئَةَ وَ صَدَقَةُ اَلْعَلاَنِیَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِیتَةَ اَلسُّوءِ وَ صَنَائِعُ اَلْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِی مَصَارِعَ اَلْهَوَانِ أَفِیضُوا فِی ذِكْرِ اَللَّهِ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ اَلذِّكْرِ وَ اِرْغَبُوا فِیمَا وَعَدَ اَلْمُتَّقِینَ فَإِنَّ وَعْدَهُ أَصْدَقُ اَلْوَعْدِ وَ اِقْتَدُوا بِهَدْیِ نَبِیِّكُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ اَلْهَدْیِ وَ اِسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّهَا أَهْدَى اَلسُّنَنِ فضل القرآن وَ تَعَلَّمُوا اَلْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ اَلْحَدِیثِ وَ تَفَقَّهُوا فِیهِ فَإِنَّهُ رَبِیعُ اَلْقُلُوبِ وَ اِسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ اَلصُّدُورِ وَ أَحْسِنُوا تِلاَوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ اَلْقَصَصِ وَ إِنَّ اَلْعَالِمَ اَلْعَامِلَ بِغَیْرِ عِلْمِهِ كَالْجَاهِلِ اَلْحَائِرِ اَلَّذِی لاَ یَسْتَفِیقُ مِنْ جَهْلِهِ بَلِ اَلْحُجَّةُ عَلَیْهِ أَعْظَمُ وَ اَلْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ وَ هُوَ عِنْدَ اَللَّهِ أَلْوَمُ

و من خطبة له علیه السّلام و هى المأة و التاسعة من المختار فی باب الخطب

و هى ملتقطة من خطبة طویلة معروفة بالدیباج رواها حسن بن على ابن شعبة فى تحف العقول حسبما تطلع علیه بعد شرح ما فى المتن و هو قوله :

[ 381 ]

إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى اللّه سبحانه الإیمان به و برسوله ، و الجهاد فی سبیله ، فإنّه ذروة الإسلام ، و كلمة الإخلاص فإنّها الفطرة ، و إقام الصّلوة فانّها الملّة ، و إیتاء الزّكوة فإنّها فریضة واجبة ، و صوم شهر رمضان فإنّه جنّة من العقاب ، و حجّ البیت و اعتماره فإنّهما ینفیان الفقر و یرحضان الذّنب ، و صلة الرّحم فإنّها مثراة فی المال و منسأة فی الأجل ، و صدقة السّرّ فإنّها تكفّر الخطیئة ، و صدقة العلانیة فإنّها تدفع میتة السّوء ، و صنایع المعروف فإنّها تقى مصارع الهوان .

أفیضوا فی ذكر اللّه فإنّه أحسن الذكر ، و ارغبوا فیما وعد المتّقین فإنّ وعده أصدق الوعد ، و اقتدوا بهدى نبیّكم فإنّه أفضل الهدى ،

و استنّوا بسنّته فإنّها أهدى السّنن ، و تعلّموا القرآن فإنّه أحسن الحدیث ،

و تفقّهوا فیه فإنّه ربیع القلوب ، و استشفوا بنوره فإنّه شفاء الصّدور ،

و أحسنوا تلاوته فإنّه أنفع القصص ، فإنّ العالم العامل بغیر علمه ،

كالجاهل الحائر الّذی لا یستفیق من جهله ، بل الحجّة علیه أعظم ،

و الحسرة له ألزم ، و هو عند اللّه ألوم .

[ 382 ]

اللغة

( و سل ) الى اللّه توسیلا عمل عملا تقرّب به اللّه كتوسّل و ( الایمان ) إفعال من الأمن الّذی هو خلاف الخوف ثمّ استعمل بمعنى التصدیق ، فالهمزة فیه إمّا للصّیرورة كان المصدق صار ذا أمن من أن یكون مكذّبا ، أو للتعدیة كانّه جعل المصدّق هنا من التكذیب و المخالفة ، و یعدى بالباء لاعتبار معنى الاقرار و الاعتراف كما فی عبارته ، و نحوه قوله : یؤمنون بالغیب ، و باللاّم لاعتبار معنى الاذعان نحو قوله تعالى : و ما أنت بمؤمن لنا ، و قد اجتمعا فی قوله تعالى : یؤمن باللّه و یؤمن للمؤمنین .

( ذروة ) الشی‏ء أعلاه و ( الجنّة ) بالضمّ كلّ ما وقى و ( و اعتمر ) الرّجل زار البیت و المعتمر الزائر و منه سمیّت العمرة عمرة لأنها زیارة البیت یقال اعتمر فهو معتمر أى زار و قصد ، و فى الشرع زیارة البیت الحرام بشروط مخصوصة مذكورة فی محالها و ( رحض ) الثوب و نحوه بالحاء المهملة و الضاد المعجمة من باب منع غسله كأرحضه فهو رحیض و مرحوض و ( ثرى ) المال ثرا كثر و نمى ، و الثروة كثرة العدد من الناس و المال ، و هذا مثراة للمال بهمز و غیره تكثرة و ( المنسأة ) بالهمز و غیره أیضا كمثراة وزان مفعلة بالفتح فالسكون محل النّساء یقال نسأت التی نسأ أخرته و منه الحدیث : صلة الرّحم تنسى‏ء الأجل أى تؤخّره و ( صرعه ) كمنعه طرحه على الأرض و المصرع وزان مقعد موضع الصّرع و ( الافاضة ) الاندفاع و منه افاض الناس من عرفات أى اندفعوا و قیل اسرعوا منها الى مكان آخر قوله تعالى إذ تفیضون فیه ، أى تدفعون فیه بكثرة و ( الهدى ) بالضمّ الرّشاد مصدر یقال هداه اللّه هدى و هدایة أرشده ، و بالفتح وزان تمر الهیئة و السیرة و الطریقة و منه قولهم :

هدى هدى فلان أى سلك مسلكه و ( الحائر ) المتحیّر .

الاعراب

قوله : إلى اللّه سبحانه لفظ سبحانه منصوب على المصدر محذوف عامله وجوبا

[ 383 ]

باضافته إلى الضمیر ، و المعنى اسبّحك سبحانا لك ، و لنجم الأئمة الرّضی فی حذف عوامل المصادر تحقیق نفیس أحببت ایراده .

قال فی شرح قول ابن الحاجب : و قد یحذف الفعل لقیام قرینة جوازا كقولك لمن قدم خیر مقدم و وجوبا سماعا نحو سقیا و رعیا و خیبة و جدعا و حمدا و شكرا و عجبا : أقول : الذی أرى أنّ هذه المصادر و أمثالها إن لم یأت بعدها ما یبیّنها و یعیّن ما تعلّقت به من فاعل أو مفعول إما بحرف جرّ أو باضافة المصدر إلیه فلیست مما یجب حذف فعله بل یجوز نحو سقاك اللّه سقیا و رعاك اللّه رعیا فأمّا ما یبیّن فاعله بالاضافة نحو كتاب اللّه و سنة اللّه و وعد اللّه ، أو یبیّن مفعوله بالاضافة نحو ضرب الرقاب و سبحان اللّه و لبیّك و سعدیك و معاذ اللّه ، أو یبیّن فاعله بحرف الجرّ نحو بؤسا لك و سحقا لك أى بعدا ، أو یبیّن مفعوله بحرف جرّ نحو عقرا لك أى جرحا و شرّا لك و حمدا لك و عجبا منك ، فیجب حذف الفعل فی جمیع هذا قیاسا .

و المراد بالقیاس أن یكون هناك ضابط كلّی یحذف الفعل حیث حصل ذلك الضّابط ، و الضّابط ههنا ما ذكرنا من ذكر الفاعل أو المفعول بعد المصدر مضافا إلیه أو بحرف الجرّ .

و إنّما وجب حذف الفعل مع هذا الضّابط لأنّ حقّ الفاعل و المفعول به أن یعمل فیهما الفعل فیتصلا به ، و استحسن حذف الفعل فی بعض المواضع إما إبانة لقصد الدوّام و اللزوم بحذف ما هو موضوع للحدوث و التجدّد أى الفعل فی نحو حمدا لك و شكرا لك و عجبا منك و معاذ اللّه و سبحان اللّه ، و إمّا لتقدّم ما یدلّ علیه كما فی قوله تعالى : كتاب اللّه علیكم ، و صبغة اللّه ، و وعد اللّه ، أو لكون الكلام ممّا یستحسن الفراغ منه بالسرعة نحو لبیك و سعدیك ، فبقى المصدر مبهما لا یدرى ما تعلق به من فاعل أو مفعول فذكر ما هو مقصود المتكلّم من أحدهما بعد المصدر لیختصّ به ، فلمّا بیّنها بعد المصدر بالاضافة أو بحرف الجرّ قبح اظهار الفعل بل لم یجز فلا یقال كتاب كتاب اللّه و وعد وعد اللّه و اضربوا بضرب الرّقاب و اسبّح سبحان اللّه و أحمد حمدا لك و عقر اللّه عقرا لك .

[ 384 ]

و ذلك لما ذكرناه من أنّ حقّ الفاعل و المفعول أن یتّصلا بالفعل معمولین له ، فلما حذف الفعل لأحد الدّواعی المذكورة و بین المصدر إمّا بالاضافة أو بحرف الجرّ فلو ظهر الفعل رجع الفاعل أو المفعول إلى مكانه و مركزه متصلا بالفعل و معمولا له .

فاحفظ ذلك فانه ینفعك فی كثیر من الموارد و اعراب سایر الفقرات واضح .

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشریفة مسوقة للارشاد إلى بعض أسباب القرب و الوسایل التی یتوسل بها إلى اللّه سبحانه ، و للأمر بالافاضة إلى ذكر اللّه ، و ببعض ما یدرك به رضوان اللّه حسبما تطلع على تفصیله انشاء اللّه ، و لما كان

أسباب الزلفى و التقرّب كثیرة

خصّ أفضلها بالبیان و هو على ما ذكره عشرة :

اولها الایمان

كما أشار الیه بقوله :

( إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون الى اللّه سبحانه الایمان به و برسوله ) و تقدیمه على غیره لكونه أصلا بالنسبة الیه ، و المراد به هنا التصدیق المجرّد عن الاقرار و العمل بقرینة ذكر كلمة الاخلاص التی هو الاقرار و سایر العبادات التی هو من باب الأعمال بعده ، و تحقیق المقام یحتاج إلى بسط فی المقال و بیان الفرق بین الاسلام و الایمان .

فأقول : إنّك قد عرفت المعنى اللّغوى للایمان و أنه التّصدیق ، و أما الاسلام فمعناه لغة هو التّسلیم و الانقیاد ، و أمّا فی لسان الشرع فقد یستعملان على التساوق و الترادف كما فی قوله تعالى :

[ 385 ]

فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فیها مِنَ الْمُؤْمِنینَ فَما وَجَدْنا فیها غَیْرَ بَیْتٍ مِنَ الْمُسْلِمینَ .

و لم یكن بالاتفاق إلاّ بیت واحد و قال تعالى :

یا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَیْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمینَ و قال تعالى : یَمُنُّونَ عَلَیْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلیَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ یَمُنُّ عَلَیْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِیمانِ .

و ربما استعملا على التقابل كما فی قوله تعالى :

قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمّا یَدْخُلِ الْإِیْمانُ فی قُلُوبِكُمْ .

فقد نفى عنهم الایمان مع اثبات وصف الاسلام و المستفاد من كلام أكثر الأصحاب و معظم أخبار الأئمة الأطهار الأطیاب أنّ الاسلام أعمّ من الایمان .

قال الصّادق علیه السّلام فی روایة الفضیل بن یسار عنه علیه السّلام : الایمان یشارك الاسلام و الاسلام لا یشارك الایمان .

و فی روایة سماعة بن مهران قال : سألته عن الایمان و الاسلام قلت : أفرق بین الاسلام و الایمان ؟ قال : فأضرب لك مثله قال : قلت أراد « اوردخ » ذلك قال : مثل الایمان و الاسلام مثل الكعبة الحرام من الحرم ، قد تكون فی الحرم و لا تكون فی الكعبة و لا تكون فی الكعبة حتى تكون فی الحرم ، و قد یكون مسلما و لا یكون مؤمنا و لا یكون مؤمنا حتى یكون مسلما .

و فی روایة أبی الصباح الكنانی قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام : أیّهما أفضل الایمان أو الاسلام ؟ فانّ من قبلنا یقولون إنّ الاسلام أفضل من الایمان ، فقال : الایمان أرفع من الاسلام ، قلت : فاوجدنى ذلك ، قال : ما تقول فیمن أحدث فی المسجد الحرام

[ 386 ]

متعمّدا ؟ قال : قلت : یضرب ضربا شدیدا ، قال : أصبت فما تقول فیمن أحدث فی الكعبة متعمّدا ؟ قلت : یقتل ، قال : أصبت ألا ترى أنّ الكعبة أفضل من المسجد و أنّ الكعبة تشرك المسجد و المسجد لا یشرك الكعبة ، و كذلك الایمان یشرك الاسلام و الاسلام لا یشرك الایمان .

فانّ المستفاد من هذه الرّوایات و أمثالها أنّه كلّما وجد الایمان وجد الاسلام لا بالعكس و ذلك .

اما من جهة أنّ الاسلام عبار عن التصدیق بالظاهر أعنی الاعتراف باللّسان و الایمان عبارة عن التّصدیق بالباطن ، و الأوّل غیر مستلزم للثّانی و لذلك كذب اللّه سبحانه الأعراب بقوله : قل لم تؤمنوا ، فی دعویهم وصف الایمان لأنفسهم ، حیث قالوا آمنّا ، و ذلك لأجل أنهم لم یكونوا مصدّقین بالباطن و لم یكونوا على ثقة و طمانینة فیما أقرّوا به ظاهرا ، و أثبت لهم وصف الاسلام بقوله : و لكن قولوا أسلمنا باعتبار شهادتهم بالتوحید و الرّسالة و اعترافهم ظاهرا .

و یدلّ على ما ذكرنا ما رواه فی الكافی باسناده عن سماعة قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام : أخبرنی عن الاسلام و الایمان أهما مختلفان ؟ فقال علیه السّلام : إنّ الایمان یشارك الاسلام و الاسلام لا یشارك الایمان فقلت : فصفهما لى ، فقال علیه السّلام :

الاسلام شهادة أن لا إله إلا اللّه و التصدیق برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم به حقنت الدّماء و علیه جرت المناكح و المواریث و على ظاهره جماعة النّاس ، و الایمان الهدى و ما یثبت فی القلوب من صفة الاسلام و ما ظهر من العمل به ، و الایمان أرفع من الاسلام بدرجة ، إنّ الایمان یشارك الاسلام فی الظّاهر ، و الاسلام لا یشارك الایمان فی الباطن ، و ان اجتمعا فی القول و الصفة .

و نحوه روایة فضیل بن یسار قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : إنّ الایمان یشارك الاسلام و لا یشاركه الاسلام ، إنّ الایمان ما و قر فی القلوب ، و الاسلام ما علیه المناكخ و المواریث و حقن الدّما ، و الایمان یشارك الاسلام ، و الاسلام لا یشارك الایمان .

[ 387 ]

فان قلت : إذا جعلت الایمان عبارة عن التصدیق بالباطن فلا بدّ أن تكون النسبة بینهما عموما من وجه إذ كما أنّ التّصدیق ظاهرا لا یستلزم التصدیق بالباطن كلّیا ،

فكذلك العكس ، إذ ربّما یذعن المرء باللّه و برسوله من دون أن ینطق بكلمتی الشهادة ، بأن یصدّق بالقلب و لا یساعده من العمر مهلة النطق ، نعم لا یحكم بایمانه إلاّ بعد النطق و الكلام ، لكون اللّسان ترجمان القلب ، لكنه لا یقدح فیما ذكرنا لأنّ الكلام فی منع الملازمة بین نفس الایمان و الاسلام لا فی الحكم بكون الرجل مسلما و مؤمنا ، فافهم .

قلت : التصدیق بالباطن ملازم عادة للتصدیق بالظاهر و إن لم یكن ملازما له عقلا كما فیما ذكرته من المثال ، فانّ العرف و العادة قاضیة بأنّ من كان مصدّقا بالباطن یكون لا محالة مصدّقا بالظاهر ، و المثال المذكور فرد نادر نعم لو قیل بأنّ الایمان عبارة عن التصدیق بالجنان و الاقرار باللّسان و العمل بالأركان أعنى مجموع الثلاثة ارتفع الاشكال رأسا ، و كذا على مذهب من یعتبر فیه الاقرار باللّسان فقط شطرا كما عزى إلى المحقق الطّوسى حیث قال : بأنه مركب من الاقرار و التّصدیق ، أو شرطا كما نسب الى المتكلّمین من الخاصّة و بعض العامة .

و اما من جهة أنّ الاسلام عبارة عن الشّهادة بالتوحید و الرسالة مع التصدیق الباطنی و بدونه ، سواء كان معه الاقرار بالولایة و الاذعان بها أم لا ، و الایمان یعتبر فیه ذلك .

و یرشد إلیه ما رواه ثقة الاسلام الكلینی باسناده عن سفیان بن السمط قال :

سأل رجل أبا عبد اللّه علیه السّلام عن الاسلام و الایمان ما الفرق بینهما فلم یجبه ثمّ سأله فلم یجبه ، ثمّ التقیا فی الطریق و قد أزف من الرجل الرحیل فقال له أبو عبد اللّه علیه السّلام :

كأنه قد أزف منك رحیل ، فقال : نعم ، فقال : فالقنى فی البیت فلقاه فسأله عن الاسلام و الایمان ما الفرق بینهما ؟ فقال علیه السّلام : الاسلام ما هو الظاهر الذی علیه الناس شهادة أن لا إله إلا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه و إقام الصّلاة و ایتاء الزكاة و حجّ البیت و صیام شهر رمضان

[ 388 ]

فهذا الاسلام ، و قال : الایمان معرفة هذا الأمر مع هذا ، فان أقرّ بها و لم یعرف هذا الأمر كان مسلما و كان ضالا .

و عن عجلان بن أبی صالح قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام : أوقفنى على حدود الایمان ، فقال : شهادة أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الاقرار بجمیع ما جاء من عند اللّه و صلاة الخمس و أداء الزكاة و صوم شهر رمضان و حجّ البیت و ولایة ولیّنا و عداوة عدوّنا و الدخول مع الصّادقین .

فانّ المراد بالدّخول مع الصادقین الدّخول فی زمرة آل محمّد سلام اللّه علیهم و الكون معهم كما قال : یا أیّها الّذین آمنوا اتّقوا اللّه و كونوا مع الصّادقین ،

على ما تقدّم تفصیله فی شرح الفصل الثالث من فصول الخطبة السّادسة و الثمانین .

و اما من جهة أنّ الایمان یعتبر فیه العمل دون الاسلام أعنى العمل بما یقتضیه ذلك التّصدیق .

و یدلّ علیه ما فی الكافی عن محمّد بن مسلم عن أحدهما علیهما السّلام قال : الایمان إقرار و عمل و الاسلام إقرار بلا عمل .

فانّ الظّاهر أنّ قوله : و الاسلام إقرار بلا عمل هو أنّ العمل غیر معتبر فیه لا أنّ عدمه فیه معتبر ، و یدلّ علیه أخبار أخر .

و فیه أیضا باسناده عن عبد الرّحیم القصیر قال : كتبت مع عبد الملك بن أعین إلى أبى عبد اللّه علیه السّلام أسأله عن الایمان ما هو ، فكتب الىّ مع عبد الملك بن أعین : سألت رحمك اللّه عن الایمان ، و الایمان هو الاقرار باللّسان و عقد فی القلب و عمل بالاركان ، و الایمان بعضه من بعض ، و هو دار و كذلك الاسلام دار و الكفر دار ،

فقد یكون العبد مسلما قبل أن یكون مؤمنا و لا یكون مؤمنا حتى یكون مسلما ، فالاسلام قبل الایمان و هو لا یشارك الایمان فاذا أتى العبد كبیرة من كبائر المعاصی أو صغیرة من صغائر المعاصی التی نهى اللّه عزّ و جلّ عنها كان خارجا من الایمان ساقطا عنه اسم الایمان و ثابتا علیه اسم الاسلام ، فان تاب و استغفر عاد إلى دار الایمان و لا یخرجه إلى الكفر إلاّ الجحود و الاستحلال ، أن یقول للحلال هذا حرام ، و للحرام هذا حلال ، و دان بذلك فعندها یكون خارجا من الاسلام و الایمان ، داخلا فی الكفر ، و كان بمنزلة من

[ 389 ]

دخل الحرم ثمّ دخل الكعبة و أحدث فی الكعبة حدثا فاخرج عن الكعبة و عن الحرم فضربت عنقه و صار إلى النار فقد ظهر لك مما ذكرنا كلّه أنّ الاسلام یصدق على مجرّد الاقرار باللّسان من غیر تصدیق ، و على الاقرار و التّصدیق مجرّدا عن الولایة ، و على جمیع ذلك مجرّدا من العمل ، و الایمان یعتبر فیه ذلك ، فیكون الایمان أخصّ لكنّ الانصاف أنّ العمل لیس داخلا فی مفهوم الایمان حقیقة و إن كان شرطا فی كماله .

أما أنّه غیر داخل فی حقیقته فللتبادر و عدم صحّة السلب و لقوله تعالى :

وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنینَ اقْتَتَلُوا و قوله : یا أَیُّهَا الَّذینَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَیْكُمُ الْقِصاص فی الْقَتلى‏ و قوله الَّذینَ آمَنُوا وَ لَمْ یَلْبِسُوا إِیْمانَهُمْ بِظُلْمٍ .

دلّ اقتران الایمان بالمعاصی فیها على أنّ العمل غیر داخل فی حقیقته و قوله تعالى الَّذینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ .

دلّ على التّغایر و أنّ العمل لیس بداخل فیه لأنّ الشی‏ء لا یعطف على نفسه و لا الجزء على كلّه و مثله كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام فی هذا المقام و أمّا أنه شرط فی كماله فللخبرین السابقین .

لا یقال : إنّ ظاهرهما كون العمل داخلا فی مفهومه لا شرطا فی كماله .

لأنا نقول : بعد تسلیم الظهور لا بدّ من حملهما على ما ذكرنا بمقتضى الجمع بینهما و بین الأدلّة الّتی قدّمناها آنفا فان قلت : ما الدّلیل على هذا الجمع ؟

قلت : الدلیل على ذلك ما رواه فی الكافى عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن بكر بن صالح عن القاسم بن برید قال : حدّثنا أبو عمر الزبیرى عن أبی عبد اللّه علیه السّلام

[ 390 ]

قال : قلت له : أیها العالم أخبرنی أىّ الأعمال أفضل عند اللّه ؟ قال : ما لا یقبل اللّه شیئا إلاّ به ، قلت : و ما هو ؟ قال : الایمان باللّه الذی لا إله إلاّ هو أعلى الأعمال درجة و أشرفها منزلة و أسناها حظا قال : قلت : ألا تخبرنی عن الایمان أقول هو و عمل أم قول بلا عمل ؟ فقال : الایمان عمل كلّه و القول بعض ذلك العمل بفرض من اللّه بیّن فی كتابه واضح نوره ثابتة حجّته یشهد له به الكتاب و یدعوه الیه قال : قلت له : صفة لى جعلت فداك حتّى أفهمه ، قال : الایمان حالات و درجات و طبقات و منازل : فمنه التامّ المنتهى تمامه ، و منه الناقص البیّن نقصانه ، و منه الراجح الزّاید رجحانه قلت : إنّ الایمان لیتمّ و ینقص و یزید ؟ قال : نعم ، قلت : كیف ذاك ؟

قال : لأنّ اللّه تبارك و تعالى فرض الایمان على جوارح ابن آدم و قسّمه علیها و فرّقه فیها ، فلیس من جوارحه جارحة إلاّ و قد وكّلت من الایمان بغیر ما وكّلت به اختها ، فمنها قلبه الذى به یعقل و یفقه و یفهم ، و هو أمیر بدنه الذی لا ترد الجوارح و لا تصدر إلاّ عن رأیه و أمره ، و منها عیناه اللّتان یبصر بهما ، و اذناه اللّتان یسمع بهما و یداه اللّتان یبطش بهما و رجلاه اللّتان یمشى بهما ، و فرجه الذى الباه من قبله « قلبه خ » و لسانه الذی ینطق به ، و رأسه الذی فیه وجهه فلیس من هذه جارحة إلاّ و قد وكلت من الایمان بغیر ما وكلّت به اختها بفرض من اللّه تبارك و تعالى اسمه ، ینطق به الكتاب لها و یشهد به علیها ، ففرض على القلب غیر ما فرض على العینین و فرض على العینین غیر ما فرض على اللّسان ، و فرض على اللّسان غیر ما فرض على الیدین و فرض على الیدین غیر ما فرض على الرّجلین ، و فرض على الرّجلین غیر ما فرض على الفرج و فرض على الفرج غیر ما فرض على الوجه .

فاما ما فرض على القلب من الایمان فالاقرار و المعرفة و العقد و الرّضا و التسلیم بأن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شریك له إلها واحدا لم یتّخذ صاحبة و لا ولدا و أنّ محمّدا عبده و رسوله صلوات اللّه علیه و آله ، و الاقرار بما جاء من عند اللّه من نبىّ أو كتاب ،

فذلك ما فرض اللّه على القلب من الاقرار و المعرفة و هو قول اللّه عزّ و جلّ :

[ 391 ]

إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بِالْإِیْمانِ وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً و قال : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ و قال : الَّذینَ آمَنُوا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ و قال : إِنْ تُبْدُوا ما فی أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ یُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَیَغْفِرُ لِمَنْ یَشآءُ وَ یُعَذِّبُ مَنْ یَشآءُ .

فذلك ما فرض اللّه عزّ و جلّ على القلب من الاقرار و المعرفة و هو عمله و هو رأس ایمان .

و فرض الله على اللّسان القول و التعبیر عن القلب بما عقد علیه و أقرّ به قال اللّه تبارك و تعالى اسمه :

وَ قُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً و قال : قُولُوا آمنّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَیْنأ وَ ما أُنْزِلَ إِلَیْكُمْ وَ إِلهُنا وَ إِلهُكُمْ واحِدٌ وَ نَحْنُ لهُ مُسْلِمُونَ .

فهذا ما فرض اللّه على اللّسان و هو عمله .

و فرض على السّمع أن یتنزّه عن الاستماع إلى ما حرّم اللّه و أن یعرض عمّا لا یحلّ له مما نهى اللّه عزّ و جلّ عنه و الاصغاء إلى ما اسخط اللّه عزّ و جلّ فقال فی ذلك :

وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَیْكُمْ فی الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آیاتِ اللَّهِ یُكْفَرُ بِها وَ یُسْتَهْزَءُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى یَخُوضُوا فی حَدیثٍ غَیْرِه‏ .

ثمّ استثنى اللَّه عزّ و جلّ موضع النسیان فقال :

وَ إِمّا یُنْسِیَنَّكَ الشَّیْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى‏ مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمینَ و قال : فَبَشِّرْ عِبادِیَ الَّذینَ یَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَیَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ

[ 392 ]

الَّذینَ هَدیهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ و قال عزّ و جلّ : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذینَ هُمْ فی صَلوتِهِمْ خاشِعُونَ وَ الَّذینَهُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَ الَّذینَ هُمْ لِلزَّكوةِ فاعِلُونَ و قال : وَ إِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ و قال : وَ إِذا مَرُّوا بِالَّلغْوِ مَرُّوا كِراماً .

فهذا ما فرض اللّه على السّمع من الایمان أن لا یصغى إلى ما لا یحلّ له و هو عمله و هو من الایمان .

و فرض على البصر أن لا ینظر إلى ما حرّم اللّه علیه و أن یعرض عمّا نهى اللّه عنه مما لا یحلّ له و هو عمله و هو من الایمان فقال تبارك و تعالى :

قُلْ للمُؤْمِنینَ یَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ یَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ .

فنهیهم عن أن ینظروا إلى عوراتهم و أن ینظر المرء إلى فرج أخیه و یحفظ فرجه أن ینظر إلیه و قال :

وَ قُلْ لِلمُؤْمِناتِ یَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَ یَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ .

من أن ینظر احدیهنّ إلى فرج اختها و تحفظ فرجها من أن تنظر الیها و قال علیه السّلام كلّ شی‏ء فی القرآن من حفظ الفرج فهو من الزّنا إلاّ هذه الآیة فانّها من النظر ثمّ نظم ما فرض اللّه عزّ و جلّ على القلب و اللّسان و السّمع و البصر فی آیة اخرى فقال :

وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ یَشْهَدَ عَلَیْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ .

یعنی بالجلود الفروج و الافخاذ و قال :

[ 393 ]

وَ لا تَقْفُ ما لَیْسَ لَكَ بِه‏ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولاً .

فهذا ما فرض اللّه على العینین من غضّ البصر عمّا حرّم اللّه و هو عملهما و هو من الایمان و فرض على الیدین أن لا یبطش بهما إلى ما حرّم اللّه و أن یبطش بهما إلى ما أمر اللّه عزّ و جلّ و فرض علیهما من الصّدقة و صلة الرّحم و الجهاد فی سبیل اللّه و الطّهور للصّلوات فقال :

یا أَیُّهَا الَّذینَ آمنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَیْدیكُمْ إِلى الْمَرافِق وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلىَ الْكَعْبَیْنِ و قال : فَإِذا لَقیتُمُ الَّذینَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنّاً بَعْدُ وَ إِمّا فِداءً حَتّى‏ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها فهذا ما فرض اللّه على الیدین لأنّ الضّرب من علاجهما .

و فرض على الرّجلین أن لا یمشى بهما إلى شی‏ء من معاصی اللّه و فرض علیهما المشی إلى ما یرضى اللّه عزّ و جلّ فقال :

وَ لا تَمْشِ فی الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً و قال : وَ اقْصِدْ فی مَشْیِكَ وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمیرِ .

و قال فیما شهدت الأیدى و الأرجل فی أنفسهما و على أربابهما من تضییعهما لما أمر اللّه عزّ و جلّ به و فرضه علیهما :

[ 394 ]

أَلْیوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَیْدیهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا یَكْسِبُونَ فهذا أیضا ممّا فرض اللّه عزّ و جلّ على الیدین و على الرّجلین و هو عملهما و هو من الایمان .

و فرض على الوجه السّجود له باللّیل و النهار فی مواقیت الصّلاة فقال :

یا أَیُّهَا الَّذینَ آمَنُوا ارْكعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَیْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .

و هذه فریضة جامعة على الوجه و الیدین و الرّجلین و قال فی موضع آخر :

أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً .

و قال فیما فرض على الجوارح من الطّهور و الصلاة بها و ذلك أنّ اللّه عزّ و جلّ لمّا صرف نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى الكعبة عن بیت المقدّس أنزل اللّه عزّ و جلّ :

وَ ما كانَ اللَّهُ لِیُضیعَ إِیمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لرَؤُفٌ رَحیمٌ فسمّى الصّلاة إیمانا فمن لقى اللّه عزّ و جلّ حافظا لجوارحه موفیا كلّ جارحة من جوارحه ما فرض اللّه عزّ و جلّ علیها لقى اللّه عزّ و جلّ مستكملا لایمانه و هو من أهل الجنّة ،

و من خان فی شی‏ء منها أو تعدّى ما أمر اللّه عزّ و جلّ فیها لقى اللّه عزّ و جلّ ناقص الایمان قلت : قد فهمت نقصان الایمان و تمامه ، فمن أین جائت زیادته ؟ فقال علیه السّلام : فول اللّه عزّ و جلّ وَ إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ یَقُولُ أَیُّكُمْ زادَتْهُ هذِه‏ إِیماناً فأَمَا الَّذینَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِیماناً وَ هُمْ یَسْتَبْشِرُونَ وَ أَمَّا الَّذینَ فی قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادتْهُمْ رِجْساً إِلى‏ رِجْسِهِمْ و قال : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَیْكَ نَبَأَهُمْ

 

[ 395 ]

أ بالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْیَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً .

و لو كان كلّه واحدا لا زیادة فیه و لا نقصان لم یكن لأحد منهم فضل على الآخر و لاستوت النعم فیه ، و لاستوى الناس و بطل التفضیل و لكن بتمام الایمان دخل المؤمنون الجنّة ، و بالزّیادة فی الایمان تفاضل المؤمنون بالدّرجات عند اللّه ، و بالنقصان دخل المفرطون النّار .

فانّ صدر هذه الرّوایة الشریفة أعنى قوله علیه السّلام : الایمان عمل كلّه ،

و إن كان موهما فی بادى الرأى كون العمل داخلا فی مفهوم الایمان ، إلاّ أنّ ذیلها أعنى قوله : لقى اللّه عزّ و جلّ مستكملا لایمانه ، إلى قوله : لقى اللّه عزّ و جلّ ناقص الایمان ، إلى آخر الرّوایة نصّ صریح فی كونه شرطا فی كماله لاجزء من مفهومه و قد استفید منها أیضا كونه قابلا للزّیادة و النقصان كما هو مذهب المحقّقین من الفریقین .

و أمّا ما توهّمه كثیر من المتكلّمین من أنه إن كان الایمان هو التّصدیق فلا یقبلهما ،

لأنّ الواجب هو الیقین ، و هو غیر قابل للتفاوت لا بحسب ذاته و لا بحسب متعلّقه أمّا بحسب الذّات فلأنّ التفاوت باعتبار احتمال النقیض و لو بأبعد وجه و هو ینافی الیقین و لا یجامعه ، و أمّا بحسب المتعلّق فلأنّ متعلّقه جمیع ما علم مجی‏ء الرّسول به و الجمیع من حیث هو جمیع لا یتصوّر فیه تعدّد ، و إلاّ لم یكن جمیعا ، و إن كان هو العمل وحده أو مع التّصدیق فیقبلهما و هو ظاهر ، و ما وردت فی الكتاب و السّنّة ممّا یدلّ على قبوله إیّاهما فباعتبار الأعمال فیزید بزیدها و ینقص بنقصانها ففیه منع ذلك أمّا باعتبار الذّات فلأنّ التّصدیق من الكیفیات النّفسانیّة المتفاوتة قوّة و ضعفا فیجوز أن یكون التفاوت فیه بالقوّة و الضّعف ، فانّ عین الیقین أعلى مرتبة و أقوى من علم الیقین ، و للفرق الظاهر بین ایمان النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الأئمة و آحاد الرعیّة ، قال أمیر المؤمنین علیه السّلام : لو كشف الغطاء ما ازددت یقینا .

و امّا باعتبار المتعلّق فلأنّ التّصدیق التّفصیلی فی أفراد ما علم

[ 396 ]

مجی‏ء الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم به جزء من الایمان یثاب علیه ، مضافا إلى ثوابه على تصدیقه بالاجمال فكان قابلا للزّیادة ، و اللّه الهادی إلى المنهج القویم ، و الصراط المستقیم .

( و ) الثانى من الوسایل إلى اللّه سبحانه ( الجهاد فی سبیله

فانه ذروة الاسلام ) لما كان ذروة كلّ شی‏ء عبارة عن أعلاه جعل الجهاد ذروة الاسلام باعتبار رفعته و علوّ رتبته فیه و تقدّمه على سایر العبادات البدنیّة باعتبار اقتضائه قوّة التصدیق و الیقین بما جاء به خاتم النبیین ما لا یقتضیه سایر الطّاعات و القربات و إلاّ لما ألقى المجاهد نفسه إلى المهالك مع غلبة ظنّه بأنه عاطب هالك و لو لا سیف المجاهدین لما اخضرّ للاسلام عود و لا قام له عمود و قد تقدّم فی الخطبة السّابعة و العشرین انه باب من أبواب الجنّة فتحه اللّه لخاصّة أولیائه إلى آخر ما ذكره من فضائله و بیّنا فی شرحها ما فیه كفایة لمن له علم و درایة .

( و ) الثالث ( كلمة الاخلاص )

أى الكلمة المتضمّنة لاخلاص اللّه تعالى و تنزیهه عن الشركاء و الأنداد و هى كلمة التّوحید أعنى لا إله إلاّ اللّه و قد تقدّم فی شرح الفصل الثّانی من فصول الخطبة الثانیة فضایل تلك الكلمة الطیّبة المباركة و فوایدها و علل علیه السّلام كونها من أفضل القرب بقوله ( فانها الفطرة ) أى الفطرة المعهودة الواردة فی الكتاب العزیز المأمور باتّباعها بقوله :

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّینِ حَنیفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتی فَطَرَ النّاسَ عَلَیْها و أصلها الخلقة من الفطر بمعنى الخلق ثمّ جعلت للخلقة القابلة لدین الحقّ على الخصوص ، و ربما تطلق على التّوحید و المعرفة و به فسّرت الآیة الشریفة و فسّر قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : كلّ مولود یولد على الفطرة حتّى یكون أبواه هما اللّذان یهوّدانه و ینصّرانه و یمجّسانه ، قال فی مجمع البیان أى اتبع فطرة اللّه و هى التّوحید التی

[ 397 ]

فطر النّاس أى خلق النّاس علیها و لها و بها ، أى لأجلها و التمسّك بها فیكون كقوله : و ما خلقت الجنّ و الانس إلاّ لیعبدون ، و هو كما یقول القائل لرسوله :

بعثتك على هذا و لهذا و بهذا ، و المعنى واحد .

و عن الصّدوق فی التوحید فی أخبار كثیرة عن الصّادق علیه السّلام قال : فطرهم على التوحید و باسناده عن زرارة عن أبی جعفر علیه السّلام قال : سألته عن قول اللّه :

حُنَفاءَ لِلَّهِ غَیْرَ مُشْرِكینَ بِه‏ .

و عن الحنیفیّة فقال : هى الفطرة التی فطر النّاس علیها لا تبدیل لخلق اللّه ، قال :

فطرهم اللّه على المعرفة قال زرارة و سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ :

وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنی آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ الآیة .

قال علیه السّلام أخرج من ظهر آدم ذریّته إلى یوم القیامة فخرجوا كالذّرّ فعرفهم و أرادهم و لو لا ذلك لم یعرف أحد ربّه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : كلّ مولود یولد على الفطرة بأنّ اللّه عزّ و جلّ خالقه فذلك قوله تعالى :

وَ لَئِنْ سَئَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ وَ الْأَرْضَ لَیَقُولُنَّ اللَّهُ .

و قد تقدّم فی شرح الفصل الرّابع عشر من فصول الخطبة الاولى أخبار أخر فی هذا المعنى هذا .

و لما كانت كلمة الاخلاص متضمّنة للفطرة التی هى التوحید و المعرفة دالاّ علیها جعلها نفس الفطرة تسمیة للدّال باسم مدلوله .

( و ) الرابع ( إقام الصّلاة فإنّها الملّة )

و قال الطّریحى الملّة فی الأصل ما شرع اللّه لعباده على ألسنة الأنبیاء لیتوصلوا به إلى جوار اللّه و یستعمل فی جملة الشرایع دون آحادها و لا یكاد توجد مضافة إلى اللّه و لا إلى آحاد امّة النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بل یقال ملّة محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم

[ 398 ]

قال تعالى : ملّة أبیكم إبراهیم ، أى دینه .

أقول : لما كان الصّلاة هو الركن الأعظم من الدّین اطلق اسمه علیها و أتى بالملّة معرفة بلام الجنس قصدا للحصر مبالغة من باب زید الأمیر و نحوه الحدیث النّبوىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : الصّلاة عماد الدّین ، فانه لما كان قوام الدّین و ثباته بها جعلها عمادا له كما صرّح بذلك فی روایة اخرى قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : مثل الصّلاة مثل عمود الفسطاط إذا ثبت العمود ثبتت الأطناب و الأوتاد و الغشاء ، و إذا انكسر العمود لم ینفع طنب و لاوتد و لا غشاء ، و فی روایة اخرى عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، الصّلاة عماد الدّین فمن ترك صلاته متعمّدا فقد هدم دینه و كیف كان فالآیات و الروایات فی فضلها و عقوبة تاركها فوق حدّ الاحصاء قال تعالى :

أَقِمِ الصَّلوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ الَّلیْل وَ قُرْانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْانَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً وَ مِنَ اللَّیْلِ فَتَهَجَّدْ بِه‏ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ یَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحمُوداً و فی سورة النّساء : فَأَقیمُوا الصَّلوةَ إِنَّ الصَّلوةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنینَ كِتاباً مَوْقُوتاً و فی سورة مریم : أَضاعُوا الصَّلوةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ یَلْقَوْنَ غَیّاً و فی سورة العَنكبوت : وَ أَقِمِ الصَّلوةَ إِنَّ الصَّلوةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لِذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ و فی سورة أرأیت : فَوَیْلٌ لِلمُصَلِّینَ الَّذینَ هُمْ عَنْ صَلوتِهِمْ ساهُونَ .

أى غافلون غیر مبالین بها قال علیّ بن إبراهیم القمّی : عنى به تاركون لأنّ كلّ انسان یسهو فی الصّلاة ، و فی المجمع عن الصّادق علیه السّلام هو التّرك لها و التوانی عنها ،

و عن الخصال عن أمیر المؤمنین علیه السّلام : لیس عمل أحبّ إلى اللّه عزّ و جلّ من الصّلاة فلا یشغلكم عن أوقاتها شی‏ء من امور الدّنیا ، فانّ اللّه عزّ و جلّ ذمّ أقواما فقال :

[ 399 ]

الذین هم عن صلاتهم ساهون ، یعنى أنهم غافلون استهانوا بأوقاتها .

و فی الكافی باسناده عن معاویة بن وهب قال سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن أفضل ما یتقرّب به العباد إلى ربّهم و أحبّ ذلك إلى اللّه عزّ و جلّ ما هو ؟ فقال علیه السّلام : ما أعلم شیئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصّلاة ، ألا ترى أنّ العبد الصّالح عیسى بن مریم قال : و أوصانی بالصّلاة و الزّكاة ما دمت حیّا .

و عن زید الشّحام عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : سمعت یقول : أحبّ الأعمال إلى اللّه عزّ و جلّ الصّلاة ، و هی آخر وصایا الأنبیا علیهم السّلام فما أحسن الرّجل یغتسل أو یتوضّأ فیسبغ الوضوء ثمّ یتنحىّ حیث لایراه أنیس فیشرف علیه و هو راكع أو ساجد ، إنّ العبد إذا سجد فأطال السجود نادى إبلیس : یا ویله أطاعوا و عصیت و سجدوا و أبیت ، و نحوه فی الفقیه إلاّ أنّ فیه فیشرف اللّه علیه .

و عن أبی حمزة عن أبی جعفر علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إذا قام العبد المؤمن فی صلاة نظر اللّه إلیه أو قال أقبل اللّه علیه حتى ینصرف ، و أظلّته الرّحمة من فوق رأسه إلى افق السماء و الملائكة تحفّه من حوله إلى افق السّماء ، و وكل اللّه به ملكا قائما على رأسه یقول : أیّها المصلّى لو تعلم من ینظر إلیك و من تناجی ما التفتّ و لا زلت من موضعك أبدا .

و عن محمّد بن الفضیل عن أبی الحسن الرّضا علیه السّلام قال : الصّلاة قربان كلّ تقىّ .

و عن حفص بن البخترى عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : من قبل اللّه منه صلاة واحدة لم یعذّبه و من قبل منه حسنة لم یعذّبه .

و عن الحسین بن سیف عن أبیه قال : حدّثنى من سمع أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول :

من صلّى ركعتین یعلم ما یقول فیهما انصرف و لیس بینه و بین اللّه ذنب .

و فی الفقیه قال الصّدوق : قال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ما من صلاة یحضر وقتها إلاّ نادى ملك بین یدى النّاس : أیّها النّاس قوموا إلى نیرانكم الّتی أوقدتموها على ظهوركم فأطفؤها بصلاتكم .

[ 400 ]

قال : و قال الصّادق علیه السّلام : أوّل ما یحاسب به العبد الصّلاة فاذا قبلت منه قبل سایر عمله ، و إذا ردّت علیه ردّ علیه سایر عمله قال : و قال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّما مثل الصّلاة فیكم كمثل البرى و هو النهر على باب أحدكم یخرج إلیه فی الیوم و اللّیلة یغتسل منه خمس مرّات فلم یبق الدّرن على الغسل خمس مرّات ، و لم یبق الذّنوب على الصّلاة خمس مرّات .

و فی جامع الأخبار قال : قال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لا تضیّعوا صلاتكم ، فانّ من ضیّع صلاته حشره اللّه تعالى مع قارون و فرعون و هامان لعنهم اللّه و أخزاهم و كان حقا على اللّه أن یدخله النار مع المنافقین ، فالویل لمن لم یحافظ على صلاته .

قال : و قال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : من ترك الصّلاة حتّى تفوته من غیر عذر فقد حبط عمله ، ثمّ قال : بین العبد و بین الكفر ترك الصّلاة .

و عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من ترك الصّلاة لا یرجو ثوابها و لا یخاف عقابها فلا ابالی یموت یهودیّا أو نصرانیّا أو مجوسیّا .

و قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : من أعان تارك الصّلاة بلقمة أو كسوة فكأنّما قتل سبعین نبیّا أوّلهم آدم و آخرهم محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم هذا .

و الأخبار فی هذا المعنى كثیرة جدا و فیما أوردناه كفایة للمهتدى المسترشد و إنما المهمّ الاشارة إلى علّة وجوب الصلوات الخمس و بعض أسرارها .

اما علة وجوبها فقد روى فی الفقیه عن الحسن بن علیّ بن أبی طالب علیهم السّلام أنّه قال : جاء نفر من الیهود إلى رسول اللّه فسأله أعلمهم عن مسائل فكان فیما ساله أنه قال له : أخبرنى عن اللّه لأىّ شی‏ء فرض اللّه عزّ و جلّ هذه الخمس الصّلوات فی خمسة مواقیت على امّتك فی ساعات اللّیل و النّهار ؟ فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّ الشمس عند الزّوال لها حلقة 1 تدخل فیها فاذا دخلت فیها زالت الشمس فیسبّح كلّ شی‏ء دون العرش بحمد ربّی جلّ جلاله و هى السّاعة التی یصلّى

-----------
( 1 ) الظاهر أنّ المراد بها دائرة نصف النهار ، منه

[ 401 ]

فیها على ربّی فقرض اللّه علىّ و على امّتی فیها الصّلاة و قال :

أَقِمِ الصَّلوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَق اللَّیْلِ . 1 و هى السّاعة التی یؤتى فیها بجهنّم یوم القیامة فما من مؤمن یوافق تلك السّاعة أن یكون ساجدا أو راكعا أو قائما إلاّ حرّم اللّه جسده على النّار .

و أمّا صلاة العصر فهى السّاعة التی اكل آدم فیها من الشجرة فأخرجه اللّه من الجنّة فأمر اللّه ذرّیته بهذه الصّلاة إلى یوم القیامة و اختارها لامّتی فهى من أحبّ الصّلوات إلى اللّه عزّ و جلّ و أوصانی أن أحفظها من بین الصّلوات .

و أمّا صلاة المغرب فهى السّاعة التی تاب اللّه على آدم علیه السّلام و كان بین ما اكل من الشجرة و بین ما تاب اللّه علیه ثلاثمأة سنة من أیّام الدّنیا و فی أیّام الآخرة یوم كألف سنة 2 ما بین العصر إلى العشاء فصلّى آدم ثلاث ركعات و ركعة لخطیئته و ركعة لخطیئة حوّا ، و ركعة لتوبته فافترض اللّه هذه الثلاث ركعات على امّتی و هى السّاعة التی یستجاب فیها الدّعا فوعدنى اللّه أن یستجیب لمن دعاه فیها و هى الصّلاة التی أمرنی ربّی بها فی قوله :

فَسُبْحانَ اللَّهِ حینَ تُمْسُونَ وَ حینَ تُصْبِحُونَ .

و أمّا صلاة العشاء الآخرة فانّ للقبر ظلمة ، و لیوم القیامة ظلمة أمرنی اللّه بهذه الصّلاة و امّتی لتنوّر الصّور و لیعطنی و امّتی النّور على الصّراط ، و ما من قدم مشت الى صلاة العتمة 3 إلاّ حرّم اللّه جسدها على النّار و هى الصّلاة التی اختارها اللّه للمرسلین قبلی .

-----------
( 1 ) غسق اللیل منتصفة لا ظلمة اوله كما قال بعض اللّغویین ، مفتاح الفلاح

-----------
( 2 ) أى یوم واحد من أیام الآخرة كألف سنة من أیام الدنیا و قوله ما بین العصر الى العشاء اى كان ثلاث مأة سنة من أیام الدنیا ما بین العصر الى العشاء من أیام الاخرة ، حاشیة فقیه

-----------
( 3 ) العتمة محركة ثلث اللیل الاول بعد غیبوبة الشفق او وقت صلاة الاخرة ، حاشیة فقیه

[ 402 ]

و أمّا صلاة الفجر فانّ الشّمس إذا طلعت تطلع على قرن شیطان ، فأمرنی اللّه أن اصلّی قبل طلوع الشّمس صلاة الغداة و قبل أن یسجد لها الكافر لتسجد امتی للّه عزّ و جلّ و سرعتها أحبّ الى اللّه و هى الصّلاة التی یشهدها ملائكة اللّیل و ملائكة النّهار و علة اخرى لذلك و هو ما رواه فی الفقیه أیضا عن الحسین بن أبی العلاء عن أبی عبد اللّه علیه السّلام أنه قال : لما هبط آدم علیه السّلام من الجنّة ظهرت به شأمة سوداء فی وجهه من قرنه إلى قدمه ، فطال حزنه و بكاؤه على ما ظهر به ، فأتاه جبرئیل فقال له : ما یبكیك یا آدم ؟ فقال : لهذه الشامة التی ظهرت بی ، قال : قم یا آدم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الاولى ، فقام فصلّى فانحطت الشامة إلى عنقه ، فجاءه فی الصّلاة الثانیة فقال : یا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الثالثة ، فقام فصلّى فانحطت الشّامة إلى سرّته ، فجاءه فی الصّلاة الثالثة فقال : یا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الثالثة فقام فصلّ فانحطت الشامة إلى ركبتیه ، فجاء فی الصّلاة الرّابعة فقال : یا آدم قم فصلّى فهذا وقت الصّلاة الرابعة ، فقام فصلّى فانحطت الشامة إلى قدمیه ، فجاءه فی الصّلاة الخامسة فقال : یا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الخامسة ، فقام فصلّى فخرج منها ، فحمد اللّه و أثنا علیه فقال جبرئیل : یا آدم مثل ولدك فی هذه الصّلاة كمثلك فی هذه الشّامة ، من صلّى من ولدك فی كلّ یوم و لیلة خمس صلوات خرج من ذنوبه كما خرجت من هذه الشّامة ، و یأتی لها علّة ثالثة انشاء اللّه فی شرح الخطبة المأة و الحادیة و التسعین .

و أما أسرار الصلاة فهى كثیرة لا یمكن استقصاؤها و إنّما نشیر إلى نبذ منها مما اشیر إلیها فی الروایات و وصل إلینا من أولى الألباب و الدّرایات و أرباب المعرفة و الاشارات فنقول و باللّه التوفیق :

إنّ الصّلاة الكاملة قد خصّت من بین سایر العبادات بأنّها بمنزلة انسان كامل مشتمل على روح و جسد ، منقسم إلى ظهر و بطن و سرّ و علن ، و لروحه و سرّه أخلاق و صفات ، و لجسده و علن أعضاء و أشكال ، فروح الصّلاة أهل معرفة الحقّ و العبودیّة له بالاخلاص و التوحید .

[ 403 ]

أمّا أخلاقها و صفاتها الباطنة فیجمعها امور و هی : حضور القلب ، و التفهّم و التعظیم ، و الهیبة ، و الرجاء ، و الحیاء ، و هذه ستّ خصال شریفة و حالات كریمة و ملكات عظیمة لا یوجد جمیعها إلاّ فی مؤمن امتحن اللّه قلبه بنور الایمان و العرفان اما حضور القلب فهو تفریغ القلب عن غیر ما هو ملابس له و متكلّم به و صرفه إلى ما یتلبّس به من الأفعال و یتكلّم به من الأقوال ، و لا یحصل ذلك إلاّ بعد معرفة المصلّى بانّ الغرض المطلوب منه هو الایمان و التصدیق بأنّ الآخرة خیر و أبقى ، و أنّ الصّلاة وسیلة الیها ، فاذا اضیف إلى تلك المعرفة العلم بحقارة الدّنیا و خسّتها و زوالها انصرف القلب عن مهمّات الدّنیا لا محالة و توجّه إلى صلاته الموصلة و إلى سعادات الآخرة و هو معنى حضور القلب .

روى إبراهیم الكرخی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام أنّه قال : إنّی لاحبّ الرّجل المؤمن منكم إذا قام فی صلاة فریضة أن یقبل بقلبه إلى اللّه تعالى و لا یشغل قلبه بأمر الدّنیا ، فلیس من عبد یقبل بقلبه فی صلاته إلى اللّه تعالى إلاّ أقبل اللّه إلیه بوجهه ، و أقبل بقلوب المؤمنین إلیه بالمحبة بعد حبّ اللّه إلیه ایّاه .

و عن الخصال باسناده عن علىّ علیه السّلام فی حدیث الأربعمأة قال : لا یقومنّ أحدكم فی الصّلاة متكاسلا ، و لانا عسا ، و لا یفكّرن فی نفسه ، فانه بین یدى ربّه عزّ و جلّ ، و إنما للعبد من صلاته ما أقبل علیه منها بقلبه .

أقول : و مرّ ذلك أنّ الصّلاة فی الحقیقة معراج المؤمن و مناجاة الرّب المعبود ، فلا بدّ فیه من الاقبال ، لأنّ من لا یقبل علیك لا یستحقّ اقبالك علیه ،

كما لو حاربك من تعلم غفلته من محاربتك و إعراضه عن محاورتك ، فانّه یستحق إعراضك عن خطابه و اشتغالك بجوابه .

قال الصّادق علیه السّلام من أراد أن ینظر منزلته عند اللّه فلینظر منزلة اللّه عنده ،

فانّ اللّه ینزل العبد مثل ما ینزل العبد إلیه من نفسه .

و أما التفهم فهو التّدبر فی معنى اللّفظ ، و هو أمر وراء حضور القلب ، فربما یكون القلب حاضرا مع اللفظ و لا یكون حاضرا مع معنى اللّفظ ، فاشتمال القلب

[ 404 ]

القلب على العلم بمعنى اللّفظ هو المراد بالتفهم ، و قد ذمّ اللّه أقواما على ترك التدبّر حیث قال :

أَفَلا یَتَدَبَّرُوُنَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها .

و روى سیف بن عمیر عمّن سمع أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : من صلّى ركعتین یعلم ما یقول فیهما انصرف و لیس بینه و بین اللّه ذنب إلاّ غفر له .

ثمّ الناس فی هذا المقام أى مقام التفهّم متفاوتون ، إذ لیس یشترك الجمیع فی تفهّم معانی القرآن و التّسلیمات ، و كم من معانی لطیفة یفهمها المصلّى فی أثناء الصّلاة و لم یكن خطر بقلبه قبل ذلك ، و من هذا الوجه كانت الصّلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر ، فانّما یفهم امورا هى مانعة من الفحشاء لا محالة .

روى یونس بن ظبیان عن أبى عبد اللّه علیه السّلام أنه قال : اعلم أنّ الصّلاة حجزة اللّه فی الأرض فمن أحبّ أن یعلم ما أدرك من نفع صلاته فلینظر ، فان كانت صلاته حجزته عن الفواحش و المنكر فانّما أدرك من نفعها بقدر ما احتجز ، و من أحبّ أن یعلم ماله عند اللّه فلیعلم ما للّه عنده و اما التعظیم فهو أمر وراء حضور القلب و الفهم ، فربما یخاطب الرّجل عبده بكلام و هو حاضر القلب فیه و متفهّم لمعناه ، و لا یكون معظما له ، فالتعظیم أمر زاید علیهما ، و هو حالة للقلب منشاها معرفة جلال الرّب سبحانه و كبریائه و عظمته مع معرفة حقارة النّفس و خسّتها و كونها عبدا مسخّرا مربوبا ، فیتولّد من هاتین المعرفتین الاستكانة و الانكسار و الخشوع للّه سبحانه ، فیعبّر عنه بالتعظیم .

روى الحلبیّ عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : إذا كنت فی صلاتك فعلیك بالخشوع و الاقبال على صلاتك ، فانّ اللّه تعالى یقول : الّذینهم فی صلاتهم خاشعون ، ثمّ الخشوع كما یكون فی القلب كذلك یكون فی الجوارح ، و یدلّ علیه ما رواه الطّبرسی فی مجمع البیان أنّ النبیّ رأى رجلا یعبث بلحیته فی صلاته فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أما أنه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه .

[ 405 ]

و اما الهیبة فأمر زاید على التعظیم ، و هى عبارة عن خوف منشاه التعظیم ،

لأنّ من لا یخاف لا یسمّى هایبا ، و المخافة من العقرب و الحیّة و سایر الموذیات و من العقوبة و سوء خلق العبد و ما یجرى مجرى ذلك من الأسباب الخسیسة لا تسمّى مهابة ، فالهیبة خوف مصدره الاجلال ، و هى متولّدة من المعرفة بقدرة اللّه و سطوته و نفوذ أمره و مشیّته فیه مع قلّة مبالاته به ، و أنّه بحیث لو أهلك الأوّلین و الآخرین لم ینقص من ملكه مثقال ذرّة ، لا سیّما إذا انضمّ إلى ذلك ملاحظة ما جرى على الأنبیاء و الأولیاء من أنواع المحن و المصائب و البلاء ، و كلّما زاد العلم باللّه و كبریائه زادت الهیبة و الخشیة ، و لأجل ذلك قال تعالى : إنّما یخشى اللّه من عباده العلماء .

روى فضیل بن یسار عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : كان علیّ بن الحسین علیه السّلام اذا قام إلى الصّلاة تغیّر لونه ، فاذا سجد لم یرفع رأسه حتى یرفض عرقا و عن أبان بن تغلب قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام إنى رأیت علیّ بن الحسین علیهما السّلام إذا قام إلى الصلاة غشى لونه لون آخر ، فقال لی : و اللّه إنّ علیّ بن الحسین علیهما السلام كان یعرف الذى یقوم بین یدیه .

و عن جهم بن حمید عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال أبی : كان علیّ بن الحسین إذا قام إلى الصّلاة كأنّه ساق شجرة لا یتحرّك منه شی‏ء إلاّ ما حرّكت الرّیح منه و قد اخرجت هذه الرّوایات و سابقتها من الوسایل رواها فیه باسنادها من الكافی و غیره .

و اما الرجاء فلا شك أنّه زاید على ما سبق ، فكم من معظم ملكا من الملوك یهابه أو یخاف سطوته و لا یرجو انعامه و مبرّته ، و العبد ینبغی أن یكون راجیا بصلاته ثواب اللّه كما أنه خائف بتقصیره عقاب اللّه ، و منشا الرّجا معرفة لطف الحقّ و كرمه و عمیم جوده و احسانه و شمول رحمته و انعامه و معرفة صدقه فی وعده على الصلاة بالثواب و بشراه بالجنّة و حسن المآب ، فبمجموع المعرفة بلطفه سبحانه و المعرفة بصدقه یحصل الرجاء .

[ 406 ]

قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الصّلاة مرضاة اللّه ، و حبّ الملائكة ، و سنّة الأنبیاء و نور المعرفة ، و أصل الایمان ، و اجابة الدّعاء ، و قبول الاعمال ، و بركة فی الرّزق و راحة فی البدن ، و سلاح على الأعداء ، و كراهة الشّیطان ، و شفیع بین صاحبها و ملك الموت ، و السراج فی القبر ، و فراش تحت جنبه ، و جواب منكر و نكیر ،

و مونس فی السّراء و الضّراء ، و صائر معه فی قبره إلى یوم القیامة .

و أما الحیاء فزیادته على ما سبق واضحة ، لأنّ مستنده استشعار تقصیر و توهّم ذنب ، و یتصوّر التعظیم و الخوف و الرّجاء من غیر حیاء ، حیث لا یتوهّم تقصیر و خطاء و منشا استشعار التقصیر و توهّم الذّنب علم المكلف بالعجز عن القیام بوظائف العبودیّة و التعظیم على ما یلیق بحضرة الرّبوبیّة سبحانه ، و یزید ذلك بالاطلاع على كثرة عیوب النّفس و آفاتها ، و فرط رغبتها فی أفعالها و حركاتها و سكناتها إلى الدّنیا و شهواتها ، و قلّة اخلاصها فی طاعاتها مع العلم بعظیم ما یقتضیه جلال اللّه و عظمته و كبریائه ، و مع المعرفة بأنه خبیر بصیر مطلع على السرائر ، عالم بالضمائر ، و هذه المعارف إذا حصلت یقینا انبعث منها الحیاء .

و أما اعضاء الصلاة و أشكالها فهى : القیام ، و القعود ، و القرائة ، و التشهد و الركوع ، و السجود ، و ظاهرها یرتبط بظاهر الانسان ، و به یكلف العوام الذین درجتهم درجة الأنعام ، لیمتازوا بذلك التعبّد الظاهرى عن سایر أنواع الحیوان فی العاجل ، و یستحقوا به نوعا من الثواب فی الاجل ، و باطنها یلتزم بباطن الانسان ممن له قلب أو ألقى السّمع و هو شهید .

أمّا صلاة الظاهر المأمور بها شرعا و المفروضة على كافة المكلّفین سمعا فأعدادها معلومة ، و أوقاتها مرسومة ، و أركانها مضبوطة ، و أحكامها فی الكتب مسطورة ،

لا حاجة بنا إلى تفصیلها الشهرتها ، و كفایة الكتب الفقهیّة فی تعیین شرایطها و أحكامها و أمّا صلاة الباطن و صلاة أهل الخصص فنشیر إلى بعض أسرارها و یسیر ممّا ینبغى لها لتكون على ذكر منها عند القیام بها ، و تأتى بها على وجه البصیرة و المعرفة إن كنت من أهل القرب و الطّاعة فنقول و باللّه التوفیق :

[ 407 ]

اما الطهارة فاذا أتیت بها فی مكانك و هو طرفك الأبعد ، ثمّ فی ثیابك و هو غلافك الأقرب ، ثمّ فی بشرتك و هو قشرك الأدنى فلا تغفل عن تطهیر ذاتك و إزالة رجس الشیطان عن لبّك بالتوبة و النّدم على التفریط فی جنب اللّه كما قال سبحانه :

و ثیابك فطهّر و الرّجز فاهجر ، فطهّر قلبك فانّه منظر معبودك .

و اما ستر العورة فمعناه تعطیة مقابح بدنك عن أبصار الخلق أعنى سكّان عالم الأرض ، فاذا وجب علیك ستر ظاهر البدن عن الخلق و هم مخلوق مثلك فما ظنك فی عورات باطنك و فضایح سترك الذی هو موضع نظر معبودك و خالقك ، فانها أولى بالسّتر و أحرى ، فاحضر تلك الفضایح ببالك ، و طالب نفسك بسترها بالنّدم و الخوف و الحیاء ، و نزل نفسك منزلة العبد المجرم المسى‏ء الآبق الذى ندم فرجع إلى مولاه ناكسا رأسه من الحیاء و الخوف .

و اما الاستقبال فهو صرف ظاهر وجهك من سایر الجهات إلى جهة البیت الحرام ، أفترى أنك مأمور بذلك و لست مأمورا بتوجیه قلبك إلى معبودك ، فلیكن وجه قلبك مع وجه بدنك ، و كما لا یمكن التوجّه بالبیت إلاّ بالالتفات عن سایر الجهات ، فكذلك لا یمكن التّوجّه إلى الحقّ ، إلاّ بالاعراض عن كلّ ما عداه ،

و الانقطاع بكلّیته إلى اللّه .

و أما القیام فلیكن على ذكرك فی الحال خطر القیام بین یدى الربّ المتعال فی القیامة و هو المطّلع فی مقام العرض و السّؤال حین ما أیقن أهل الجرائم بالعقاب و عاینوا ألیم العذاب ، فقم بین یدیه سبحانه قیام عبد ذلیل بین یدى ملك جلیل ، و علیك بخفوت أطرافك و هد و أطراقك و سكون جوارحك و خشوع أجزائك و حاسب نفسك قبل أن تحاسب ، وزن نفسك قبل أن توزن .

و أما النیة فاعلم أنّ الأعمال بالنیات و أنّ النّیة رأس العبادات ، فاجتهد فی تحصیل الاخلاص ، رجاء للثّواب و خوفا من العقاب و طلبا للقرب إلى ربّ الأرباب قال الصادق علیه السّلام إذا كان أوّل صلاته بنیّة یرید بها ربّه فلا یضرّه ما دخله بعد ذلك فلیمض فی صلاته و لیخسإ الشّیطان .

[ 408 ]

و أما التكبیر فاذا نطق به لسانك فینبغی أن لا یكذّبه قلبك ، فان كان هواك أغلب علیك من أمر اللّه و أنت أطوع له منك للّه فقد اتّخذته إلها لك و معبودا من دون اللّه كما قال عزّ من قائل : أرأیت من اتّخذ إلهه هویه ، فقولك : اللّه أكبر یكون حینئذ كلاما بمجرّد اللّسان من دون أن یساعده القلب و الجنان ، فیشهد اللّه سبحانه علیك بأنك لكاذب فی تكبیرة و تعظیمه كما شهد على المنافقین بأنهم لكاذبون فی قولهم : نشهد أنّك لرسول اللّه ، و ما أعظم الخطر فی ذلك لو لا التّدارك بالتوبة و الاستغفار .

و اما القرائة فالناس فیها على ثلاثة أقسام : السّابقون و هم المقرّبون ،

و أصحاب الیمین و هم أهل الجنّة ، و أصحاب الشّمال و هم أهل النّار ، فرجل یتحرّك لسانه و قلبه غافل عما هو فیه و یتكلّم به ، بل مشغول الفكر بأغراض نفسه و معاملاته و تجاراته و خصوماته و غیرها ، و رجل یتحرّك لسانه و قلبه یتبع اللّسان فیفهم و یسمع منه كانه یسمعه من غیره و هو مقام أصحاب الیمین ، و رجل یسبق قلبه إلى المعانی أوّلا ثمّ یخدم اللّسان القلب فیترجمه كما ربّما یخطر ببالك شی‏ء فینبعث منك داعیة الشّوق إلى التكلّم به و فرق بین أن یكون اللّسان ترجمان القلب و بین أن یكون القلب ترجمانا تابعا للسان ، و المقرّبون لسانهم ترجمان قلوبهم .

و توضیح ترجمة المعانى أنك اذا قلت : أعوذ باللّه من الشیطان الرّجیم ،

فادفع وساوس قلبك و عجب نفسك ، و طهّر ساحة قلبك من خطرات ابلیس و أحادیث النفس لیتیسّر لك الدّخول فی باب الرّحمة فینفتح لك باب الملكوت بالمغفرة و باب الجبروت بالفضل و الكرامة ، و إذا قلت : بسم اللّه الرّحمن الرّحیم ، فانوبه التبرّك باسمه ، و اعلم أنّ الامور كلّها باللّه و هى من فیض رحمته فی الدّنیا و الآخرة فاذا كانت النعم الدّنیویّة و الاخرویّة مبدؤها وجوده و كانت كلّها من بحر كرمه وجوده كما قال عزّ من قائل : و ما بكم من نعمة فمن اللّه ، فاعلم أنه لا یلیق الحمد و الثناء إلاّ للّه سبحانه ، فقل : الحمد للّه ، فلو كنت ترى نعمة من عند غیره و تتوقّع منه

[ 409 ]

الوصول الیها و تقرع بید السّؤال بابه بزعم استقلاله فیها لا باعتقاد أنه واسطة فی ایصالها إلیك و آلة لوصولها إلى یدیك فتشكره بذلك ، ففی تسمیتك و تحمیدك نقصان و أنت بقدر التفاتك إلى غیره كاذب فیهما .

ثمّ اعلم أنّك تأسّیت فی تحمیدك للّه بالملائكة المقرّبین حیث قالوا قبل أن یخلق اللّه سبحانه هذه النشأة : نحن نسبّح بحمدك و نقدّس لك ، و بعباد اللّه الصّالحین ،

حیث إنّهم بعد ما یحكم بینهم و بین المجرمین یوم الحاقة بالحقّ فیحمدون ربهم كما اخبر عنهم بقوله : و قضی بینهم بالحقّ و قیل الحمد للّه ربّ العالمین ، و بعد ما یعتبرون الصراط و یجدون رایحة الجنان یقولون : الحمد للّه الذی هدانا لهذا ، و بعد ما یتمكنون فی قصور الجنّات و یجلسون وسط الرّوضات یقولون : الحمد للّه الذی صدقنا وعده ، و بعد ما ینالون غایة الآمال و یجزون الحسنى بالأعمال یكون آخر كلامهم حمد الرّب المتعال ، و آخر دعویهم أن الحمد للّه رب العالمین ، فاذا كان بدیة العالم و نهایته مبنیّة على الحمد فاجتهد أن یكون بدایة عملك و نهایته كذلك ، و كما أنّ حمد هؤلاء المقرّبین ناش عن وجه الاخلاص و الیقین ، فلیكن ثناؤك كذلك و إذا قلت : ربّ العالمین ، فاعلم أنّه سبحانه مربّیك و مربّی سایر الخلائق أجمعین ، حیث إنه خلقهم و ساق الیهم أرزاقهم و دبّر امورهم و قام بمصالحهم و بدء بالآمال قبل السؤال ، و أنه رباهم بعظیم مالدیه من دون جلب ربح و منفعة منهم إلیه كما هو شأن سایر المربّین و المحسنین فانهم انما یربون و یحسنون لیربحوا على ذلك و ینتفعوا بذلك إما ثوابا أو ثناء ، فاذا كان تربیته كذلك فلینبعث منك مزید شوق و رجاء إلى فضله و نواله .

و لیشتدّ ذلك الرّجاء إذا قلت : الرّحمن الرّحیم ، فانّ رحمته سبحانه لانهایة لها ، فبرحمته الرّحمانیة خلق الدّنیا و ما فیها ، و برحمته الرّحیمیّة یجزى لمؤمنین الجزاء الأوفى ، و هو الذی ینادى عبده و یشرفه بألطف الخطاب حین ما وارده فی التراب ، و ودّعه الأحباب و یقول : عبدی بقیت فریدا وحیدا فأنا أرحمك الیوم رحمة یتعجّب الخلائق منها .





نظرات() 


foot issues
شنبه 25 شهریور 1396 01:15 ق.ظ
Hi, I do think this is a great blog. I stumbledupon it ;) I'm going
to come back yet again since I bookmarked it.
Money and freedom is the greatest way to change,
may you be rich and continue to help other people.
Foot Complaints
شنبه 14 مرداد 1396 11:24 ق.ظ
Hey there! I could have sworn I've been to
this website before but after reading through some of the post I realized it's new to me.
Anyways, I'm definitely glad I found it and I'll be bookmarking and checking back frequently!
https://marchellegonzaliz.wordpress.com
چهارشنبه 3 خرداد 1396 06:21 ق.ظ
I was wondering if you ever thought of changing the page layout
of your blog? Its very well written; I love what youve got to say.

But maybe you could a little more in the way of content so people could connect with
it better. Youve got an awful lot of text for only having 1 or
two images. Maybe you could space it out better?
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox