تبلیغات
پیام هادی - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
سه شنبه 6 مهر 1389-12:20 ق.ظ

[ 360 ]

للمصدر الذی تضمّنته الجملة على ما قرّرنا لم یجز أن یعود من الجملة الیه ضمیر فلا یقال آتیك یوم قدم زید فیه ، لأنّ الرّبط الذی یطلب حصوله من مثل هذا الضمیر حصل باضافة الضمیر الى الجملة و جعله ظرفا لمضمونها ، فیكون كانّك قلت یوم قدوم زید فیه ، أى فی الیوم و ذلك غیر مستعمل و إنما وجب الرّبط لما لم یكن الظرف مرتبطأ بأن كان منوّنا نحو یوما قدم فیه زید ، قال تعالى : یوم تسوّد وجوه و قد یقول العوام : یوم تسودّ فیه الوجوه و نحوه ، و هو شاذّ و بذلك ظهر عدم الحاجة الى الضّمیر فی قوله حیث لا یظعن النزال ، فانّ معناه مكان عدم ظعن النزال فافهم ذلك فانّه ینفعك فی كثیر من المقامات الآتیة .

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه علیه السّلام متضمّن لبیان حال العباد فی المعاد و كیفیّة محشرهم و منشرهم و بعثهم و جمعهم و إثابة المطیعین منهم و عقاب العاصین و أكثر ما أورده علیه السّلام هنا مطابق لآیات الكتاب الكریم و القرآن الحكیم حسبما تطلع علیه فیما یتلى علیك فأقول : قوله : ( حتّى اذا بلغ الكتاب أجله و الأمر مقادیره ) أراد بالكتاب ما كتبه اللّه تعالى سبحانه و قضاه فی حقّ النّاس من لبثهم فی القبور إلى یوم الحشر و النشور و بالأمر 1 الامورات المقدّرة الحادثة فی العالم السفلی المشار الیها بقوله تعالى :

وَ إِنْ مِنْ شَیْ‏ءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ .

فالمعنى أنّه إذا بلغ المقضی فی حقّ العباد غایته و نهایته فی الامورات المقدّرة مقادیرها المعلومة و حدودها المعینة التی اقتضت الحكمة الالهیة و التدبیر الأزلى بلوغها الیها ( و الحق آخر الخلق بأوّله ) أى انتزعوا جمیعا عن الدّنیا و أحاط بهم الموت و الفنا و اجتمعوا فى القبور بعد سكنى القصور ( و جاء من أمر اللّه ) و حكمه ( ما یریده من

-----------
( 1 ) و قد تقدّم فی شرح الفصل التاسع من الخطبة الاولى فى بیان معنى قوله ( ع ) و مختلفون بقضائه و أمره ، ما ینفعك ذكره فی المقام فلیراجع ، منه

[ 361 ]

تجدید خلقه ) أى بعثهم و حشرهم ( أما السّماء و فطرها ) أى حرّكها و شقّها ، و هو اشارة إلى خراب هذا العالم .

و به نطق قوله سبحانه : یوم تمور السّماء مورا ، أى تضطرب و تموج و تتحرّك ،

و فی سورة المزمّل : السّماء منفطر به و كان وعده مفعولا ، قال الطّبرسیّ : المعنى أنّ السّماء تنفطر و تنشقّ فی ذلك الیوم من هو له ، و فی سورة الانفطار : إذا السّماء انفطرت ، قال الطّبرسىّ تشقّقت و تقطّعت ،

( و أرجّ الأرض و أرجفها ) أى حرّكها و زلزلها كما قال تعالى فی سورة الواقعة : إذا رجّت الأرض رجّا ، قال الطّبرسیّ أى حركت حركة شدیدة ، و قیل زلزلت زلزالا شدیدا ، و قیل معناه رجّت بما فیها كما یرجّ الغربال بما فیه فیكون المراد ترجّ باخراج من فی بطنها من الموتى ، و فی سورة النّازعات : یوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ، قیل أى تضطرب الأرض اضطرابا شدیدا و تحرّك تحرّكا عظیما یعنی یوم القیامة تتبعها الرادفة أى اضطرابة اخرى كائنة بعد الاولى فی موضع الرّدف من الراكب فلا تزال تضطرب حتى یفنى كلّها .

( و قلع جبالها و نسفها ) و هو موافق لقوله تعالى فی سورة طه :

وَ یَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ یَنْسِفُها رَبّی نَسْفاً فَیَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى‏ فیها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً .

قال الطّبرسیّ أى و یسألك منكر و البعث عند ذكر القیامة عن الجبال ما حالها فقل :

یا محمّد ینسفها ربّى نسفا ، أى یجعلها ربّی بمنزلة الرّمل ، ثمّ یرسل علیها الرّیاح فیذریها كتذریة الطعام من القشور و التّراب فلا یبقى على وجه الأرض منها شی‏ء و قیل یصیّرها كالهباء ، و قیل إنّ رجلا من ثقیف سأل النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كیف تكون الجبال یوم القیامة مع عظمها ؟ فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّ اللّه یسوقها بأن یجعلها كالرّمال ثمّ یرسل علیها الرّیاح فتفرّقها ، فیذرها ، اى فیدع أما كنها من الأرض إذا نسفها ، قاعا ،

أى أرضا ملساء ، و قیل منكشفة ، صفصفا ، أى أرضا مستویة لیس للجبل فیها أثر ،

[ 362 ]

لا ترى فیها عوجا و لا أمتا ، أى لیس فیها منخفض و لا مرتفع و فی سورة الواقعة :

وَ بُسَّتِ الْجِبالُ بَسّاً فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثّاً .

أى فتت فتأ أو كسرت كسرا ، فكانت غبارا متفرّقا كالذى یرى من شعاع الشّمس اذا دخل من الكوّة و فی سورة المزّمل :

یَوْمَ تَرجُفُ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ وَ كانَتِ الْجِبالُ كَثیباً مَهیلاً .

قال الطّبرسیّ : أى رملا سائلا مستأثرا عن ابن عباس و قیل : المهیل الذى اذا وطأه القدم زلّ من تحتها و إذا اخذت أسفله انهار أعلاه ، عن الضحاك ، و المعنى أنّ الجبال تنقلع من اصولها فتصیر بعد صلابتها كالرّمل السّائل و دلّ بعضها بعضا من هیبة جلاله و مخوف سلطنته ، و یشهد به قوله سبحانه فی سورة الحاقّة :

فَإِذا نُفخَ فی الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ وَ حُمِلَتِ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ فَدكَّتا دكَّة واحِدَةً فَیَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ .

أى رفعت الأرض و الجبال من اماكنها و ضرب بعضها ببعض حتّى تفتت الجبال و سفتها الرّیاح و بقیت الأرض شیئا واحدا لا جبل فیها و لا رابیة ، بل تكون قطعة مستویة ، و قال علیّ بن إبراهیم القمّی فی تفسیرها : قد وقعت فدكّ بعضها على بعض ، و قال الطّبرسىّ أى كسرتا كسرة واحدة لا تثنى حتى یستوى ما علیها من شی‏ء مثل الأدیم الممدود .

( و اخرج من فیها فجدّدهم بعد اخلاقهم ) أى بعد كونهم خلقا بالیا أو بعد جعله لهم كذلك ( و جمعهم بعد تفریقهم ) یحتمل أن یكون المراد به جمع اجزائهم بعد تفتتهم و تألیف أعضائهم بعد تمزیقهم و جمع نفوسهم فی المحشر بعد تفرّقهم فی مشارق الأرض و مغاربها و الثّانی أظهر ( ثمّ میّزهم لما یرید من مسائلتهم عن خفایا الأعمال و خبایا الأفعال ) أى أعمالهم الّتی فعلوها فی خلواتهم ( و جعلهم فریقین أنعم على هؤلاء و انتقم من هؤلاء ) كما قال تعالى :

[ 363 ]

إِنَّ الْأَبْرارَ لَفی نَعیمٍ وَ إِنَّ الْفُجّارَ لَفی جَحیمٍ و فی سورة الرّعد :

مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتی وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْری مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَ ظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذینَ اتَّقَوْا وَ عُقْبَى الْكافِرینَ النّارُ .

و الیه أشار بقوله ( فأمّا أهل الطّاعة ) و السّعادة ( فأثا بهم بجواره ) و قربه ( و خلّدهم فیداره ) الاضافة للتشریف و التكریم و فیها تشویق و ترغیب الى هذه الدّار لا سیّما و انها دار خلود ( حیث لا یظعن النزال ) أى لا یرتحل النازلون فیها عنها و لا یجوز علیهم الانتقال ( و ) دار سلامة و استقامة ( لا یتغیّر لهم الحال و ) دار أمن و كرامة ( لا تنوبهم الأفزاع و ) دار صحّة و عافیة ( لا تنالهم الأسقام و ) دار سرور و لذّة ( لا تعرض لهم الأخطار و ) دار استراحة ( لا تشخصهم الأسفار ) و فی هذه كلّها اشارة إلى سلامة أهل الجنان من الهموم و الأحزان ، و آفات الأجساد و الأبدان ،

و طوارق المحن و البلاء العارضة لأهل الدّنیا ، و فیها حسبما اشرنا الیه حثّ و ترغیب الیها و إلى المجاهدة فی طلبها .

فتنبّه أیّها المسكین من نوم الغفلة ، و استیقظ من رقدة الجهالة ، و علیك بالمجاهدة و التّقوى ، و نهى النفس عن الهوى لتصل إلى تلك النعمة العظمى و تدرك الجنّة التی عرضها الأرض و السموات العلى ، و تفكّر فی أهلها و ساكنیها تَعْرِفُ فی وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعیمِ یُسْقَوْنَ مِنْ رَحیقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وَ فی ذلِكَ فَلْیَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ .

جالسین على منابر الیاقوت الأحمر فی خیام من اللّؤلؤ الرّطب الأبیض فیها بسط من العبقری الأخضر متّكئین على أرائك منصوبة على أطراف أنهار مطردة بالخمر و العسل محفوفة بالغلمان و الولدان مزیّنة بالحور العین من الخیرات الحسان ،

كأنّهنّ الیاقوت و المرجان لم یطمثهنّ انس قبلهم و لا جانّ ، یمشین فی درجات الجنان

[ 364 ]

و اذا اختالت احدیهنّ فی مشیها حمل اعطافها سبعون ألفا من الولدان علیها من طرایف الحریر ما تتحیّر فیه الأبصار مكلّلات بالتّیجان المرصّعة باللّؤلؤ و المرجان مشكلات غنجات عطرات امنات من الهرم و البوس و حوادث الزّمان مقصورات فی الخیام فی قصور من الیاقوت بنیت وسط روضات الجنان قاصرات الطرف عین ثمّ یطاف علیهم و علیهنّ بأكواب و أباریق و كأس من معین بیضاء لذّة للشّاربین ، و یطوف علیهم ولدان مخلّدون كأمثال اللّؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا یعملون ، فی مقام أمین فی جنّات و نهر فی مقعد صدق عند ملیك مقتدر ، لا یرهقهم قتر و لا ذلّة بل عباد مكرمون لا خوف علیهم و لا هم یحزنون ، و من ریب المنون آمنون ، خالدون فیها و یأكلون من أطعمتها و یشربون من أنهارها لبنا و خمرا و عسلا مصفّى ، و أیّ أنهار أراضیها من فضّة بیضاء و حصبائها مرجان ، و یمطرون من سحاب من ماء النسرین على كثبان الكافور و یجلسون على أرض ترابها مسك أذفر ، و نباتها زعفران .

فیا عجبا لمن یؤمن بدار هذه صفتها ، و یوقن بأنه لا یموت أهلها و لا تحلّ الفجائع بمن نزل بساحتها ، و لا تنظر الأحداث بعین التغییر إلى أهلها ، كیف یأنس بدار قد أذن اللّه فی خرابها ، و نودى بالرّحیل قطانها ، و اللّه لو لم یكن فیها الاّ سلامة الأبدان مع الأمن من البلاء و الموت و سایر الحدثان ، لكان جدیرا بأن یهجر الدّنیا بسببها ، و لا تؤثر علیها مع كون التنغّص و التصرّم من ضروراتها ، فانّ نعم الدّنیا زایلة كلّها فانیة ، و نعم الجنّة دائمة باقیة ، و أهل الدّنیا كلّهم متنغّصون هالكون ،

و أهل الجنّة منعّمون آمنون .

قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ینادى منادیا أهل الجنة انّ لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدا ، و انّ لكم أن تحیوا فلا تموتوا أبدا ، و انّ لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدا و انّ لكم أن تنعّموا فلا تیأسوا أبدا ، فذلك قول اللّه عزّ و جلّ :

وَ نُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةَ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلونَ .

( و أمّا أهل المعصیة ) و الشّقاوة ( فأنزلهم شرّدار ) و بئس القرار ( و غلّ الأیدى إلى

[ 365 ]

الأعناق ) بأغلال و سلاسل من نار قال سبحانه :

إِذِ الْأَغْلالُ فی أَعْناقِهِمْ وَ السَّلاسِلُ یُسْحَبُونَ فی الْحَمیم ثُمَّ فی النّارِ یُسْجَرُونَ و فی سورة یس : إِنّا جَعَلْنا فی أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِیَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ .

قال الطّبرسیّ : یعنی أیدیهم ، كنّى عنها و ان لم یذكرها لأنّ الأعناق و الأغلال تدلاّن علیها ، و ذلك انّ الغلّ انما یجمع الید الى الذقن و العنق و لا یجمع الغلّ العنق الى الذقن ، و روى عن ابن عباس و ابن مسعود انهما قرءآ انّا جعلنا فی أیمانهم أغلالا ، و قرأ بعضهم فی أیدیهم ، و المعنى فی الجمیع واحد ، لأنّ الغلّ لا یكون فی العنق دون الید و لا فی الید دون العنق ، و قوله : فهم مقمحون 1 ، أراد أنّ أیدیهم لما غلّت الى أعناقهم و رفعت الأغلال أذقانهم و رؤوسهم صعدا فهم مرفوعو الرّأس برفع الأغلال ایّاها وَ جَعَلْنا مِنْ بَیْنِ أَیْدِیهِمْ سَدّاً وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَیْناهُمْ فَهُمْ لا یُبْصِرُونَ .

اشارة الى ضیق المكان فی النار بحیث لا یجدون متقدّما و لا متأخّرا إذ سدّ علیهم جوانبهم فأغشیناهم بالعذاب فهم لا یبصرون فی النار .

( و قرن النّواصی بالأقدام ) بالأغلال و الأصفاد كما قال تعالى فی سورة الرحمن یُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسیماهُمْ فَیُؤْخَذُ بِالنَّواصی وَ الْأَقْدامِ .

قال الطّبرسیّ فی تفسیر : تأخذهم الزّبانیة فتجمع بین نواصیهم و أقدامهم بالغلّ

-----------
( 1 ) المقمح الغاض بصره بعد رفع رأسه و یقال قمح البعیر اذا رفع رأسه و لم یشرب الماء ، مجمع البیان .

[ 366 ]

ثمّ یسحبون فی النّار و یقذفون فیها ( و ألبسهم سرابیل القطران ) كما قال عزّ من قائل فی سورة إبراهیم :

وَ تَرَى الْمُجْرِمینَ یَوْمَئِذٍ مُقَرَّنینَ فی الْأَصْفادِ سَرابیلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ قال المفسّر و هو ما یطلى به الابل الجربی فیحرق الجرب و الجلد ، و هو شی‏ء أسود لزج منتن یطلون به فیصیر كالقمیص علیهم ثمّ یرسل النار فیهم لیكون أسرع الیهم و أبلغ فی الاشتعال و أشدّ فی العذاب ، و قیل السّربال من قطران تمثیل لما یحیط بجوهر النّفس من المهلكات الرّدیة و الهیئآت الموحشات المؤلمة ( و مقطّعات النّیران ) قیل : المقطّعات كلّ ثوب یقطع كالقمیص و الجبّة و نحوهما لا ما لا یقطع كالازار و الرّداء ، و لعلّ السرّ فی كون ثیاب أهل النار مقطعات كونها أشدّ فی العذاب لاشتمالها على جمیع البدن ، و فی مجمع البیان فی تفسیر قوله :

فَالَّذینَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِیابٌ مِنْ نارٍ قال ابن عباس : حین صاروا إلى جهنّم لبسوا مقطّعات النیران ، و هى الثیاب القصار و قیل یجعل لهم ثیاب نحاس من نار و هى أشدّ ما تكون حمى ، و قیل أنّ النّار تحیط بهم كاحاطة الثیاب التی یلبسونها ( فی عذاب قد اشتدّ حرّه و باب قد اطبق على أهله ) لكونهم فی العذاب مخلّدین ، و فی النار محبوسین ، و من خروج الباب ممنوعین ، فالأبواب علیهم مغلقة ، و أسباب الخروج بهم منقطعة قال سبحانه :

كُلَّما أَرادُوا أَنْ یَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمّ أُعیدُوا فیها وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَریقَ .

قال الحسن : انّ النار ترمیهم بلهبها حتّى اذا كانوا فی أعلاها ضربوا بمقامع فهو وا فیها سبعین خریفا ، فاذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفیر لهبها فلا یستقرّون ساعة فذلك قوله : كلّما أرادوا الآیة ، و أمّا أهل الجنّة فأبوا بها علیهم مفتوحة كما قال تعالى :

[ 367 ]

وَ إِنَّ لِلمُتَّقینَ لَحُسْنَ مَآبِ جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحةً لَهُمُ الأَبْوابُ .

( فی نار لها كلب و لجب و لهب ساطع ) أى لها شدّة و صوت و اشتعال مرتفع ( و قصیف هائل ) أى صوت شدید مخوف ( لا یظعن مقیمها ) بل كلّما أرادوا أن یخرجوا منها أعیدوا فیها و قیل لهم ذوقوا عذاب النّار الذی كنتم به تكذّبون ( و لا ینادى أسیرها ) أى لا یؤخذ عنه الفدیة فیخلص كأسراء الدّنیا ( و لا تفصهم كبولها ) و قیودها بل هى و ثیقة محكمة ( لا مدّة للدّار فتفنى و لا أجل للقوم فیقضى ) بل عذابها أبدىّ سرمدیّ .

قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یؤتى بالموت یوم القیامة كأنه كبش أملح فیذبح بین الجنّة و النّار ، و یقال : یا أهل الجنّة خلود بلا موت ، و یا أهل النّار خلود بلا موت .

فیا أیّها الغافل عن نفسه المغرور بما هو فیه من شواغل هذه الدّنیا المؤذنة بالزّوال و الانقضاء ، دع التّفكر فیما أنت مرتحل عنه و اصرف الفكر الى موردك و مصیرك و قد اخبرت بأنّ النار مورد للجمیع اذ قیل :

وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِیّاً ثُمَّ نُنَجِّی الَّذینَ اتَّقُوْا وَ نَذَرُ الظّالِمینَ فیها جثِیّاً .

فانت من الورود على یقین و من النّجاة فی شكّ ، فاستشعر فی قلبك هول ذلك المورد فعساك تستعدّ للنجاة منه ، و تأمّل فی حال الخلایق و قد قاسوا من دواهى القیامة ما قاسوا ، فبینما هم فی كربها و أهوالها وقوفا ینتظرون حقیقة أنبائها ، اذ أحاطت بالمجرمین ظلمات ذات شعب و أظلّت علیهم نار ذات لهب ، و سمعوا لها زفیرا و جرجرة تفصح عن شدّة الغیظ و الغضب ، فعند ذلك أیقن المجرمون بالهلاك و العطب ، و جثت الامم على الركب ، حتى اشفق البرآء من سوء المنقلب ، و خرج المنادى من الزّبانیة قائلا أین فلان بن فلان المسوّف نفسه فی الدّنیا بطول الأمل

[ 368 ]

المضیّع عمره فی سوء العمل ، فیبادرونه بمقامع من حدید ، و یستقبلونه بعظائم التّهدید و یسوقونه الى العذاب الشّدید ، و ینكسونه فی قعر الجحیم ، و یقولون له : ذق إنّك أنت العزیز الكریم .

فاسكنوا دارا ضیقة الأرجاء ، مظلمة المسالك ، مبهمة المهالك یخلد فیها الأسیر ، و یوقد فیها السعیر ، شرابهم فیها الحمیم ، و مستقرّهم الجحیم ، الزّبانیة تقمعهم ، و الهاویة تجمعهم ، أمانیهم فیها الهلاك ، و مآلهم منها فكاك ، قد شدّت أقدامهم إلى النواصی ، و اسودّت وجوههم من ظلمة المعاصى .

ینادون من أكنافها ، و یصیحون فی أطرافها ، یا مالك قد حقّ علینا الوعید یا مالك قد أثقلنا الحدید ، یا مالك قد نضجت منا الجلود ، یا مالك اخرجنا منها فانّا لا نعود ، فتقول الرّبانیة لات حین أمان ، لا خروج لكم من دار الهوان ، فاخسئوا فیها و لا تكلّمون ، و لو اخرجتم لكنتم الى ما نهیتم عنه تعودون ، فعند ذلك یقنطون و على ما فرّطوا فی جنب اللّه یتأسّفون ، و لا یغنیهم الأسف و لا ینجیهم الندّم ، اذ زلّت بهم القدم ، بل یكبّون على وجوههم مغلولین ، النار من فوقهم ، و النّار من تحتهم ، و النار عن أیمانهم ، و النّار عن شمائلهم . فهم غرقى فی النّار ، طعامهم و شرابهم نار ، و لباسهم نار ، و مهادهم نار .

فهم بین مقطعات النّیران ، و سرابیل القطران ، و ضرب المقامع ، و ثقل السّلاسل ، و هم یتجلجلون فی مضایقها ، و یتحطّمون فی دركاتها ، و یضطربون بین غواشیها ، تغلی بهم النّار كغلى القدور ، و یهتفون بالویل و العویل و الثبور ، و مهما دعوا بذلك صبّ من فوق رؤوسهم الحمیم ، یصهر به ما فی بطونهم و الجلود ، و لهم مقامع من حدید ، تهشم بها جباههم ، فیتفجّر الصّدید من أفواههم ، و تنقطع من العطش اكبادهم ، و تسیل على الخدود أحداقهم و یسقط من الوجنات لحومها ،

و یتمعّط 1 من الأطراف جلودهاد ، و كلّما نضجت جلودهم بدّلوا جلودا غیرها

-----------
( 1 ) معط الشعر من باب تعب سقط .

[ 369 ]

قد عریت من اللّحم عظامهم ، فبقیت الأرواح منوطة بالعروق و علایق العصب ، و هى تنش فی نفخ تلك النیران و هم مع ذلك یتمنّون الموت فلا یموتون .

فكیف بك لو نظرت الیهم و قد اسودّت و جوههم أشدّ سوادا من الحمیم ،

و اعمیت ابصارهم ، و ابكمت ألسنتهم ، و قصمت ظهورهم ، و كسرت عظامهم . و جدعت آذانهم ، و مزّقت جلودهم ، و غلّت أیدیهم إلى أعناقهم ، و جمع بین نواصیهم و أقدامهم و هم یمشون على النار بوجوههم و یطؤن حسك الحدید بأحداقهم ، فلهیب النار سار فی بواطن أجزائهم ، و حیّات الهاویة و عقاربها متشبّثة بظواهر أعضائهم .

قال أبو الدّردا : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یلقى على أهل النّار الجوع حتّى یعدل ما هم فیه من العذاب ، فیستغیثون بالطعام فیغاثون بطعام من ضریع لا یسمن و لا یغنى من جوع ، و یستغیثون بالطعام فیغاثون بطعام ذى غصّة فیذكرون انّهم كانوا یجیزون « یجرعون » الغصص فی الدّنیا فیستغیثون بشراب فیرفع الیهم الحمیم بكلالیب الحدید فاذ ادنت من وجوههم شوت وجوههم ، فاذا دخل الشراب بطونهم قطع ما فی بطونهم فیقولون : ادعوا اخزنة جهنم ، قال : فیدعون فیقولون : ادعوا ربّكم یخفّف عنّا یوما من العذاب ، و یقولون أولم تك تأتیكم رسلكم بالبیّنات قالوا بلى قالوا فادعوا و ما دعاء الكافرین إلاّ فی ضلال ، قال فیقولون ادعوا مالكا ، فیدعون ، فیقولون : یا مالك لیقض علینا ربّك ، قال فیجیبهم إنّكم ما كثون .

قال الاعمش انبئت أنّ بین دعائهم و بین اجابة مالك إیّاهم ألف عام قال :

فیقولون : ادعوا ربّكم ، فلا أحد خیر من ربّكم فیقولون :

رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَیْنا شِقْوَتُنا وَ كُنّا قَوْماً ضالِّینَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ .

قال : فیجیبهم : اخسؤوا فیها و لا تكلّمون ، قال : فعند ذلك یئسوا من كلّ خیر ،

و عند ذلك اخذوا فی الزّفیر و الحسرة و الویل .

و عن زید بن أسلم فی قوله تعالى :

[ 370 ]

سَوآءٌ عَلَیْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحیصٍ .

قال صبروا مأة سنة ثمّ جزعوا مأة سنة ثمّ صبروا مأة سنة ثمّ قالوا سواء علینا أجزعنا أم صبرنا .

و قال محمّد بن كعب : لأهل النار خمس دعوات یجیبهم اللّه عزّ و جلّ فی أربعة فاذا كانت الخامسة لم یتكلّموا بعدها أبدا یقولون :

رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَینِ وَ أَحْیَیْتَنَا اثْنَتَین فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى‏ خُرُوجٍ مِنْ سَبیلٍ فیقول اللّه تعالى مجیبا لهم : ذلِكُمْ بأَنَّهُ إِذا دُعِیَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَ إِنْ یُشْرَكَ بِه‏ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلیِّ الْكَبیرِ ثمَّ یقولون : رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً فیجیبهم اللّه تعالى : أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ فیقولون :

رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَیرَ الَّذی كُنّا نَعْمَلْ فیجیبهم اللّه تعالى :

أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما یَتَذَكَّرُ فیهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَ جائَكُمُ النَّذیرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمینَ مِنْ نَصیرٍ ثمّ یقولون : رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَیْنا شِقْوَتُنا وَ كُنّا قَوْماً ضالِّینَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ فیجیبهم اللّه تعالى إِخْسَئُوا فیها وَ لا تُكَلِّمُونَ .

فلا یتكلّمون بعدها أبدا ، و ذلك غایة شدّة العذاب ، و هذه بعض أحوال أهل النّار اجمالا ، و أمّا تفصیل غمومها و أحزانها و محنها و حسراتها فلا نهایة لها ، فالعجب

[ 371 ]

كلّ العجب لی و لأمثالی نضحك و نلهو و نشتغل بمحقرات الدّنیا و قیناتها ، و لا ندرى أنحن من أهل الجنّة و فیها منعّمون ، أم من أهل النّار و فیها معذّبون ، و كیف لنا بالجنّة مع شرور أنفسنا و غرورها ، و لا رجاء بل لا طمع إلاّ برحمة الغفّار و شفاعة الشّفعاء الأطهار نعوذ باللّه من النّار و من غضب الجبّار .

الترجمة

تا اینكه زمانى كه برسد مكتوب در حقّ بندگان بنهایة خود ، و امورات مقدّره بغایة خود ، و لا حق گردانیده شود آخر مردمان بأوّل ایشان ، و بیاید از فرمان خداى متعال آنچه اراده كرده باشد آنرا از تازه كردن خلق خود ، بحركت بیاورد آسمان را ، و بشكافد آنرا ، و حركت دهد زمین را ، و بجنباند آنرا ، و بركند كوههاى زمین را ، و پراكنده گرداند أجزاى آنها را مثل ریك ، و بكوبد بعضى از آنها بعضى را از هیبة جلال پروردگار ، و ترس سطوت خداوند قهّار ، و بیرون بیاورد هر كس كه باشد در بطن زمین ، پس تجدید نماید ایشانرا بعد از كهنه بودن ایشان ، و جمع كند ایشانرا بعد از پراكنده نمودن ایشان ، بعد از آن تمیز میدهد در ما بین ایشان از براى آنچه كه اراده نموده باشد از نوال كردن از عملهاى نهان و فعلهاى پنهان ، و بگرداند ایشان را دو فرقه انعام بفرماید بر اینفرقه و انتقام بكشد از آن فرقه .

پس أما أهل طاعت و صلاح پس جزا میدهد ایشان را بجوار رحمت خود و جاوید گرداند ایشانرا در سراى خود ، در مكانى كه كوچ نكند فرود آیندگان و متغیر نشود بایشان احوال ، و نرسد بایشان خوفها ، در نیاید بایشان ناخوشیها ،

و عارض نمیشود بایشان خطرها ، و از جاى بجائى نفرستد ایشان را .

و أمّا أهل معصیت و شقاوت پس نازل میكند ایشانرا در بدترین سرا ، و ببندد دستهاى ایشان را بسوى گردنها ، و پیوست گرداند پیشانى ایشان را بقدمها ،

و بپوشاند برایشان پیراهنهاى قطران جامهاى آتش سوزان ، در عذابى كه سخت

[ 372 ]

باشد گرمى آن ، و در میان دریكه بهم آورده باشد بروى أهل آن ، در آتشى كه باشد او را شدّة و صدا و زبانه بلند شده و او را سخت ترساننده كه كوچ نكند اقامة كننده در آن ، و فدیه گرفته نشود از اسیران ، و شكسته نشود قیدهاى آن ،

مدّت و نهایت نباشد آن سرا را تا فانى شود ، و وقت معیّنى نباشد آن قوم را تا بآخر برسد .

الفصل الرابع

منها فى ذكر النبى صلى الله علیه و آله قد حقّر الدّنیا و صغّرها ، و أهونها و هوّنها ، و علم أنّ اللّه زویها عنه اختیارا ، و بسطها لغیره احتقارا ، فأعرض عنها بقلبه ، و أمات ذكرها عن نفسه ، و أحبّ أن تغیب زینتها عن عینه ، لكیلا یتّخذ منها ریاشا ، أو یرجو فیها مقاما ، بلّغ عن ربّه معذرا ، و نصح لامّته منذرا ، و دعا إلى الجنّة مبشّرا ، نحن شجرة النّبوة ، و محطّ الرّسالة ،

و مختلف الملائكة ، و معادن العلم ، و ینابیع الحكم ، ناصرنا و محبّنا ینتظر الرّحمة ، و عدوّنا و مبغضنا ینتظر السّطوة .

اللغة

( هان ) الشی‏ء هونا و هوانا ذلّ و حقر فهو هیّن بالتّشدید و هین بالسّكون و یتعدّى بالهمزة فیقال أهنته و بالتّضعیف فیقال هوّنته أى أذللته و فی بعض النّسخ أهون بها بدل أهونها أى لم یعتدّ بها و لم تكن عزیزة علیه و ( زواه ) زیّا و زویّما نحاه

[ 373 ]

و زوى المال عن صاحبه طواه و ( الرّیش ) و الرّیاش واحد و هو ما ظهر من اللّباس الفاخر و ( السّطوة ) القهر و الذلّة .

الاعراب

اختیارا منصوب بنزع الخافض و یحتمل الحال من فاعل زوى أو من ضمیر عنه على تاویله بالمشتق أى مختارا ، و احتقارا إما منصوب على المفعول له أو حال من فاعل بسط على التأویل بالمشتق أیضا و معذرا و منذرا و مبشّرا منصوبات على الحال

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه علیه السّلام متضمّن لأمرین : أحدهما وصف زهد النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و فیه تعریض على ذمّ الدّنیا و زخارفها ، و الثانی افتخاره و مباهاته علیه السّلام بكمالاته النفسانیّة و اختصاصه الخاصّ الذى كان له برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم المستلزم سبقه على غیره و تقدّمه على الكلّ .

اما الامر الاول

فهو ما أفصح عنه بقوله علیه السّلام ( قد حقّر الدّنیا و صغّرها ) التشدید للتكثیر فیقتضى زیادة تحقیره و تصغیره صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و هو أبلغ فی الثناء علیه ( و أهونها و هوّنها ) أى عدّها هیّنة ذلیلة فی نظره و لم یعتدّ بها ( و علم أنّ اللّه زویها ) أى صرفها و طویها ( عنه اختیارا ) أى مختارا بصیغة الفاعل و باختیار منه سبحانه زویها و حقّه أو اختیار منه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ذلك لنفسه و رضاه ( و بسطها لغیره احتقارا ) أى محتقرا بالكسر أو لحقارتها عنده سبحانه .

و یشهد بذلك كلّه ما رواه فی الكافی باسناده عن عبد اللّه بن القاسم عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : إذا أراد اللّه بعبد خیرا زهّده فی الدّنیا و فقّهه فی الدّین و بصّر عیوبها و من اوتیهنّ فقد اوتى خیر الدّنیا و الآخرة .

و عن عبد اللّه بن سنان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : خرج النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و هو محزون فأتاه ملك و معه مفاتیح خزائن الأرض فقال یا محمّد هذه مفاتیح خزائن الأرض

[ 374 ]

یقول لك ربّك افتح و خذمنها ما شئت من غیر أن ینقص شیئا عندى ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الدّنیا دار من لا دار له و لها یجمع من لا عقل له ، فقال الملك و الذی بعثك بالحقّ لقد سمعت هذا الكلام من ملك یقوله فی السّماء الرابعة حین اعطیت المفاتیح .

و عن جمیل بن دراج عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : مرّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بجدى أسك ملقى على مزبلة میّتا فقال لأصحابه : كم یساوى هذا ؟ فقالوا : لعله لو كان حیّا لم یساو درهما ، فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : و الذی نفسی بیده الدّنیا أهون على اللّه من هذا الجدى على أهله .

و فی احیاء العلوم للغزالی قال : قال نبیّنا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّ ربّی عزّ و جلّ عرض علىّ أن یجعل لی بطحاء مكة ذهبا فقلت : لا یا ربّ أجوع یوما و أشبع یوما ، فأمّا الیوم الذی أجوع فیه فأتضرّع الیك و أدعوك ، و أمّا الیوم الذی أشبع فیه فأحمدك و اثنى علیك .

و یأتی انشاء اللّه فی فصول الخطبة المأة و السّابعة و الخمسین أخبار اخر مناسبة للمقام .

( فأعرض عنها بقلبه و أمات ذكرها عن نفسه و أحبّ أن تغیب زینتها عن عینه ) قال الغزالی : روى أنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مرّ فی أصحابه بعشار من النوق حصل و هى الحوامل و كانت من أحبّ أموالهم الیهم و أنفسها عندهم ، لأنها تجمع الظهر و اللّحم و اللّبن و الوبر ، و لعظمها فی قلوبهم قال اللّه تعالى : و إذا العشار عطّلت ، قال :

فأعرض عنها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أغمض بصره ، فقیل له : یا رسول اللّه هذه أنفس أموالنا لم لا تنظر إلیها ؟ فقال : قد نهانی اللّه عن ذلك ثمّ تلا قوله تعالى :

وَ لا تَمُدَّنَّ عَیْنَیْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِه‏ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَیوةِ الدُّنْیا الآیة .

( كیلا یتّخذ منها ریاشا ) أى لباسا فاخرا ( أو یرجو فیها مقاما ) أى اقامة مع الایمان و الاسلام و الشرایع و الأحكام ( بلّغ عن ربّه معذرا ) أى مزیلا للعذر عن

[ 375 ]

النّاس لئلاّ یكون للنّاس على اللّه حجّة و لیهلك من هلك عن بیّنة و یحیى من حىّ عن بیّنة و لئلاّ یقولوا یوم القیامة انّا كنّا عن هذا غافلین ( و نصح لأمّته منذرا ) لهم عن ألیم العذاب و شدید العقاب ( و دعا إلى الجنّة مبشرا ) بجزیل الثّواب و حسن المآب .

و أما الامر الثانى

فهو قوله ( نحن شجرة النبوّة ) أراد به رسول اللّه و نفسه الشریف و زوجته الصّدیقة و أولاده الطّیبین الطّاهرین سلام اللّه علیهم أجمعین و به فسّر قوله سبحانه : كشجرة طیّبة أصلها ثابت و فرعها فی السّماء الآیة ، و قد مضى توضیحه فی شرح الكلام السّادس و السّتین ، و شرح الخطبة الثّالثة و التّسعین فتذكّر .

( و محطّ الرّسالة ) لم یرد بذلك أنهم علیهم السّلام جمیعا رسل اللّه جعلهم محالّ الرّسالة و موضعها كما توهّمه بعض الغلاة و زعموا أنّ الأئمة یوحى الیهم كالنبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قد كذبوا لعنهم اللّه و انما هم محدثون مفهمون ، بل المراد به أنّ قبیلتهم محلّ نزول الرسالة أو نزلت فی بیتهم ، أو أنّ رسول اللّه مرسل من عند اللّه و جمیع ما أرسله به و وصل إلیه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقد وصل الیه سلام اللّه علیه و أولاده الطّاهرین فهم موضع الرّسالة و محطّها بهذا المعنى .

و یشهد بذلك ما فی الكافی باسناده عن حمران بن أعین عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : إنّ جبرئیل أتى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم برمّانتین فأكل رسول اللّه إحداهما و كسر الاخرى بنصفین فأكل نصفا و أطعم علیا نصفا ، ثمّ قال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یا أخى هل تدرى ما هاتان الرّمانتان ؟ قال : لا ، قال : أمّا الاولى فالنبوّة لیس لك فیها نصیب ، و أمّا الاخرى فالعلم فأنت شریكى فیه ، فقلت : أصلحك اللّه كیف یكون شریكه فیه ؟ قال : لم یعلم اللّه محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم علما إلاّ و أمره أن یعلّمه علیّا و عن محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر علیه السّلام یقول ، نزل جبرئیل علیه السّلام على محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم برمّانتین من الجنّة فلقاه علیّ علیه السّلام فقال : ما هاتان الرّمانتان اللتان فی یدیك ؟ فقال : أمّا هذه فالنبوّة لیس لك فیها نصیب ، و أمّا هذه فالعلم ،

[ 376 ]

ثمّ فلقها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بنصفین فأعطاه نصفها و أخذ رسول اللّه نصفها ثمّ قال : أنت شریكى فیه و أنا شریكك فیه و قال علیه السّلام فلم یعلم و اللّه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حرفا مما علّمه اللّه إلاّ و قد علّمه علیا علیه السّلام ، ثمّ انتهى العلم إلینا ثمّ وضع یده على صدره و بالجملة فالمراد أنّهم مخزن علم الرسالة و أسرارها ( و مختلف الملائكة ) أى محلّ اختلافهم و تردّدهم و مجیئهم و ذهابهم مرّة بعد اخرى ، أما رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فظاهر ، و أما الأئمة علیهم السّلام فلأنّهم ینزلون الیهم مرّة بعد اولى و طائفة بعد اخرى لزیارتهم و التشرّف بهم و إنزال الأخبار الیهم .

و یدلّ علیه ما فی الكافی باسناده عن مسمع كردین البصرى قال : كنت لا أزید على اكلة باللّیل و النّهار فربّما استأذنت على أبی عبد اللّه و أجد المائدة قد رفعت لعلّى لا أراها بین یدیه فاذا دخلت دعابها فاصیب معه من الطعام و لا أتأذّى بذلك و اذا عقبت بالطعام عند غیره لم أقدر على أن أقرّ و لم أنم من النفخة ، فشكوت ذلك إلیه علیه السّلام و أخبرته بأنّى اذا أكلت عنده لم أتأذّبه ، فقال : یا با سیّار إنّك تأكل طعام قوم صالحین تصافحهم الملائكة على فرشهم ، قال : قلت : و یظهرون لكم قال ، فمسح یده على بعض صبیانه فقال : هم ألطف بصبیاننا منّا بهم .

و عن الحسین بن أبی العلا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال یا حسین و ضرب بیده إلى مساور فی البیت : مساور طال ما اتّكت علیها الملائكة و ربّما التقطنا من زغبها و المساور جمع المسورة و هو المتّكاء ، و الزّغب محرّكة صغار الریش و لینه .

و فیه عن أبی حمزة الثمالی قال : دخلت على علیّ بن الحسین علیهما السّلام فاحتبست فی الدار ساعة ثمّ دخلت البیت و هو یلتقط شیئا و أدخل یده من ورآء الستر فناوله من كان فی البیت ، فقلت : جعلت فداك هذا الذی أراك تلتقطه أىّ شی‏ء هو ؟ فقال :

فضلة من زغب الملائكة نجمعه إذا خلونا نجعله سبحا لأولادنا ، فقلت جعلت فداك و انّهم لیأتونكم ؟ فقال : یا با حمزة انّهم لیزاحمونا على تكائتنا و السبح بالباء الموحدة النّوم و السّكون ، و فی بعض النّسخ سیحا بالیاء المثناة التحتانیّة و هو الكساء المخطط ، و فی البحار عن بصائر الدّرجات سحابا بدله

[ 377 ]

و هو ككتاب خیط ینظم فیه خرز و یلبسه الصبیان و الجوارى ، و التّكأة كهمزة ما یتّكا علیه .

و فی الكافی أیضا عن علیّ بن أبی حمزة عن أبی الحسن قال : سمعته یقول :

ما من ملك یهبطه اللّه فی أمر ما یهبطه إلاّ بدء بالامام فعرض ذلك علیه ، و أنّ مختلف الملائكة من عند اللّه تبارك و تعالى إلى صاحب هذا الأمر .

و فی البحار من بصائر الدرجات عن أحمد عن الحسین عن الحسن بن برة الأصم عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : سمعته یقول : إنّ الملائكة لتنزل علینا فی رحالنا و تنقلب على فرشنا و تحضر موائدنا و تأتینا من كلّ نبات فی زمانه رطب و یابس ،

و تقلب أجنحتها على صبیاننا ، و تمنع الدّواب أن تصل الینا و یأتینا فی وقت كلّ صلاة لتصلّیها معنا ، و ما من یوم یأتی علینا و لا لیل إلاّ و أخبار أهل الأرض عندنا ،

و ما یحدث فیها ، و ما من ملك یموت فی الأرض و یقوم غیره إلاّ و تأتینا بخبره ، و كیف كان سیرته فی الدّنیا .

و الأخبار فی هذا المعنى كثیرة ، و فی ما ذكرناه كفایة ، و قد عقد العلاّمة المجلسی ( ره ) فی المجلد السابع من البحار بابا فی أنّ الملائكة تأتیهم وتطاء فرشهم و أنهم یرونهم صلوات اللّه علیهم أجمعین .

( و معادن العلم ) أى مستقرّه و محلّه و قد مضى بیان ذلك فی التذییل الثالث من الفصل السابع عشر من فصول الخطبة الاولى ، و فی شرح الفصل الرّابع من فصول الخطبة الثانیة .

( و ینابیع الحكم ) أى منهم علیهم السّلام یخرج الأحكام إلى العباد یجرى إلى الموادّ القابلة على حسب الاستعداد حسبما یجرى المیاه من مجاریها و منابعها فتربط الجاش و تسقى العطاش كما یروّى الماء للغلیل و یقوى للعلیل ، و المراد بالحكم إمّا الأحكام الشرعیة أو فصل الخطاب أعنى القضاء و قطع الخصومات بالصّواب فی كلّ باب على ما مضى تحقیقه و تفصیله فی شرح الفصل الرّابع من فصول الخطبة الثانیة ، و شرح الفصل الثانی من فصول الخطبة الثالثة هذا .

[ 378 ]

و یحتمل أن یراد بالحكم الحكمة كما فسّربه قوله سبحانه : و آتیناه الحكم صبیّا ، قال الباقر علیه السّلام فی روایة الكافی : مات زكریّا فورثه ابنه یحیى الكتاب و الحكمة و هو صبىّ صغیر ، ثمّ تلى هذه الآیة و یؤیّد هذا الاحتمال ما فی بعض النّسخ من ضبط الحكم بكسر الحاء و فتح الكاف و هو جمع الحكمة و الحكمة هو الفهم و العقل و به فسّره الكاظم علیه السّلام فی قوله سبحانه : و لقد آتینا لقمان الحكمة و فی مجمع البیان أى أعطیناه العقل و العلم و العمل به و الاصابة فی الامور ، و كیف كان فلا غبار على كون الأئمة متّصفین بالحكم بأىّ معنى یراد ، و هم الحاكمون بین العباد بالحقّ و الصّواب و السّداد .

ثمّ اعلم أنّ الشّارح المعتزلی قد أورد فی شرح المقام بعض الأخبار الدالّة على غزارة علم أمیر المؤمنین علیه السّلام و قال بعد ذلك : و بالجملة فحاله علیه السّلام فی العلم رفیعة جدا لم یلحقه أحد فیها و لا قاربه و حقّ له أن یصف نفسه بأنه معادن العلم و ینابیع الحكم فلا أحد أحقّ به منها بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

أقول : و بعد الاعتراف بسبقه على غیره فی العلم و الحكم و أنّه لم یدانیه فی ذلك أحد و لم یقاربه فیه ، كیف یجوز أن یقدّم غیره علیه و یؤتمّ به دونه قُلْ هُوَ یَسْتَوِی الَّذینَ یَعْلَمُونَ وَ الَّذینَ لا یَعْلَمُونَ إِنَّما یَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبابِ وَ ما یَسْتَوِی الْأَعْمى‏ وَ الْبَصیرُ وَ لا الظُّلُماتُ وَ لاَ النُّورُ وَ لاَ الظِّلُّ وَ لاَ الْحرُورُ وَ ما یَسْتَوِی الْأَحْیاءُ وَ لاَ الْأمْواتُ إِنَّ اللَّهَ یُسْمِعُ مَنْ یَشآءُ وَ ما أَنْتَ بِمُسْمع مَنْ فی الْقُبُورِ .

ثمّ إنّه لما أشار إلى بعض فضائله و مناقبه الجمیلة عقّب ذلك بذكر ما لعلّه هو الغرض الأصلى من ذكر هذه المناقب و هو الحثّ و الترغیب فی نصرته ببشرى ناصریه بالثّواب ، و التحذیر و التنفیر عن عداوته بانذار مبغضیه من العقاب و هو قوله :

( ناصرنا و محبّنا ینتظر الرّحمة و عدوّنا و مبغضنا ینتظر السّطوة ) لما كان

[ 379 ]

نزول الرّحمة فی حقّ ناصریه و السّخط و العقوبة فی حقّ معاندیه معلوما محقق الوقوع لا محالة ، جعل كلا من الفریقین بمنزلة المنتظرین لما یستحقّه من الأمرین كمن أیقن بشى‏ء فانتظره و إلاّ فلا انتظار للمعاندین حقیقة و أمّا المحبّون و الأنصار فلهم الانتظار حقیقة برحمة اللّه الغفّار و شفاعة الشفعاء الأطهار سلام اللّه علیهم ما تعاقب اللّیل و النّهار .

و یدلّ على ما ذكر ما فی البحار من أمالی الشیخ باسناد أخى دعبل عن الرّضا عن آبائه علیهم السّلام أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی « قرء ظ » الآیة : لا یستوى أصحاب النّار و أصحاب الجنّة ، أصحاب الجنّة هم الفائزون . فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أصحاب الجنّة من أطاعنی و سلّم لعلیّ بن أبی طالب بعدى و أقرّ بولایته ، فقیل و أصحاب النّار قال من سخط الولایة و نقض العهد و قاتله بعدى .

و من امالی الصّدوق باسناده عن عباد الكلبیّ عن جعفر بن محمّد عن أبیه عن علیّ بن الحسین عن فاطمة الصغرى عن الحسین بن علیّ عن امّه فاطمة بنت محمّد صلوات اللّه علیهم قالت خرج علینا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عشیّة عرفة فقال : إنّ اللّه تبارك تعالى باهى بكم و غفر لكم عامّة و لعلىّ خاصّة ، و إنّى رسول اللّه إلیكم غیر محاب 1 لقرابتی ، هذا جبرئیل یخبرنی أنّ السّعید كلّ السّعید حقّ السّعید من أحبّ علیّا فی حیاته و بعد موته ، و أنّ الشقىّ كلّ الشقیّ حقّ الشّقی من أبغض علیّا فی حیاته و بعد وفاته .

و من العیون باسناده عن الرّضا علیه السّلام قال : قال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لعلیّ علیه السّلام من أحبّك كان مع النّبیّین فی درجتهم یوم القیامة ، و من مات و هو یبغضك فلا یبالی مات یهودیا او نصرانیا .

و الأخبار فی هذا المعنى كثیرة جدا و قد تقدّم فی التذنیب الثّالث من تذنیبات الفصل الرّابع من فصول الخطبة الاولى روایات مناسبة للمقام .

-----------
( 1 ) غیر محاب بتخفیف الباء أى لا أقول فیهم ما لا یستحقونه محاباة لهم و المحاباة المیل و المحبة

[ 380 ]

الترجمة

بعض دیگر از این خطبه در ذكر حضرت رسالتمآب و وصف زهد آنجناب است كه فرموده :

بتحقیق كه حقیر شمرد و كوچك گردانید آن بزرگوار دنیاى غدّار را در نظر خود ، و اعتنا نفرمود بآن و خوار نمود آن را در نزد خود ، و دانست بعلم یقین كه خداوند سبحانه دور نمود و پیچیده كرد دنیا را از او از جهة برگزیدن او سبحانه دورى آن را در حق او ، و بسط كرد آن را در حق غیر او از براى خوار داشتن آن پس اعراض نمود رسول مختار از دنیا بقلب خود ، و میرانید یاد دنیا را از نفس خود و دوست داشت آنكه غایب شود زینت دنیا از چشم او تا اینكه أخذ ننماید از زینت آن لباس فاخر یا اینكه امید بدارد در آن اقامة و آسایش را تبلیغ نمود از جانب پروردگار شریعت و أحكام را در حالتی كه زایل كننده بود عذر را از خلقان و نصیحت فرمود بامت خود در حالتیكه ترساننده بود ایشان را ، و دعوت كرد بسوى بهشت در حالتیكه بشارت دهنده بود بمزدمان .

ما درخت نبوّت هستیم و موضع نزول رسالت میباشیم ، و محلّ تردّد فرشتگان و معدنهاى علم و عرفان و سرچشمه‏هاى أحكام ، نصرت كننده و دوست دارنده ما منتظر میباشد رحمت پروردگار را ، و خصم و دشمن دارنده ما منتظر میباشد قهر و سطوت كردگار را .





نظرات() 


valoriemcaloon.weebly.com
یکشنبه 15 مرداد 1396 03:41 ب.ظ
Hello there! This is my 1st comment here so I just wanted to give a quick
shout out and tell you I genuinely enjoy reading through your blog posts.
Can you recommend any other blogs/websites/forums that deal with the
same topics? Thanks a lot!
Foot Issues
جمعه 13 مرداد 1396 08:16 ب.ظ
Oh my goodness! Impressive article dude! Thanks, However I
am going through troubles with your RSS. I don't know why I can't subscribe to it.

Is there anybody else getting the same RSS problems? Anyone who knows the answer can you
kindly respond? Thanks!!
janettemareno.jimdo.com
شنبه 31 تیر 1396 07:51 ق.ظ
Wow, amazing weblog structure! How long have you been running a blog for?
you made running a blog glance easy. The whole glance of your site is wonderful, as
smartly as the content!
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox