تبلیغات
پیام هادی - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
سه شنبه 6 مهر 1389-12:22 ق.ظ

[ 306 ]

و من خطبة له علیه السّلام و هى المأة و الثامنة من المختار فی باب الخطب

و شرحها فى ضمن فصول :

الفصل الاول

كلّ شی‏ء خاضع له ، و كلّ شی‏ء قائم به ، غنى كلّ فقیر ، و عزّ كلّ ذلیل ، و قوّة كلّ ضعیف ، و مفزع كلّ ملهوف ، من تكلّم سمع نطقه ، و من سكت علم سرّه ، و من عاش فعلیه رزقه ، و من مات فإلیه منقلبه ، لم ترك العیون فتخبر عنك ، بل كنت قبل الواصفین من خلقك ، لم تخلق الخلق لوحشة ، و لا استعملتهم لمنفعة ،

و لا یسبقك من طلبت ، و لا یفلتك من أخذت ، و لا ینقص سلطانك من عصاك ، و لا یزید فی ملكك من أطاعك ، و لا یردّ أمرك من سخط قضآئك ، و لا تستغنى عنك من توّلى عن أمرك ، كلّ سرّ عندك علانیة و كلّ غیب عندك شهادة ، أنت الأبد لا أمد لك ، و أنت المنتهى لا محیص عنك ، و أنت الموعد لا منجا منك إلاّ إلیك ، بیدك ناصیة كلّ دآبّة ، و إلیك مصیر كلّ نسمة ، سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك ، و ما أصغر عظمه فی جنب قدرتك ، و ما أهول ما نرى من

[ 307 ]

ملكوتك ، و ما أحقر ذلك فى ما غاب عنّا من سلطانك ، و ما أسبغ نعمك فی الدّنیا ، و ما أصغرها فی نعم الآخرة .

منها : من ملائكة أسكنتهم سمواتك ، و رفعتهم عن أرضك ، هم أعلم خلقك بك ، و أخوفهم لك ، و أقربهم منك ، لم یسكنوا الأصلاب ، و لم یضمّنوا الأرحام ، و لم یخلقوا من ماء مهین ، و لم یشعّبهم ریب المنون ، و إنّهم على مكانهم منك ، و منزلتهم عندك و استجماع أهوائهم فیك ، و كثرة طاعتهم لك ، و قلّة غفلتهم عن أمرك ، لو عاینوا كنه ما خفی علیهم منك ، لحقّروا أعمالهم ، و لزروا على أنفسهم ، و لعرفوا أنّهم لم یعبدوك حقّ عبادتك ، و لم یطیعوك حقّ طاعتك .

اللغة

( لهف ) لهفا من باب فرح حزن و تحسّر ، و اللّهوف و اللّهیف و اللّهفان و اللاّهف المظلوم المضطرّ یستغیث و یتحسّر و ( أفلت ) الطائر و غیره إفلاتا تخلّص و أفلتّه اذا أطلقته و خلّصته یستعمل لازما و متعدّیا ، و فلت فلتا من باب ضرب لغة و فلته أنا یستعمل أیضا لازما و متعدّیا .

و ( الناصیة ) الشعر المسترسل فی مقدّم الراس أى شعر الجبهة و قال الأزهریّ منبت الشعر و اطلاقها على الشعر مجاز من باب تسمیة الحالّ باسم المحلّ و ( ماء مهین ) أى ضعیف حقیر و هى النطفة و ( انشعبت ) أغصان الشجرة و تشعّبت تفرّقت و ( المنون ) الدّهر من مننت الشی‏ء قطعته ، لأنه یقطع الأعمار و ( زرى ) علیه زریا من باب رمى

[ 308 ]

و زریة و زرایة بالكسر عابه و استهزء به قال أبو عمر الشیبانی : الرّاری على الانسان هو الذی ینكر علیه و لا یعدّه شیئا .

الاعراب

قوله : لم ترك العیون فتخبر عنك ، فی بعض النسخ تخبر بالنصب و هو الأظهر و فی بعضها بالجزم ، و الأوّل مبنىّ على كونه منصوبا بان مضمرة وجوبا بعد الفاء السببیّة المسبوقة بالنفى ، و الثانى مبنىّ على جعل الفاء لمجرّد عطف ما بعدها على ما قبلها ، فیكون ما بعدها شریكا لما قبلها فی الاعراب .

قال فی التصریح : و لك فی نحو ما تأتینی فاكرمك أن تقدّر الفاء لمجرّد عطف لفظ الفعل على لفظ ما قبلها فیكون شریكه فی اعرابه فیجب هنا الرّفع لأنّ الفعل الذی قبلها مرفوع و المعطوف شریك المعطوف علیه و كأنّك قلت ما تأتینی فما اكرمك فهو شریكه فى النفى الداخل علیه .

و إن تقدّر الفاء أیضا لعطف مصدر الفعل الذى بعدها على المصدر المؤل ممّا قبلها ، و لكن یقدّر النفى منصبّا على المعطوف علیه و ینتفى المعطوف لأنه مسبّب عنه و قد انتفى ، و المعنى ما یكون منك اتیان فكیف یكون منّى إكرام .

و قوله علیه السّلام : لا یفلتك ، من باب الحذف و الایصال أى لا یفلت منك على حدّ قوله :

استغفر اللّه ذنبا لست محصیه
ربّ العباد الیه الوجه و العمل

أى من ذنب ، و قوله : سبحانك ما اعظم ما نرى ، سبحانك منصوب على المصدر و عامله محذوف وجوبا ، أى أسبّح سبحانا فحذف الفعل لسدّ المصدر مسدّه و تبعه اللاّم أیضا فی الحذف تخفیفا فاضیف المصدر إلى كاف الخطاب ، و هذه اللفظة واردة فی هذا المقام للتعجّب كما فی قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی روایة أبی هریرة : سبحان اللّه إنّ المؤمن لا ینجس ، صرّح به فی التوضیح ، و معنى التعجّب انفعال یعرض للنّفس عند الشعور بأمر یخفى سببه ، و لهذا قیل : إذا ظهر السّبب بطل العجب ، و یشترط أن یكون المتعجّب منه عادم النظیر أو قلیل النّظایر ، فما یكثر نظائره فی الوجود لا یستعظم

[ 309 ]

فلا یتعجّب منه .

قوله علیه السّلام ما اعظم ما نرى ، تأكید للتعجّب ، فانّ ما فی ما أعظم تعجّبة أیضا و ماء الثانیة موصولة ، و قد طال التشاجر بین علماء الأدبیّة فی ماء التّعجب و صیغة أفعل بعدها بعد اتفاقهم على اسمیتها و كونها مبتدء ، فالمحكىّ عن سیبویه و جمهور البصرییّن أنّها نكرة تامّة بمعنى شی‏ء و ابتدء بها على نكارتها لتضمّنها معنى التّعجب .

قال الرّضیّ ( ره ) : فانّ التعجّب كما ذكرنا إنّما یكون فیما یجهل سببه فالتنكیر یناسب معنى التعجّب ، فكان معنى ما أحسن زیدا ، فی الأصل شی‏ء من الأشیاء لا أعرفه جعل زیدا حسنا ، ثمّ انتقل إلى إنشاء التعجّب و انمحى عنه معنى الجعل فجاز استعماله فی التعجّب عن شی‏ء یستحیل كونه جعل جاعل ، نحو ما أقدر اللّه و ما أعلمه ، و ذلك لأنه اقتصر من اللفظ على ثمرته و هى التعجّب من الشی‏ء سواء كان مجعولا و له سبب أولا ، فما مبتداء و افعل فعل ماض خبره و فیه ضمیر راجع إلى ما هو فاعله و المنصوب بعده مفعوله ، فعلى ذلك یكون فتحة أفعل فتحة بناء فاعراب ما أحسن زیدا مثل اعراب زید ضرب عمرا حرفا بحرف . 1 و قال الأخفش فی أحد قوله إنّ ما موصولة بمعنى الذی و ما بعدها من الجملة الفعلیة صلة لها لا محلّ لها من الاعراب ، أو نكرة موصوفة بمعنى شی‏ء و ما بعدها صفة لها ، فمحلّها رفع تبعا لمحلّ ما ، و على التقدیرین فالخبر محذوف وجوبا أى الذی أحسن زیدا أو شی‏ء أحسن زیدا موجود أو شی‏ء عظیم .

و استبعدوه بأنّ فیه التزام وجوب حذف الخبر مع عدم ما یسدّ مسدّه ، و بأنه لیس فیه معنى الابهام اللاّیق بالتعجّب ، و أیضا إذا تضمّن الكلام افهاما و ابهاما فالمعتاد تقدّم الابهام ، و فیما ذكره یكون الأمر بخلاف ذلك إذ فیه تقدیم الافهام بالصّلة أو الصفة و تأخیر الابهام بالتزام حذف الخبر .

-----------
( 1 ) و مذهب السیبویه ضعیف من وجه و هو أنّ استعمال ماء نكرة غیر موصوفة نادر نحو فنعماهى على قول و لم یسمع مع ذلك مبتداء ، شرح الرضى

[ 310 ]

و ذهب الفرّاء و ابن درستویه و ربما عزّى إلى الكوفیّین إلى أنّ ما استفهامیة ما بعدها خبرها .

قال نجم الأئمة و هو قوىّ من حیث المعنى ، لأنّه كان جهل سبب حسنه فاستفهم عنه ، و قد یستفاد من الاستفهام معنى التعجّب نحو : ما أدراك ما یوم الدّین و أتدرى من هو ، و للّه درّه أىّ رجل كان قال و للّه غنیّا خیرا أیّما فتى .

و ربما یضعف بأنّ فیه نقل من الاستفهام إلى التعجّب و النقل من انشاء إلى انشاء مما لم یثبت ، هذا .

و بقى الكلام فی أفعل و قد ظهر من كلام البصریّین أنه فعل ماض و فتحته فتحة بناء للزومه مع یاء المتكلم نون الوقایة نحو ما أفقرنى إلى رحمة اللّه و ما أحوجنى الیها ، و قال الكوفیّون غیر الكسائی 1 إنه اسم و فتحته فتحة اعراب كفتحة عندك فی زید عندك ، و یؤید قولهم تصغیرهم ایاه 2 فی نحو ما احیسنه و ما امیلحه قال الشاعر :

یا ما امیلح غزلانا شددن لنا

و اعتذروا عن فتحة الخبر بأنّ مخالفة الخبر للمبتداء تقتضى نصبه و أحسن إنّما هو فی المعنى وصف لزید لا لضمیر ما ، فلذلك كان منصوبا ، بیان ذلك . أنّ الخبر إذا كان فى المعنى هو المبتداء كاللّه ربّنا أو مشبه به نحو : أزواجه امّهاتهم ، ارتفع ارتفاعه ، و إذا كان مخالفا له بحیث لا یحمل علیه حقیقة أو حكما خالفه فی الاعراب كما فی زید عندك ، و الناصب له عندهم معنوىّ و هو معنى المخالفة التی اتّصف بها ،

و لا حاجة على قولهم إلى شی‏ء یتعلّق به الخبر ، و امّا انتصاب زیدا فلمشابهة المفعول به ، لأنّ ناصبه وصف قاصر فأشبه نصب الوجه فی قولك زید حسن الوجه هكذا قال فی التوضیح و شرحه .

-----------
( 1 ) فانه وافق البصریّین فى القول بكونه فعلا ، منه .

-----------
( 2 ) و اجیب بأن التصغیر فى افعل شاذ و وجه تصغیره انه اشبه الاسماء عموما لجموده و انه لا مصدر له و اشبه افعل التفضیل خصوصا بكونه على وزنه و بدلالته على الزیادة ، منه

[ 311 ]

و قال نجم الأئمة بعد حكایة هذا المذهب أعنى مذهب الكوفیّة فی أفعل و كونه اسما كأفعل التفضیل : و لو لا انفتاح أفعل التعجّب و انتصاب ما بعده انتصاب المفعول به لكان مذهبهم جدیرا بأن ینصر .

و قد اعتذروا لفتح آخره بكونه متضمنّا لمعنى التعجّب الذى كان حقیقا بأن یوضع له حرف كما مرّ فی بناء اسم الاشارة ، فبنى لتضمنه معنى الحرف و بنى على الفتح لكونه أخفّ .

و اعتذروا لنصب المتعجّب منه بعد افعل بكونه مشابها للمفعول لمجیئه بعد افعل المشابه لفعل مضمر فاعله فموقعه موقع المفعول به فانتصب انتصابه فهو نحو قوله :

و لدنا بعده بذناب 1 عیش
اجبّ الظّهر لیس له سنام

بنصب الظهر ، و هو ضعیف ، لأنّ النّصب فی مثل أجبّ الظهر و حسن الوجه توطئة لصحة الاضافة إلى ذلك المنصوب و لا یضاف أفعل إلى المتعجّب منه هذا .

و قوله علیه السّلام لم یخلقوا من ماء مهین ، حرف من ابتدائیة نشویّة ، و قوله :

و انّهم على مكانهم ، جملة مستأنفة و خبر إن الجملة الشرطیة الآتیة أعنی قوله :

لو عاینوا آه ، و على فی قوله : على مكانهم ، للاستعلاء المجازى ، و المعنى أنهم حالكونهم مستقرّین على مكانهم المعیّن لهم منك و منزلتهم الموجودة لهم عندك لو عاینوا ما خفى علیهم لحقّروا أعمالهم .

المعنى

قال الشارح المعتزلى : من أراد أن یتعلّم الفصاحة و البلاغة و یعرف فضل الكلام بعضهم على بعض فلیتأمّل هذه الخطبة ، فانّ نسبتها إلى كلّ فصیح من الكلام عدا كلام اللّه و رسوله نسبة الكواكب المنیرة الفلكیة إلى الحجارة المظلمة الأرضیة ، ثمّ لینظر الناظر إلى ما علیها من البهاء و الجلالة و الرواء

-----------
( 1 ) ذناب كل شی‏ء عقبه و الجبّ القطع و بعیر أجبّ بیّن الجبب أى مقطوع السنام

[ 312 ]

و الدّیباجة و ما یحدثه من الروعة و الرهبة و المخافة و الخشیة ، حتى لو تلیت على زندیق ملحد و مصمم على اعتقاد نفى البعث و النشور ، لهدت قواه و رعبت قلبه ، و أصعقت على نفسه و زلزلت اعتقاده .

فجزى اللّه قائلها عن الاسلام أفضل ما جزى به ولیا من أولیائه ، فما أبلغ نصرته له تارة بیده و سیفه ، و تارة بلسانه و نطقه ، و تارة بقلبه و فكره .

إن قیل جهاد و حرب فهو سیّد المجاهدین و المحاربین ، و إن قیل وعظ و تذكیر فهو أبلغ الواعظین و المذكرین ، و إن قیل فقه و تفسیر فهو رئیس الفقهاء و المفسرین و إن قیل عدل و توحید فهو إمام أهل العدل و الموحّدین ، و لیس للّه بمستنكر أن یجمع العالم فی واحد .

ثمّ نعود إلى الشرح فنقول : افتتح علیه السّلام كلامه بالتوحید و التنزیه و الاجلال و ذكر نعوت الجمال و الجلال ، و عقّبه بالموعظة و التذكیر و الانذار و التحذیر فقال ( كلّ شی‏ء خاشع له ) أو خاضع له كما فی بعض النسخ ، أى متذلّل معترف بالفاقة إلیه سبحانه و الحاجة الى تخلیقه و تكوینه ، و إن من شی‏ء إلاّ یسبّح بحمده .

فالمراد بالخشوع الخضوع التكوینی و الافتقار الذاتی اللاّزم المهیة الممكن مثل نفس الامكان ، هذا .

و قال الشارح البحرانی ( ره ) : الخشوع هنا مراد بحسب الاشتراك اللفظى إذ الخشوع من الناس یعود إلى تطامنهم و خضوعهم للّه ، و من الملائكة دؤبهم فی عبادتهم ملاحظة لعظمته سبحانه و من سایر الممكنات انفعالها عن قدرته و خضوعها فی رقّ الامكان و الحاجة الیه ، و المشترك و إن كان لا یستعمل فی جمیع مفهوماته حقیقة فقد بینّا أنّه یجوز استعماله مجازا فیها بحسب القرینة ، و هى هنا اضافته لكلّ شی‏ء ، أو لأنه فی قوّة المتعدّد كقوله تعالی : إنّ اللّه و ملائكته یصلّون على النبیّ فكانه قال : الملك خاشع له و البشر خاشع له ، انتهى .

أقول : و أنت خبیر بما فیه أمّا أوّلا فلأنّ كونه من المشتركات اللّفظیة ممنوع ، بل المستفاد من كلام أكثر

[ 313 ]

اللّغویین أنّه موضوع لمطلق الخضوع أعنی الذلّ و الاستكانة ، و ربما یفرّق بینه و بین الخضوع كما فی مجمع البحرین و غیره بأنّ الأوّل فی البدن و البصر و القلوب و الثانی فی البدن ، و قال الفیومى خشع خشوعا خضع و خشع فی صلاته و دعائه أقبل بقلبه ، و هو مأخوذ من خشعت الأرض إذا سكنت و اطمأنّت ، و قال خضع خضوعا ذلّ و استكان ، و الخضوع قریب من الخشوع إلاّ أنّ الخضوع أكثر ما یستعمل فی الاعناق و الخشوع فی الصوت ، و قال الفیروز آبادى الخشوع الخضوع أو قریب منه أو هو فی البدن و الخشوع فی الصوت و البصر ، و قال خضع خضوعا تطامن و تواضع و قریب من ذلك كلام سایر أهل اللّغة .

و على قولهم فهو إما من باب الاشتراك المعنوی فیكون استعماله فی الانسان و الملك و غیرها من باب استعمال العامّ فی افراده .

و إما من باب الحقیقة و المجاز إن خصّصناه بذوات الأبدان و الابصار ،

فیكون اطلاقه على غیرها مجازا و استعماله فی الجمیع بعنوان عموم المجاز ،

و على أیّ تقدیر فالقول بكونه مشتركا لفظیا و توهّم تعدّد الوضع فیه باطل .

و أمّا ثانیا فلأنّ تجویز استعمال اللّفظ المشترك فی معانیه المتعدّدة و لو بالمجاز و القرینة خلاف ما علیه المحقّقون من الاصولیّین ، و قد حقّقناه فی دیباجة هذا الشرح و فی حواشینا على قوانین الاصول بما لا مزید علیه .

نعم لا بأس بجواز استعماله فی معنى عام شامل للمعانی المتعدّدة بعنوان عموم الاشتراك كاستعمال لفظ الأمر فی مطلق الطلب الشامل للوجوب و الندب على القول بكونه حقیقة فیهما ، كما لا ریب فی جواز استعمال اللّفظ فی معنى عام شامل لمعناه الحقیقی و المجازی و یسمّى بعموم المجاز كالمثال الذى ذكرناه على القول بكون الأمر حقیقة فی الوجوب مجازا فی الندب ، و لا یمكن حمل مراد الشّارح على ذلك ، لمنافاته بقوله : و الخشوع هنا مراد بحسب الاشتراك اللّفظی فافهم .

و أمّا ثالثا فلأنّ جعل خاشع بمنزلة المتعدّد بالعطف قیاسا بقوله یصلّون فی الآیة الشریفة فاسد ، فانّ یصلّون فی الآیة لفظ جمع و خاشع لفظ مفرد و كون الأوّل فی قوّة المتعدّد لا یدلّ على كون الثّانی كذلك مع امكان منع أصل

[ 314 ]

الدّعوى فی الآیة أیضا لاحتمال حذف الخبر فیها أى إنّ اللّه یصلّى و ملائكته یصلّون على حدّ قوله : نحن بما عندنا و أنت بما عندك راض و الرّأى مختلف أو كونها من باب عموم الاشتراك بأن یكون معنى یصلّون یعتنون باظهار شرف النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و تعظیمه كما فسّرها به الطبرسیّ و البیضاوى و غیرهما على ما مرّ تفصیلا و توضیحا فی دیباجة الشرح .

و هذا كلّه مبنیّ على التنزّل و المماشاة و إلاّ فنقول : إنّ كون الآیة بمنزلة المفرد المتكرّر المتعدّد لا یوجب الحاقها به فی جمیع الأحكام ، فانّ المفرد المتكرّر شی‏ء ، و ما بمنزلته شی‏ء آخر ، فاطلاق المكرّرات و إرادة المعانی المتعدّدة منها لا یوجب جواز إرادة المعانی المتعدّدة مما هو بمنزلتها كما لا یخفى .

فقد وضح و اتّضح بما ذكرنا كلّه أنّ الآیة الشریفة لا دلالة فیها على جواز استعمال اللفظ المشترك فی أكثر من معنى ، و أنّ كلام الامام علیه السّلام لیس من هذا القبیل فافهم ذلك و اغتنم .

( و كلّ شی‏ء قائم به ) لأنّ جمیع الممكنات إمّا جواهر أو أعراض ، و لیس شی‏ء منها یقوم بذاته فی الوجود أمّا الأعراض فظاهر ، لظهور حاجتها إلى المحلّ الجوهرى ، و أما الجواهر فلأنّ قوامها فی الوجود انما هو بعللها ، و تنتهى إلى المبدء الأوّل و علّة العلل جلّت عظمته فهو إذا الفاعل المطلق الذی به قوام وجود كلّ موجود ، هكذا قال الشارح البحرانی ، ثمّ قال : و اذ ثبت أنّه تعالى غنّى عن كلّ شی‏ء فی كلّ شی‏ء ثبت أنّ به قوام كلّ شی‏ء فثبت أنّه القیّوم المطلق اذ مفهوم القیّوم هو القائم بذاته المقیم لغیره ، فكان هذا الاعتبار مستلزما لهذا الوصف .

( غنى كلّ فقیر ) قال الشارح : و یجب أن یحمل الفقیر على ما هو أعمّ من الفقر المتعارف و هو مطلق الحاجة لیعمّ التمجید كما أنّ الغنى هو سلب مطلق الحاجة و إذ ثبت أنّ كلّ ممكن فهو مفتقر فی طرفیه منته فی سلسلة الحاجة إلیه و أنّه تعالى المقیم له فی الوجود ثبت أنه تعالى رافع حاجة كلّ موجود بل كلّ ممكن ، و هو المراد بكونه غنى له و اطلق علیه تعالى لفظ الغنى و إن كان الغنى به مجازا إطلاقا لاسم السّبب على المسبّب .

[ 315 ]

( و عزّ كلّ ذلیل ) یعنی أنه سبحانه سبب عزّة كلّ من كان به ذلّة ، لأنّه العزیز المطلق الذی لا یعادله شی‏ء و لا یغلبه شی‏ء ، فكلّ عزّة لكلّ موجود منتهیة إلیه سبحانه ، و قد سبق تفسیر العزیز فی شرح الخطبة الرّابعة و السّتین .

( و قوّة كلّ ضعیف ) معنى هذه الفقرة كسابقتها ، و قد مرّ تفسیر القوى من أسمائه سبحانه فی شرح الخطبة الرابعة و السّتین أیضا ، و روى أنّ الحسن علیه السّلام قال : واعجبا لنبیّ اللّه لوط إذ قال لقومه :

لَوْ أَنَّ لی بِكُمْ قُوَّةً أَوْ اوی إِلى‏ رُكْنٍ شَدیدٍ .

أتراه أراد ركنا أشدّ من اللّه ، و فی المجمع عن الصادق علیه السّلام لو یعلم أىّ قوّة له ،

و عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم رحم اللّه أخى لوطا لو یدرى من معه فی الحجرة لعلم أنّه منصور حیث ( حین خ ل ) یقول ، لو أنّ لى بكم قوّة أو آوى الى ركن شدید ، أىّ ركن أشد من جبرئیل معه فی الحجرة و رواه فی عقاب الأعمال عن أبی جعفر علیه السّلام مثله .

( و مفزع كلّ ملهوف ) یعنی أنه تعالى ملجأ كلّ مضطرّ محزون حال حزنه و اضطراره فیفرّج همّه و یكشف ضرّه و یرفع اضطراره كما قال تعالى :

أَمَّنْ یُجیبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ یَكْشِفُ السُّوءَ و قال : وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسْكُمُ الضُّرُّ فَإِلَیْهِ تَجْأَرُونَ .

و هذا العطف یستلزم عموم قدرته و شمول علمه تعالى بشهادة فطرة المضطرّ بنسبة جمیع أحوال وجوده إلى جوده و شهادة فطرته أیضا بعلمه بحاله و اطلاعه على ضرورته و وجوه اللهف و الاضطرار غیر معدودة ، و جهات الحاجة و الافتقار غیر محصورة ، و لا یقدر الاجابة لها على كثرتها إلاّ الحقّ و القادر المطلق ، و أما غیره سبحانه فانما یكون مفزعا و ملجئا لمضطرّ لا لكلّ مضطرّ فكونه مفزعا مجاز لا حقیقة و اتّصافه به اضافیّ لا حقیقیّ .

[ 316 ]

فمفزع جمیع العباد فی الداهیة و الناویة 1 لیس إلاّ اللّه الحىّ القیّوم السّمیع البصیر العالم القادر الخبیر المجیب الدّعوات الكاشف للكربات المنجح للطّلبات المنفّس لكلّ حزن و همّ المفرّج من كلّ ألم و غمّ و قال تعالى :

وَ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فی الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاِّ إِیّاهُ .

یعنی إذا كنتم فی البحر و خفتم الغرق ذهب عن خواطركم كلّ من تدعونه فی حوادثكم إلاّ إیّاه وحده ، فلا ترجون هناك النجاة إلاّ من عنده .

روى فی التّوحید انه قال رجل للصّادق علیه السّلام یابن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم دلّنی على اللّه ما هو فقد أكثر علىّ المجادلون و حیّرونی ، فقال علیه السّلام : یا عبد اللّه هل ركبت سفینة قطّ ؟ قال : بلى ، قال : فهل كسرت بك حیث لا سفینة تنجیك و لا سباحة تغنیك ؟ قال : بلى ، قال : فهل تعلّق قلبك هناك أنّ شیئا من الأشیاء قادر على أن یخلّصك من ورطتك ؟ قال : بلى ، قال الصادق علیه السّلام : فذلك الشی‏ء هو اللّه القادر على الانجاء حین لا منجى و على الاغاثة حیث لا مغیث .

و ( من تكلّم سمع نطقه و من سكت علم سرّه ) یعنی أنه سبحانه سمیع علیم محیط بما أظهره العبد و أبداه ، خبیر بما أسّره و أخفاه فی حالتی نطقه و سكوته ،

و هو إشارة إلى عموم علمه و إحاطته سبحانه و عدم التفاوت فیه بین السرّ و الاعلان ،

و الاظهار و الكتمان و قد مضى تحقیق الكلام فی هذا المعنى فی شرح الفصل السادس و السّابع من الخطبة الاولى و فی شرح الخطبة الرابعة و السّتین .

( و من عاش فعلیه رزقه و من مات فالیه منقلبه ) یعنی أنه مرجع العباد الأحیاء منهم و الأموات ، و به قیام وجودهم حالتی الحیاة و الممات ، و تقدّم تحقیق الكلام فی الرزق فی شرح الفصل الأوّل من فصول الخطبة التسعین .

( لم ترك العیون فیخبر عنك ) التبقات من الغیبة إلى الخطاب ، یعنى امتنع الرؤیة من العیون لك فامتنع اخبارها عنك ، و قد تقدّم بیان وجه امتناع الرؤیة فی

-----------
( 1 ) الناویة وزان سحاب الداهیة .

[ 317 ]

شرح الخطبة التاسعة و الأربعین ، و فی اسناد الاخبار إلى العیون توسّع ، و المراد نفى امكان الاخبار المستند إلى المشاهدة الحسیّة عنه تعالى .

( بل كنت قبل الواصفین من خلقك ) أى بالذات و العلیة ، و هو وارد فی مقام التعلیل لنفى الرؤیة .

قال الشارح المعتزلی : فان قلت فأىّ منافاة بین هذین الأمرین ألیس من الممكن أن یكون سبحانه قبل الواصفین له ، و مع ذلك یدرك بالابصار إذا خلق خلقه ثمّ یصفونه رأى عین قلت بل ههنا منافاة ظاهرة و ذلك لأنه إذا كان قدیما لم یكن جسما و لا عرضا و ما لیس بجسم و لا عرض یستحیل رؤیته فیستحیل أن یخبر عنه على سبیل المشاهدة ( لم تخلق الخلق لوحشة ) لاستحالة الاستیحاش كالاستیناس فی حقّه سبحانه حسب ما عرفت تفصیلا فی شرح الفصل السادس من فصول الخطبة الاولى ( و لا استعملتهم لمنفعة ) تعود الیك و إنما هى عایدة الیهم لنقصانهم فی ذاتهم و لو كانت عایدة الیه سبحانه لزم نقصه فی ذاته و استكماله بغیره و هو محال ، و قد تقدّم توضیح ذلك فی شرح الخطبة الرابعة و الستین و ( لا یسبقك من طلبت ) أى لا تطلب أحدا فیسبقك و یفوتك ( و لا یفلتك من أخذت ) أى من أخذته لا یفلت منك بعد أخذه ، و الغرض بهذین الوصفین الاشارة إلى كمال قدرته و تمام ملكه ، فانّ ملوك الدّنیا أیّهم فرضت ربما یفوت منهم هارب و ینجو من قید اسرهم المأخوذ بحیلة و نحوها ، و أما اللّه العزیز القادر القاهر فلا یمكن فی حقّه ذلك .

( و لا ینقص من سلطانك من عصاك و لا یزید فی ملكك من أطاعك ) و هو تزید له سبحانه عن قیاس سلطانه و ملكه بسلطنة ملوك الزّمان ، فانّ كمال سلطان أحدهم إنما هو بزیادة جنوده و كثرة مطیعیه و قلّة مخالفیه و عصاته ، و نقصان سلطانه إنما هو بعكس ذلك ، فأما الحقّ تعالى فلمّا كان سلطانه بذاته لا لغیره مالك الملك یعطى الملك من یشاء و ینزع الملك ممّن یشاء و یعزّ من یشاء و یذلّ من یشاء لم

[ 318 ]

یتصوّر خروج العاصی بعصیانه عن كمال سلطانه حتّى یؤثر فی نقصانه ، و لا طاعة المطیع فی ازدیاد ملكه حتى تؤثر فی زیادته .

و محصلّ ذلك كلّه أنه تعالى كامل من جمیع الجهات فی ذاته و صفاته بذاته و لذاته و لا حاجة له فی عزّه و سلطانه إلى الغیر ، و لا تأثیر للغیر فی ملكه و سلطنته بالنقصان و الزیادة ، و إلاّ لزم نقصه فی ذاته استكماله بغیره ، و هو باطل .

( و لا یردّ أمرك من سخط قضائك ) المراد بالأمر هنا الأمر التّكوینی المشار إلیه بقوله سبحانه :

إِنَّما أَمْرُهُ إذا أَرادَ شَیْئاً أَنْ یَقُولَ لَهُ كُنْ فَیَكُونُ .

و ارید الأمر لكونه بارتفاع الوسایط لا بدّ فیه من وقوع المأمور به لا محالة من غیر احتمال تمرّد و عصیان و أما الأمر التشریعی كما فی قوله :

فَقَعُوا لَهُ ساجِدینَ و قوله : وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَة .

و نحوهما فهو لكونه بالواسطة و على ألسنة الرّسل و الملائكة ، فیمكن فیه العصیان و عدم الطّاعة فمعنى قوله : انه لا یردّ أمرك الملزم أى المقدّرات الحادثة على طبق العلم الأزلى من سخط قضائك و كرهه ، و قد مرّ فی شرح الفصل التاسع من فصول الخطبة الاولى ماله ربط بتوضیح المقام ، و فی هذه الفقرة أیضا دلالة على كمال قدرته و عموم سلطانه لافادته أنّ كلّ ما علم وجوده فلا بدّ من وجوده ، سواء كان محبوبا للعبد أو مبغوضا له كما قال تعالى :

وَ یَأْبَى اللَّهُ إِلاّ أَنْ یُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ و قال إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ .

و تخصیص السّاخط للقضاء بالعجز عن ردّ الأمر لأنّ من شأنه أن لو قدر على ردّ الأمر و القدر لفعل .

( و لا یستغنى عنك من تولّى عن أمرك ) أراد به الأمر التشریعى ، و من المعلوم

[ 319 ]

أنّ من تمرّد عن أمره و خالفه اشدّ افتقارا و حاجة إلى غفرانه و رحمته ممن قام بوظایف الطاعة و العبادة ، و الأظهر أن یراد به الأعمّ من ذلك ، و یكون المعنى أنّ من أدبر و تولّى عن حكمه و لم یرض بقضائه و قدره لا یمكن استغنائه عنه و انقطاع افتقاره منه .

و یوضح ذلك ما رواه الصّدوق فی التّوحید باسناده عن سعد الخفاف عن الأصبغ بن نباته قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام لرجل : ان كنت لا تطیع خالقك فلا تأكل رزقه ، و إن كنت و الیت عدوّه فاخرج من ملكه ، و إن كنت غیر قانع بقضائه و قدره فاطلب ربّا سواه .

( كلّ سرّ عندك علانیة و كلّ غیب عندك شهادة ) و هما إشارتان إلى عموم علمه و إحاطته ، و قد مرّ ذلك فی شرح الفصل السّابع من الخطبة الاولى و نقول هنا مضافا إلى ما مرّ : انّ واجب الوجود سبحانه مجرّد غایة التجرّد ، و الغیبة و الخفاء إنّما یتصوّران بالنسبة إلى القلوب المحجوبة بحجب الطّبیعة و سترات الهیئآت البدنیة و الأرواح المستولى علیها نقصان الامكان الحاكم علیها بجهل أحوال ما هو أكمل منها ، و الواجب تعالى لتجرّده و بساطته و منتهى كماله لا یحجبه شی‏ء عن شی‏ء و فوق كلّ شی‏ء لیس فوقه شی‏ء حتى یقصر عن إدراكه .

( أنت الأبد فلا أمد لك ) أى أنت الدّائم فلا غایة لك یقف عندها وجودك و ذلك لاستلزام وجوب الوجود امتناع العدم و الانتهاء إلى الغایة ، و یمكن ان یكون إطلاق الأبد علیه سبحانه من باب المجاز مبالغة فی الدّوام ، و الأصل أنت ذو الأبد على حدّ قوله : فانما هى إقبال و إدبار ، و قوله : فأنت طلاق ، و هذا المجاز شایع فی عرف العرب .

( و أنت المنتهى فلا محیص عنك ) أى إلیه مصیر الخلائق و وقوفهم عنده و إلیه انتهاؤهم و إیابهم فیجزى كلّ أحد ما یستحقّه من الثواب و العقاب ، فلا محید عن حكمه و لا مهرب عن أمره و لا معدل یلجئون إلیه كما قال تعالى :

[ 320 ]

وَ أَنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الْمُنْتَهى‏ و قال إِنَّ إِلیْنا إِیّابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَیْنا حِسابَهُمْ ( و أنت الموعد فلا منجى منك إلاّ إلیك ) و معناها قریب من سابقتها أى لا مخلص و لا ملجأ لأحد منه سبحانه إلاّ إلیه ، و لا عاصم من عذابه إلاّ هو عزّ و جلّ فیعصم منه و یرفعه عنه إما بالتوبة و الانابة ، أو بالمنّ و الرّحمة .

( بیدك ناصیة كلّ دابّة ) أى أنت مالك لها قادر علیها تصرفها كیف تشاء غیر مستعصیة علیك ، فانّ الأخذ بالناصیة تمثیل لذلك قال المفسّرون فی تفسیر قوله سبحانه :

ما مِنْ دآبَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِیَتِها .

هو تمثیل لغایة التسخیر و نهایة التذلیل ، و كان العرب إذا اسر الأسیر فأرادوا إطلاقه و المنّ علیه جزوا ناصیته فكان علامة لقهره .

و قال الشارح البحرانی : و انما خصت النّاصیة لحكم الوهم بأنّه تعالى فی جهة فوق فیكون أخذه بالناصیة ، و لأنها أشرف ما فی الدابة فسلطانه تعالى على الأشرف یستلزم القهر و الغلبة و تمام القدرة .

أقول : و الأظهر أنّ تخصیصها من جهة جریان العادة بأنّ الممسك للدابة و المرید لتسخیرها إنّما یستمسك و یقبض ناصیتها بیدها ، فأجرى كلامه تعالى و كلام ولیّه علیه السّلام على ما هو المتعارف المعتاد .

( و الیك مصیر كلّ نسمة ) أى مرجع كلّ نفس ثمّ نزّهه سبحانه و قدّسه عن أحكام الأوهام بكونه تعالى مشابها لمدركاتها فقال : ( سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك و ما أصغر عظمه فی جنب قدرتك ) و هو تعجّب فی معرض التمجید من عظم ما یشاهد من مخلوقاته تعالى من الأرض و السّماء و الجوّ و الهواء و النبات و الماء و الشجر و الحجر و الشّمس و القمر و الانسان و الحیوان و البرّ و البحر و اللّیل و النّهار و السّحاب و الغمام و الضّیاء و الظّلام إلى غیر هذه مما لا ینتهی إلى حدّ و لا یستقصى بعدّ ثمّ من حقارة هذه كلّها بالنسبة إلى ما تعتبره العقول من مقدوراته و ما یمكن فی

[ 321 ]

كمال قدرته من الممكنات الغیر المتناهیة و من البیّن أنّ قیاس الموجود على الممكن و نسبته إلیه فی العظم و الكثرة یستلزم صغره و حقارته ثمّ قال ( و ما أهول ما نرى من ملكوتك و ما أحقر ذلك فیما غاب عنّا من سلطانك ) و هو تعجّب من هول ما وصلت إلیه العقول من عظمة ملكوته ثمّ من حقارته بالنسبة إلى ما غاب عنها و خفى علیها مما هو محتجب تحت أستار القدرة و حجبّ العزّة من بدایع الملاء الأعلى و عجائب العالم العلوى و سكّان حظائر القدس .

ثمّ قال ( و ما اسبغ نعمك فی الدّنیا و ما أصغرها فی نعم الآخرة ) و هو تعجّب من سبوغ نعمه على عباده فی الدّنیا بما لا تحصى ثمّ من حقارتها بالقیاس إلى نعم الآخرة و ما أعدّه للمؤمنین فیها من الجزاء الأوفى ، فانّ نسبتها إلیها نسبة المتناهى إلى ما لا یتناهى كما هو ظاهر لا یخفى .

ثمّ إنّه سلام اللّه علیه و آله لما افتتح كلامه بذكر أوصاف العظمة و الكبریاء للرّب العزیز تبارك و تعالى عقّبه بذكر حالات ملائكة السماء و أنّهم على ما هم علیه من القدس و الطهارة و الفضایل الجمّة و الكمالات الدثرة الّتی فضّلوا بها على الاشباح و الأقران و تمیزوا بها عن نوع الانسان ، و من العلم و المعرفة التی لهم بخالقهم ،

و الخوف و الخشیة التی لهم من بارئهم ، و الخضوع و الخشوع الذى لهم لمعبودهم لم یعبدوه حقّ عبادته و لم یطیعوه حقّ طاعته .

فقال ( من ملائكة أسكنتهم سماواتك و رفعتهم عن أرضك ) هذا محمول على الأغلب أو المراد أنّ مسكنهم الأصلی هو السّماء ، فلا ینافی كون بعضهم فی الأرض لاقتضاء المصلحة و التّدبیر مثل الكرام الكاتبین و المجاورین بمرقد الحسین علیه السّلام و نظرائهم .

( هم أعلم خلقك بك ) لتجرّدهم و بعد علومهم من منازعة النفس الأمارة التی هی مبدء السّهو و النسیان و الغفلة ، فیكونون أبلغ معرفة و أكمل علما ( و أخوفهم لك ) لأنّ العلم كلما كان أكمل كان الخوف آكد و الخشیة أشدّ كما قال تعالى :

إِنَّما یَخْشَى اللَّهُ منْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ .

[ 322 ]

قال الطبرسی أى لیس یخاف اللّه حقّ خوفه و لا یحذر معاصیه خوفا من نقمته إلاّ العلماء الذین یعرفونه حقّ معرفته و إنما خصّ العلماء بالخشیة لأنّ العالم أحذر لعقاب اللّه من الجاهل ، حیث یختصّ بمعرفة التوحید و العدل و یصدّق بالبعث و الحساب و الجنّة و النّار .

( و أقربهم منك ) أى من حیث الشرف و الرتبة لا بالمكان و المنزلة ، لتنزّهه سبحانه عن المحلّ و المكان و تقدّسه من لوازم الامكان ، و غیر خفىّ أنّ نفضیلهم على غیرهم فی القرب و الشرف إنما هو إضافیّ لا حقیقیّ فقد قدّمنا فی شرح الفصل الخامس من فصول الخطبة التسعین أنّ بعض أفراد البشر كالنبیّ و الأئمة علیهم السّلام أفضل منهم و أشرف ، و قد تقدّم فی الفصل المذكور شرح حالات الملائكة مستوفا ،

و كذلك فی شرح الفصل التّاسع من فصول الخطبة الاولى من أراد الاطّلاع فلیراجع إلیه .

و قوله ( لم یسكنوا الأصلاب ) و ما یتلوه من الجملات الثّلاث السّلبیة إشارة إلى إرتفاعهم عن النقصانات البشریة ، أى لم یسكنوا أصلاب الآباء ( و لم یضمّنوا الأرحام ) أى أرحام الامّهات یعنی لم یخالطوا المحالّ المستقذرة ( و لم یخلقوا من من ماء مهین ) أى ضعیف حقیر ( و لم یشعبهم ریب المنون ) أى لم یفرّقهم حوادث الدهر ، و هو إشارة إلى سلامتهم من الأمراض و الأسقام البدنیة العارضة للموادّ العنصریة المانعة من الاستغراق التامّ ، و التّوجه الكلّی لشهود أنوار الحضرة الرّبوبیة .

( و أنّهم على مكانهم منك و منزلتهم عندك ) یعنی أنهم على ما هم علیه من القرب و الزلفى ( و استجماع أهوائهم فیك ) أى كمال محبّتهم لك و رغبتهم و شوقهم الیك ( و كثرة طاعتهم لك ) بحیث لا یفترون عن تسبیحك و لا یسئمون عن تقدیسك ( و قلّة غفلتهم عن أمرك ) التعبیر بقلّة الغفلة لمحض المشاكلة و المقابلة بكثرة الطاعة ، و إلاّ فلا یتصوّر فی حقّهم الغفلة كما یدلّ علیه قوله سبحانه :

فَالَّذینَ عِنْدَ رَبِّكَ یُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّلْیلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا یَسْئَمُونَ .

[ 323 ]

و فی دعاء الصّحیفة العلویّة السجّادیة على صاحبها آلاف الصّلاة و السّلام و التحیّة فی الصّلاة على حملة العرش : اللّهمّ و حملة عرشك الذی لا یفترون من تسبیحك و لا یسأمون من تقدیسك و لا یستحسرون عن عبادتك و لا یؤثرون التقصیر على الجدّ فی امرك و لا یغفلون عن الوله الیك .

فانّ المقصود ذلك كلّه الاشارة إلى كمال مراتبهم فی صنوف العبادات و التأكید لاستغراقهم فی مقام المعرفة و المحبّة و بیان خلوّ عبودیّتهم من النقصانات اللاّحقة ،

فانّ كلاّ من هذه الصّفات المنفیة لو وجد كان نقصانا فیما یتعلّق به و اعراضا عن الجهة المقصودة .

و بالجملة فالغرض أنّ هؤلاء الملائكة الرّوحانیّات مع هذه المراتب و الكمالات التی لهم ( لو عاینوا كنه ما خفى علیهم منك ) أى لو عرفوك حقّ معرفتك ( لحقروا أعمالهم ) علما منهم بأنها لا تلیق بحضرتك ( و لزروا على أنفسهم ) أى عابوها و عاتبوها لمعرفتهم بكونهم مقصّرین فی القیام بوظایف عبودیّتك ( و لعرفوا أنّهم لم یعبدوك حقّ عبادتك و لم یطیعوك حقّ طاعتك ) لظهور أنّ العبادة و الطاعة إنما هی على قدر المعرفة و كلّما كانت المعرفة أكمل كانت العبادة أكمل ، فعبادتهم الحالیة على قدر معرفتهم الموجودة ، فلو ازدادت المعرفة ازدادت العبادة لا محالة .

الترجمة

از جمله خطب فصیحه آن سرور عالمیان و مقتداى آدمیانست در ذكر صفات كمال و نعوت جلال خداوند متعال و أوصاف فرشتگان و غرور بندگان بمتاع این جهان و بیان حشر و نشر انسان و ذكر صفات پیغمبر آخر الزّمان علیه و آله أفضل الصّلاة و السّلام چنانچه فرموده :

هر چیز فروتنی كننده است بر حضرت عزّت ، و هر چیز قایم است در وجود بجناب احدیت او ، توانگرى هر فقیر است ، و عزّت هر ذلیل و حقیر ، و قوّت هر ضعیف و ناتوان ، و پناهگاه هر مضطرّ و محزون ، هر كس تكلّم نمود شنود او گفتار او را ،

[ 324 ]

و هر كه خاموش شد دانست أسرار او را ، و هر كه زندگانی نماید بر او است روزى او ،

و هر كه وفات نماید بسوى اوست باز گشت او ، ندید تو را چشمها تا خبر دهد از تو صاحبان دیدها ، بلكه بودى تو پیش از وصف كنندگان از خلایق خودت ، نیافریدى خلق را از جهة ترس و وحشت ، و طلب عمل ننمودى از ایشان بجهة جلب منفعت ،

پیشی نمیگیرد بتو كسیكه طلب كردى تو او را ، و خلاصى نیافت از تو كسیكه أخذ نمودى تو او را ، و كم نمى‏نماید پادشاهى تو را كسیكه معصیت تو را نمود ،

و زیاد نمیكند در ملك تو كسیكه اطاعت تو را كرد ، و ردّ نمیكند أمر تو را كسیكه ناخوش دارد حكم تو را ، و مستغنى نمیباشد از تو كسیكه رو گردان شود از فرمان تو ، هر نهانی در نزد تو آشكار است ، و هر غایبى در نزد تو حاضر ، توئى صاحب دوام پس هیچ نهایتى نیست تو را ، و توئى محلّ نهایت خلایق پس هیچ گریز گاهى نیست از تو ، و توئى وعده گاه همه پس جاى نجاتی نیست از تو مگر بسوى تو ، در دست قدرت تست موى پیشانی هر جنبده ، و بسوى تست باز گشت هر نفس تنزیه میكنم تو را تنزیه كردنى چه بزرگست آنچه كه مى‏بینیم از مخلوقات ،

و چه كوچكست بزرگى آن در جنب قدرت تو ، و چه هولناكست آنچه كه مشاهده میكنیم از پادشاهى تو ، و چه حقیر است این در جنب آنچه كه پنهانست از مادر سلطنت تو ، و چه وافر است نعمتهاى تو در دنیا ، و چه كوچكست این نعمتها در جنب نعمتهاى آخرت .

بعض دیگر از این خطبه در صفت فرشتگان فرموده :

از ملائكه كه ساكن نمودى ایشان را در آسمانهاى خود ، و برداشتى ایشان را از زمین خود ، ایشان داناترین مخلوقات تو است بتو ، و ترسنده ترین خلایق است مر تو را ، و مقرّب‏ترین ایشان است از تو ، ساكن نشده‏اند ایشان در پشت پدران ،

و نهاده نشده‏اند در رحمهاى مادران ، و آفریده نشده‏اند از نطفه كه ضعیف است و بی مقدار ، و پراگنده نساخته است ایشان را حوادث روزگار .

و بدرستیكه ایشان در مكان قربى كه ایشانرا است از تو ، و منزلت و مرتبتى كه

[ 325 ]

ایشانرا است نزد تو ، و كمال خواهشهائیست كه ایشانرا است در تو ، و كثرت عبادتى كه ایشان را است بتو ، و كمى غفلتیكه ایشانرا است از امر تو اگر مشاهده كنند پایان آنچه كه پنهانست برایشان در معرفت ، هر آینه حقیر میشمارند عملهاى خودشانرا و هر آینه عتاب مینمایند بر نفسهاى خود ، و هر آینه میدانند كه ایشان نپرستیده‏اند تو را حقّ پرستش ، و فرمان نبرده‏اند تو را همچنانكه لایق فرمان بردارى تست .

الفصل الثانى

سبحانك خالقا و معبودا ، بحسن بلائك عند خلقك ، خلقت دارا و جعلت فیها مأدبة ، مشربا ، و مطعما ، و أزواجا ، و خدما ، و قصورا ،

و أنهارا ، و زروعا ، و ثمارا ، ثمّ أرسلت داعیا یدعو إلیها ، فلا الدّاعی أجابوا ، و لا فیما رغّبت إلیه رغبوا ، و لا إلى « على خ ل » ما شوّقت إلیه اشتاقوا ، أقبلوا على جیفة قد افتضحوا بأكلها ، و اصطلحوا على حبّها ، و من عشق شیئا أعشى بصره ، و أمرض قلبه ، فهو ینظر بعین غیر صحیحة ، و یسمع باذن غیر سمیعة ، قد خرقت الشّهوات عقله ،

و أماتت الدّنیا قلبه ، و ولهت علیها نفسه ، فهو عبد لها ، و لمن فی یدیه شی‏ء منها ، حیثما زالت زال إلیها ، و حیثما أقبلت أقبل علیها ،

لا ینزجر من اللّه بزاجر ، و لا یتّعظ منه بواعظ ، و هو یرى المأخوذین على الغرّة ، حیث لا إقالة و لا رجعة ، كیف نزل بهم ما كانوا

[ 326 ]

یجهلون ، و جآئهم من فراق الدّنیا ما كانوا یأمنون ، و قدموا من الآخرة على ما كانوا یوعدون .

فغیر موصوف ما نزل بهم ، اجتمعت علیهم سكرة الموت ، و حسرة الفوت ، ففترت لها أطرافهم ، و تغیّرت لها ألوانهم ، ثمّ ازداد الموت فیهم و لوجا ، فحیل بین أحدهم و بین منطقه ، و إنّه لبین أهله ، ینظر ببصره ، و یسمع باذنه ، على صحّة من عقله ، و بقاء من لبّه ، یفكّر فیم أفنى عمره ، و فیم أذهب دهره ، و یتذكّر أموالا جمعها ، أغمض فی مطالبها ، و أخذها من مصرّحاتها و مشتبهاتها ، قد لزمته تبعات جمعها ، و أشرف على فراقها ، تبقى لمن ورائه ، ینعّمون فیها ،

و یتمتّعون بها ، فیكون المهناء لغیره ، و العب‏ء على ظهره ، و المرء قد غلقت رهونه بها ، فهو یعضّ یده ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره ، و یزهد فیما كان یرغب فیه أیّام عمره ، و یتمنّى أنّ الّذی كان یغبطه بها ، و یحسده علیها قد حازها دونه .

فلم یزل الموت یبالغ فی جسده ، حتّى خالط لسانه سمعه ، فصار بین أهله ، لا ینطق بلسانه ، و لا یسمع بسمعه ، یردّد طرفه بالنّظر فی وجوههم ، یرى حركات ألسنتهم ، و لا یسمع رجع كلامهم ، ثمّ ازداد

[ 327 ]

الموت التیاطا ، فقبض بصره كما قبض سمعه ، و خرجت الرّوح من جسده ، فصار جیفة بین أهله ، قد أوحشوا من جانبه ، و تباعدوا من قربه ،

لا یسعد باكیا ، و لا یجیب داعیا ، ثمّ حملوه إلى مخطّ من الأرض ،

فأسلموه فیه إلى عمله ، و انقطعوا عن زورته .

اللغة

( المأدبة ) بفتح الهمزة و ضمّها وزان مسعدة و مكرمة طعام صنع لدعوة أو عرس من أدب فلان أدبا من باب ضرب إذا عمل مأدبة و ( و له ) الرّجل من باب ضرب و منع و حسب اذا تحیّر من شدّة الوجد و فی بعض النسخ و لهت بالتضعیف و نصب نفسه على المفعول و ( الغرّة ) بكسر الغین المعجمة الاغترار و الغفلة یقال اغترّه فلان أى أتاه على غرّة منه و ( أطراف ) البدن الرأس و الیدان و الرّجلان و ( و لج ) یلج ولوجا أى دخل و ( المصرّح ) خلاف المشتبة و هو الظاهر البیّن و ( التبعات ) جمع التبعة و هو الاثم ،

و ( المهنأ ) المصدر من هنأ الطعام یهنأ و هنوء یهنوء بالكسر و الضم إذا صار هنیئا و ( العب‏ء ) الثقل و ( أصحر ) أى ظهر و انكشف و اصله من أصحر القوم اذا برزوا من المكمن الى الصحرا و ( رجع ) الكلام ما یتراجع منه و ( الالتیاط ) الالتصاق و ( الاسعاد ) الاعانة و ( المخطّ من الأرض ) بالخاء المعجمة كنایة عن القبر یخطّ أولا ثمّ یحفر ، و فی بعض النسخ بالحاء المهملة و هو المنزل من حطّ القوم إذا نزلوا .

الاعراب

خالقا و معبودا منصوبان على الحال من كاف الخطاب فی سبحانك ، و العامل فیهما هو المصدر لتضمّنه معنى الفعل و یحتملان الانتصاب على التمیز .

[ 328 ]

قال الشارح المعتزلی : و الباء فی قوله بحسن بلائك ، للتعلیل كقوله تعالى :

ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتیهِمْ رُسُلُهُمْ ، أى لأنّهم ، فتكون متعلّقة بما فی سبحانك من معنى الفعل أى اسبّحك لحسن بلائك ، و یجوز أن تتعلّق بمعبود أى یعبد لذلك ، انتهى .

و الأظهر أن تكون متعلّقة بقوله خلقت ، و تقدیمها علیه للتّوسّع ، و المعنى خلقت دارا بسبب حسن بلائك كما تقول ضربت زیدا بسوء أدبه ، و قوله مأدبة قال الشارح البحرانی : المأدبة هنا الجنّة ، و المنصوبات الثمانیة ممیّزات لتلك المأدبة أقول : و هو غلط إذ المأدبة سواء ارید به معناه الاصلی أو المجازى أعنی الجنة لا ابهام فیه حتى یحتاج إلى التمیز ، بل الظاهر أنّ المراد به فی المقام مطلق ما یصنع لدعوة من طعام أو غیره .

و انتصاب المنصوبات الثمانیة إما على أنّها عطف بیان كما هو مذهب الكوفیّین و جماعة من البصریّین من علماء الأدبیّة حیث جوّزوا عطف البیان فی النكرات و جعلوا منه قوله سبحانه : أو كفّارة طعام مسكین ، فیمن نوّن كفّارة .

و إما على البدل كما هو مذهب جمهور البصریّین حیث خصّوا عطف البیان بالمعارف زعما منهم أنّ البیان بیان كاسمه ، و النكرة مجهولة و المجهول لا یبین المجهول .

و فیه أنّ بعض النكرات قد یكون أخصّ من بعض و الأخصّ یبیّن غیر الأخصّ كما فی كلام الامام علیه السّلام ، و قوله : و لا فیما رغبت رغبوا ، الظرف متعلّق برغبوا ،

و رغبت صلة ما ، و العاید محذوف بقرینة المقام و دلالة الكلام أى فیما رغبت فیه ،

و جملة أقبلوا ، استیناف بیانیّ ، و نفسه بالضمّ فاعل و لهت ، و لمن فی یدیه ، عطف على لها .

و جملة و هویرى ، منصوبة المحلّ على الحال من فاعل یتّعظ ، و قوله : فغیر موصوف ما نزل بهم ، غیر بالرّفع خبر مقدّم على مبتدائه أعنی ماء الموصولة لافادة الحصر و الدّلالة على أنّ غیر ما نزل قابل لأن یوصف كما فی قوله سبحانه : لا فیها

[ 329 ]

غول ، أى لیس غول فی خمور الجنة بخلاف خمور الدّنیا و ایراد المسند الیه بلفظ الموصول للتفخیم و التهویل كما فی قوله : فغشیهم من الیمّ ما غشیهم .

و وصل جملة اجتمعت لسابقتها لما بینهما من كمال الاتّصال و كون الثانیة أو فى بتمام المراد و اقتضاء المقام الاعتناء بشأنه لكونه فظیعا فی نفسه و نظیرها قوله سبحانه :

أَمَدَّكُمْ بِما تَعْمَلُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَ بَنینَ وَ جَنّاتٍ وَ عُیُونٍ .

فانّ المراد التنبیه على نعم اللّه ، و الثّانیة أو فی بتادیته لدلالتها علیها بالتفصیل ،

فالجملة الثانیة فی المقامین منزّلة منزلة بدل البعض ، و كذلك وصل جملة یفكر لسابقتها لما بینهما من كمال الاتصال أیضا لكونها من سابقتها بمنزلة التّأكید المعنوى مثل : لا ریب فیه ، فی قوله تعالى : ذلك الكتاب لا ریب فیه ، و وزانهما وزان جائنى زید نفسه ، و هذا كله من محسّنات البیان و إنما نبّهنا علیه مع عدم مدخلیة فی الاعراب اشارة إلى بعض وجوه الحسن فی كلامه علیه السّلام .

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه تحذیر للمتمرّدین العصاة و المذنبین الغواة ،

و تنفیر لهم عن الركون إلى الدّنیا و إلى زخارفها و ما فیها ، و تذكیر لهم بما یحلّ بساحتهم من سكرات الموت و ینزل بفنائهم من حسرات الفناء و الفوت .

و افتتح بتسبیحه تعالى و تقدیسه فقال : ( سبحانك خالقاً و معبوداً ) أى أنزّهك تنزیها عن الشركاء و الأمثال فی حالة خلقك و معبودیّتك لا موجد غیرك و لا معبود سواك ( بحسن بلائك عند خلقك خلقت دارا ) أى خلقت دارا بسبب ابتلاء عبادك و امتحانا لهم و تمیزا بینهم و تفرقه بین السّعداء أعنى الطالبین المشتاقین إلى تلك الدار ، و بین الأشقیاء و هم الرّاغبون المعرضون عنها ، و المراد بالدّار دار الآخرة ،

[ 330 ]

و ما فی شرح البحرانی من أنّ لفظ الدّار مستعار للاسلام باعتبار أنه یجمع أهله و یحمیهم كالدّار ، لا یخفى بعده و الأظهر ما ذكرناه ، و یشعر به قوله سبحانه :

تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذینَ لا یُریدُونَ عُلُوّاً فی الْأَرْضِ وَ لا فساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقینَ .

و یؤیّده قوله ( و جعلت فیها مأدبة ) فانّه لو أرید بالدّار الاسلام لا بدّ من حمل الظرف أعنى قوله : فیها ، على المجاز بخلاف ما لو ارید بها الآخرة و الأصل فی الكلام الحقیقة ، و المراد بالمأدبة الجنّة التی هیأت للمتّقین و دعى الیها عباد اللّه الصّالحون ، و أعدّ اللّه سبحانه لهم فیها ما لا عین رأت و لا اذن سمعت و ما تشتهیه أنفسهم .

( مشربا و مطعما ) أى شرابا و طعاما ( و أزواجا ) من الحور العین ( و خدما ) من الولدان المخلّدین ( و قصورا ) عالیة ( و أنهارا ) جاریة ( و زروعا ) زاكیة ( و ثمارا ) طیّبة ( ثمّ أرسلت داعیا یدعو ) الناس ( الیها ) إى إلى هذه الدّار أو المأدبة ، و أراد بالداعى محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أو إیّاه مع سایر الأنبیاء .

( فلا الدّاعى أجابوا و لا فیما رغبت الیه ) من الدار الآخرة الباقیة و نعیمها ( رغبوا و لا إلى ما شوّقت الیه ) من حور الجنة و قصورها و أنهارها و ثمارها و سایر ما اعدّ فیها .

( اشتاقوا اقبلوا على جیفة قد افتضحوا بأكلها ) استعار علیه السّلام لفظ الجیفة للدنیا باعتبار نفرة طباع أهل البصیرة . و المعرفة عنها و كونها مستقذرة فی نظر أرباب الیقین و أولیاء الدّین كالجیفة المنتنة التی ینفرّ عنها النّاس و یفرّون منها ، أو باعتبار اجتماع أهلها علیها و فرط رغبتهم إلیها و كون همّ كلّ واحد جذبها إلى نفسه بمنزلة جیفة منبوذة تجتمع علیها الكلاب و یجذبها كلّ إلیه قال الشاعر :

و ما هى إلاّ جیفة مستحیلة
علیها كلاب همّهنّ اجتذابها

فان تجتنبها كنت سلما لأهلها
و ان تجتذ بها نازعتك كلابها

[ 331 ]

و أما افتضاحهم بأكلها فلانّها بعد ما كانت بمنزلة الجیفة یكون آكلها مفتضحا بأكلها لا محالة ، و هو ترشیح للاستعارة .

و قوله علیه السّلام ( و اصطلحوا على حبّها ) أى اتفقوا على محبّتها و توافقوا علیها ، فانّ أصل الصلح هو التراضی بین المتنازعین و تجوّز به عن التوافق و الاتفاق للملازمة بینهما ( و من عشق شیئا ) أى كان مولعا به شدید المحبّة له ، فانّ العشق هو الافراط فی الحبّ و التجاوز عن حدّ الاعتدال .

قال جالینوس الحكیم العشق من فعل النفس و هى كامنة فی الدّماغ و القلب و الكبد ،

و فی الدماغ ثلاث مساكن التخیّل فی مقدّمه ، و الفكر فی وسطه ، و الذكر فی آخره فلا یكون أحد عاشقا حتى اذا فارق معشوقه لم یخل من تخیّله و فكره و ذكره فیمتنع من الطعام و الشراب باشتغال قلبه و كبده من النوم باشتغال الدّماغ بالتخیّل و الذكر و الفكر للمعشوق ، فیكون جمیع مساكن النفس قد اشتغلت به ، و متى لم یكن كذلك لم یكن عاشقا .

و كیف كان فالمراد أنّ من أفرط فی محبّة شی‏ء ( اغشى ) ذلك الشی‏ء ( بصره و أمرض قلبه ) أى یكون فرط حبّه لذلك الشی‏ء مانعا عن توجّهه الى ما یلزمه التوجّه إلیه و حاجبا عن النظر إلى مصالحه و ما یلزمه الاشتغال به فیكون غافلا عماعداه ، صارفا أوقاته بكلّیته إلى هواه ، و یكون 1 عشقه مانعا عن ادراكه العقول ، و یكون عشقه ایضا مانعا عن ادراكه لعیوب المعشوق ، و عن التفاته الى مساویه ، و من هنا قیل :

و عین الرّضا عن كلّ عیب كلیلة
كما أنّ عین السّخط تبدى المساویا

و غرضه علیه السّلام أنّ أهل الدّنیا لكثرة حبّهم لها و فرط رغبتهم إلیها قصرت أبصارهم عن النظر إلى اخراهم ، و مرضت قلوبهم عن التوجه إلى عقباهم ، و صرفوا

-----------
( 1 ) قال ارسطوا لعشق عمى الحسّ عن ادراك عیوب المحبوب و هو من الامراض المعروفة من انواع المالیخولیا الذی هو تشویش الظنون و الفكر الى الفساد و الخوف و عن الامالى عن المفضل بن عمر قال سألت الصادق ( ع ) عن العشق فقال ( ع ) قلوب خلت عن ذكر اللّه فأذاقها اللّه حبّ غیره ، منه





نظرات() 


carpet cleaning rental machines near me
یکشنبه 24 تیر 1397 08:51 ق.ظ
She just wanted us to dry her carpets.
window tinting in jackson missouri
شنبه 15 اردیبهشت 1397 06:59 ق.ظ
Not all movies are suitable for all glass.
rv roof repair materials
سه شنبه 11 اردیبهشت 1397 08:48 ب.ظ
5 Elements That Influence Cost of a Roof Repair.
rv roof repair near me
شنبه 1 اردیبهشت 1397 03:28 ب.ظ
Wood Shake or Composite Roofing - Repair.
floor refinishing supplies
شنبه 25 فروردین 1397 07:07 ب.ظ
It involves repairs, sanding, ending and coating.
blockchain technology investment banking
سه شنبه 7 فروردین 1397 07:42 ق.ظ
Enter blockchain technology. What is blockchain?
Debora
پنجشنبه 24 اسفند 1396 02:11 ب.ظ
Does your blog have a contact page? I'm having a tough time locating it but, I'd
like to shoot you an e-mail. I've got some suggestions for your blog you might be interested in hearing.
Either way, great site and I look forward to seeing it expand
over time.
tree management company michael dougherty
جمعه 4 اسفند 1396 06:50 ق.ظ
About time I get to that 2x4 Christmas tree tutorial!
health insurance agents near me
چهارشنبه 2 اسفند 1396 05:54 ق.ظ
The job outlook for insurance coverage brokers is nice.
residential pressure washing service houston tx
سه شنبه 1 اسفند 1396 07:02 ب.ظ
Michigan Pressure Washing has you coated.
white house cleaning service staten island
سه شنبه 1 اسفند 1396 11:15 ق.ظ
The Maids could be the career alternative for you!
ig
شنبه 21 بهمن 1396 09:03 ق.ظ
May I simply say what a relief to discover an individual who genuinely knows what they are discussing
over the internet. You definitely realize how to bring
a problem to light and make it important. A lot more people ought to
read this and understand this side of the story.

It's surprising you're not more popular because you surely
have the gift.
tree management plan act
شنبه 21 بهمن 1396 12:06 ق.ظ
Tea tree oil could have antibacterial properties.
barnbusterdeals.com
پنجشنبه 21 دی 1396 04:16 ق.ظ
Greetings! Very helpful advice in this particular post!
It is the little changes that produce the largest changes.
Thanks a lot for sharing!
ankara-escortbayan.xyz
چهارشنبه 15 آذر 1396 10:01 ق.ظ
Your style is unique in comparison to other folks I have read stuff from.
Thanks for posting when you have the opportunity, Guess I will just bookmark this
blog.
domain name
سه شنبه 7 آذر 1396 04:12 ب.ظ
You ought to be a part of a contest for one of the best websites on the web.
I most certainly will highly recommend this web site!
Lelio Vieira Carneiro Junior
شنبه 20 آبان 1396 11:09 ب.ظ
Thank you for sharing your info. I really appreciate your efforts and I am waiting
for your further post thanks once again.
How do you treat Achilles tendonitis?
دوشنبه 16 مرداد 1396 02:39 ب.ظ
I always used to study paragraph in news papers but now as I am a user of internet therefore from now I am using net
for content, thanks to web.
What do you do for a strained Achilles tendon?
جمعه 13 مرداد 1396 03:56 ب.ظ
Very rapidly this web page will be famous among all blog people, due to it's nice
posts
karolynmrazik.hatenablog.com
چهارشنبه 3 خرداد 1396 04:27 ق.ظ
I am regular reader, how are you everybody? This post posted at this website is actually good.
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox