تبلیغات
پیام هادی - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
دوشنبه 5 مهر 1389-01:38 ب.ظ

[ 19 ]

الفصل الثامن

ألا و قد أمرنی اللّه بقتال أهل البغی و النّكث و الفساد فی الأرض فأمّا النّاكثون فقد قاتلت ، و أمّا القاسطون فقد جاهدت ، و أمّا المارقة فقد دوّخت ، و أمّا شیطان الرّدهة فقد كفیته بصعقة سمعت لها وجبة قلبه ، و رجّة صدره ، و بقبت بقیّة من أهل البغی و لئن أذن اللّه فی الكرّة علیهم لادیلنّ منهم إلاّ ما یتشذّر فی أطراف البلاد تشذّرا .

أنا وضعت فی الصّغر بكلاكل العرب ، و كسرت نواجم قرون ربیعة و مضر .

و قد علمتم موضعی من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالقرابة القریبة ،

و المنزلة الخصیصة ، وضعنی فی حجره و أنا ولید ، یضمّنی إلى صدره ،

و یكنفنی فی فراشه ، و یمسّنی جسده ، و یشمّنی عرفه ، و كان یمضغ الشّی‏ء ثمّ یلقمنیه ، و ما وجد لی كذبة فی قول ، و لا خطلة فی فعل .

و لقد قرن اللّه به صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من لدن أن كان فطیما أعظم ملك من ملائكته ، یسلك به طریق المكارم ، و محاسن أخلاق العالم لیله و نهاره ، و لقد كنت أتّبعه اتّباع الفصیل أثر أمّه ، یرفع لی فی كلّ یوم من أخلاقه علما ، و یأمرنی بالإقتداء به ، و لقد كان یجاور فی

[ 20 ]

كلّ سنة بحراء فأراه و لا یراه غیری ، و لم یجمع بیت واحد یومئذ فی الإسلام غیر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و خدیجة و أنا ثالثهما ، أرى نور الوحی و الرّسالة ، و أشمّ ریح النّبوّة .

و لقد سمعت رنّة الشّیطان حین نزل الوحی علیه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فقلت :

یا رسول اللّه ما هذه الرّنة ؟ فقال : هذا الشّیطان قد أیس من عبادته ،

إنّك تسمع ما أسمع ، و ترى ما أرى ، إلاّ أنّك لست بنبیّ ، و لكنّك وزیر ، و إنّك لعلى خیر .

اللغة

( دوّخه ) ذلّله و ( الرّدهة ) وزان تمرة حفرة فی الجبل یجتمع فیها الماء و الجمع رده كتمر قال فی القاموس : و شبه اكمة خشنة و جمعه رده محرّكة و ( كفیته ) بالبناء على المفعول من كفانى اللّه مؤنته قتله أو دفع عنّى شرّه و ( صعق ) صعقا و صعقا و صعقة غشى علیه فهو صعق ككتف و الصّعق محرّكة شدّة الصّوت و الصّاعقة الموت و كلّ عذاب مهلك و صیحة العذاب .

و ( الوجبة ) وزان تمرة الاضطراب للقلب و ( الرّجّة ) الحركة و الزلزلة و ( أدلت ) من فلان غلبته و قهرته أى صرت ذادولة و ( تشذّر ) تبدّد و تفرّق و ( الكلاكل ) الصّدور و الواحد الكلكل و ( النواجم ) جمع ناجمة من نجم الشی‏ء أى طلع و ظهر و ( القرن ) من الحیوان الرّوق و موضعه من رأسنا أو الجانب الأعلى من الرّأس و الجمع قرون .

و ( ربیعة و مضر ) وزان صرد قبیلتان من قریش معروفتان یضرب لهما المثل

[ 21 ]

فی الكثرة نسبتهما إلى أبویهما و هما ربیعة و مضرابنا نزار بن معدّ بن عدنان و یقال للأوّل ربیعة الفرس و للثانی مضر الحمراء بالاضافة ، لأنّ ربیعة اعطی الخیل من میراث أبیه و مضر اعطى الذّهب .

و ( الولید ) الصّبی و المولود و ( یكنفنى ) أى یجعلنی فی كنفه و الكنف محرّكة الحرز و الجانب و السّتر ، و كنف الطایر جناحه و ( العرف ) وزان فلس الرائحة و أكثر استعماله فی الطیبة و ( الخطلة ) بالفتح المرّة من الخطل محرّكة و هو الخفّة و السرعة و الكلام الفاسد الكثیر فهو خطل ككتف أى أحمق عجل .

و ( حراء ) بالكسر و المدّ وزان كتاب جبل بمكّة فیه غار كان النّبیّ یعتزل إلیه و یتعبّد أیّاما یذكّر و یؤنث و ( الرنّة ) الصوت رنّ یرنّ رنینا صاح و رنّ إلیه أصغى .

الاعراب

الواو فی قوله : و لئن اذن اللّه ، للقسم و المقسم به محذوف و قوله : لادیلنّ جواب القسم ، و الباء فى قوله : وضعت بكلاكل العرب ، زائدة و قال الشارح البحرانى و یحتمل أن تكون للالصاق أى فعلت بهم الوضع و الاهانة ، و ربیعة و مضر بالفتح لمنع الصرف بالتّأنیث و العلمیّة ، و جملة وضعنى فى حجره استینافیّة بیانیّة .

المعنى

اعلم أنّه علیه السّلام لما لام المخاطبین فى الفصول السابقة و وبّخهم على مخالفة شرایع الدّین و ترك مراسم الاسلام ، و دعاهم إلى اللّه سبحانه بالحكمة و الموعظة الحسنة ، و نصحهم بالتى هى أحسن ، أردف بهذا الفصل المسوق لبیان فضایله و مناقبه و خصایصه الخاصّة و علوّ شأنه و رفعة مقامه ، تنبیها بذلك على أنّه إمام مفترض الطّاعة ،

و أنّه فیما یأمر و ینهى بمنزلة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى أوامره و نواهیه ، و غرضه بذلك جذب قلوب المخاطبین إلى قبول مواعظه و نصایحه و امتثال أوامره و نواهیه ، و صدّر الفصل بالاشارة إلى أعظم تكلیف كان مكلّفا به بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و إلى قیامه به

[ 22 ]

على أبلغ وجهه و هو قوله :

( ألا و قد أمرنى اللّه بقتال أهل البغى ) و المراد بهم المجاوزون عن الحدّ و العادلون عن القصد الخارجون علیه علیه السّلام بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من الفرق الثلاث الذین یصرح بهم تفصیلا .

و أمر اللّه سبحانه له بقتالهم إمّا بما أنزله سبحانه فی ضمن آیات كتابه العزیز مثل قوله تعالى « فامّا نذهبنّ بك فانّا منهم منتقمون » .

فقد روى فى غایة المرام عن یونس بن عبد الرّحمن بن سالم عن أبیه عن أبیعبد اللّه علیه السّلام فى هذه الآیة قال : اللّه انتقم بعلىّ علیه السّلام یوم البصرة و هو الّذى وعد اللّه رسوله .

و فیه عن 1 عدىّ بن ثابت قال : سمعت ابن عباس یقول : ما حسدت قریش علیا بشى‏ء مما سبق له أشدّ مما وجدت یوما و نحن عند رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال : كیف أنتم یا معشر قریش لو كفرتم بعدى و رأیتمونى فى كتیبة أضرب وجوهكم بالسیف ، فهبط جبرئیل فقال : قل انّ اللّه أو على فقال إنّ اللّه أو على .

و فیه عن الشیخ فى أمالیه باسناده عن محمّد بن على عن جابر بن عبد اللّه الأنصارى قال : إنّى لأدناهم من رسول اللّه فى حجّة الوداع فقال : لاعرفنكم ترجعون بعدى كفارا یضرب بعضكم رقاب بعض ، و أیم اللّه لئن فعلتموها لتعرفونى فى الكتیبة التى تضاربكم ، ثمّ التفت إلى خلفه فقال : أو علیّ أو علیّ أو علیّ ثلاثا ، فرأینا أنّ جبرئیل غمزه فأنزل اللّه عزّ و جل « فاما نذهبنّ بك فانّا منهم منتقمون بعلىّ أو نرینّك الذى وعدناهم فانّا علیهم مقتدرون » .

و مثل قوله سبحانه « و ان طائفتان من المؤمنین اقتتلوا فأصلحوا بینهما فان بغت احدیهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفى‏ء الى أمر اللَّه فان فائت فأصلحوا بینهما بالعدل إنَّ اللَّه یحبّ المقسطین » .

روى فى الصافى من الكافى و التهذیب و علىّ بن إبراهیم القمىّ عن الصادق عن

-----------
( 1 ) ذكره الروایة لتأییدها الروایة الآتیة فی شأن نزول الآیة فافهم ، منه

[ 23 ]

أبیه علیهما السّلام فى حدیث لما نزلت هذه الآیة قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : إنّ منكم من یقاتل على التأویل كما قاتلت على التنزیل ، فسئل من هو ؟ فقال صلّى اللّه علیه و آله : خاصف النعل یعنى أمیر المؤمنین علیه السّلام ، فقال عمار بن یاسر : قاتلت بهذه الرّایة مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ثلاثا و هذه الرّابعةو اللّه لو ضربونا حتّى یبلغوا بنا السعفات من هجر لعلمنا أنا على الحقّ و أنّهم على الباطل و كانت السّیرة فیهم من أمیر المؤمنین ما كان من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یوم فتح مكة ، فانّه لم یسب منهم ذریّة و قال : من أغلق بابه فهو آمن ، و من ألقى سلاحه فهو آمن ، و من دخل دار أبى سفیان فهو آمن ، و كذلك قال أمیر المؤمنین علیه السّلام یوم البصرة نادى فیهم : لا تسبوا لهم ذریّة ، و لا تجهزوا على جریح و لا تتبعوا مدبرا ، و من أغلق بابه و ألقى سلاحه فهو آمن .

و فیه من الكافی عن الصادق علیه السّلام إنّما جاء تأویل هذه الآیة یوم البصرة و هم أهل هذه الآیة ، و هم الذین بغوا على أمیر المؤمنین علیه السّلام فكان الواجب علیهم قتلهم و قتالهم حتى یفیئوا إلى أمر اللّه ، و لو لم یفیئوا لكان الواجب علیه علیه السّلام فیما انزل اللّه أن لا یرفع السیف عنهم حتّى یفیئوا و یرجعوا عن رأیهم ، لأنّهم بایعوا طائعین غیر كارهین ، و هى الفئة الباغیة كما قال اللّه عزّ و جل ، فكان الواجب على أمیر المؤمنین علیه السّلام أن یعدل فیهم حیث كان ظفر بهم كما عدل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فى أهل مكّة إنّما منّ علیهم و عفى ، و كذلك صنع أمیر المؤمنین علیه السّلام بأهل البصرة حیث ظفر بهم بمثل ما صنع النبىّ صلّى اللّه علیه و آله بأهل مكّة حذو النعل بالنعل .

و مثل قوله تعالى « یا أیّها الذین آمنوا من یرتدّ منكم عن دینه فسوف یأتی اللّه بقوم یحبّهم و یحبّونه أذلّة على المؤمنین أعزّة على الكافرین » .

قال فی مجمع البیان فی تفسیر الآیة قیل : هم أمیر المؤمنین و أصحابه حین قاتل من قاتله من النّاكثین و القاسطین و المارقین ، و روى ذلك عن عمار و حذیفة و ابن عبّاس ، و هو المروىّ عن أبی جعفر علیه السّلام و أبی عبد اللّه علیه السّلام قال و روى عن علیّ علیه السّلام انّه قال یوم البصرة : و اللّه ما قوتل أهل هذه الآیة حتّى الیوم .

-----------
( 1 ) یعنى فى صفّین ، م

[ 24 ]

و سیأتی لهذه الآیة مزید تحقیق و تفصیل بعد الفراغ من شرح هذا الفصل فی أوّل التنبیهات الآتیة .

و إمّا 1 بما صدر عن لسان الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی ضمن الأخبار النّبویّة من الأوامر الانشائیة و الجملات الخبریّة الّتی فی معنى الانشاء ، حسبما عرفتها فی شرح الفصل الخامس من المختار الثالث ، و شرح المختار المأة و الثامن و الأربعین ،

و شرح الفصل الثانی من المختار المأة و الخامس و الخمسین فی التّنبیه الأوّل منه ،

و قد عرفت فی التّنبیه الثانی منه و فی شرح المختار الثالث و الثلاثین تحقیق الكلام فی كفر البغاة و سایر أحكامهم ، فلیراجع إلى المواضع الّتی اشرنا إلیها ، فانّ مراجعتها یوجب مزید البصیرة فی المقام .

و تعرف بما أوردناه هنا و فیما تقدّم أنّ أهل البغى الّذین كان أمیر المؤمنین علیه السّلام مأمورا بقتالهم هم الناكثون و القاسطون و المارقون كما أوضحه بقوله :

( و النّكث و الفساد فی الأرض ) و فصّلهم بقوله ( فأمّا النّاكثون ) أى النّاقضون ما عقدوه من البیعة و هم أصحاب الجمل ( فقد قاتلت ) و قد مضى تفصیل قتالهم فی شرح المختار الحادى عشر .

( و أمّا القاسطون ) أى العادلون عن الحقّ و الدّین و هم أصحاب معاویة و صفّین ( فقد جاهدت ) و مضی تفصیل جهادهم فی شرح المختار الخامس و الثلاثین و المختار الحادى و الخمسین و المختار الخامس و الستین .

( و أمّا المارقة ) و هم خوارج النهروان الّذین مرقوا من الدّین أى جازوا منه مروق السّهم من الرمیة حسبما عرفته فی التذییل الأوّل من شرح المختار السّادس و الثلاثین ( فقد دوّخت ) أىّ ذلّلتهم و قهرتهم حسبما عرفته فی التذییل الثانى منه ( و أمّا شیطان الرّدهة فقد كفیته ) أى كفانى اللّه من شرّه ( بصعقة سمعت لها وجبة قلبه ) و اضطرابه ( و رجّة صدره ) و زلزاله .

-----------
( 1 ) عطف على قولنا و أمر اللّه سبحانه له بقتالهم إما بما أنزله سبحانه فى ضمن آیات كتابه ، منه .

[ 25 ]

و قد اختلف الأقوال فى شیطان الرّدهة فقد قال قوم 1 إنّ المراد به ذو الثّدیة رئیس الخوارج و تسمیته بالشّیطان لكونه ضالاّ قائد ضلالة مثل شیطان الجنّ ، و أمّا إضافته إلى الرّدهة فلما عرفته فی التذییل الثانى من شرح المختار السادس و الثلاثین من أنّه بعد الفراغ من قتل الخوارج طلبه علیه السّلام فى القتلى فوجده بعد جدّ أكید فى حفرة دالیة فنسبه علیه السّلام إلیها لذلك .

و أمّا الصعقة الّتی كفى علیه السّلام عنه بها فقد قیل : إنّ المراد بها الصّاعقة و هى صیحة العذاب لما روى أنّ علیّا لمّا قابل القوم صاح بهم فكان ذو الثّدیة ممّن هرب من صیحته حتّى وجد قتیلا فى الحفرة المذكورة .

و قیل إنّه رماه اللّه بصاعقة من السماء فهلك بها و لم یقتل بالسیف ، و قیل :

إنّه لما ضربه علیه السّلام بالسیف غشى علیه فمات .

و قال قوم : إنّ شیطان الرّدهة أحد الأبالسة المردة من أولاد ابلیس اللّعین قال الشارح المعتزلى : ورووا فى ذلك خبرا عن النّبى صلّى اللّه علیه و آله و أنّه كان یتعوّذ منه ، و هذا مثل قوله صلّى اللّه علیه و آله هذا أزبّ العقبة اى شیطانها و لعل أزبّ العقبة هو شیطان الرّدهة بعینه فتارة یعبّر بهذا اللفظ و اخرى بذلك .

أقول : و الأظهر أن یكون المراد به شیطان الجنّ و یكون الاشارة بهذا الكلام إلى ما وقع منه علیه السّلام فى بئر ذات العلم .

فقد روى السیّد السّند السیّد هاشم البحرانى فى كتاب مدینة المعاجز عن ابن شهر آشوب ، عن محمّد بن إسحاق ، عن یحیى بن عبد اللّه بن الحارث عن أبیه ، عن ابن عبّاس و عن أبی عمر و عثمان بن أحمد عن محمّد بن هارون باسناده عن ابن عباس فى خبر طویل أنّه أصاب النّاس عطش شدید فى الحدیبیّة فقال النّبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم هل من رجل یمضى مع السّقاة إلى بئر ذات العلم فیأتینا بالماء و أضمن له على اللّه الجنّة ؟

فذهب جماعة فیهم سلمة بن الأكوع فلمّا دنوا من الشّجر و البئر سمعوا

-----------
( 1 ) قال ابن شهر آشوب عن ابانة بن بطة انه ذكر المقتول بالنهروان فقال سعد ابن وقاص هو شیطان الردهة و قال ابن الاثیر : الردهة النقرة فى الجبل یستنقع فیها الماء و قال فى حدیث على ( ع ) أنه ذكر ذا الثدیة فقال شیطان الردهة ، منه

[ 26 ]

حسّا و حركة شدیدة و قرع طبول و رأوا نیرانا تتقد بغیر حطب فرجعوا خائفین « خ ل خائبین » .

ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : هل من رجل یمضى مع السّقاة یأتینا بالماء أضمن له على اللّه الجنّة ؟ فمضى رجل من بنى سلیم و هو یرتجز و یقول :

أمن غریف 1 ظاهر نحو السلم
ینكل من وجّهه خیر الأمم

من قبل أن یبلغ آبار العلم
فیستقى و اللیل مبسوط الظلم

و یأمن الذّم و توبیخ الكلم
و صاحب السیف لسیف منهدم

فلمّا وصلوا إلى الحسّ رجعوا وجلین .

فقال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله : هل من رجل یمضی مع السّقاة إلى البئر ذات العلم فیأتینا بالماء أضمن له على اللّه الجنّة ؟ فلم یقم أحد ، و اشتدّ بالنّاس العطش و هم صیام .

ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لعلیّ علیه السّلام : سر مع هؤلاء السقاة حتّى ترد بئر ذات العلم و تستقى و تعود إنشاء اللّه فخرج علیّ علیه السّلام قائلا :

أعوذ بالرّحمن أن أمیلا
من غرف 2 جنّ أظهروا تأویلا

و أوقدت نیرانها تغویلا
و قرعت مع غرفها الطبولا

قال فداخلنا « خ ل فتداخلنا » الرّعب فالتفت علیّ علیه السّلام إلینا و قال : اتّبعوا أثری و لا یفزعنّكم ما ترون و تسمعون فلیس بضائركم إنشاء اللّه .

ثمّ مضى فلمّا دخلنا الشّجر فاذا بنیران تضطرم بغیر حطب و أصوات هائلة و رؤوس مقطّعة لها ضجّة و هو یقول : اتّبعونی و لا خوف علیكم و لا یلتفت أحد منكم یمینا و لا شمالا .

فلمّا جاوزنا الشّجر و وردنا الماء فأدلى البراء بن عازب دلوه فی البئر فاستقى دلوا و دلوین ثمّ انقطع الدّلو فوقع فى القلیب ، و القلیب ضیّق مظلم بعید القعر ،

فسمعنا فی أسفل القلیب قهقهة و ضحكا شدیدا .

-----------
( 1 ) الغریف كأمیر الشجر الكثیر الملتفّ أى شجر كان أو الأجمة من الضال و السلم ، منه

-----------
( 2 ) الغرف شجر یدبغ به ، منه

[ 27 ]

فقال علیّ علیه السّلام : من یرجع الى عسكرنا فیأتینا بدلو و رشا ؟ 1 فقال أصحابه علیه السّلام :

من یستطیع ذلك ، فائتزر بمئزر و نزل فی القلیب و ما تزداد القهقهة إلاّ علوا و جعل علیه السّلام ینحدر فی مراقی القلیب إذ زلّت رجله فسقط فیه ، ثمّ سمعنا وجبة شدیدة و اضطرابا و غطیطاكغطیط المخلوق « المخنوق ظ » ثمّ نادى علىّ علیه الصلاة و السلام و التحیّة و الاكرام : اللّه أكبر اللّه أكبر أنا عبد اللّه و أخو رسول اللّه ، هلمّوا قربكم فأفعمها و أصعدها على عنقه شیئا فشیئا و مضى بین أیدینا فلم نر شیئا فسمعنا صوتا .

أى فتى لیل أخی روعات
و أىّ سبّاق إلى الغایات

للّه درّ الغرر السادات
من هاشم الهامات و القامات

مثل رسول اللّه ذى الآیات
أو كعلیّ كاشف الكربات

كذا یكون المرء فی حاجات

فارتجز أمیر المؤمنین علیه السّلام

اللیل هول یرهب المهیبا
و مذهل المشجّع اللبیبا

و انّنی اهول منه ذیبا
و لست أخشی الرّدع و الخطوبا

إذا هززت الصّارم القضیبا
أبصرت منه عجبا عجیبا

و انتهى إلى النّبیّ و له زجل 3 فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : ماذا رأیت فی طریقك یا علی ؟ فأخبره بخبره كلّه فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّ الّذی رأیته مثل ضربه اللّه لی و لمن حضر معی فی وجهی هذا ، قال علیّ علیه السّلام : اشرحه لی یا رسول اللّه .

فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أمّا الرّؤوس الّتی رأیتم لها ضجّة و لألسنتها لجلجة ، فذلك مثل قومی معی یقولون بأفواههم ما لیس فی قلوبهم و لا یقبل اللّه منهم صرفا و لا عدلا و لا یقیم لهم یوم القیامة وزنا .

و أما النیران بغیر حطب ففتنة تكون فی أمتی بعدی القائم فیها و القاعد سواء

-----------
( 1 ) الرشا الحبل الذى یستقى به الماء من البئر ، منه

-----------
( 2 ) الغطیط صوت النائم المتضمن لتردّد نفسه إلى حلقه حتى یسمعه من حوله ، منه

-----------
( 3 ) الزجل بالزاء المعجمة الصوت ، لغة .

[ 28 ]

لا یقبل اللّه لهم عملا و لا یقیم لهم یوم القیامة وزنا .

و أمّا الهاتف الّذى هتف بك فذلك سلقعة و هو سملقة « كذا » بن غداف الذى قتل عدوّ اللّه مسعرا شیطان الأصنام الّذى كان یكلّم قرین منها و یشرع فی هجائی ، هذا .

و قوله علیه السّلام ( و بقیت بقیّة من أهل البغی ) أراد به معاویة و أصحابه لأنه لم یكن أتى علیهم بأجمعهم ، بل بقیت منهم بقیّة بمكیدة التحكیم حسبما عرفته فی شرح المختار الخامس و الثلاثین .

( و ) الذى فلق الحبّة و برء النسمة ( لئن أذن اللّه فی الكرّة علیهم ) هذا بمنزلة التعلیق بالمشیّة أى إنشاء اللّه سبحانه لی الرّجوع إلیهم بأن یمدّ لى فی العمر و یفسح فی الأجل و یهیّأ أسباب الرّجوع ( لادیلنّ منهم ) أى لیكون الدّولة و الغلبة لی علیهم .

و الاتیان فی جواب القسم باللاّم و نون التوكید لتأكید تحقّق الإدالة و ثبوته لا محالة بعد حصول الاذن و المشیّة منه سبحانه ، و ذلك بمقتضی وعده الصّادق و قوله الحقّ فی كتابه العزیز « و لینصرنّ اللَّه من ینصره إنّ اللَّه لقوىّ عزیز » .

و بعد هذا فلقائل أن یقول : إنّه علیه السّلام قد كان عالما بعدم اذن اللّه سبحانه فی الكرّة علیهم و الادالة منهم ، و ذلك لما كان یعلمه باخبار اللّه سبحانه و اخبار رسوله صلّى اللّه علیه و آله بأنّ بنى امیّة یملكون البلاد ألف شهر ، و قد كان علیه السّلام نفسه أخبر بذلك حین شاع فى الكوفة خبر موت معاویة بقوله : كلاّ أو تخضب هذه من هذه و یتلاعب بها ابن آكلة الأكباد ، فى الرّوایة الّتی تقدّمت فى شرح المختار السادس و الخمسین ، و مع ذلك كلّه فما معنى قوله علیه السّلام : و لئن أذن اللّه فى الكرّة اه ؟

قلت : الاتیان بهذه الجملة الشرطیة مع علمه علیه السّلام بعدم وقوع مضمونها لربط جاش المخاطبین و تقویة قلوبهم .

و نظیره ما رواه عنه علیه السّلام علیّ بن إبراهیم بسنده عن عدىّ بن حاتم و كان معه علیه السّلام فى مردبه « كذا » أن علیا قال لیلة الهریر بصفّین حین التقى مع معاویة رافعا صوته یسمع أصحابه : لأقتلنّ معاویة و أصحابه ، ثمّ قال فى آخر قوله : إنشاء اللّه تعالى ، یخفض بها صوته ، و كنت قریبا منه فقلت : یا أمیر المؤمنین إنّك حلفت

[ 29 ]

على ما قلت ثمّ استثنیت فما أردت بذلك ؟ فقال علیه السّلام : إنّ الحرب خدعة و أنا عند أصحابى صدوق فأردت أن اطمع أصحابى كیلا یفسئوا « یفشلواظ » و لا یفرّوا ، فافهم فانك تنتفع بهذه بعد الیوم انشاء اللّه ، هذا .

و قوله علیه السّلام : ( إلاّ ما یتشذّر فى أطراف الأرض تشذّرا ) كلمة ما هنا بمعنى من كما فى قوله : « و السماء و ما بناها » ، أى إلاّ من یتفرّق فى أطرافها تفرّقا ممنّ لم یتمّ أجله ثمّ نبّه على نجدته و شجاعته بقوله :

( أنا وضعت فى الصغر بكلاكل العرب ) استعار لفظ الكلاكل للأكابر و الرؤساء من العرب و أشراف القبایل الّذین قتلهم فی صدر الاسلام ، و الجامع للاستعارة كونهم سبب قوّة العرب و مقدّمیهم و بهم انتهاضهم إلى الحرب كما أنّ الكلكل للجمل كذلك سبب لنهوضه و قیامه و قوته و مقدم أجزائه .

و یجوز أن یكون من باب الاستعارة بالكنایة ، بأن یشبه العرب بجمال مستجلات ذوات الصدور و الكلاكل فی القوّة ، فیكون اثبات الكلاكل تخییلا ، و الوضع ترشیحا .

و على أیّ تقدیر فأشار علیه السّلام بوضعه لهم إلى قهرهم و إذلالهم كما أنّ إناخة الجمل یستلزم قهره و إذلاله قال الشاعر :

مراجیح ما تنفكّ إلاّ مناخة
على الحتف أو ترمى بها بلدا قفرا

و إن شئت أن تعرف انموزجا من قتله و قتاله و إذلاله للكلاكل و الشجعان فاستمع لما وقع منه علیه السّلام فی أوّل غزاة كانت فی الاسلام و هی غزوة بدر ، و قد كانت تلك الغزوة على رأس ثمانیة عشر شهرا من الهجرة كما فی كشف الغمة و كان عمره علیه السّلام إذ ذاك سبعة و عشرین سنة .

قال المفید فی الارشاد : و أما الجهاد الّذى ثبتت به قواعد الاسلام ، و استقرّت بثبوته شرایع الملّة و الأحكام ، فقد تخصّص منه أمیر المؤمنین علیه السّلام بما اشتهر ذكره فی الأنام ، و استفاض الخبر به بین الخاصّ و العامّ ، و لم یختلف فیه العلماء ، و لا تنازع فی صحته الفهماء ، و لا شكّ فیه إلاّ غفل لم یتأمّل فی الأخبار ، و لا دفعه أحد ممّن نظر فی الآثار إلاّ معاند بهّات لا یستحیی من العار .

[ 30 ]

فمن ذلك ما كان منه علیه السّلام فی غزاة البدر المذكورة فی القرآن ، و هی أوّل حرب كان به الامتحان ، و ملأت رهبة صدور المعدودین من المسلمین فی الشجعان ،

و راموا التأخر عنها لخوفهم منها و كراهتهم لها على ما جاء به محكم الذّكر فى التبیان .

و كان من جملة خبر هذه الغزاة إنّ المشركین حضروا بدرا مصرّین على القتال ، مستظهرین فیه بكثرة الأموال ، و العدد و العدّة و الرّجال ، و المسلمون إذ ذاك نفر قلیل عدد هناك ، و حضرته طوایف منهم بغیر اختیار ، و شهدته على الكراهة منها له و الاضطرار .

فتحدّتهم قریش بالبراز و دعتهم إلى المصافة و النزال و اقترحت 1 فی اللقاء منهم الأكفاء ، و تطاولت الأنصار لمبارزتهم فمنعهم النبیّ صلّى اللّه علیه و آله من ذلك فقال لهم :

إنّ القوم دعوا الأكفاء .

ثمّ أمر علیّا أمیر المؤمنین بالبروز إلیهم ، و دعا حمزة بن عبد المطلب و عبیدة ابن الحارث رضوان اللّه علیهما أن یبرزا معه ، فلمّا اصطفوا لهم لم یثبتهم 2 القوم لأنهم كانوا قد تغفّروا فسألوهم من أنتم ، فانتسبوا لهم ، فقالوا : أكفاء كرام ، و نشبت الحرب بینهم .

و بارز الولید أمیر المؤمنین علیه السّلام فلم یلبثه حتّى قتله ، و بارز عقبة حمزة رضی اللّه عنه فقتله حمزة ، و بارز شیبة عبیدة رحمه اللّه فاختلفت بینهما ضربة قطعت إحداهما فخذ عبیدة ، فاستنقذه أمیر المؤمنین علیه السّلام بضربة بدر بها شیبة فقتله ، و شركه فى ذلك حمزة .

فكان قتل هؤلاء الثلاثة أوّل وهن لحق المشركین ، و ذلّ دخل علیهم ، و رهبة اعتراهم بها الرّعب من المسلمین ، و ظهر بذلك امارات نصر المسلمین .

ثمّ بارز أمیر المؤمنین العاص بن سعید بن العاص بعد أن أحجم عنه من سواء

-----------
( 1 ) أى طلبت

-----------
( 2 ) أى لم تعرفهم حقّ المعرفة ، منه

[ 31 ]

فلم یلبثه أن قتله ، و برز إلیه حنظلة بن أبی سفیان فقتله ، و برز إلیه طعیمة بن عدى فقتله ، و قتل بعده نوفل بن خویلد و كان من شیاطین قریش .

و لم یزل علیه السّلام یقتل واحدا منهم بعد واحد حتّى أتى على شطر المقتولین منهم ، و كانوا سبعین رجلا تولّى كافّة من حضر بدرا من المسلمین مع ثلاثة آلاف من الملائكة المسوّمین قتل الشطر منهم ، و تولّى أمیر المؤمنین علیه السّلام قتل الشطر الآخر وحده بمعونة اللّه له و تأییده و توفیقه و نصره و كان الفتح له بذلك على یدیه .

و ختم الأمر بمناولة النّبی صلّى اللّه علیه و آله كفّا من الحصى فرمی بها فی وجوههم و قال لهم :

شاهت الوجوه ، فلم یبق أحد منهم إلاّ ولّى الدّبر بذلك منهزما ، و كفى اللّه المؤمنین القتال بأمیر المؤمنین علیه السّلام و شركائه فی نصرة الدّین من خاصّة الرّسول علیه و آله السلام و من أیّدهم به من الملائكة الكرام .

قال المفید : و قد أثبتت رواة العامة و الخاصّة معا أسماء الّذین تولّى أمیر المؤمنین علیه السّلام قتلهم ببدر من المشركین على اتّفاق فیما نقلوه من ذلك و اصطلاح فكان ممّن سمّوه : الولید بن عتبة كما قدّمناه و كان شجاعا جرئیا و قاحا فاتكاتها به الرّجال ، و العاص بن سعید و كان هولا عظیما تها به الأبطال ، و هو الّذى حاد عنه عمر بن الخطّاب ، و طعیمة بن عدىّ بن نوفل و كان من رؤوس أهل الضلال ، و نوفل ابن خویلد و كان من أشدّ المشركین عداوة لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و كانت قریش تقدّمه و تعظّمه و تطیعه و هو الّذى قرن أبا بكر و طلحة قبل الهجرة بمكة و أوثقهما بحبل و عذّبهما یوما إلى اللیل حتّى سئل فی أمرهما و لمّا عرف رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حضوره بدرا سأل اللّه أن یكفیه أمره فقال : اللّهمّ اكفنی نوفل بن خویلد ، فقتله أمیر المؤمنین علیه السّلام .

و زمعة بن الأسود ، و عقیل بن الأسود ، و الحارث بن زمعة ، و النضر بن الحارث ابن عبد الدّار ، و عمیر بن عثمان بن كعب بن تیم عمّ طلحة بن عبید اللّه ، و عثمان ، و مالك ابنا عبید اللّه أخوا طلحة بن عبید اللّه ، و مسعود بن أبی امیّة بن المغیرة ، و قیس بن الفاكهة ابن المغیرة ، و حذیفة بن أبى حذیفة بن المغیرة ، و أبو قیس بن الولید بن المغیرة ،

[ 32 ]

و حنظلة بن أبی سفیان ، و عمرو بن مخذوم ، و أبو المنذر بن أبی رفاعة ، و منیة بن الحجاج السّهمی ، و العاص بن منیة ، و علقمة بن كلدة ، و أبو العاص بن قیس بن عدى ، و معاویة ابن المغیرة بن أبی العاص ، و لوذان بن ربیعة ، و عبد اللّه بن المنذر بن أبی رفاعة ،

و مسعود بن امیّة بن المغیرة ، و حاجب بن السایب بن عویمر ، و اوس بن المغیرة بن لوذان ، و زید بن ملیص ، و عاصم بن أبی عوف ، و سعید بن وهب حلیف بنى عامر ، و معاویة ابن عبد القیس ، و عبد اللّه بن جمیل بن زهیر بن الحارث بن أسد ، و السّائب بن مالك ، و أبو الحكم بن الأخنس ، و هشام بن أبی امیّة بن المغیرة .

فذلك ستة و ثلاثون رجلا سوى من اختلف فیه أو شرك أمیر المؤمنین علیه السّلام فیه غیره ، و هم أكثر من شطر المقتولین ببدر على ما قدّمناه .

قال المفید : و فیما صنعه أمیر المؤمنین علیه السّلام ببدر قال اسید ین ایاس یحرض مشركى قریش علیه :

فى كلّ مجمع غایة أخزاكم
جذع أبرّ على المذاكى القرّح

للّه درّكم المّا تنكروا
قد ینكر الحرّ الكریم و یستحى

هذا ابن فاطمة الذى أفناكم
ذبحا و قتلا قعصة لم یذبح

اعطوه خرجا و اتّقوا تضریبه
فعل الذّلیل و بیعة لم تربح

أین الكهول و أین كلّ دعامة
فى المعضلات و این زین الأبطح

أفناهم قعصا و ضربا یعترى
بالسیف یعمل حدّه لم یصفح

-----------
( 1 ) الغایة الرایة ، و الجذع الشاب الحدث ، ابرّ علیهم غلبهم ، و المذاكى من الخیل التى قد اتى علیها بعد قروحها سنة او سنتان ، و القارح منها ما انتهت اسنانه و انما تنتهى فى خمس سنین و الجمع قرح ، و القعص أن یضرب الانسان فیموت فى مكانه یقال قعصه اى قتله سریعة ، و الكهول جمع كهل و هو من جاوز الثلاثین إلى الأربعین أو الخمسین و انما خصّهم بالذكر لأنّهم أشدّ قوّة فى الحروب و اكمل عقلا یرجع الیهم و یحتاج إلى تدبیرهم فى الملمات و الدواهى ، و دعامة القوم سیّدهم

[ 33 ]

( و كسرت نواجم قرون ربیعة و مضر ) و الاستعارة فی هذه القرینة مثل الّتی فی سابقتها ، فتحتمل الاستعارة التحقیقیة بأن یراد تشبیه رؤساء القبیلتین و انجادهم بقرون الحیوان ، لأنّهم أسباب القوّة و الصّولة و المحاربة للقبیلتین كما أنّ القرن آلة الحرب و النطح و الصّیال للكبش .

و تحتمل الاستعارة المكنیّة بأن یراد تشبیه القبیلتین بالأكبش ذوات القرون فی الصّولة و القوّة ، فیكون اثبات القرن تخییلا ، و الكسر و النّواجم ترشیحا ، و المراد بكسره علیه السّلام نواجم قرونهم قهرهم ، و اذلالهم ، لأنّ الكبش اذا انتطح بكبش آخر فانكسر قرنه یغلب و یهرب .

و قد قتل علیه السّلام من ربیعة و مضر فى مجاهداته بین یدى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و بعده فی الجمل و صفّین جما غفیرا یكاد أن یكون أغزر من قطر المطر و أكثر من عدد النجم و الشّجر ، و لنعم ما قال كاشف الغمّة :

سل عن علیّ مقامات عرفن به
شدّت عرى الدّین فی حلّ و مرتحل

بدرا واحدا و سل عنه هوازن
فی أوطاس و اسأل به فی وقعة الجمل

و اسأل به إذ أتی الأحزاب یقدمهم
عمرو و صفّین سل أن كنت لم تسل

ثمّ ذكر المخاطبین بمناقبه الجمیلة و مفاخره الجلیلة ، و عدّ منها تسعا الاولى ما أشار الیه بقوله ( و قد علمتم موضعى من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالقرابة القریبة ) لأنّ أبویهما عبد اللّه و أبا طالب أخوان لأب و أمّ ، دون غیرهما من بنی عبد المطلب فهما ابنا عمّ مضافا إلى علاقة المصاهرة و كونه علیه السّلام زوج ابنته فاطمة سلام اللّه علیها .

و الى هذه القرابة اشیرت فی قوله سبحانه « هو الّذى خلق من الماء بشراً فجعله نسباً و صهراً » .

روى فی غایة المرام عن المالكی فی فصول المهمّة عن محمّد بن سیرین فی هذه الآیة أنّها نزلت فی النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و علیّ بن أبیطالب ابن عمّ رسول اللّه و زوج ابنته فاطمة فكان نسبا و صهرا .

و فیه عن الشیخ فى أمالیه بسنده عن انس بن مالك قال : ركب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله

[ 34 ]

ذات یوم بغلته فانطلق الى جبل آل فلان و قال : یا أنس خذ البغلة و انطلق إلى موضع كذا و كذا تجد علیّا جالس یسبّح بالحصى ، فاقرءه منى السلام و احمله على البغلة و ایت به إلىّ .

قال أنس : فذهبت فوجدت علیّا كما قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فأتیت به علیه ،

فلمّا أن نظر علیه السّلام برسول اللّه قال : السلام علیك یا رسول اللّه ، قال : و علیك السلام یا أبا الحسن اجلس ، فانّ هذا موضع قد جلس فیه سبعون نبیّا مرسلا ما جلس فیه أحد من الأنبیاء إلاّ و أنا خیر منه ، و قد جلس كلّ نبیّ أخ له ما جلس فیه من الاخوة واحد إلاّ و أنت خیر منه .

قال أنس : فنظرت إلى سحابة قد أظلّتهما و دنت من رؤوسیهما ، فمدّ النّبى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یده إلى السحابة فتناول عنقود عنب فجعله بینه و بین علیّ و قال : كل یا أخی .

قلت : یا رسول اللّه : صف كیف علیّ أخوك ؟ قال : إنّ اللّه عزّ و جلّ خلق ماء تحت العرش قبل أن یخلق آدم بثلاثة آلاف عام ، و اسكنه فی لؤلؤة خضراء فى غامض علمه إلى أن خلق آدم ، فلمّا خلق آدم نقل ذلك الماء من اللؤلؤة فأجراه فى صلب آدم إلى أن قبضه اللّه ، ثمّ نقله فى صلب شیث فلم یزل ذلك الماء ینتقل من ظهر إلى ظهر حتّى صار فى عبد المطّلب ، ثمّ شقّه اللّه عزّ و جلّ نصفین نصف فى أبى عبد اللّه بن عبد المطّلب و نصف فى أبیطالب فأنا من نصف الماء و علىّ من النصف الآخر ، فعلیّ أخی فی الدّنیا و الآخرة ، ثمّ قرء رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله « و هو الذى خلق من الماء بشراً فجعله نسباً و صهراً و كان ربّك قدیرا » .

و فى كشف الغمة عن جابر بن عبد اللّه قال : سمعت علیّا ینشد و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یسمع :

أنا أخو المصطفى لا شكّ فی نسبی
معه ربّیت و سبطاه هما ولدی

جدّی و جدّ رسول اللّه منفرد
و فاطم زوجتى لا قول ذی فند

فالحمد للّه شكرا لا شریك له
البرّ بالعبد و الباقى بلا أمد

قال فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قال : صدقت یا علیّ الثانیة ما أشار إلیه بقوله ( و المنزلة الخصیصة ) أی الخاصة و المخصوصة بی

[ 35 ]

و شرحها بقوله ( وضعنی فی حجره ) و ربّانی ( و أنا ولید ) طفل صغیر ( یضمّنی إلى صدره و یكنفنی ) أی یضمّنى إلى كنفه و حضنه ( فی فراشه و یمسّنی جسده و یشمّنی عرفه ) أى ریحه الطیّب ( و كان یمضغ الشى‏ء ثمّ یلقمنیه ) و هذا كلّه إشارة إلى شدّة تربیته صلّى اللّه علیه و آله له و قیامه بأمره و یوضحه ما رواه الشارح المعتزلى عن الطّبرى فى تاریخه قال : حدّثنا ابن حمید قال حدّثنا سلمة قال حدّثنی محمّد بن إسحاق قال حدّثنى عبد اللّه بن نجیح عن مجاهد قال :

كان من نعمة اللّه عزّ و جلّ على علیّ بن أبیطالب و ما صنع اللّه له و أراد به من الخیر أنّ قریشا أصابتهم أزمة 1 شدیدة و كان أبو طالب ذا عیال كثیر فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم للعبّاس و كان من أیسر بنی هاشم : إنّ أخاك أبا طالب كثیر العیال و قد ترى ما أصاب النّاس من هذه الأزمة فانطلق بنا فنخفّف عنه من عیاله آخذ من بنیه واحدا و تأخذ واحدا فنكفیهما عنه ، فقال العبّاس : نعم ، فانطلقا حتّى أتیا أبا طالب فقالا له : إنّا نرید أن نخفّف عنك من عیالك حتّى ینكشف عن الناس ما هم فیه ،

فقال لهما : إن تركتما لی عقیلا فاصنعا ما شئتما ، فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم علیا فضمّه إلیه ، و أخذ العبّاس جعفرا فضمّه إلیه ، فلم یزل علیّ بن أبی طالب مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حتّى بعثه اللّه نبیّا ، فاتبعه علیّ علیه السّلام فأقرّ به و صدّقه ، و لم یزل جعفر عند العبّاس حتّى أسلم و استغنى عنه .

و رواه كاشف الغمّة عن الخطیب الخوارزمی عن محمّد بن إسحاق نحوه .

و روى الشّارح المعتزلی عن الفضل بن عباس قال : سألت أبی عن ولد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الذّكور أیّهم كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أشدّ حبّا ، فقال : علیّ بن أبیطالب ، فقلت : سألت لك عن بنیه ، فقال : إنّه كان أحبّ إلیه من بنیه جمیعا و أرءف ما رأیناه زایلة یوما من الدّهر منذ كان طفلا إلاّ أن یكون فی سفر لخدیجة و ما رأینا أبا أبرّ بابن منه لعلیّ و لا ابنا أطوع لأب من علیّ له قال الشّارح : و روى جبیر بن مطعم قال : قال أبی مطعم بن عدی لنا و نحن

-----------
( 1 ) و هى السنة المجدبة ( منه )

[ 36 ]

صبیان بمكّة : ألا ترون حبّ هذا الغلام یعنی علیّا لمحمّد و اتّباعه له دون أبیه و اللاّت و العزّى لوددت أنّه ابنی بفتیان بنی نوفل جمیعا .

قال الشّارح : و روى الحسین بن زید بن علیّ بن الحسین علیه السّلام قال : سمعت زیدا أبی یقول : كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یمضغ اللّحمة و التمرة حتّى تلین و یجعلهما فی فم علیّ و هو صغیر فی حجره .

الثالثة ما أشار إلیه بقوله ( و ما و جد لی كذبة فی قول و لا خطلة فی فعل ) أى لم تجد منّى كذبا و خطاء أبدا و لو مرّة واحدة ، لوجود العصمة المانعة فیه و فی زوجته و الطیّبین من أولاده سلام اللّه علیهم أجمعین من الاقدام على الذّنوب صغیرها و كبیرها باتّفاق الامامیّة و حكم آیة التّطهیر و غیرها ، فلا یقع منهم ذنب أصلالا عمدا و لا نسیانا و لا خطاء .

روى فی البحار من الخصال قال : قوله تعالى « لا ینال عهدى الظالمین » عنى به أنّ الامامة لا تصلح لمن قد عبد صنما أو وثنا أو أشرك باللّه طرفة عین و إن أسلم بعد ذلك ، و الظلم وضع الشی‏ء فی غیر موضعه و أعظم الظلم الشّرك قال اللّه عزّ و جلّ « انّ الشّرك لظلم عظیم » و كذلك لا تصلح لمن قد ارتكب من المحارم شیئا صغیرا كان أو كبیرا و إن تاب منه بعد ذلك ، و كذلك لا یقیم الحدّ من فی جانبه حدّ .

فاذا لا یكون الامام إلاّ معصوما ، و لا تعلم عصمته إلاّ بنصّ اللّه عزّ و جلّ علیه على لسان نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، لأنّ العصمة لیست فى ظاهر الخلقة فترى كالسّواد و البیاض و ما أشبه ذلك و هى مغیبة لا تعرف إلاّ بتعریف علاّم الغیوب .

و قد مضى وجوب عصمة الامام بتقریر آخر فی مقدّمات الخطبة الثالثة المعروفة بالشّقشقیّة .

ثمّ نبّه على منقبة عظیمة لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لتكون تمهیدا و توطئة لمنقبته علیه السّلام الرابعة فقال :

( و لقد قرن اللّه به صلّى اللّه علیه و آله من لدن كان فطیما أعظم ملك من ملائكته یسلك به

[ 37 ]

طریق المكارم و محاسن أخلاق العالم لیله و نهاره ) .

قال الشّارح المعتزلی : روى انّ بعض أصحاب أبی جعفر محمّد بن علیّ الباقر علیهما السّلام سأله عن قول اللّه عزّ و جلّ « إلاّ من ارتضى من رسول ، فانّه یسلك من بین یدیه و من خلفه رصداً » فقال علیه السّلام یوكّل اللّه بأنبیائه ملائكة یحصون أعمالهم و یؤدّون إلیه تبلیغهم الرسالة ، و وكّل بمحمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ملكا عظیما منذ فصل عن الرّضا ( ع ) یرشده إلى الخیرات و مكارم الأخلاق و یسدّه عن الشرّ و مساوى الأخلاق ، و هو الذی كان ینادیه السّلام علیك یا محمّد یا رسول اللّه و هو شابّ لم یبلغ درجة الرّسالة بعد فیظنّ أنّ ذلك من الحجر و الأرض فیتأمّل فلا یرى شیئا .

أقول : و الظّاهر على ما یستفاد من الأخبار و اشیر إلیه فی غیر واحدة من الآیات : إنّ المراد بهذا الملك هو روح القدس المخصوص بالنبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و عترته الأطهار الأخیار .

فقد روى المحدّث العلاّمة المجلسی « ره » فى البحار من تفسیر علیّ بن إبراهیم فی قوله « و یسئلونك عن الرّوح قل الرّوح من أمر ربّی » حدّثنى أبی عن ابن أبی عمیر عن أبی بصیر عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : هو ملك أعظم من جبرئیل و میكائیل كان مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و هو مع الأئمة ، و فى خبر آخر هو من الملكوت .

و فیه منه فى قوله تعالى « اولئك كتب فى قلوبهم الایمان » هم الأئمة « و أیّدهم بروح منه » قال : ملك أعظم من جبرئیل و میكائیل و كان مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و هو مع الأئمة علیهم السّلام .

و فیه من كتاب الاختصاص و بصائر الدّرجات بسندهما عن أبى بصیر قال :

سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن قول اللّه تبارك و تعالى « و كذلك أوحینا إلیك روحاً من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب و لا الایمان » قال : خلق من خلق اللّه أعظم من جبرئیل و میكائیل ، كان مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یخبره و یسدّده و هو مع الأئمة من بعده .

و فیه من البصایر مسندا عن سماعة بن مهران قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : إنّ الرّوح خلق أعظم من جبرئیل و میكائیل كان مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم

[ 38 ]

یسدّده و یرشده و هو مع الأوصیاء من بعده و فیه من البصایر عن البرقى عن أبى الجهم عن ابن اسباط قال : سأل أبا عبد اللّه علیه السّلام رجل و أنا حاضر عن قول اللّه « و كذلك أوحینا إلیك روحاً من أمرنا » فقال :

منذ أنزل اللّه ذلك الرّوح على محمّد صلّى اللّه علیه و آله لم یصعد إلى السماء و أنه لفینا .

و فیه من الاختصاص و البصایر عن ابن یزید عن ابن أبى عمیر عن هشام بن سالم قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول « یسئلونك عن الرّوح قل الرّوح من أمر ربّى » قال : خلق أعظم من خلق جبرئیل و میكائیل لم یكن مع أحد ممّن مضى غیر محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و هو مع الأئمّة یوفقهم و یسدّدهم ، و لیس كلّما طلب وجد .

و الأخبار فى هذا المعنى كثیرة و لا حاجة إلى الاكثار و الاطالة ، و المستفاد من الرّوایة الأخیرة اختصاصه بالنبیّ و الأئمة علیهم السّلام و قوله علیه السّلام فیها : و لیس كلّما طلب وجد معناه أنّ حصول تلك المرتبة الجلیلة و المنقبة العظیمة لا یتیسّر بالطلب بل ذلك فضل اللّه یوتیه من یشاء .

الرابعة ما أشار إلیه بقوله ( و لقد كنت اتّبعه اتّباع الفصیل ) و هو ولد الناقة ( أثر امّه ) و هو اشارة إلى فرط ملازمته له و عدم مفارقته إیّاه لیله و نهاره سفرا و حضرا فی خلواته و جلواته .

و لمّا عرفت آنفا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كان مؤیّدا مسدّدا بروح القدس من حین الطفولیة إلى آخر عمره الشریف ملهما إلى الخیرات موفقا بتأیید الرّوح إلى سلوك طریق المكارم و محاسن أخلاق العالم .

تعرف من ذلك أنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام إذا كان ملازما له غیر مفارق منه یكون تالیا له صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی سلوك مسالك مكارم الخصال و محامد الأفعال مقتبسا من أنواره مقتفیا لآثاره كما أوضحه بقوله :

( یرفع لى فى كلّ یوم علما ) ورایة ( من أخلاقه ) الفاضلة ( و یأمرنى بالاقتداء به ) و المتابعة له .

[ 39 ]

الخامسة ما أشار إلیه بقوله ( و لقد كان یجاور فى كلّ سنة بحراء ) و یعتزل عن الخلق و یتخلّى للعبادة ( فأراه و لا یراه ) أحد ( غیرى ) قال الشارح المعتزلى : حدیث مجاورته بحراء مشهور ، قد ورد فى الكتب الصحاح أنه صلّى اللّه علیه و آله كان یجاور فى حراء من كلّ سنة شهرا ، و كان یطعم فى ذلك الشهر من جاءه من المساكین ، فاذا قضى جواره من حراء كان أوّل ما یبدء به إذا انصرف أن یأتی باب الكعبة قبل أن یدخل بیته فیطوف بها سبعا أو ما شاء اللّه من ذلك ثمّ یرجع إلى بیته حتى جائت السنة التى أكرمه اللّه فیها بالرّسالة ، فجاور فى حراء شهر رمضان و معه أهله خدیجة و علیّ بن أبیطالب و خادم لهم ، فجاءه جبرئیل بالرّسالة قال صلّى اللّه علیه و آله : جائنى و أنا نائم بنمط فیه كتاب فقال : اقرء ، قلت : ما أقرء ؟ فغشنی حتّى ظننت أنّه الموت ، ثمّ أرسلنی فقال « اقرء باسم ربّك الّذی خلق « إلى قوله » علّم الانسان ما لم یعلم » ، فقرأته ثمّ انصرف عنّى ، فنبّهت من نومی و كأنّما كتب فى قلبی كتاب الحدیث و فی كتاب حیوة القلوب للمحدّث العلاّمة المجلسیّ عن علیّ بن إبراهیم و ابن شهر آشوب و الطبرسی و الرّاوندی و غیرهم من المحدّثین و المفسّرین أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كان قبل مبعثه یعتزل عن قومه و یجاور الحراء و یفرغ لعبادة ربّه سبحانه ، و كان عزّ و جلّ یسدّده و یهدیه و یرشده بالرّوح القدس و الرؤیا الصّادقة و أصوات الملائكة و الالهامات الغیبیة ، فیدرج فی مدارج المحبّة و المعرفة ، و یعرج إلى معارج القرب و الزّلفی ، و كان سبحانه یزیّنه بالفضل و العلم و محامد الأخلاق و محاسن الخصال و لا یراه أحد فی أیّام مجاورته به و خلال تلك الأحوال غیر أمیر المؤمنین علیه السّلام و خدیجة .

السادسة ما أشار إلیه بقوله ( و لم یجمع بیت واحد یومئذ فی الاسلام غیر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و خدیجة و أنا ثالثهما ) هذا الكلام صریح فی سبقه على جمیع من سواه من الرّجال بالاسلام ، و نظیره قوله فی المختار المأة و الأحد و الثلاثین : اللّهم إنّی أوّل من أناب و سمع و أجاب

[ 40 ]

لم یسبقنی إلاّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بالصّلاة .

و قد تقدّم فی شرح المختار المذكور تحقیق تقدّمه بالصّلاة و الاسلام كما هو مذهب الامامیة تفصیلا و أبطلنا تقدّم اسلام أبی بكر علیه كما ذهب إلیه شرذمة من العثمانیّة و أوردنا ثمّة من الأدلّة و الأخبار و الأشعار فی هذا المعنى ما لا مزید علیه و أقتصر هنا على روایتین تقدّمتا هناك اجمالا و نرویهما هنا تفصیلا .

احداهما عن كاشف الغمّة عن عفیف الكندی قال : كنت امرءا تاجرا فقدمت الحجّ فأتیت العبّاس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التّجارة ، و كان امرءا تاجرا فو اللّه إنى لعنده بمنى إذ خرج رجل من خباء قریب منه ، فنظر إلى الشمس فلمّا رآها قد مالت قام یصلّى .

قال : ثمّ خرجت امرأة من الخباء الّذى خرج منه ذلك الرّجل فقامت خلفه فصلّت ، ثمّ خرج غلام حین راهق الحلم من ذلك الخباء فقام معه فصلّى .

قال : فقلت للعباس : من هذا یا عبّاس ؟ قال : هذا محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب ابن أخی قال : فقلت : من هذه المرأة ؟ قال : امرأته خدیجة بنت خویلد قال :

فقلت : من هذا الفتی ؟ قال : علیّ بن أبیطالب ابن عمّه فقلت له : ما هذا الذى یصنع ؟ قال : یصلّی و هو یزعم أنّه نبیّ و لم یتبعه على أمره إلاّ امرأته و ابن عمّه هذا الفتی و هو یزعم أنّه سیفتح علیه كنوز كسرى و قیصر ، و كان عفیف و هو ابن عمّ الأشعث بن قیس یقول بعد ذلك و هو أسلم و حسن إسلامه : لو كان رزقنی اللّه الاسلام یومئذ فأكون ثانیا مع علیّ علیه السّلام .

قال كاشف الغمة : و قد رواه بطوله أحمد بن حنبل فى مسنده ، نقلته من الّذى اختاره و جمعه عزّ الدّین المحدّث ، و تمامه من الخصایص بعد قوله ثمّ استقبل الرّكن و رفع یدیه فكبّر ، و قام الغلام و رفع یدیه و كبّر ، و رفعت المرأة یدیها فكبّرت و ركع و ركعا و سجد و سجدا و قنت و قنتا ، فرأینا شیئا لم نعرفه أو شیئا حدث بمكّة فأنكرنا ذلك و أقبلنا على العبّاس فقلنا له یا أبا الفضل الحدیث بتمامه .

و الروایة الثانیة قدّمناها هناك من البحار من مناقب ابن شهر آشوب من

[ 41 ]

كتاب محمّد بن إسحاق و أرویها هنا بتفصیل من شرح المعتزلی رواها هنا عن الطّبرى عن ابن حمید عن سلمة عن محمّد بن إسحاق ، و رواها أیضا فی تاسع المختار من باب الكتب من كتاب السّیرة و المغازى لمحمّد بن إسحاق قال الشارح المعتزلی : فانّه كتاب معتمد عند أصحاب الحدیث و المؤرّخین ، و مصنّفه شیخ النّاس كلّهم قال :

قال محمّد بن إسحاق : لم یسبق علیّا علیه السّلام إلى الایمان باللّه و رسالة محمّد أحد من النّاس ، اللّهمّ إلاّ أن تكون خدیجة زوجة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

قال : و قد كان صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یخرج و معه علیّ علیه السّلام مستخفیا من النّاس فیصلّیان الصّلاة فی بعض شعاب مكة ، فاذا أمسیا رجعا فمكثا بذلك ما شاء اللّه أن یمكثا لا ثالث لهما .

ثمّ إنّ أبا طالب عثر علیهما یوما و هما یصلّیان فقال لمحمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یا ابن أخی ما هذا الّذى تفعله ؟ فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : أى عمّ هذا دین اللّه و دین ملائكته و رسله و دین أنبیائه أو كما قال صلّى اللّه علیه و آله بعثنى اللّه به رسولا إلى العباد « إلى أن قال » فزعموا أنّه قال : لعلیّ علیه السّلام أى بنیّ ما هذا الّذى تصنع قال : یا أبتاه آمنت باللّه و رسوله و صدقته فیما جاء به و صلیت إلیه و اتّبعت قول نبیّه فزعموا أنّه قال له أما انّه لا یدعوك أو لن یدعوك إلاّ إلى خیر فالزمه .

قال ابن إسحاق : ثمّ أسلم زید بن حارثة مولى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فكان أوّل من أسلم و صلّى معه صلّى اللّه علیه و آله بعد علیّ بن أبیطالب ، ثمّ أسلم أبو بكر بن أبی قحافة فكان ثالثا لهما ، ثمّ اسلم عثمان بن عفّان و طلحة و الزّبیر و عبد الرّحمن و سعد بن أبى وقّاص فصاروا ثمانیة ، فهم الثّمانیة الّذین سبقوا النّاس إلى الاسلام بمكّة .

السابعة ما أشار إلیه بقوله ( أرى نور الوحى و الرّسالة و أشمّ ریح النّبوة ) قال الشارح البحرانى و هذه أعلى مراتب الأولیاء ، و استعار لفظ النور لما یشاهده بعین بصیرته من أسرار الوحی و الرّسالة و علوم التنزیل و دقایق التّأویل و اشراقها على لوح نفسه القدسیّة ، و وجه الاستعارة كون هذه العلوم و الأسرار هادیة فی سبیل اللّه إلیه من ظلمات الجهل كما یهدى النور من الطّرق المحسوسة ، و رشح

[ 42 ]

تلك الاستعارة بذكر الرؤیة لأنّ النور حظّ البصر و كذلك استعار لفظ الرّیح لما أدركه من مقام النّبوة و أسرارها و رشح بذكر الشمّ لأنّ الرّیح حظّ القوّة الشامة ، انتهى .

أقول : و لقائل أن یقول : لا مانع من ظهور نور محسوس عند نزول الوحی أو فی سایر الأوقات أیضا ، و كذلك عرف طیب یدركه أمیر المؤمنین علیه السّلام بقوّة قوّتیه الباصرة و الشّامّة و إن لم یكن یحسّ به غیره و لا حاجة على ذلك إلى التّأویل الّذى ذكره .

و یشهد بما ذكرته ما رواه فى البحار من أمالى الشیخ عن المفید عن علىّ بن محمّد البزّاز عن زكریا بن یحیى الكشحى عن أبى هاشم الجعفرى قال : سمعت الرّضا علیه السّلام یقول : لنا أعین لا تشبه أعین النّاس ، و فیها نور لیس للشّیطان لها نصیب .

و فى شرح المعتزلى روى عن جعفر بن محمّد الصادق علیهما السّلام قال : كان علیّ علیه السّلام یرى مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قبل الرّسالة الضوء و یسمع الصّوت ، و قال صلّى اللّه علیه و آله لو لا أنّى خاتم الأنبیاء لكنت شریكا فى النّبوة فان لا تكن نبیّا فانك وصیّ نبیّ و وارثه بل أنت سیّد الأوصیاء .

الثامنة ما أشار إلیه بقوله ( و لقد سمعت رنّة الشیطان حین نزل الوحی علیه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقلت یا رسول اللّه ما هذه الرّنة ) و الصّوت ( فقال هذا الشّیطان قد أیس من عبادته ) أى من أن یعبد له .

و هذه المنقبة له علیه السّلام تدلّ على كمال قوّته السامعة أیضا و سماعه ما لا یسمعه غیره .

و أما رنین هذا اللّعین فقد روى علیّ بن إبراهیم القمیّ عن أبیه عن الحسن ابن علیّ بن فضال عن علىّ بن عقبة عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : إنّ إبلیس رنّ رنینا لما بعث اللّه نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على حین فترة من الرّسل و حین انزلت أمّ الكتاب .

و روى المحدّث العلاّمة المجلسیّ فی كتاب حیوة القلوب عن الصّدوق عن الصّادق علیه السّلام أنّ ابلیس رنّ أربع رنّات : یوم لعن ، و یوم اهبط إلى الأرض ، و حین بعث محمّد على حین فترة من الرّسل ، و حین نزلت امّ الكتاب .

[ 43 ]

و فى شرح المعتزلى من مسند أحمد بن حنبل عن علیّ بن أبیطالب علیه السّلام قال :

كنت مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم صبیحة اللیلة الّتى اسرى به فیها و هو بالحجرة یصلّی فلمّا قضى صلاته و قضیت صلاتى سمعت رنّة شدیدة فقلت : یا رسول اللّه ما هذه الرنّة : قال :

ألا تعلم هذه رنّة الشیطان علم أنّی اسرى فى اللیلة إلى السماء فآیس من أن یعبد فى هذه الأرض .

التاسعة ما أشار إلیه بقوله ( إنّك تسمع ما أسمع و ترى ما أرى ) ظاهر هذا الكلام یفید أنّ الامام یسمع صوت الملك و یعاینه كالرّسول .

أمّا سماع الصوت فلا غبار علیه و یشهد به أخبار كثیرة .

و أمّا المعاینة فیدلّ علیه بعض الأخبار .

مثل ما فى البحار من أمالى الشیخ باسناده عن أبى حمزة قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : إنّ منّا لمن ینكت فى قلبه و إنّ منّا لمن یؤتی فی منامه و إنّ منّا لمن یسمع الصّوت مثل صوت السلسلة فى الطّشت و أنّ منّا لمن یأتیه صورة أعظم من جبرئیل و میكائیل و قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : منّا من ینكت فی قلبه ، و منّا من یخاطب ، و قال علیه السّلام :

إنّ منّا لمن یعاین معاینة و إنّ منّا لمن ینقر فی قلبه كیت و كیت ، و إنّ منّا لمن یسمع كوقع السّلسلة فی الطشت ، قال : قلت : و الّذى یعاینون ما هو ؟ قال : خلق أعظم من جبرئیل و میكائیل .

و لكن الظاهر من الأخبار الكثیرة أنّ الامام یسمع الصّوت و لا یعاین ، و من ذلك اضطرّ المحدّث العلاّمة المجلسی « ره » بعد روایة هذه الرّوایة إلى تأویلها بقوله :

و المراد بالمعاینة معاینة روح القدس و هو لیس من الملائكة مع أنّه یحتمل أن یكون المعاینة فی غیر وقت المخاطبة ، انتهى .

و تمام الكلام إنشاء اللّه فى التّنبیه الثانى من التنبیهات الآتیة ، هذا .

و لما كان ظاهر قوله صلّى اللّه علیه و آله انّك تسمع ما أسمع و ترى ما أرى موهما للمساوات بینه علیه السّلام و بینه صلّى اللّه علیه و آله استدرك ذلك بقوله ( إلاّ أنّك لست بنبیّ ) و نظیر هذا الاستدراك قد وقع فی كلام الصادق علیه السّلام و هو :

[ 44 ]

ما رواه فی البحار من البصایر بسنده عن علیّ السائی قال : سألت الصادق علیه السّلام عن مبلغ علمهم ، فقال : مبلغ علمنا ثلاثة وجوه : ماض ، و غابر ، و حادث ، فأمّا الماضی فمفسّر ، و أمّا الغابر فمزبور ، و أمّا الحادث فقذف فی القلوب و نقر فی الأسماع و هو أفضل علمنا و لا نبیّ بعد نبیّنا .

فانّ النّكث و النّقر لما كانا مظنّة لأن یتوهّم السائل فیهم النّبوّة قال علیه السّلام :

و لا نبیّ بعد نبیّنا ، و یتّضح لك معنی هذا الحدیث ممّا نورده فی التّنبیه الثانی إنشاء اللّه .

ثمّ إنّه لمّا نفی عنه النّبوة أثبت له الوزارة و هی عاشر المناقب فقال ( و لكنّك لوزیر و إنّك لعلى خیر ) بشّره بالوزارة و نبّه به على أنّه الصّالح لتدبیر أمور الرّسالة و المعاون له صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی نظم امور الدّین و تأسیس قواعد شرع المبین و اصلاح امور الاسلام و المسلمین ، ثمّ شهد به أنّه على خیر و أشار به على استقراره و ثباته على ما هو خیر الدّنیا و الآخرة ، و أنّه مجانب لما هو شرّ الدّنیا و الآخرة .

و هذا معنی عام متضمّن لكونه علیه السّلام جامعا لجمیع الكمالات و المكارم الدّنیویّة و الاخرویّة و المحامد الصّوریّة و المعنویّة و كونه راسخا فیها غیر متزلزل و لا متكلّف ، هذا .

و اعلم أنّ هذا الفصل من الخطبة الشریفة لمّا كان متضمّنا لجلّ مسائل الرّسالة و الامامة حسبما عرفته أتیت فی شرحه من الرّوایات الشّریفة و التحقیقات اللطیفة بما هو مقتضی مذهب الفرقة النّاجیة الامامیّة ، و أضربت عن روایات عامیّة ضعیفة أوردها الشّارح المعتزلی فی بیان عصمة النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالملائكة .

و العجب من مبالغة الشّارح البحرانی له فی ایراد بعض هذه الأخبار مع أنّها مضافة إلى أنّها خلاف اصول الامامیّة ممّا تشمئزّ عنها الطباع و تنفر عنها الأسماع كما هو غیر خفیّ على من لاحظ الشرحین بنظر الدّقة و الاعتبار .

ثمّ لما بقی هنا بعض مطالب محتاجة إلى بسط من الكلام أردت ایرادها و تحقیق ما هو محتاج إلى التحقیق فی ضمن تنبیهات ثلاثة فأقول و باللّه التوفیق :

[ 45 ]

التنبیه الاول

اعلم أنّا قد قلنا فی شرح قوله علیه السّلام فی فاتحة هذا الفصل : ألا و قد أمرنی اللّه بقتال أهل البغى : إنّ من جملة الأوامر الآمرة بقتاله لهم قوله « یا أیّها الّذین آمنوا من یرتدّ منكم عن دینه فسوف یأتی اللّه بقوم یحبّهم و یحبّونه أذلّة على المؤمنین أعزّة على الكافرین . یجاهدون فی سبیل اللّه و لا یخافون لومة لائم ذلك فضل اللّه یؤتیه من یشاء و اللّه واسع علیم » .

لكن جمعا من العامّة العمیاء المتعصّبین من المعتزلة و الأشاعرة زعموا أنّ الآیة ناظرة إلى أبی بكر و دالّة على صحّة إمامته ، و قد أفرط فی هذا المعنى النّاصب المتعصّب فخر المشكّكین و المضلّین خذله اللّه تعالى و حشره مع أولیائه المرتدّین فأحببت أن اورد مقالهم و اعقّبه بالتنبیه على خطائهم و ضلالهم فأقول :

قال الشّارح المعتزلی فی شرح هذا الفصل :

و اعلم أنّ أصحابنا قد استدلّوا على صحّة إمامة أبی بكر بهذه الآیة ، قال قاضی القضاة فی المغنى : و هذا خبر من اللّه تعالى و لا بدّ أن یكون كائنا على ما أخبر به ، و الذین قاتلوا المرتدّین هم أبو بكر و أصحابه فوجب أن یكونوا هم الّذین عناهم اللّه سبحانه بقوله : یحبّهم و یحبّونه ، و ذلك یوجب أن یكون على صواب ، انتهى و قال الفخر الرّازی فی تفسیر الآیة : اختلفوا فی أنّ اولئك القوم من هم ،

فقال علیّ بن أبیطالب و الحسن و القتادة و الضحاك و ابن جریح : هم أبو بكر و أصحابه لأنهم هم الذین قاتلوا أهل الرّدّة ، قالت عایشة : مات رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ارتدّت العرب و اشتهر النفاق و نزل بأبی ما لو نزل بالجبال الرّاسیات لهاضها .

و قال السدى : نزلت الایة فى الأنصار ، لأنّهم هم الّذین نصروا الرّسول و أعانوه على اظهار الدّین .

و قال مجاهد : نزلت فی أهل یمن و روى مرفوعا أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لما نزلت هذه الآیة أشار إلى أبی موسى الأشعری و قال : هم قوم هذا .

[ 46 ]

و قال آخرون : هم الفرس لأنه روی أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لما سئل عن هذه الآیة ضرب بیده على عاتق سلمان و قال : هذا و ذووه ثمّ قال : لو كان الدّین معلّقا بالثریّا لنا له رجال من أبناء فارس .

و قال قوم : إنها نزلت فی علیّ علیه السّلام و یدلّ علیه وجهان :

الوجه الأوّل أنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لما دفع الرّایة إلى علیّ علیه السّلام یوم خیبر قال : لأدفعنّ الرّایة غدا إلى رجل یحبّ اللّه و رسوله و یحبّه اللّه و رسوله ، و هذا هو الصفة المذكورة فى الآیة .

و الوجه الثانى أنه تعالى إنما ذكر بعد هذه الآیة قوله : إنما ولیّكم اللَّه و رسوله الآیة ، و هذه فى حقّ علیّ علیه السّلام فكان الأولى جعل ما قبلها أیضا فى حقّه علیه السّلام ، فهذه جملة الأقوال فى هذه الآیة ، و لنا فى هذه الآیة مقامات :

المقام الأول أنّ هذه الآیة من أدلّ الدّلائل على فساد مذهب الامامیّة من الرّوافض .

و تقریر مذهبهم إنّ الّذین أقرّوا بخلافة أبى بكر و امامته كلّهم كفروا و صاروا مرتدّین ، لأنّهم أنكروا النصّ الجلیّ على إمامة علیّ علیه السّلام .

فنقول : لو كان كذلك لجاء اللّه تعالى بقوم یحاربهم و یقهرهم و یردّهم إلى الدّین الحقّ بدلیل قوله : من یرتدّ منكم عن دینه فسوف یأتى اللَّه بقوم ، الآیة ، و كلمة من فى معرض الشرط للعموم ، فهی تدلّ على أنّ كلّ من صار مرتدّا عن دین الاسلام فانّ اللّه یأتى بقوم یقهرهم و یردّهم و یبطل شوكتهم فلو كان الذین نصبوا أبا بكر للخلافة كذلك لوجب بحكم الآیة أن یأتى اللّه بقوم یقهرهم و یبطل مذهبهم ، و لما لم یكن الأمر كذلك بل الأمر بالضدّ فانّ الرّوافض هم المقهورون الممنوعون من إظهار مقالاتهم الباطلة أبدا منذ كانوا علمنا فساد مذهبهم و مقالتهم ، و هذا كلام ظاهر لمن أنصف .

المقام الثانى إنّا ندّعی أنّ هذه الآیة یجب أن یقال : إنّها نزلت فی حقّ أبی بكر و الدّلیل علیه وجهان :

[ 47 ]

الوجه الأول أنّ هذه الآیة مختصّة بمحاربة المرتدّین ، و أبو بكر هو الذی تولّى محاربة المرتدّین ، و لا یمكن أن یكون المراد هو الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، لأنه لم یتّفق له محاربة المرتدّین ، و لأنه تعالى قال : فسوف یأتى اللّه ، و هذا للاستقبال لا للحال ،

فوجب أن یكون ذلك القوم غیر موجودین فى وقت نزول هذا الخطاب .

فان قیل : هذا لازم علیكم ، لأنّ أبا بكر كان موجودا فى ذلك الوقت .

قلنا : الجواب من وجهین :

الأول أنّ القوم الذین قاتل بهم أبو بكر أهل الردّة ما كانوا موجودین فى الحال و الثّانى أنّ معنى الآیة أنّ اللّه تعالى قال : فسوف یأتى اللّه بقوم ، قادرین متمكّنین من هذا الحراب ، و أبو بكر و إن كان موجودا فى ذلك الوقت إلاّ أنه ما كان مستقلاّ فى هذا الوقت بالحراب و الأمر و النّهى ، فزال السؤال فثبت أنه لا یمكن أن یكون هو الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و لا یمكن أن یكون المراد هو علىّ علیه السّلام لأنّ علیا لم یتّفق له قتال مع أهل الردّة فكیف تحمل هذه الآیة علیه .

فان قالوا : بل كان قتاله مع أهل الردّة ، لأنّ كلّ من نازعه فى الامامة كان مرتدّا .

قلنا : هذا باطل من وجهین :

الأول أنّ اسم المرتدّ إنما یتناول من كان تاركا للشرایع الاسلامیّة ، و القوم الذین نازعوا علیّا ما كانوا كذلك فى الظاهر ، و ما كان أحد یقول إنّهم خرجوا عن الاسلام و علیّ لم یسمّهم البتّة بالمرتدّین ، فهذا الذى یقوله هؤلاء الرّوافض لعنهم اللّه بهت على جمیع المسلمین و على علیّ علیه السّلام أیضا .

الثانى أنه لو كان كلّ من نازعه فی الامامة مرتدّا لزم فى أبى بكر و فى قومه أن یكونوا مرتدّین ، و لو كان كذلك لوجب بحكم ظاهر الآیة أن یأتی اللّه بقوم یقهرونهم و یردّونهم إلى الدّین الصحیح ، و لما لم یوجد ذلك البتّة علمنا أنّ منازعة علیّ فى الامامة لا یكون ردّة ، و إذا لم تكن ردّة لم یمكن حمل الآیة على علیّ لأنّها نازلة فیمن یحارب المرتدّین .

[ 48 ]

و لا یمكن أیضا أن یقال : إنّها نازلة فی أهل فارس أو فی أهل الیمن ، لأنّهم لم یتّفق لهم محاربة مع المرتدّین ، و بتقدیر أنّه اتّفقت لهم هذه المحاربة و لكنهم كانوا رعیّة و أتباعا و أذنابا ، و كان الرئیس المطاع الآمر فی تلك الواقعة هو أبوبكر و معلوم أنّ حمل الآیة على من كان أصلا فی هذه العبادة و رئیسا مطاعا فیها أولى من حملها على الرّعیة و الأتباع و الأذناب ، فظهر بما ذكرنا من الدّلیل الظاهر أنّ هذه الآیة مختصّة بأبی بكر .

و الوجه الثانی فی بیان أنّ هذه الآیة مختصّة بأبی بكر هو :

إنّا نقول : هب أنّ علیّا قد كان حارب المرتدّین ، و لكن محاربة أبى بكر مع المرتدّین كانت أعلى حالا و أكثر موقعا فى الاسلام من محاربة علیّ مع من خالفه فى الامامة و ذلك لأنّه علم بالتواتر أنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لمّا توفّى اضطربت الأعراب و تمرّدوا و أنّ أبا بكر هو الّذی قهر مسیلمة و طلیحة ، و هو الذى حارب مانعی الزّكاة ، و لمّا فعل ذلك استقرّ الاسلام و عظمت شوكته و انبسطت دولته .

أمّا لما انتهى الأمر إلى علىّ فكان الاسلام قد انبسط فى الشّرق و الغرب و صار ملوك الدّنیا مقهورین و صار الاسلام مستولیا على جمیع الأدیان و الملل ، فثبت أنّ محاربة أبى بكر أعظم تاثیرا فى نصرة الاسلام و تقویته من محاربة علیّ علیه السّلام .

و معلوم أنّ المقصود من هذه الآیة تعظیم قوم یسعون فى تقویة الدّین و نصرة الاسلام ، و لما كان أبو بكر هو المتولّى لذلك وجب أن یكون هو المراد بالآیة .

المقام الثالث فى هذه الآیة و هو أنّا ندّعى دلالة هذه الآیة على صحّة إمامة أبى بكر ، لما ثبت بما ذكرنا أنّ هذه الآیة مختصّة به ، فنقول : إنّه تعالى وصف الذین أرادهم بهذه الآیة بصفات :

أوّلها أنّهم یحبّهم اللّه ، فلمّا ثبت أنّ المراد بهذه الآیة هو أبو بكر ثبت أنّ قوله یحبّهم و یحبّونه وصف لأبى بكر ، و من وصفه اللّه تعالى بذلك یمتنع أن یكون ظالما ، و ذلك یدلّ على أنه كان محقّا فی إمامته .

[ 49 ]

و ثانیها قوله : أذلّة على المؤمنین أعزّة على الكافرین ، و هو صفة أبی بكر أیضا للدّلیل الّذی قدّمناه .

و یؤكّده ما روى فی الخبر المستفیض أنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال : أرحم امّتی بامّتی أبو بكر ، فكان موصوفا بالرّحمة و الشفقة على المؤمنین ، و بالشدّة مع الكفّار .

ألا ترى أنّ فی أوّل الأمر حین كان الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی مكّة و كان فی غایة الضعف كیف كان یذبّ عن الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و كیف كان یلازمه ، و یخدمه ، و ما كان یبالی بجبابرة الكفّار و شیاطینهم و فی آخر الأمر أعنى وقت خلافته كیف لم یلتفت إلى قول أحد و أصرّ على أنه لا بدّ من المحاربة مع مانعى الزكاة حتى آل الأمر إلى أن خرج إلى قتال القوم وحده حتى جاء أكابر الصحابة و تضرّعوا إلیه و منعوه من الذهاب .

ثمّ لما بلغ بعث العسكر إلیهم انهرموا و جعل اللّه ذلك مبدء لدولة الاسلام ،

فكان قوله : أذلّة على المؤمنین أعزّة على الكافرین ، لا یلیق إلاّ به .

و ثالثها قوله : یجاهدون فى سبیل اللّه و لا یخافون لومة لائم ، فهذا مشترك فیه بین أبى بكر و علىّ إلاّ أنّ حظّ أبى بكر فیه أتمّ و أكمل .

و ذلك لأنّ مجاهدة أبى بكر مع الكفار كان فى أوّل البعث ، و هناك الاسلام كان فى غایة الضعف ، و الكفر كان فى غایة القوّة ، و كان یجاهد الكفار بمقدار قدرته و یذبّ عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بغایة وسعه .

و أما علیّ علیه السّلام فانه إنما شرع فى الجهاد یوم بدر و أحد ، و فى ذلك الوقت كان الاسلام قویّا و كانت العساكر مجتمعة .

فثبت أنّ جهاد أبى بكر كان أكمل من جهاد علیّ علیه السّلام من وجهین :

الأوّل أنه كان متقدّما علیه فى الزّمان لقوله تعالى : لا یستوى منكم من أنفق من قبل الفتح و قاتل و الثانی جهاد أبی بكر كان فی وقت ضعف الرّسول و جهاد علىّ كان فی وقت القوّة .

و رابعها قوله : ذلك فضل اللّه یؤتیه من یشاء ، و هذا لایق بأبی بكر لأنّه متأكّد

[ 50 ]

بقوله تعالى : و لا یأتل اُولو الفضل منكم و السّعة ، و قد بیّنا أنّ هذه الآیة فی أبی بكر و ممّا یدلّ على أنّ جمیع هذه الصّفات لأبی بكر أنا بیّنا بالدّلیل أنّ هذه الآیة لا بدّ و أن تكون فی أبی بكر ، و متى كان الأمر كذلك كانت هذه الصّفات لا بدّ و أن تكون لأبی بكر ، و إذا ثبت هذا وجب القطع بصحّة امامته ، إذ لو كانت باطلة لما كانت هذه الصّفات لائقة به .

فان قیل : لم لا یجوز أن یقال : إنه كان موصوفا بهذه الصّفات حال حیاة الرّسول ثمّ بعد وفاته لما شرع فی الامامة زالت هذه الصّفات و بطلت .

قلنا : هذا باطل قطعا ، لأنّه تعالى قال : فسوف یأتی اللّه بقوم یحبّهم و یحبّونه ،

فأثبت كونهم موصوفین بهذه الصّفات حال اتیان اللّه بهم فی المستقبل ، و ذلك یدلّ على شهادة اللّه بكونه موصوفا بهذه الصّفات حال محاربته مع أهل الرّدة ، و ذلك هو حال امامته ، فثبت بذلك الآیة دلالة الآیة على صحّة امامته .

أمّا قول الرّوافض لعنهم اللّه إنّ هذه الآیة فی حقّ علیّ علیه السّلام بدلیل أنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال یوم خیبر : لاعطینّ الرّایة غدا رجلا یحبّ اللّه و رسوله و یحبّه اللّه و رسوله ، و كان ذلك هو علیّ علیه السّلام .

فنقول : هذا الخبر من باب الآحاد و عندهم لا یجوز التّمسك به فی العمل فكیف یجوز التّمسك به فی العلم .

و أیضا إنّ اثبات هذه الصفة لعلیّ علیه السّلام لا یوجب انتفاءها عن أبی بكر و بتقدیر أن یدلّ على ذلك لكنّه لا یدلّ على انتفاء ذلك المجموع عن أبی بكر و من جملة تلك الصفات كونه كرّارا غیر فرّار فلمّا انتفى ذلك عن أبى بكر لم یحصل مجموع تلك الصّفات له فكفى هذا فی العمل بدلیل الخطاب ، فأمّا انتفاء جمیع تلك الصفات فلا دلالة فى اللّفظ علیه فهو تعالى إنّما أثبت هذه الصّفة المذكورة فى هذه الآیة حال اشتغاله بمحاربة المرتدّین بعد ذلك ، فهب أنّ تلك الصفة ما كانت حاصلة فی ذلك الوقت فلم یمنع ذلك من حصولها فی الزّمان المستقبل .

و لأنّ ما ذكرناه تمسّك بظاهر القرآن و ما ذكروه تمسّك بالخبر المذكور





نظرات() 


http://eunaaspacio.blog.fc2.com
دوشنبه 1 خرداد 1396 03:21 ق.ظ
Terrific post however I was wondering if you could write a litte more on this subject?
I'd be very grateful if you could elaborate a little bit more.
Appreciate it!
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox