تبلیغات
پیام هادی - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
 

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

نوشته شده توسط :
سه شنبه 6 مهر 1389-12:27 ق.ظ

-----------
( 1 ) الوضیمة الظلم

[ 229 ]

غدرونا بنو امیّة حتى
صار جسمی سقیما بالمصیبات

و استباحوا حریمنا و سبونا
و رمونا بالذّل و النّكبات

أین زید و این عون و من
حلّ ثاویا بالفرات

و الامام الذى بحران أضحى
هو امام الهدى و رأس الثقات

كیف أسلو ممن قتلوه جهرا
و هتكوا بعد ذلك الحرمات

قال : فلما سمع السّفاح كلام سدیف أطرق إلى الأرض زمانا حتى سكن ما لحقه ثمّ إنّه رفع رأسه و قال له : قل كلامك و تذكر ما فات ، و خذ ما هو آت ، فانّ أحلم الناس من صفح عمن ثلمه ، و صان عرضه عمن ظلمه ، فلك عندنا أفضل الكرامة و الجزاء ، و حسن المنظر و بلوغ المنى ، فانصرف یا سدیف و لا تعد إلى مثلها أبدا .

فخرج سدیف من عند السّفاح یفور غضبا و یذمّ صحبته . فلمّا خرج من عندهم أقبل السّفاح على بنی امیّة و هم مطرقون و جلون ، فقال لهم : إنّی أعلم أنّ كلام هذا الشّیخ العبد قد أرجفكم و قد أثّر فی قلوبكم ، فلا تعبأوا بكلامه ،

فانّی لكم كما تحبّون و فوق ما تأملون ، و سأزید لكم العطاء ، و أقرب لكم الجزاء و أقدّمكم على غیركم .

فخرجوا من عنده و قد سكن مابهم ، و اجتمعوا للمشورة فیما بینهم .

فقال قائل منهم : هلمّوا بنا حتّى ندخل بكلیتنا السّفاح و نسأله أن یسلّم الینا العبد فنقتله أو نستعبده ، فجدّو یا قوم فی طلبه فانّ السّفاح لا یمنعنا من ذلك و لا یعصینا و نحن سبعون ألف سیّد لأجل عبد ذمیم ، و إنّكم إن فاتكم أو توانیتم لم یزل العبد معه حتّى یهلككم و یدمّركم ، و أنه لا شك قد نصب لكم أشراكا فلا یفلت منكم أحد فاحذروا ثم احذروا .

و قال قائل منهم : إنّ السّفاح إنّما یظهر لكم ما یظهر لتطمئنّوا إلیه ثمّ لتؤخذوا على ما كان منكم ، فلا تعبأوا بكلام السّفاح .

فقال بعضهم فما كان یمنعه منّا و هو مالك رقابنا و ما نراه إلاّ مجسنا إلینا و وطأ مجالسنا و رفع مواضعنا و وعدنا بالخیر و العطاء الجزیل .

[ 230 ]

قال یا قوم قد أضعتم قولی و عصیتم أمری و خالفتمونی فاذا دخلتم علیه فلیدخل بعضكم و یبقى بعضكم على الباب حتّى ننظر ما یكون ، فاذا أكرم قوما بالجزاء و العطاء دخل الباقون و یفعلون مثل ما فعلوا أوّل مرّة ، و تقدّموا علیه و أنتم آمنون على هذا الترتیب .

قال فلمّا انسدل الظلام و هجع النّوام بعث السّفاح إلى سدیف فأحضره عنده فلّما دخل علیه سدیف قال له : یا ویلك یا سدیف إنّك لعجول فی أمرك ، مفش لسرّك ، لا تستعمل الكتمان .

فقال سدیف : الكتمان قد قتلنى ، و التحمّل أمرضنى ، و النّظر إلى هؤلاء الظالمین قد أسقمنى ، و لن یخفى علیك شی‏ء من أمری و ما حلّ بى و بأهلك و عشیرتك و موالیك و أقاربك : من قتل الرّجال ، و ذبح الأطفال ، و هتك النسوان ، و حمل حریم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على الأقتاب بغیر غطاء و لا وطاء ، یطاف بهم البلدان ، فأیّ عین لا ترقا مدامعها ، و أىّ قلب لا یتفجع علیهم ، فاستوف لهم الدّماء ، و اضرب بحسامك العدى ، و خذ بالثّار من الظلمة لأئمة الهدى و مصابیح الدّجى ، و سادة الآخرة و الاولى .

ثمّ إنّ سدیفا بكى و أنشأ یقول :

یحقّ لی أن ادم ما عشت فی حزن
أجرى الدّموع على الخدّین و الذّقن

یا آل أحمد ما قد كان حزبكم
كأنّ حزبكم فی النّاس لم یكن

رجالكم قتلوا من غیر ذى سبب
و أهلكم هتكوا جهرا على البدن

سكینة لست انسیها و قد خرجت
فی هیئة فجعة من شدّة الحزن

أبكی الحسین أم أبكی نسوة هتكت
أم ابكی فاطمة أم ابكی الحسن

أم ابكى لیث الوغافی الروع حیدرة
أم ابكى ابن رسول اللّه ذى المنن

اشكو إلى اللّه ما ألقاه من امم
ما أرتضى منهم بالفعل و السّنن

قال فعند ذلك بكى السّفاح بكاء شدیدا و زاد علیه الأمر حتى اصفرّ لونه و نادى بأعلى صوته : وا محمّداه وا علیّاه وا سیّداه وا قوماه وا أهلاه و اعشیرتاه و بكى سدیف

[ 231 ]

حتّى اغمى علیه .

فلمّا أفاق قال له السّفاح : یا سدیف قد بلغ الكتاب أجله ، و قد حان و قرب ما تؤمله فكان بی و قد اطلقت لك السّبیل تضرب بسیفك فی أعراضهم كیف شئت .

قال سدیف : أما و اللّه لان أطلقت لی السّبیل لأرضینّ الجلیل ، و آخذ منهم ثار الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ارضینّك یا مولاى .

قال له السّفاح : نم لیلتك قریر العین و أتنى فی غداة غد اعطیك أملك ،

و ابلغك رجاك .

قال : فبات سدیف فی تلك أرقا قلقا یدعو ربّه و یسأله تمام ما وعده السّفاح .

ثمّ إنّ السّفاح لمّا أصبح ذلك الیوم سّماه یوم النیروز و هو الذى سمّاه بنو العبّاس نوروز القتل لأنه الیوم الذى قتل السفاح فیه بنى امیة و سنّ تلك بنی العباس ، فأمر السّفاح منادیا ینادی ، إنّ أمیر المؤمنین أبا العبّاس السّفاح قد بسط الأنطاع ، و صبّ علیها خزائنه و قال : الیوم یوم عطاء و جوائز ، و ضربت البوقات و الطّبول ، و نشرت الرایّات و خفقت الأعلام .

ثمّ انّ السّفاح نصب سریر ملكه و زیّن قصره و بسط الأنطاع بین یدیه ، و أفرغ الدّنانیر و الدّراهم و الأسورة و مناطق المراكب الثقال من الذهب و الفضّة .

قال : فلما فرغ من ذلك ، و رتب الزینة و العدّة عمد إلى أربع مأة من غلمانه أشدّهم و أشجعهم ، فدفع إلیهم الأعمدة و السّیوف ، و قال لهم : كونوا فی الخبرة و أسبلوا علیكم السّتور ، فاذا رأیتمونی قد جلدت بقلنسوتی الأرض اخرجوا وضعوا السّیوف فی رقاب كلّ من ترونه و لو كانوا من بنی عمّی .

قالوا : سمعا و طاعة ، و قرّر معهم الوصیّة ، فلما تعالى النّهار أقبل إلیه النّاس فی الزّینة و البهجة الحسنة للسلام و العطاء .

قال : و أقبل بنو امیّة حتّى تكاملوا السّبعین ألف من آل یزید و آل مروان فلمّا بلغوا القصر نزلوا عن خیولهم و دفعوا عدادهم و سیوفهم إلى عبیدهم و دخلوا على جارى عادتهم و هم یرفلون فی حللهم و أثوابهم و لم یعلموا ما یراد بهم ، و یزعمون

[ 232 ]

أنّهم مسرورون .

قال : و كان فیهم رجل من جلساء السّفاح و كان شاعرا و قد مدح السّفاح بقصیدة حسنة ، و قد أجازه السّفاح علیها فقال له الحجاب الذین عرفوه : ارجع فما هو یوم عطاء و إنّما هو یوم مكر و خداع ، فلا تورد نفسك مورد الهلاك و الموت ، فقد رأینا أمیر المؤمنین قد أعطاك و أرضاك ، فما نحبّ أن تقع فی الهلاك ، قال : رضیت أن أرد مورد قومى ، و أصدر مصدرهم ، فقالوا له : ادخل إلى اللعنة و الخزى ، فدخل مع القوم على مراتبهم .

و صعد السّفاح إلى أعلى البیت و هو متقلّد بسیفه ، ثمّ التفت إلى بنی امیّة فقال : هذا الیوم الذى كنت أعدكم فیه الجزاء و العطاء فمن تحبّون أن أبدء بالعطاء ؟

فقالوا الیقربوا إلیه و یدخلوا فی قلبه : یا أمیر المؤمنین ابدء ببنی هاشم واحدا بعد واحد ، فانهم خیر العالم و أرباب المراسم ، فصاح السّفاح بعبد كان عن یمینه و قد أعلمه بما یرید و كان فصیح اللّسان فرفعه حتى صار دونه .

ثمّ قال له : ناد یا غلام بنی هاشم واحدا بعد واحد حتى نجزل لهم العطاء و نحسن لهم الجوائز عن رضى بلا غضب .

فنادى الغلام برفیع صوته و قال :

أین أبو عبیدة بن الحارث بن هاشم هلمّ إلینا فاقبض عطاك ، فقال سدیف :

یا شیخ و أین أبو عبیدة بن الحارث ، قال : و ما فعل اللّه به قال : قتله شیخ من هؤلاء القوم یقال له : شیبة بن ربیعة بن عبد الشّمس ، فقال : ما علمت بذلك یا غلام اضرب على اسمه إذا غاب و ادع لنا غیره .

فنادى الغلام أین أسد اللّه و أسد رسوله حمزة بن عبد المطلب بن هاشم هلمّ إلینا و اقبض عطاك ، فقال سدیف : و این حمزة ؟ فقال السّفاح : ما فعل اللّه به ؟

قال : قتله امرأة من هؤلاء القوم یقال لها هند بنت عتبة بن ربیعة فی أحد ، و ذلك لأنها أعطت الوحشى مولا حیدر بن طاهر عدة حتّى قتله ، و أقبلت فشقت جوفه و أخذت كبدته لتأكلها فحوّلها اللّه تعالى فی فیها حجرا فسمّیت آكلة الأكباد ،

[ 233 ]

فلمّا لم تقدر أن تأكلها قطعت أصابعه و جعلها قلاّدة فی عنقها ، فقال السّفاح :

ما علمت بذلك یا غلام اضرب باسمه إذا غاب و ادع لنا غیره .

قال فنادى الغلام أین عقیل بن عبد المطلب بن هاشم هلمّ إلینا و خذ عطاك ،

قال سدیف : یا أمیر المؤمنین و أین عقیل ؟ قال : و ما فعل اللّه به ؟ قال : قتله هؤلاء القوم و هو خارج من الشام یرید مدینة الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، قال السّفاح : ما علمت بذلك یا غلام اضرب على اسمه إذا غاب و هات غیره .

فنادى الغلام أین مسلم بن عقیل هلمّ إلینا و اقبض عطائك ، قال سدیف :

یا مولاى و أین مسلم بن عقیل ؟ قال : و ما فعل اللّه به ؟ قال : قتله هؤلاء القوم فأخذه عبید اللّه بن زیاد فرمى به عن قصر الامارة و ربطوا برجلیه حبلا و جرّوه فی أسواق الكوفة و نادوا هذا جزاء من خرج على خلافة بنی امیة و سبّوا آبائه و جدّه ،

قال : ما علمت بذلك یا غلام اضرب على اسمه إذا غاب و هات غیره .

فنادى الغلام أین أول الناس اسلاما و أفضل الوصیین و یعسوب الدین و الامام البطین على بن أبیطالب هلمّ إلینا و خذ عطائك ، فقال سدیف : یا مولاى و أین علیّ بن أبیطالب ؟ قال : و ما فعل اللّه به ؟ قال : قتله المرادی عبد الرّحمن بن ملجم و زیّن معاویة الشّام بقتله أیّاما و فرح فرحا شدیدا فقال سفّاح : ما علمت بذلك یا غلام اضرب على اسمه اذا غاب و هات غیره .

فنادى الغلام أین ابن بنت رسول اللّه الحسن بن على بن أبیطالب علیهم السلام

سیّد شباب أهل الجنة هلمّ إلینا فاقبض عطائك ، فبكى سدیف و قال : یا مولاى و این الحسن بن علیّ بن أبی طالب ؟ قال السفاح : و ما فعل بولد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ؟ قال :

قتلته جعدة امرأته بسمّ دسّه إلیها معاویة من الشّام ، فقال : ما علمت بذلك یا غلام اضرب على اسمه إذا غاب و هات غیره .

فنادى الغلام این ابن بنت رسول الله و سید شباب أهل الجنة الحسین ابن على بن أبى طالب علیهم السّلام هلمّ إلینا فاقبض عطائك ، فبكى سدیف و قال : یا مولاى و أین الحسین بن علیّ بن أبیطالب ؟ قال السفّاح : و ما فعل لولد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم :

[ 234 ]

قال : قتله أمیر هؤلاء الذین هم مقرّبون و هم على كراسیّ الذّهب و الفضة بحضرتك قاعدون ، قتلوه بأرض كربلا عطشانا و الفرات ملآن ، و أخذوا رأسه و جعلوه على رمح طویل و حملوه من الكوفة إلى أن أدخلوه دمشق إلى یزید بن معاویة حتّى ندبته الجنّ ، ثمّ رثاه رجل من بعض النّاس یقول :

هلال بدا و هلال أفل
كذلك یجرى صروف الدّول

فقال : ما علمت بذلك یا غلام اضرب على اسمه إذا كان غائبا و هات غیره .

و نادى الغلام و این العباس بن على بن أبى طالب أخو الحسین علیهم السّلام هلمّ إلینا فاقبض عطائك ، فقطع سدیف علیه الكلام ، ثمّ قال : كأنّك یا أمیر المؤمنین ترید تؤاخذ هؤلاء القوم بما فعلوا أو تجازیهم بما صنعوا هؤلاء الذین ذكرتهم بكأس المنیة قتلهم هؤلاء بأرض كربلا جیاعا عطاشا عرایا ، قال السّفاح : ما علمت بذلك یا غلام اضرب على اسمه إذا غاب و هات غیره .

فقال الغلام و أین زید بن على بن أبیطالب هلمّ إلینا فاقبض عطائك ،

قال سدیف : یا مولاى و أین زید ؟ قال السّفاح : و ما فعل اللّه به ؟ قال : قتله واحد من هؤلاء القوم یقال له هشام بن عبد الملك بن مروان ، و صلبه منكوسا و عششت الفاختة جوفه ، ثمّ إنهم بعد ذلك أحرقوه بالنار و سحقوا عظامه فی الهاون و ذروه فی الهوى فاجتمع على وجه الماء ثمّ غاص و خرج خلقا سویّا و هو ینادى برفیع صوته و سیعلم الّذین ظلموا أىّ منقلب ینقلبون و قتلوا ولده من بعده و قبره هنالك ، فقال السّفاح : ما علمت بذلك یا غلام اضرب على اسمه و هات غیره .

ثمّ قال : إنّ هؤلاء ساداتنا عاشوا سعداء و ماتوا شهداء بأسیاف العدى .

ثم نادى الغلام : این الامام ابراهیم بن محمد بن عبد اللّه بن العباس

هلمّ إلینا و اقبض عطائك ، فسكت سدیف و لم یعد قولا و لا ردّ جوابا ، و أیقن بنو امیّة بالهلاك ، لأنّهم هم الذین قتلوه ، فقال السّفاح : و یلك یا سدیف كنت إذا ذكر لك رجل من بنی هاشم تسرع فی الجواب فما لك قد عجزت عن الخطاب عند ذكر أخى قال : لأنّى أستخیى أن اقابلك فاواجهلك بما قد فعل بأخیك ، فقال

[ 235 ]

السفّاح : سألتك باللّه إلاّ ما تخبرنی ما فعل بأخی ، قال : قبضه رجل من هؤلاء القوم یقال له مروان و أدخل رأسه فی جراب بقر و ركب فی أسفله كور الحدّادین و أمر النافخ أن ینفخ و الجلاّد یجلد حتّى ضربه عشرة آلاف سوط فی ثلاثة أیّام فقام من أوسط القوم رجل یقال له : یزید بن عبد الملك و قال : یا و یلك یا عبد السّوء لقد عظم تعریضك على بنی امیّة لقد أشرف أمیر المؤمنین على هلاكنا أجمع فقال : إنّ مقصودى ذلك ، فرهق السّفاح لسدیف بمؤخّر عینیه و قد امتلاء حنقا و غیظا ثمّ أنشأ یقول :

حسبت امیّة أن سترضى هاشم
عنها و یذهب زیدها و حسینها

كذبت و حقّ محمّد و وصیّه
حقا ستبصر ما یسى‏ء ظنونها

ستعلم لیلى أىّ دین تداینت
و أىّ دیون فی البرایا دیونها

قال : ثمّ إنّ السّفاح بكى و علا صیاحه ، ثمّ خلع قلنسوته عن رأسه و جلدبها سریر ملكه ، و نادى : یا لثارات الحسین ، یا لثارات بنی هاشم ، یا لثارات بنی عبد المطلب قال : فلمّا نظر الغلمان إلى السّفاح و فعاله فتحوا أبواب الخزاین و خرجوا و فی أیدیهم السیوف و الأعمدة فوضعوها فی رقاب بنی امیة فعاد الشاعر یدور بینهم یمینا و شمالا و هو یقول : أنا الذی مدحت السّفاح فقال السّفاح لو لم تكن منهم لما دخلت معهم ، فقتله السّفاح بیده ، و جرّد سیفه و عاد یضرب یمینا و شمالا فلم تكن إلاّ ساعة أو كحلب ناقة حتى قتلوا عن آخرهم .

فبینما العبید و الخدم و الغلمان حول القصر إذ خرج إلیهم الدّم من الأفنیة و امتلاء البوالیع من دماء القتلى كأنّه السّیل أو كأفواه القرب ، فعظموا ذلك و أنكروه .

فلمّا فرغ السّفاح من القوم أمرهم أن یجمعوا القتلى و یجعلوهم مثل المصطبة و یفرشوا فوقهم الأنطاع ، ففعلوا ذلك و جلس علیها السّفاح و سدیف و جماعة من بنی هاشم و حشمه .

ثمّ أمر بالموائد فنصبت ، و نقلوا إلیها الطعام فأكل السفاح و أهله و قومه

[ 236 ]

و جعل القتلى یضطربون من تحتهم .

ثمّ أقبل السّفاح على سدیف و قال له : برّد ما بقلبك من الغلیل ؟ فقال :

و اللّه یا سیدى ما أكلت أطیب من أكلتى هذه أبدا .

ثمّ انّ سدیف قال : و اللّه لقتل هؤلاء القوم و كبرائهم و أشرافهم فی منازلهم قد تفرقوا فی أقطاعهم و أعمالهم ، قال : یا سدیف لیت شعرى ما أخرج هؤلاء القوم خفت أن یعلموا ما حلّ بقومهم فینهزموا شرقا و غربا و سهلا و جبلا ، و لكن یا سدیف الذی عمل هذه الحیلة قادر أن یعملها على الباقین حتى لا یبقى منهم صغیر و لا كبیر على وجه الأرض فقال سدیف : فیها یكون زوال القرحة .

فقال السّفاح : یا سدیف سترى منّی حیلة ما سبقنی إلیها أحد و تبلغ ما تحبّه ،

فأحضر الصّناع فقا لهم : امكّنكم من الأموال و من كلّ ما تریدون ثمّ رسم لهم الأساس فحفروه و كانوا ألف و خمس مأة صانع ، فلمّا فرغوا من حفر الأساس نقل على الحمیر و البغال الملح و سدّ به الأساس و لم یزالوا كذلك حتّى اكتفا الاساس من الملح .

ثمّ أمرهم أن یجعلوا اللّبن فوق الملح ففعلوا ذلك و استحلف الصناع بالایمان المغلّظة أنّهم لا یفشون ذلك إلى أحد و أنهم متى فعلوا ذلك حلّ دمائهم و أموالهم فكتموه و لم یظهروه و وعدهم أن یجزل لهم العطا و أمرهم أن یكونوا فی جوانب القصر و أن یخرقوا مجارى القصر للماء إلى الأساس و یصبروا علیه إلى وقت الحاجة ففعلوا ذلك و أحكموه .

ثمّ انّهم أخذوا فی البناء و العمل و رتّب قوما فی البناء و قوما فی عمل المقاصیر و قوما فی السّقوف و قوما فی التجصیص و قوما یزوّقون الأبواب بالذّهب و الفضّة و قوما فی تحت العاج و الآبنوس ، فما مضت علیهم إلاّ أیّام قلائل حتّى فرغوا من القصر و سقوفه و جمیع آلاته ، و رفعوا مجالسه و ركبوا أبوابه و أضاؤوا مقاصیره ، فلما فرغوا من جمیع ذلك علّقوا السّتور الملوّنة .

ثمّ إنهم فرشوه و زیّنوه و حملوا إلیه جمیع الآلات الحسنة الرّفیعة الغالیة

[ 237 ]

من أفخر ما یكون ، ثم أذّن للناس بالدّخول و التّفرّج و التّنزّه فیه ، فدخل الخاص و العام و جنح إلیه الناس من جمیع الأقطار یتعجّبون من حسنه و كماله .

و دخل بنو امیّة أوّلهم و آخرهم صغیرهم و كبیرهم ، فلما نظروه و عاینوه حاروا و دهشوا و تخالفوا أنه أشبه بارم ذات العماد التی لم یخلق مثلها فی البلاد .

و جعلوا یقولون لمن عمل هذا القصر و اعدّت هذه الآلات المفتخرة و الزینة ، فقال قوم : لا شك إنه یكون هذا القصر لأخیه أبی جعفر المنصور ، و قال آخرون : ما هو إلاّ لعمّه صالح ، و اختلف أقاویلهم فیه .

و بلغ ذلك أبا العباس السّفاح فركب إلیهم و قال : یا بنی امیّة سیروا إلىّ حتى أجزل لكم العطاء ، و افضّلكم على العرب و السّادات من ذوى الرتب ، فنفروا منه نفورا عظیما ، فبعث إلیهم یقول : یا بنی امیّة ما عملت هذا القصر إلاّ لكم فاطمئنّوا بكلامی و ثقوا بما أقول ، فانّ قومكم أخبرونی بما دخل قلوبكم من الاضطراب و أنّكم تتخلّفون فزعا منى و من سطوتى و بأسى ، و من یمنعنی منكم إذا أردت بكم بأسا ، فادخلوا القصر و لا تدخلونه إلاّ و هو لكم و أنا أحلف لكم باللّه و رسوله إنّه لكم .

قال : فلمّا جائتهم البشارة اطمأنّوا بها و قال بعضهم : یا ویلكم اسعوا إلى مقاصیركم و منازلكم لكن ألبسوا سلاحكم و شدّوا عدّتكم ، فان ثار علیكم أحد من النّاس القوه ، ثمّ إنّكم إن تحصّنوا فی هذا القصر لا یقدر علیكم أحد ، فقالوا هذا هو الرّأى و الصواب الذى لیس فیه ارتیاب ، و قال بعضهم : إنا نخشى أنا إذا حصلنا توثق علینا أبوابه و تركب علینا العساكر فنحاصر فی القصر فتصیر المقاصیر و الأحجار قبورنا ، فقال أحدهم : هیهات هیهات ما یكون ذلك أبدا ، لأنّه رجل و له اتصال برسول اللّه و هو زعیم القوم و خلیفة اللّه على خلقه .

ثمّ اجتمع رأیهم على الانتقال إلى القصر و شاع فی النّاس أنّه لم یرقطّ أحلم من السّفاح ، لأنه عمد إلى قوم قتلوا أسلافه و عشیرته فأقطعهم القطایع و بنى لهم الجنان و رفع لهم المراتب .

[ 238 ]

قال : فأقبلت إلیه السّادات ینقلون إلى القصر واحدا بعد واحد یتسابقون إلیه و كلّ واحد یطلب له موضعا ، فاذا استوى الرّجل فی مقامه لم یغالبه فیه أحد ثمّ إنّهم لم یطمئنوا حتى أو قفوا نفرأ مع عبیدهم على الباب بالسّلاح مخافة الكبسة .

فلمّا تكاملوا أمر السّفاح أن یبسط لهم البسطو عمل سماطا 1 حسنا ، و أكثر من الذبایح و الحلاوات ثمّ إنه أجلس القوم على الموائد و جاء إلیه الناصح من خلف ظهره و أعلمه بأنّهم كلّهم قد حصلوا فی القصر إن أردت أن تقتلهم فافعل فما بقى من أعداء اللّه و رسوله إلاّ و قد حضر فی القصر .

فلم یكن إلاّ ساعة حتّى إذا دار الماء بجوانب القصر و ذاب الملح و القوم فی القصر على الموائد ما یدرون ما حلّ بهم فارتجّ القصر و انصدع فهمّوا بالهزیمة فتصایحت حیطانه و انهدمت أركانه و اهتزّت العمد ففزع القوم من ذلك و دهشوا و وضعوا رؤوسهم على ركبهم و ظنّوا أنّ الأمر من السّماء قد نزل بهم ، فقال قائلهم : قد اخذنا بما كان منا ، فهم فى الكلام إذ سقطت الجدران و انهدمت الأركان و وقع القصر علیهم بأجمعهم فعجّل اللّه بأرواحهم إلى النّار و بئس القرار ، فهلكوهم و عبیدهم و امائهم و نسلهم و ذراریهم فكأنما الأرض قد ابتلعتهم .

و بلغ ذلك السّفاح ، فركب و ركب سدیف معه و ساروا إلى القصر فوجدوهم قد هلكوا ، فسجدوا للّه شكرا .

فقال السّفاح لسدیف : هل أخذت بثارك و ثار موالیك ؟ فقال سدیف : و اللّه لو قتل مثل هؤلاء ألف ضعف ما وفى و لا عدل شسع نعل الحسین علیه السّلام و لا لأحد من موالیه علیه السّلام ، و قد بلغنى أنّ بالشام خلقا كثیرا من الامویین و أنّ دمشق مملوّة منهم و من أكابرهم فأنا أرجو من اللّه أن لا یفوتنى منهم أحد .

فقال السّفاح قلت فی هذا المعنى شیئا یا سدیف ؟ قال ، نعم یا مولاى و اسمع ما أقول :

-----------
( 1 ) السماط من الطعام ما یمدّ علیه ، قاموس

[ 239 ]

ألا أبلغن سادات هاشم معشرى . و جمع قریش و القبایل من فهر

تمیما و مخزونا و أبناء غالب
و سكّان بیت اللّه و الركن و الحجر

و من كان منهم بالمدینة ثاویا
قریبا من النور المغیب فی القبر

و من بالقرى افدى و من سكن الغرى
وصیّ نبی صاحب النهى و الأمر

و من سكن الطفّ المعظّم قدره
حسین الرضا المدفون فى البلد القفر

و من حوله من أهله و موالیه
و اخوته من خیر نسل و من طهر

بأنّ سدیفا قد شفى اللّه قلبه
بزرق طوال ثمّ مرهفة تبر

فعلت أبا العبّاس فعل أهالك
فأوفیت ما أنذرت فی سالف الدهر

من أخذ لثارات الحسین بن حیدر
و فاطمة و السّبط الحسن البرّ

و من حلّ بالنهرین فی أرض كربلا
و من حوله صرعى من الأنجم الزهر

سلام و رضوان على سادة الورى
خیار بنی حوّا و آدم ذو الطهر

صلاة من الرحمن تغشى أئمة
هداة اصیبوا بالخدیعة و المكر

فاحمد أبا العبّاس یا خیر ناصر
سدیف یرجى منك أن تجلى الفقر

و تجلى كما أجلیت منهم قلوبنا
فقد أیّدك ربّ البریة بالنّصر

على الارض منهم لا تخلّى واحدا
و اشف نفوسا صادعات من الضرّ

فانّك منصور و نور مشرق
و حسبك إنّ الحقّ أیّدك بالنصر

و كم كربة أجلیتها من قلوبنا
بعزم و تأیید تساوى البحر

فیا سایر الأذقان خرّوا و سجّدوا
لهیبة أبی العباس فی اللیل و الفجر

و لا تقنطوا من فضل من بان فضله
فمنه إلیكم یعقب النهى و الأمر

على ظالمیهم لعنة اللّه ما دجى
سحیر و ما أضواه لیل من الهجر

قال أبو مخنف : ثمّ إنّ السفاح رجع إلى قصره و بات تلك اللّیلة فرحانا مسرورا بما أنا له اللّه من العزّ و الهیبة .

فلمّا أصبح دعا بعمّه صالح بن عبد اللّه بن العبّاس ، و عقد له لواء على عسكر و اختار من خیار فرسانه و أمره بالمسیر إلى الشّام و قال له : و كلتك دمشق

[ 240 ]

و أعمالها فسر إلیها و جاز المحسن على إحسانه و المسی‏ء على قدر اسائته ، و انظر إلى من بیننا و بینه معاداة فلا تقصر فی إهلاكه و دماره ، و هذا سدیف عندنا فخذه فی صحبتك فقد علمت نصحه و مروته فلا تمنعه أمرا یریده و امنه على صحبتك و عشیرتك .

فقال صالح : حبّا و كرامة و لو لم توص به لكان حقا علىّ أن لا أفعل شیئا حتّى اوقعه علیه و اشاوره فیه .

فلمّا سمع السّفاح كلام عمّه شكره و جزاه خیرا و جرّد الجیش معه و ضمّ إلیه سدیفا و ساروا جمیعا یجدّون فی سیرهم حتّى دخلوا دمشق فلمّا دخلوها و جلسوا دار الامارة جعل یرتّب الأعمال فی المواضع من أعمالها .

فلما استقرّ أمره جعل یسأل عن أولاد یزید و آل مروان بن الحكم فیحضرون بین یدیه ، و كان یقطعهم القطایع الجیّدة و یعطى لكلّ منهم ما یطلبه ، و سدیف یستأذن فیهم و یحمل علیهم فیبیدهم ضربا و طعنا حتى قتل منهم بدمشق ثلاثین ألفا و هو یقول : و اللّه لو قتلت أضعافا مضاعفا من بنی امیّة بل كلّ من طلعت علیه الشمس منهم لما وا فى شسع نعل مولى الحسین علیه السّلام .

و بلغ السّفاح ما فعل سدیف فسرّه ذلك ، فكتب إلى سدیف كتابا و أعاد فیه الشعر الذی قاله فیه قبل سیره مع صالح ، فلما فعل صالح ما فعل و قتل من بقى من بنی امیّة انهزم قوم منهم إلى الساحل و ركبوا البحر طالبین إلى بلاد العرب ،

فجعل یتابعهم و یأخذ خبرهم فاخبر أنهم ركبوا البحر ، فبعث خلفهم سریّة و قتل كلّ من انهزم و لم یسلم منهم أحد إلاّ قوم ترسموا بزینة النّسوان و هم الملثّمة إلى یومنا هذا .

فلمّا عاد صالح إلى دمشق و فى بنذر السّفاح و كان قد نذر أنّه متى أفنى بنی امیّة أن یخرب دیارهم ، فأخربها جمیعا و لم یبق لهم غیر الجامع نعمان و دام ملك بنی العباس إلى أن ملك منهم أربعون .

[ 241 ]

حتّى تمّ قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لعمّه العبّاس لما قال له : یابن أخى رأیت كان قد ظهر من دبرى أربعون زنبورا ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، یا عمّ سیظهر لك من ملیك اربعون رجلا و یأخذون الخلافة ، فحزن العباس و هجم نفسه ، فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لا یا عمّ فقد قضى الأمر و حقّ بالقول و كان ذلك فی الكتاب مسطورا .

أقول : هذا ما انتهى إلینا من خبر السّفاح و سدیف و انقراض الدولة الأمویة و رویته كما وجدته و لم یكن النسخة التی نقلنا منها خالیة من السّقم و الاختلال فأصلحت ما أمكن بحسب ما أدّى إلیه النّظر ، و أستعیذ باللّه من هفوات اللّسان و زلاّت البیان .

و قد روى الشارح المعتزلى فی الشرح بعض الرّوایات فی هذا المعنى من كتاب الكامل للمبرّد ، و كتاب الاغانی لأبی الفرج الاصفهانی ، و مروج الذّهب للمسعودى و غیرها على غیر نظم و ترتیب ، و استطرفت بعض ما اوردها ، لاشتماله على أشعار جیدة و أحببت أن لا یخلو الشرح منها .

فأقول : فی الشّرح سئل بعض شیوخ بنی امیّة عقیب زوال الملك عنهم ما كان سبب زوال ملكهم ؟ فقال : جار عمّالنا على رعیتنا فتمنّوا الراحة منّا ، و تحومل على أهل خراجنا فحملوا عنّا ، و خربت ضیاعنا فخلت بیوت أموالنا ، و وثقنا بوزرائنا فآثروا مرافقهم على منافعنا ، و امضوا امورا دوننا أخفوا علمها عنّا ، و تأخّر عطاء جندنا فزالت طاعتهم لنا ، و استدعاهم عدوّنا فظافروه على حربنا ، و طلبنا أعدائنا فعجزنا منهم لقلّة أنصارنا ، و كان استتار الأخبار عنا من أوكد أسباب زوال ملكنا و فیه لما أتى أبو العباس برأس مروان سجد فأطال ، ثمّ رفع رأسه و قال :

الحمد للّه الذی لم یبق ثارنا قبلك و قبل رهطك ، الحمد للّه الذی أظفرنا بك و أظهرنا علیك ، ما ابالى متى طرقنى الموت ، و قد قتلت بالحسین علیه السّلام ألفا من بنی امیّة و احرقت شلو هشام بابن عمّی زید بن علیّ كما أحرقو شلوه و تمثّل :

لو یشربون دمى لم یروشا ربهم
و لا دمائهم جمعا تروّینی

ثمّ حوّل وجهه إلى القبلة فسجد ثانیة ثمّ جلس فتمثّل :

[ 242 ]

أیا قومنا ان تنصفونا فأنصفت
قواطع فی أیماننا تقطر الدّما

إذا خالطت هام الرجال تركتها
كبیض نعام فی الثرى قد تحطما

ثمّ قال : فأمّا مروان فقتلناه بأخى إبراهیم ، و قتلنا سایر بنی امیّة بحسین علیه السّلام و من قتل معه و بعده من بنی عمّنا أبی طالب .

و فیه عن أبی الفرج الاصفهانی قال حدّث الزبیر بن بكار عن عمه أنّ السّفاح « سدیفا ظ » أنشد یوما قصیدة مدح بها أبا العباس و عنده قوم من بنی امیة كان آمنهم على أنفسهم فأقبل على بعضهم فقال : أین هذا مما مدحتم ؟ فقال : هیهات و اللّه لا یقول أحد فیكم مثل قول ابن قیس الرقیات فینا :

ما نقموا من بنی امیّة إلاّ
أنهم یحلمون إن غضبوا

و أنهم معدن الملوك فما
تصلح إلاّ علیهم العرب

فقال له یا ماص كذا من امّه و انّ الخلافة لفى نفسك بعد خذوهم فاخذوا فقتلوا و روى أبو الفرج أیضا أنّ أبا العباس دعا بالغداحین قتلوا و أمر ببساط فبسط علیهم فجلس فوقه یأكل و هم یضطربون تحته ، فلما فرغ قال ما أعلم أنى أكلت أكلة قط كانت أطیب و لا أهنأ فی نفسی من هذه ، فلما فرغ من الأكل قال : جرّوا بأرجلهم و ألقوهم فی الطّریق لیلعنهم الناس أمواتا كما لعنوهم أحیاء ، قال : فلقد رأینا الكلاب یجرّ بأرجلهم و علیهم سراویلات الوشى حتّى انتنوا ، ثمّ حفروا لهم بئرا فالقوا فیها .

و فیه عن أبی الفرج أیضا فی كتاب الأغانی إنّ سدیفا أنشد أبا العباس و عنده رجال بنی امیّة فقال :

یابن عمّ النّبیّ أنت ضیاء
استنبابك الیقین الجلیّا

جرّد السیف و ارفع العفو حتى
لا ترى فوق ظهرها امویّا

قطن البغض فی القدیم و أضحى
ثابتا فی قلوبهم مطویّا

و هى طویلة فقال أبو العبّاس : یا سدیف خلق الانسان من عجل ، ثمّ انشد أبو العبّاس متمثّلا :

[ 243 ]

احیى الضّغاین آباء لنا سلفوا
فلن تبید و للآباء أبناء

ثمّ امر بمن عنده فقتلوا .

قال أبو الفرج و أخبرنی علیّ بن سلیمان الأخفش قال : أنشدنی محمّد بن یزید المبرّد لرجل من شیعة بنی العباس یحضّهم على بنی امیة :

ایّاكم أن تلینوا لاعتذارهم
فلیس ذلك إلاّ الخوف و الطّمع

لو انهم أمنوا أبدوا عداوتهم
لكنهم قمعوا 1 بالذّلّ فانقمعوا

ألیس فی ألف شهر قد مضت لهم
سقیتم جرعا من بعدها جرع

حتّى إذا ما انقضت أیّام مدّتهم
متوا الیكم بالأرحام التی قطعوا

هیهات لا بدّ أن یسقوا بكأسهم
ریّا و أن یحصدوا الزرع الذى زرعوا

إنا و اخواننا الأنصار شیعتكم
إذا تفرّقت الأهواء و الشیع

و فیه دخلت احدى نساء بنی امیة على سلیمان بن علیّ و هو یقتل بنی امیة بالبصرة فقالت : أیها الأمیر إنّ العدل لیملّ من الاكثار منه و الاسراف فیه ، فكیف لا تملّ من الجور و قطیعة الرحم ؟ فأطرق ، ثمّ قال لها :

سننتم علینا القتل لا تنكرونه
فذوقوا كما ذقنا على سالف الدّهر

ثمّ قال : یا أمة اللّه أوّل راض سنة من یسیرها ألم تحاربوا علیّا و تدفعوا حقّه ؟

ألم تسمّوا حسنا علیه السّلام و تنقضوا شرطه ؟ ألم تقتلوا حسینا و تسیروا رأسه ؟ ألم تقتلوا زیدا و تصلبوا جسده ؟ ألم تقتلوا یحیى و تمثلوا به ؟ ألم تلعنوا علیّا علیه السّلام على منابركم ؟ ألم تضربوا أبانا علیّ بن عبد اللّه بسیاطكم ؟ ألم تخنقوا الامام بجراب النورة فی حبسكم ؟ ثمّ قال : ألك حاجة ؟ قالت : قبض عمّالك أموالی ، فأمر بردّ أموالها علیها .

و فیه لما استوسق الأمر لأبی العباس السّفاح و فد الیه عشرة من امراء الشام فحلفوا له باللّه و بطلاق نسائهم و بایمان البیعة أنّهم لا یعلمون إلى أن قتل مروان أنّ لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أهلا و لا قرابة إلاّ بنی امیّة .

-----------
( 1 ) قمعه كمنعه قهره و ذلله

[ 244 ]

أقول و ذلك لأنهم أرادوا أن یطفؤوا نور اللّه بأفواههم فأبى اللّه إلاّ أن یتمّ نوره و لو كره الكافرون ، و سیعلم الذین ظلموا أىّ منقلب ینقلبون

الترجمة

از جمله خطب بلیغه آنحضرتست كه صدر آن متضمن بیان محامد حضرت رسالتمآب صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و ذیل آن اشاره است بأحوال بنی امیه لعنهم اللّه و مآل كار ایشان چنانچه فرموده :

تا آنكه مبعوث فرموده خداوند متعال محمّد مصطفى را در حالتی كه شاهد بود بر امّتان ، و بشارت دهنده بود بمطیعان ، و ترساننده بود عاصیان را ، كه بهترین خلایق بود در حال كودكى ، و كریم‏ترین مردمان بود در حال پیرى ، پاكیزه‏ترین پاك شدگان بود از حیثیت طبیعت ، و بخشنده‏ترین اشخاصى بود كه از ایشان امید باران احسان گرفته شود از حیثیت بارش .

پس شیرین نشد از براى شما دنیا در لذّتهاى خود ، و متمكن نشدید از مكیدن پستانهاى آن مگر بعد از اینكه یافتید آنرا و رسیدید بآن در حالتیكه در جولان بود مهار آن ، و مضطرب بود تنگ پالان آن .

بتحقیق كه گردیده بود حرام آن در نزد طایفه بمنزله درخت سدر پر بار خالى از خار ، و حلال آن دور بلكه غیر موجود در نزد أهل روزگار ، و یافتید آنرا قسم بخدا در حالتیكه سایه بود كشدیده شده تا وقت شمرده شده ، پس صفحه زمین از براى شما خالیست از معارض و مانع ، و دستهاى شما در آن گشاده شده است و دستهاى پیشوایان از شما باز داشته شده ، و شمشیرهاى شما برایشان مسلّط است و شمشیرهاى ایشان از شما باز گرفته شده .

آگاه باشید بدرستیكه هر خونى را خونخواهى است ، و هر حقى را طالبى هست ، و بدرستیكه طالب قصاص در خونهاى ما همچه حكم كننده ایست در حق نفس خود و آن عبارتست از حقسبحانه كه عاجز نمیكند او را كسیكه او سبحانه طلب

[ 245 ]

كند او را ، و فوت نمیشود از او كسیكه فرار نماید از او .

پس سوگند میخورم بخداى لایزال أى بنی امیه پس از زمان اندكى هرآینه البته مى‏شناسید دنیا را یا خلاف و امارت را در دستهاى غیر خودتان و در خانه دشمنان خود كه عبارتست از بنی عباس كه انتقال خلافت بایشان شد .

الفصل الثانى

ألا إنّ أبصر الأبصار ما نفذ فی الخیر طرفه ، ألا إنّ أسمع الأسماع ما وعی التّذكیر و قبله ، أیّها النّاس استصبحوا من شعلة مصباح واعظ متعّظ ، و امتاحوا من صفو عین قد روّقت من الكدر ، عباد اللّه لا تركنوا إلى جهالتكم ، و لا تنقادوا إلى أهوائكم ، فإنّ النّازل بهذا المنزل نازل بشفا جرف هار ، ینقل الرّدى عن ظهره من موضع إلى موضع لرأی یحدثه بعد رأی ، یرید أن یلصق ما لا یلتصق ، و یقرّب ما لا یتقارب ، فاللّه اللّه أن تشكوا إلى من لا یشكى شجوكم ، و لا ینقض برأیه ما قد أبرم لكم ، إنّه لیس على الإمام إلاّ ما حمّل من أمر ربّه : الإبلاغ فی الموعظة ، و الإجتهاد فی النّصیحة ، و الإحیاء للسّنّة ، و إقامة الحدود على مستحقّیها ، و إصدار السّهمان على أهلها ،

فبادروا العلم من قبل تصویح نبته ، و من قبل أن تشغلوا بأنفسكم عن مستثار العلم من عند أهله ، و انهوا غیركم عن المنكر و تناهوا

[ 246 ]

عنه ، فإنّما أمرتم بالنّهی بعد التّناهی .

اللغة

( الطرف ) بالفتح نظر العین و ( استصبح ) بالمصباح استسرج به و ( الامتیاح ) نزول البئر و ملؤ الدلاء منها و ( الترویق ) التصنفیة و منه الرواق بالكسر و هو الصافی من الماء و غیره و ( الشفا ) شفیر الشّی‏ء و جانبه و ( الجرف ) بالضمّ و بضمّتین ما تجرّفته السّیول و أكلته من الأرض و ( الهار ) الضعیف الساقط المنهدم یقال هار الجرف یهور هورا فهو هائر و هار كقاض .

و ( اشكیت ) زیدا بهمزة الأفعال أزلت شكایته و ( الشجو ) الهمّ و الحزن و ( ابرم ) الأمر أى أحكمه ، و الحبل أى جعله طاقین ثمّ فتله و ( الاصدار ) الارجاع من الصدر و هو الرّجوع و ( السهمان ) كالسهمة بالضّم فیهما جمع السهم و هو الحظ و النّصیب و ( صوّح ) النبت أى یبس و تشقّق أو جفّ أعلاه و ( المستثار ) مصدر بمعنى الاستثارة و هو الانهاض و التهییج .

الاعراب

مصباح فی بعض النسخ بالتّنوین فیكون واعظ بدلا و فی بعضها بلا تنوین بالاضافة ، و على ذلك فیحتمل أن یكون الاضافة لامیة و أن تكون من اضافة المشبّه به إلى المشبّه من قبیل لجین الماء ، و فى نسخة الشارح المعتزلی من شعلة بمصباح واعظ بتنوین شعلة و اضافة مصباح مع الباء الجارة و هى باء الآلة منعلّقة باستصبحوا .

و ینقل الرّدى عن ظهره عن بمعنى على كما فی قوله :

لاه ابن عمّك لا أفضلت فی حسب
عنّى و لا أنت دیّانى فتخزونی

أى للّه درّ ابن عمّك لا أفضلت فی حسب علىّ ، و فی أكثر النّسخ على ظهره و هو الأنسب ، و قوله فاللّه اللّه بالنصب فیهما و العامل محذوف أى اتقوا اللّه ، و احذرّكم اللّه و قوله الابلاغ فی النّصیحة بالرفع بدل بعض من ما .

[ 247 ]

المعنى

اعلم أنه علیه السّلام لما نبّه فی الفصل السّابق على تقصیر المخاطبین من بنی امیة و من یحذ و حذوهم فیما یجب علیهم رعایته ، و أشار إلى أنّ المقصرین فی حقهم و الظالمین لهم و السّاعین فی دمائهم مؤاخذون بتقصیرهم مجزیّون بسوء أعمالهم ،

عقّبه بهذا الفصل حثا لهم على طاعته و ملازمته ، و ترغیبا على الاقتباس من أنوار هدایته ، و تحذیرا من الركون إلى الجهالة و التیه فی بوادى الرّدى و الضّلالة ،

و صدّر ذلك بذكر محاسن التفكّر و البصیرة توطئة و تمهیدا فقال :

( ألا إنّ أبصر الابصار ما نفذ فی الخیر طرفه ) أراد بنفوذه فی الخیر رؤیته المحاسن و اتباعها ، فانّ أفضل ابصار البصر ما یفید للمبصر بصیرة و یجلب له فایدة فی تحصیل السّعادة الأبدیة و الكمالات النفسانیة ( ألا إنّ أسمع الأسماع ما وعى التذكیر و قبله ) أى أفضل سماع الاسماع أن یحفظ التذكیر و المواعظ و یتدبّر فیها فیقبلها .

( أیّها النّاس استصبحوا من شعلة مصباح واعظ متّعظ ) أى استسرجوا من شعلة سراج واعظ لغیره متّعظ فی نفسه ، فانّ من لم یكن متّعظا فی نفسه لا یكون موعظته مؤثرة فی القلوب ، بل تكون القلوب نافرة منه و النفوس مشمئزّة قال الشاعر :

لا تنه عن خلق و تأتى مثله . عار علیك إذا فعلت عظیم

و لا یخفى علیك أنّ اضافة مصباح إلى واعظ إن كانت من اضافة المشبّه به الى المشبّه فذكر الشعلة و الاستصباح ترشیح للتّشبیه و وجه الشبه كونهما من أسباب الهدایة ، و إن كانت الاضافة بمعنى اللام فلفظ المصباح استعارة لموعظة الواعظ و الشعلة و الاستصباح ترشیح الاستعارة ، و یحتمل أن یكون ذكر الشعلة تخییلا و الاستصباح ترشیحا على ما ذهب إلیه بعض البیانییّن من عدم الملازمة بین التخییل و الاستعارة بالكنایة و إمكان وجوده بدونها ، و كذلك لو كان مصباح منوّنا و واعظ بدلا منه إلاّ أنّ المستعار له على الأوّل هو الموعظة ، و على الثانی یحتمل أن یكون الموعظة و أن یكون نفس الواعظ

[ 248 ]

و كیف كان فالاشارة بالواعظ المتّعظ إلى نفسه الشریف و مثله قوله : ( و امتاحوا من صفوعین قدر وقّت من الكدر ) فانه استعار صفو العین للعلوم الحقة و هو من استعارة المحسوس للمعقول و الجامع أنّ العلم به حیاة للأرواح كما أنّ صفو العین به حیاة الأبدان و ذكر الترویق و الامتیاح ترشیح للاستعارة أو الترویق تخییل و الامتیاح ترشیح على ما مرّ و أراد الترویق من الكدر خلوّ تلك العلوم من شوائب الأوهام و بالامتیاح أخذها من منبعها و هو أمرلهم باقتباس العلوم الشّرعیة و المعارف الحقة منه علیه السّلام .

و لما أمر بذلك أردفه بالنهى عن الركون إلى الجهالة فقال علیه السّلام ( عباد اللّه لا تركنوا إلى جهالتكم ) أى لا تمیلوا إلیها ( و لا تنقادوا إلى أهوائكم ) أى الأهواء الباطلة المخرجة عن كرائم الأخلاق إلى رذائلها و عن حقّ المصالح إلى باطلها ( فانّ النازل بهذا المنزل ) .

یحتمل أن یكون المراد به من ادّعى الخلافة من غیر استحقاق لها الذی وضع نفسه فی مقام و نزل بمنزل لیس له أهلیّة به و یشعر بذلك ما سیأتی من نهیه علیه السّلام عن الشكایة إلى من لا یقدر على ازالة الشكوى و ما ذكر بعده من أوصاف الامام الحقّ علیه السّلام .

إلاّ أنّ الأظهر بقرینة ما سبق أنّ المقصود به من نزل منزل الركون إلى الجهالة و مقام الانقیاد إلى الأهواء ، فانه لما نهى عن الركون و الانقیاد علّله بذلك و أردفه به ، یعنی أنّ من ركن إلى جهالته و انقاد إلى هواه و استبدّ برأیه و استغنى به عن امامه فقد أسّس بنیان دینه على باطل لاقوام له و لاثبات .

و مثله مثل ( نازل بشفا جرف هار ) مشرف على السقوط و الانهدام و هو اقتباس من قوله سبحانه :

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْیانَهُ عَلى‏ تَقْوًى مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَیْرٌ أَمَّنْ أَسَّسَ بُنْیانَهُ عَلى‏ شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِه‏ فی نارِ جَهَنَّمَ

[ 249 ]

یعنی من أسّس بنیان دینه على قاعدة محكمة هى الحقّ الذی هو التّقوى من اللّه و طلب مرضاته بالطاعة خیر أمّن أسّس بنیانه على قاعدة هى أضعف القواعد و هو الباطل و النفاق الذی مثله مثل شفا جرف هار فی قلّة الثّبات و الاستمساك .

قال الزمخشری فی الكشاف : وضع شفا الجرف فی مقابل التقوى لأنّه جعله مجازا عمّا ینافی التقوى ثمّ قال :

فان قلت : فما معنى قوله فانهار به فی نار جهنّم ؟

قلت لما جعل الجرف الهائر مجازا عن الباطل قیل فانهار به فی نار جهنّم على معنى فطاح به الباطل فی نار جهنّم إلاّ أنّه رشح المجاز فجی‏ء بلفظ الانهیار الذى هو للجرف ، و لیصوّر أن المبطل كأنّه أسّس بنیانه على شفا جرف من أودیة جهنّم فانهار به ذلك الجرف فهوى فی قعرها ، و لا ترى أبلغ من هذا الكلام و لا أدّل على حقیقة الباطل و كنه أمره منه ، هذا .

و لما نبّه علیه السّلام على أنّ الرّاكن إلى جهالته و المنقاد إلى هواه المستبدّ برأیه الزاعم لنفسه الاستقلال مقیم على باطل و نازل بمنزل فی معرض السّقوط و التهدّم ،

و كان الباطل مستلزما للهلاك الدّائم ، عقّبه بقوله ( ینقل الرّدى ) أى الهلاك الناشى عن باطله ( على « عن » ظهره من موضع إلى موضع لرأى ) فاسد ( یحدثه بعد رأى یرید أن یلصق ما لا یلتصق و یقرّب مالا یتقارب ) أى یرید اثبات باطله بحجج باطلة ثمّ حذّرهم عن الرّجوع إلى الجهّال و عن اتباع أئمة الضّلال بقوله : ( فاللّه اللّه أن تشكوا إلى من لا یشكى شجوكم ) أى لا یقدر على إزالة حزنكم برفع الأسباب الموجبة له ، و ذلك لعدم بصیرته فی مجارى الامور و عدم معرفته بوجوه المصالح ( و لا ینقض برأیه ما قد أبرم لكم ) أى لا یقدر على كشف المعضلات و حلّ المشكلات فی المعاش و المعاد لقلّة البصیرة و المعرفة ، و فی بعض النسخ : و ینقض برأیه بدون لا ، و هو أولى ، أى لا تشكوا إلى من ینقض برأیه الفاسد و نظره الكاسد ما قد أحكمه الشرع فی حقكم بالآیات الباهرة و السنة الزاهرة .

ثمّ لما نهاهم من الرجوع إلى من لا یتمكّن من إزالة الشّكوى و الشّجوى و لا

[ 250 ]

یستطیع حلّ المبرمات المغلقات ، أردفه ببیان ما یجب على الامام بالنسبة إلى رعیّته لیعرفوا وظایف الامام و لوازم الامامة ، فیتابعوا من اتّصف بها و یراجعوا إلیه فی أمر الدّین و الدّنیا ، و یرفضوا غیره و ینتهوا عنه فقال علیه السّلام ( إنه لیس على الامام ) الحقّ ( إلاّ ) القیام ب ( ما حمّل من أمر ربّه ) و هو امور خمسة : ( الابلاغ فی الموعظة ، و الاجتهاد فی النصیحة ، و الاحیاء للسنة ،

و إقامة الحدود على مستحقّیها ، و إصدار السّهمان على أهلها ) و من المعلوم أنه علیه السّلام قام بتلك الوظایف فأدّى ما حمّله و بالغ فی الموعظة و النصیحة و كفى به شهیدا ما ضمنه خطبه الشریفة ، و أحیى الشریعة و أمات البدعة ، و أقام الحدود من دون أن یأخذه فی اللّه لومة لائم ، و عدل فی القسمة شهد بكلّ ذلك المؤالف و المخالف .

و أمّا غیره علیه السّلام من المنتحلین للخلافة فقد قصّروا فی ذلك و أحیوا البدعة ،

و فرّطوا فی إجراء الحدود ، و فضلوا فی قسمة السّهام كما یظهر ذلك بالرّجوع إلى ما ذكره الأصحاب من مطاعنهم ، و قد تقدّمت فی غیر موضع من الشرح و تأتی أیضا فی مقاماتها اللاّئقة ، هذا .

و لعلّ غرضه من النفى أعنی قوله علیه السّلام لیس على الامام إلاّ ما حمّل قطع الأطماع الفاسدة و التوقّع للتفضّل فی القسمة كما كان دأب المتخلّفین و دیدنهم .

و لمّا نهیهم عن الرّكون إلى الجهل و الرّجوع إلى قادة الضلال عرفهم ما یجب رعایته على الامام من لوازم منصب الامامة و أمرهم بالرجوع إلیه و بالأخذ من قبسات علمه فقال علیه السّلام :

( فبادروا العلم من قبل تصویح نبته ) أى من قبل أن یجفّ نباته ، و هو كنایة عن ذهاب رونقه أو عن اختفائه بفقدانه علیه السّلام ( و من قبل أن تشغلوا بأنفسكم عن مستثار العلم من عند أهله ) أى من قبل أن تكونوا مشغولین بتخلیص أنفسكم من شرور بنی امیة و فتنها التی ستنزل بكم عن استثارة العلم و تهییجه و استخراجه من عند أهله ، و أراد بأهله نفسه الشریف ( و انهوا غیركم عن المنكر و تناهوا عنه فانما امرتم بالنّهى بعد التّناهی ) .

[ 251 ]

قال الشارح المعتزلی : فی هذا الموضع اشكال ، و ذلك أنّ لقائل أن یقول النهى عن المنكر واجب على العدل و الفاسق فكیف قال : إنّما امرتم بالنّهى بعد التناهى ؟

و الجواب إنه لم یرد أنّ وجوب النهى عن المنكر مشروط بانتهاء ذلك الناهی من المنكر ، و إنما أراد أنی لم آمركم بالنّهى عن المنكر إلاّ بعد أن أمرتكم بالانتهاء عن المنكر فالترتیب إنّما هو فی أمره علیه السّلام لهم بالحالتین المذكورتین لا فی نهیهم و تناهیهم .

فان قلت : فلما ذا قدّم أمرهم بالانتهاء على أمرهم بالنهى ؟

قلت : لأنّ إصلاح المرء لنفسه أهمّ من الاعتناء باصلاحه لغیره انتهى .

و أقول : لا حاجة إلى ما تكلّفه فی الجواب ، و الأولى أن یقال : إنّه علیه السّلام أمر بالنهى و التناهی معا أوّلا ، و هو دلیل على وجوب الأمرین كلیهما ، و اتبعه بقوله :

فانّما امرتم بالنهى آه تنبیها على أنّ التناهى فی نظر الشارع مقدّم على النّهى و وجوبه آكد ، لأنّ إصلاح النفس مقدّم على إصلاح حال الغیر ، و لأنّ النهى إنما یثمر بعد التناهی ، و یكون تأثیره فی النفوس أقوى ، و انفعال الطّبایع منه أشد أو آكد كما یشهد به العقول السلیمة و التجربة المستمرة و توافقت علیه الشرایع و الآراء و دلّت علیه الأحادیث و الأخبار .

ففى الوسائل عن الكلینی باسناده عن طلحة بن زید عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی قوله تعالى .

فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِه‏ أَنْجَیْنَا الَّذینَ یَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ .

قال علیه السّلام كانوا ثلاثة أصناف : صنف ائتمروا و أمروا فنجوا ، و صنف ائتمروا و لم یأمروا فمسخوا ، و صنف لم یأتمروا و لم یأمروا فهلكوا .

و عن الصّدوق باسناده عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال فی وصیّته لولده محمّد بن الحنفیة : یا بنی اقبل من الحكماء مواعظهم و تدبّر أحكامهم ، و كن آخذ النّاس

[ 252 ]

بما تأمر به ، و أكفّ الناس عما تنهى عنه و أمر بالمعروف تكن من أهله ، فانّ استتمام الامور عند اللّه تبارك و تعالى الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر .

و من الخصال مسندا عن محمّد بن أبی عمیر رفعه إلى أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : إنما یأمر بالمعروف و ینهى عن المنكر من كانت فیه ثلاث خصال : عامل بما یأمر به تارك لما ینهى عنه ، عادل فیما یأمر عادل فیما ینهى ، رفیق فیما یأمر رفیق فیما ینهى .

و من المجالس باسناده عن المفضل بن عمر قال قلت لأبی عبد اللّه الصّادق علیه السّلام بم یعرف الناجی ؟ فقال : من كان فعله لقوله موافقا فهو ناج ، و من لم یكن فعله لقوله موافقا فانما ذلك مستودع .

و عن أبی حمزة عن علیّ بن الحسین علیهما السّلام فی حدیث وصف المؤمن و المنافق قال علیه السّلام : و المنافق ینهى و لا ینتهى و یأمر بما یأتى .

و عن الارشاد للحسن بن محمّد الدّیلمی قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : رأیت لیلة أسرى بی إلى السماء قوما تقرض شفاههم بمقاریض من نار ثمّ یرمى ، فقلت یا جبرئیل من هؤلاء ؟ فقال : خطباء امّتك یأمرون النّاس بالبرّ و ینسون أنفسهم و هم یتلون الكتاب أفلا یعقلون .

و الرّوایات فی هذا المعنى كثیرة و فیما رویناه كفایة لمن له درایة ، و فی هذا المعنى قال أبو الأسود الدّئلی :

و إذا جریت مع السّفیه كما جرى
فكلا كما فی جریه مذموم

و إذا عتبت على السّفیه و لمته
فی مثل ما تأتى فأنت ظلوم

لا تنه عن خلق و تأتى مثله
عار علیك إذا فعلت عظیم

و ابدء بنفسك فانهها عن عیبها
فاذا انتهیت عنه فأنت حكیم

فهناك یقبل ما و عظت و یقتدى
بالعلم منك و ینفع التعلیم

و اللّه الهادی و هو الموفق .

[ 253 ]

الترجمة

فصل دویم از این خطبه متضمن نهى از ركون بجهالت و أمر باقتباس أنوار علم و هدایت است چنانچه فرموده :

آگاه باشید بدرستیكه بیناترین چشمها آن چشمى است كه نفوذ كند در أمر خیر نظر با بصیرت او ، آگاه باشید بدرستی كه شنواترین گوشها آنگوشى است كه حفظ كند نصیحت را و قبول نماید آنرا .

اى گروه مردمان طلب افروختن چراغ نمائید از شعله چراغ پند دهنده و پند گیرنده ، و بكشید دلو آب معرفت را از چشمه صافی زلال كه صافى شده باشد از كدورت و تیره‏گى شبهات باطله .

اى بندگان خدا میل ننمائید بسوى جهالت خود ، و اطاعت نكنید مر خواهشهاى نفسانیه خود را ، پس بتحقیق كه نازل شونده باین منزل نازل شده است بكنار رودخانه سیل برده افتاده در حالتیكه نقل میكند هلاكت را بر پشت خود از محلّى بمحلّی بجهت رأى فاسدى كه پدید مى‏آرد آنرا بعد از رأى فاسد دیگر ، إراده میكند كه بچسباند چیزى را كه قابل چسبیدن نیست ، و نزدیك گرداند چیزیرا كه قابل نزدیك شدن نیست .

پس میترسانم شما را از خدا از اینكه شكایت كنید بكسیكه زایل نتواند نماید أندوه شكایت شما را ، و بكسى كه نتواند بشكند باراى صائب خود آنچیزیرا كه محكم شده براى شما ، یعنی نتواند حل مشكلات شما را نماید .

بدرستیكه نیست بر امام مگر آنچه كه بار كرده شده است بر او از أمر پروردگار خود و آن عبارتست از إكمال موعظه وجهد نمودن در نصیحت ، و زنده كردن سنّت نبویّه ، و إقامه حدود بر مستحقان آن ، و باز گردانیدن سهمها و نصیبها بر أهل آن پس مبادرت كنید بعلم و معرفت پیش از خشك شدن گیاه آن و پیش از اینكه مشغول شده باشید بخلاصی نفس خود از فتنها از بیرون آوردن علم از نزد أهل آن و نهى كنید از كار زشت و قبیح ، و باز ایستید از آن پس جز این نیست كه مأمور

[ 254 ]

شده‏اید شما بنهى كردن غیر بعد از باز ایستادن خود





نظرات() 


foot pain
دوشنبه 27 شهریور 1396 07:52 ق.ظ
Hi, I check your blogs like every week. Your story-telling
style is awesome, keep it up!
foot pain
شنبه 18 شهریور 1396 04:58 ب.ظ
What's up colleagues, how is the whole thing, and what you
want to say about this paragraph, in my view its genuinely amazing in support of me.
How do you grow?
دوشنبه 16 مرداد 1396 06:42 ق.ظ
Your way of telling everything in this paragraph is actually good, all be capable of without difficulty understand
it, Thanks a lot.
Where is the Achilles heel?
شنبه 14 مرداد 1396 09:35 ق.ظ
Hey there! I've been following your blog for a while now and
finally got the bravery to go ahead and give you a shout
out from Dallas Tx! Just wanted to say keep up the good work!
sandrawooge.blog.fc2.com
سه شنبه 2 خرداد 1396 11:11 ق.ظ
Appreciate the recommendation. Will try it out.
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


درباره وبلاگ:



آرشیو:


آخرین پستها:


نویسندگان:


آمار وبلاگ:







The Theme Being Used Is MihanBlog Created By ThemeBox